الثلاثاء، 31 يوليو، 2012

عندما يصبح ذلك آخر الدنيا!


 
             عندما يصبح ذلك آخر الدنيا!


هناك قصص تدرك جيداً أثناء قراءتها,أنها لن تربط بك طويلاً,حين تنام الليلة وتصحو,لن تذكرها لأحد أو تتذكرها لنفسك.عكس ذلك تماماً يحدث مع يوسف إدريس في آخر الدنيا,لا يمكن أن تتبع قصة بأخري,حتي لا تفسد الطعم,الذي تذوقته منذ قليل,لابد من السرحان,والتخيل,تثور الصور والأفكار والخيالات في رأسك,ولا يوقفها عقب كل قصة إلا الشوق لقصة أخري من المجموعة,إنسانية دفاقة تحملها كل قصة,ونماذج بشرية لها العجب كله,وضعها إدريس تحت مجهره,ليقربها للقارئ,ليصوّر كمّ, الشجن والحزن الذي يعتمل في صدور البعض,المجموعة كلها تحفل بشجن غريب,كتبها إدريس في حالة خاصة,حيث الجميع له مطلب وحلم وأمنية,عادة يفشل في تحقيقها,أو يحققها ولكن بطريقة تبدو فاشلة.ففي قصة الأحرار,توّد الشخصية الرئيسية,أن يتشعر بإنسانيتهاوأنها ليست كالآلة الكاتبة!!!الأمر العادي هنا ليس عادياً بل قد يتوقف عليه مستقبل إنسان يرفض أن يُضيف حرفاُ لخطاب طلب منه المدير كتابته!!لنكتشف أننا جميعاً آلات كالآلة الكاتبة,وإن كنا لم نكتشف ذلك,سيساعدنا يوسف إدريس علي اكتشاف ذلك الأمر الذي من فرط عاديته,يتحول لصدمة حين رؤيته بدون رتوش,وبعين مجردة.
القصة التي تحمل المجموعة اسمها,يموت فيها الطفل أثناء بحثه عن قطعة نقود,حين يجدها علي فوق شريط القطار,لكلٍ منا قطعة نقوده,أياً كانت,التي قد يقفد أو يفني عمره في سبيل أن يحصل عليها,فلا نري في الدنيا غيرها كما كان الطفل,حين تصبح الدنيا كلها في كفة والقطعة في كفة,يميل أحدنا لقطعته مضحياً بالدنيا!!!أطول القصص حجماً الغريب هي أيضاً تحمل نفس فكرة آخر الدنيا الفكرة المسيطرة علي المرء,حين تنزعه من عالمه وجذبه لعالم آخر,حتي ولو كانت أن يقتل أحداً,أي أحد!!!
يوسف إدريس كطبيب,يُشرح الإنسان الذي أحبه دوماً,وعاش يحكي عنه طوال حياته,في واحدة من عملياته الأدبية التي تعالج النفوس وتضمدها....أحياناً تمزقها بالمشرط وتتركها تنزف.

الثقافة


لا يمكن لأي فرد تعريف الثقافة نفسها,فكيف بالثقافة الرفيعة,كلمة الثقافة نفسها في اللغة تتعامل مع أفكار شتي وآراء متعددة,منذ أن أدخل هذا اللفظ سلامة موسي للغة العربية,الحديث عن الثقافة معني ومبني أمر لا ينتهي,ولكن لها صور وتجليات يمكن رؤيتها,والتماهي معها,لكن أزعم أن الثقافة والأدب الرفيعان,يمكن الشعور بهما,حين تتغير الرؤية للعالم,والكون,حين تُقدّر الإنسان وتحاول فهمه,حين تنتشي فكرياً من كتاب,وشعورياً من رواية,حين تدرك أن عظمة الحياة تتجلي في إبداعات فنانيها العظام.

الأحد، 29 يوليو، 2012

كلمة تقف في حلقي عن أخبار الأدب!!!


كلمة تقف في حلقي عن أخبار الأدب!!!
          
أتمني أن تُخفف أخبار الأدب من جُرعتها السياسية,التي أصبحت اهتمامها الأول,في أحيان كثيرة أتصور أني أقرأ أخبار السياسة وليس الأدب!!!!السياسة في كل مكان,فاحفظوا لنا أماكننا الأدبية المحدودة في هذا الوطن.
الأستاذة عبلة الرويني,إهتمامها الأول مُنصّب علي السياسة ,والأحداث الجارية العابرة,نضحي بخلود الفن,لأجل التعليق علي حادث,أو إبداء الرأي في موضوع فوار,ينتهي دون أثر,أخبار الأدب لابد أن يرأسهاأديب (حقيقي)يدرك جيداً هدفه من الصحيفة:تخريج جيل جديد من الأدباء,الاستعانة بكبار الأدباء للمساهمة,تغيير نمط الإخراج الصحفي-يسبب لي الدُوّار!-وغير ذلك من المطالب البديهية التي تحتاجها الصحيفة للإنتشار.هل أًبالغ أيضاً,وأطلب نشر روايات كاملة مُسلسلة؟!أحياناً أتخيل أن سبب ارتباط الأجيال السابقة بالأدب؛أنه كان كالخبز اليومي,يجدونه في الصحف والمجلات, مُسلسلاً,دون بحث أو تكلفة.
هل تفعلها التحرير مع رواية باب الخروج,ولا تفعلها أخبار الأدب!!!!

 
ألا تري معي أن المنابر السياسية اجتاحت الحياة العامة,بصورة جنونية,حديث جميع الصحف,القنوات الإذاعات.....الجميع يتحدث في السياسة,كلام كثير لا يقول شيئاً علي الإطلاق,الثورة تحتاج الآن أكثر للثقافة,الثقافة بمعناها الواسع,بقصيدة أو قصة أو رواية,سيُفيد الأديب الثورة,أفضل من كتابة المقالات السياسية وإجراء الحوارات العامة,حين يعمل كل فرد في مجاله ستنجح الثورة...وأخبار الأدب لا يجب أن تنزل لحضيض السياسة الدنئ,مكانها الوحيد فوق ذري الأدب.

قراءتان لطريق واحد



قراءتان لطريق واحد





السينما ظلمت نجيب محفوظ كثيراً بصورة مجحفة,فلم ير صناعها في أعماله العظيمة,سوي(الحدوتة)التي حولوها بسذاجة واستهانة,إلي عمل تجاري فقط,لا يلتفت إلي الاعتبارات الجمالية للرواية.تحولت الطريق إلي فيلمين,لم يمسّ أحدهما قلب العمل الأصلي,بعد أن تعرض علي يد السيناريست لمذبحة دامية لم تُبقي إلا علي الأحداث السردية,ةبصورة مُخلة أيضاً.
ومن يُريد تفسير الطريق,تفسيراً دينياً يستطيع كما استطاع,مع أولاد حارتنا !!!!فللمهوسين بالتفسير الديني مكان في الرواية أيضاً,التي تعتبر من أجمل أعمال محفوظ,في مرحلته الفلسفية,حيث الإيجاز والاتساع في آن واحد.
الطريق رواية ستجعلك تبحث مع صابر الرحيمي عما يخصك أيضاً,ستتقابلان أثناء البحث..للأسف لن يساعد أحد 
 منكم الآخر .

هناك قراءة سياسية,ناتجة عن تاريخ صدور الرواية,وما تبعها وسبقها من أعمال.فترة الستينيات التي وصل فيها عبد الناصر,إلي الذروة في كل شئ,وكانت ثورة يوليو تعيش عصرها الذهبي,وكان الأمر حقيقياً إلي حد بعيد,لكن ككل مشروع وطني عظيم,غير قائم علي الديمقراطية,وحقوق الإنسان,بدأت عوامل فناءه دون أن ينتبه لها أحد.تمثل رواية الطريق مع اللص والكلاب وثرثرة فوق النيل والسمان والخريف,نقداً حاداً لثورة يوليو,كاد أن يُقبض علي محفوظ بسببه!!صابر الرحيمي يبحث عن الحرية والكرامة والسلام,لكنه لم يحصل في النهاية سوي حبل المشنقة!وقدتكون تلك هي دورة حياة المشروع الناصري,الذي تنبأ له محفوظ بالفاجعة الكبري!وقد ظل هذا المشروع يبحث عن أب ولم يُفلح,وضاع بين الطرق,بين الغرب والشرق,الإشتراكيةوالرأسمالية,الحرية والعدالة...وفي النهاية لم يجد أمامه سوي حبل المشنقة!!

أيام العقاد التي عاشها أنيس



أيام العقاد التي عاشها أنيس
 
عن طريق (الصديق) أنيس منصور,ستدخل إلي عالم العقاد الزاخر المتشعب,الذي لا يقبل سوي العقول القوية القادرة علي اجتياز أمواجه العاتية!لكن صديقك منصور,سيتمكن من الفرار بك للباب الخلفي,تسمع وتشاهد بدون أن يكتشف وجودك أحد.أنت الآن مع مصر في صفوة مثقفي هذا العصر كثير المثقفين بطبعه,
زمن التغيير واعادة الاكتشاف والتقييم,زمن نجومه لا زالوا أحياءً بعد موتهم!!!
قرأت الكتاب وأنا في حوالي السابعة عشر,لم يكن في ذلك الوقت من يُجبرني علي قراءة كتاب بهذا الحجم,سوي أنيس منصور,صديق الصبا,وبدايات المعرفة,الكاتب الذي أشار لنا ونحن صغار,ولسان حاله يقول:هل تري هذا الذي هناك؟هذا شئ موجود في الدنيا وأنت لك عقل..هيا استخدمه!
وتلك عبقرية هذا الكتاب تحديداً.كلما طاف بنا حول أشياء أحببنا أن نراها,وجدنا أشياء أخري لم نسمع بها,تُدهشنا أكثر,وتحيرنا أكثر,بقدّر ما يشجعنا منصور علي المُضي قدماً,والاستمرار,ربما تتلخص حكمته الثقافية في عناوين أحد كتبه(أقرأ أي شئ)تلك النصيحة التي جعلنا منصور نقتدي به وهو يُنفذها بحذافيرها,وإن كان لا يمكن الاقتداء به في السفر حول العالم في200يوم!!!تلك الأمنية التي زرعها في نفوس الملايين!
يكفي هذا الكتاب أنه كتبه مثقف موسوعي عن مثقف موسوعي!فكُتب الخلود لكلاهما

هناك كتباً لا تُقرأ مرة واحدة أبداً,والأيام في صالون العقاد لابد من معايشتها مرات عدة..فهو أكثر من كتاب..بالفعل!
...........................................................................
 
 

حين يتحدث بعض الناس عن أنفسهم,إنما يتحدثون عن عصر كامل,اقتربوا من صُناعه وساهموا في تشكيله,وتركوا زاداً لمن سيأتي بعدهم أيضاً.
وهل من شك أن أنيس منصور أحد أبرز هؤلاء؟!

في صالون العقاد صورة مُصغرة لمصر,استطاع أنيس منصور بقلمه الساحر أن يصورها علي صفحات الكتاب,قد يكون الكتاب أقرب إلي السيرة الذاتية لمنصور,منه لمحاولة رصد محطات من حياة العقاد,ولعله تشعب في الحديث عن موضوعات كثيرة جداً,تصلح أكثر لكتب أخري!لكن هناك مقدرة خاصة عند أنيس منصور,علي دمج كل شي كشئ واحد بصورة جمالية خاصة,فهو يحدث قارئه دوماً,كصديق يجلس معه في ساعات الصفاء,يتحادثان حول أشياء عدة دون خطة معينة للحديث...وكانت تلك خطته في الكتابة!
البعض يهاجم أنيس منصور بشدة وضراوة,لهم الحق في أشياء كثيرة,وخاصة من الناحية السياسية.لا يمنع ذلك من القول:أن المكتبة العربية الحديثة,كانت ستفتقد كثيراً من عشاقها ,لو لم يجذبهم إليها أنيس منصور,بمؤلفاته التي يقع في هواها كل شاب في مقتبل حياته,يريد أن يعرف,وفي نفس الوقت لا يريد أن يمسك له مؤلف ما العصا,ويسقيه المعرفة بصورة جافة خالية من الإشفاق عليه..وعند أنيس منصور يجد ذلك الإشفاق المتفهم لطبيعة مُحب خائف من الاقتراب.
وهذا الكتاب شاهداً علي ذلك,الكثير مما لم يفكروا يوماً أن يقرءوا كتاباً بهذا الحجم,فرغوا منه بعد مدة قصيرة,بل وكتبوا أسماء الاشخاص والأحداث المفاهيم التي وجدوها في الكتاب؛ليبحثوا فيها وعنها,لقد جعل منصور قراءه,من أهل الصالون,ارتبطوا به,وتشاركوا جلساته مستمتعين فرحين,فرسم منصور للعقاد صورة,جعلت الأجيال التالية,تضعها في مكانة خاصة,حتي من لم يقرأ للعقاد!ولم يكن بوسع أحد آخر رسمها بتلك الطريقة الآسرة.
.

الجمعة، 27 يوليو، 2012

يوتوبيا القديمة!









يوتوبيا القديمة!

يتعامل الجميع مع يوتوبيا أحمد خالد توفيق باعتبارها رواية,تنبؤية تتحدث عن مستقبل مصر..الرواية واقعية جداً تحدث كل يوم بصورة مختلفة فقط.هناك الصياد والفريسة حالياً في مصر,قبل الثورة وبعدها, في مجتمع يعيش أكثر من نصف سكانه تحت خط الفقر,محرومون من أبسط الحقوق الآدمية,يطالبون فقط باعتبارهم أناساً..آدميين,لهم الحق في الحياة التي سلبها منهم مجتمع يوتوبيا.رؤية أعمق لصفحة الحوادث...فقط صفحة الحوادث في الصحف المصرية,نكتشف أننا نعيش عالم يوتوبيا بنمط مغاير,لايزال الدين والقانون يزينان,المجتمع المصري,التدين المغشوش والقانون المغدور,لن يبقيا كثيراً لننظر لأنفسنا بصورة طبيعية,ألم يذكرهاالأبنودي من عام1980في قصيدة الأحزان العادية:
احنا بلدنا شعبين شعبين
شوف الأول فين والتاني فين
وادي الخط ما بين الاتنين بيفوت
الكثير من قصائد الأبنودي,بلُغَتِه العامية البسيطة,المحملة بفلسفة عميقة,تكشف بسهولة,إما عبقرية هذا الرجل وصفاء نفسه التي استشرفت المستقبل,أو أننا منذ سنوات ندور في حلقة مفرغة...الأولي صحيحة ولكن أظن أن الثانية هي الأصح.
أحمد خالد توفيق كما عودنا دوماً,يجعلك تتذوق الكلمات وتتمتع بها,ولا يسمح لك سوي بالبهجة,المشوبة بتفكير رصين,وقلق حقيقي غير مفتعل علي مصير مصر,التي تتحول إلي يوتوبيا مكتملة المعالم,أقبح وأوقح من يوتوبيا المتخيلة,فقلقه وخوفه علي مستقبل أبناءه,هو ماجعله يصدمنا بتلك الصورة الوحشية..يصفعنا علّنا نتيقظ,وإن كان عطوفاً علينا فأخبرنا أن نحذر
؛حتي لا تكون هناك يوتوبيا..أستاذي نحن نعيش في يوتوبيا منذ سنوات كثيرة,بعد أن قرأت يوتوبيا,عدت إلي ما أورده صنع الله ابراهيم في"ذات"من أخبار الصحف التي أكدت لي أن يوتوبيا تعمل من سنوات..لكن الأمر المُطمئِن إننا لم نتحول إلي أغيار بعد.

الحزن حق لكل حي



الحزن حق لكل حي

موضوع الكتاب بالفعل أفاد الكثيرين من القراء.القراء الذين لم يقرءوا لديل كارنيجي,مؤلف "دع القلق وابدأ الحياة"فكتاب لا تحزن عبارة عن عدة تنويعات مختلفة,علي أفكار ومبادئ ديل كارنيجي,الذي أخذها بدوره من الأقدمين,الذين ناقشواالنفسالإنسانية,وما تنطوي عليه من ألغاز,وما يكتنفها من حسرات لا حصر لها؛لذلك يمكن القول أن كتاب كارنيجي,هو الأب الروحي لكتاب القرني,الذي أحدث ضجة.."يقول عائض القرني في كتابه لاتحزن...."هكذا تقمص صديق لي,روح مجاور في الأزهر من أوائل القرن العشرين ,وجدته بدون مقدمات ينطلق في سرد سطور الكتاب.القرني كاتب كلاسيكي محافظ لايمكن مناقشة مايكتب سوي بتلك الطريقة,فهو يذكر فلان عن فلان عن فلان,وهكذا.ثم يوجه خطابه للشباب المسلم...الشباب المسلم المثقف لن يتأثر سوي,بمن يخاطب عقله,يُفندالحجج والبراهين,ليس ما قاله فلان من الف عام,يصلح اليوم للتنفيذ بنفس الآلية التي كانت متبعة,القرن الحادي والعشرون وما أدراك ما القرن الحادي والعشرون!!!قرن العقل والعلم ,من سيتخلي عنهما يتخلي عن حياته نفسها.
قد يبدو أني أهاجم القرني..كلا الرجل حسن النية,ويعمل للصالح العام,ويوّد أن ينفع المسلمين,ولذلك لابد من نقاشه,ونقده النقد البناء ,الذي هدف إلي الإعلاء والتقويم,وإن كان لا يخلو من معول هدم,نتشاركه معاً؛ليبدو البناء أجمل وأبقي.
وبعيداً عن كل ذلك.... الحزن حق لكل حي!!!!

الخميس، 26 يوليو، 2012

شاعر يكتبه شعره!



شاعر يكتبه شعره!


   

فلسفة خاصة عاش بها صلاح جاهين,ومارس بها كافة  أنواع الفنون,تظهر تلك الفلسفة واضحة بلا رتوش,ودون التدخل من وسائط أخري في الرباعيات,التي تجعل كل قارئ لها-وخاصة إذا قرأها صغيراً-يتوقف مع نفسه متسائلاً,الأسئلة الكونية المعروفة:متي لماذا كيف من أين هل...وتكمُن المأساة في الفترة التي يتوقفها,قد تكون عابرة سطحية,كمعظم قراء الرباعيات,وقد تستغرق العمر كله,كما حدث مع جاهين نفسه,وفي الواقع جاهين لم يكتب الرباعيات..أقصد بالمعني المعروف والصورة المعروفة عن الشاعر:يجلس ساهماً شارداً في ملكوته الخاص,ثم يهُمّ بكتابة شيئاً ما فيتراجع,يعاود المحاولة ولكنه يشطُب بعصبيةو........و....

كلا لم يكتبها.هي التي كتبته وصنعته شخصاًوإنساناً,قبل أن تحوله إلي أشهر شعراء مصر,ليس الشاعر الجاف الممتلئ بذاته,النصف موهوب,ولكنه فاهم للحياة بصورة تجعله يحتقر نفسه أحياناً,بل الجنس البشري كله كما يقول:إنسان.. أيا إنسان ما أجهلك
ما أتفهك في الكون وما أضألك
شمس وقمر وسدوم وملايين نجوم
و فاكرها ياموهوم مخلوقه لك
عجبي
بمثل ذلك الرأي والرؤية تعامل جاهين مع الحياة ككل..وربما ذلك ما جعله مكتئباً,بصورة لا تجدها إلا لدي فيلسوف..حزن عميق صامت مكتوم,يجعل المصاب به يئن وحده في الظلام دون أن يشاركه أحد,أو يسأله:مالك؟
قد يكون الحرمان العاطفي الذي عاني منه هو السبب,فهو لا يطلب الكثير من الحياة ليسعد,بل يكفيه قرب الحبيبة..مجرد قربها سيغير الصورة القاتمة للحياة في عينيه,سيَسعد قلبه إذا وجدها بجانبه وسط الزحام الخانق,والناس سيئة الخُلُق في هذا الزحام الكوني القاتل...
زحام و أبواق سيارات مزعجـــــة
اللي يطول له رصيف.. يبقي نجـــا
لو كنت جنبي يا حبيبي أنــــــــــــا
مش كنت أشوف إن الحياة مبهجة
عجبي
تلك العاطفة التي تلِح عليه دوماً حتي في أشد ساعات دنياه,وتجعله يذهل عن نفسه,ويعبر عنها بدون شعور
غمست سنك في السواد يا قلـــــــــــــــم
عشان ما تكتب شعر يقطر ألــــــــــــــــم
مالك جرالك إيه يا مجنون ... و ليــــــــه
رسمت وردة وبيت و قلب و علـــــــــــم
عجبي

ليست عن عزازيل

ليست عن عزازيل

كيف تمزج التصوف مع التراث مع فلسفة اللاهوت مع التاريخ,المخلوط بنكهة سردية,مع الأدب الساحر,الذي يتعامل مع لغة شعرية؟..الإجابة لدي يوسف زيدان.
لا يصبح الكاتب مشهوراً إلا إذا وصل إلي القائمة الغرائبية العجائبية العبثية (the best seller)والبعض يؤكد أنها مشبوهة بالأدلة.أمر يدعو للأسف في البلاد العربية,أسف أقل بكثير من الاستهزاء بالثقافة والعلم,المرض الخطير’المُصنع لدي الحكومات بواسطة أجهزتهم الإعلامية.
هيبا ليس راهباً مسيحياً فقط,قد يكون شيخاً أو حاخاماً أي شخص يبحث عن الحقيقة والحق,سيشارك هيبا في رحلته الكونية’عن الله والدين,وسيتعاون معه في صدّ عزازيل والهروب منه,ولكن ليس من الضروري أن يكتب ما يحدث له,سيبقيه مطوياً؛خجلاً,أو جهلاً,أو سهواً وهنا سنجد معني "اكتب يا هيبا ، فمن يكتب لن يموت أبد"..وهكذا حين كتب هيبا..عاش للأبد.
وكتب أيضاً الخلود ليوسف زيدان,ولو كان في بلد أخري لكان خُلِد في ثقافتها,بمجهوداته البحثية التي أفني فيها عمره ,وبتنويره لعقول أبناءها عن طريق القول ثم القول..والمزيد من القول,محتسباً ذلك لله والوطن.العجيب أنني من أُبجلّه بسبب احتسابه مجهوده لله وللوطن,سمِعت إحدي المعيدات تتهكم في المحاضرة:ومحدش يقولي لله وللوطن...مفيش حاجة اسمها لله وللوطن.
ولكن لنعذر الجميع ونستمع إلي حكمة زيدان وهو يقول"الحياة ظالمة فهى تمتد بنا وتلهينا , ثم تذهلنا عنا وتغيرنا , حتى نصير كأننا غيرنا"

رواية وطعنة!!!!!


رواية وطعنة!!!!!

 
الرواية التي جعلت من نجيب محفوظ,كافراً لدي البعض-في الغالب لم يقرأ الرواية لكنه سَمِع عنها-أود أن أهمس لنفسي:ليست هذه من أفضل أعماله.يصيح دوماً الجميع:أولاد حارتنا بها تعريض بالأنبياء..إستهزاء بالذات الإلهية..إزدراء للأديان,فأسأل مندهشاً:هل قرأت الرواية؟
-كلا ولكن هكذا قالوا..وأنا أصدق
فأتيقن أنه لا مجال للنقاش مع مثل هؤلاء.هل كان محفوظ يتصور للحظة,وهو جالس علي مكتبه يقدح ذهنه,ويستخرج عصارته ليضعها علي الورق,أنه بعد حولي35عاماً,سيأتي شاب غِرّ ساذج,عبثوا بعقله ليحاول قتله؛مسدداً طعنة جاهلة لرقبته,فتؤثر علي يده,فيعجز بعدها عن مسك القلم,وحين يتمكن من الكتابة بدون أن ينزل عن السطر,أو بدون أن تهتز يده يفرح وهو في الثمانين,كطفل تعلم حديثاً الكتابة!!!!ولكن تلك الكلمات لا تؤدي إلي السؤال الذي يدور الآن في ذهني..غريبة..ماذاجعله يقتحمني فجأة..متي نقدّرنجيب محفوظ العظيم حق قدّره؟متي يُصبح كاتب مصر العظيم, بدلاً من التسمية السخيفة(أديب نوبل)؟
متي تُقرأ أولاد حارتنا قراءة واعية,من قارئ يعرف جيداً أن هذا هو الأدب,الخيال,الإبداع؟بدون الحاجة إلي فعل ما قام به صاحب إحدي السينيمات,قبل حوالي100عام,حينما قام أمام المتفرجين,ليتحسس الشاشة المصنوعة من القماش,ويقول لهم شارحاً أبسط قواعد الفن:ما ترونه علي تلك الشاشة خيال..وهمّ..مجرد صورة وليس حقيقة لتخافوا منه.
 
الجدل حول أولاد حارتنا بدأه جيل الستينيات,ولن يتوقف عند جيل بداية القرن الحادي والعشرين.يا من تهاجمون محفوظ,تعلموا(فن قراءة الفن)وحينها سترون,اللوحة وهي تتضح,وتبدو قريبة,فحين تبدوالأمور صعبة,يلجاالمرء للتفسير الأقرب المتداول,حسنا ماذا قال الرجل المعمم:"كافر ويجب أن يُستتاب"وهو كذلك!
هذا الذي يريدون أن(يُستتاب!) حزِن علي مصير طاعِنه حين علِم بحكم المحكمة فتساءل في دهشة وحزن:"ماذا فعلوا بشباب الوطن!كان من الممكن أن يصبح هذا الشاب عالماً أو رياضياً...أنا حزين وقد سامحته"



سنساير الرأي القائل أن للرواية تفسيراً دينياً؛لأن هذا الرأي مهما اختلفنا معه,فلن ننكر أن فيه وجاهة.
والتفسير الديني معروف وليس لنا حاجة لتكراره.
حسناً,ماذا حدث للحارة حينما تخلت عن الجبلاوي وآمنت بعرفه؟
-استبد بها الناظر ,اذاقها صنوف العذاب والهوان لأقل لفتة أو هفوة.
أليس ذلك دليلاً علي أن محفوظ إذا كان أراد أن يستخدم الرمز الديني؛إنما أراده لتثبيت الدين وتدعيمه في النفوس؟
وهكذا يصبح التفسير الديني ببساطة واختصار للرواية وليس عليها....
نجيب محفوظ كان متديناً بعمق,ليس دين المظاهر أو التدين المغشوش الشائع هذه الأيام,بل تدين العمل,والإيمان العميق بوجود إله قادر ليس كمثله شئ,فهو لم يكن يتحدث عن الدين بصورة منفرة,قد تفقد كثرة الكلام السطحي الساذج,جوهر الدين,بل التصوير الهامس دون هيجان أو تشنج..ولكن ماذا نفعل مع هؤلاء الذين يرون الدين عكس ذلك؟!
أولادحارتنا أول  عمل لمحفوظ بعد ثورة يوليو,بعدأن توقف سنوات عدة عن الكتابة؛لرؤيته مجتمعه القديم,وقد زال بما فيه من عفن وأخطاء,وظهور مجتمع آخر يطمح لبناء مصر أخري,وقد ظن أنه لم يعد اديباً بعد الآن!!!وتحول لكاتب سيناريو مُسّجل في النقابة!
لكن كعادة كل فنان أصيل,لم يتخل نجيب محفوظ عن الأدب,أو بالأحري الأدب ضن علي أي مهنة أخري بنجيب محفوظ؛لذلك عاد عام59بأولاد حارتنا.
قد نري,أن محفوظ رأي أخطاء يوليو,بدأت في الظهور,فأراد أن ينبه لها الثوار’قبل أن تستفحل وتتفشي,وتؤدي بها لما حدث في الحارة,لكن للأسف الشديد,الهاجس الديني لدي  البعض,منع تلك الرؤية الوطنية الخالية من أي غرض من الظهور علناَ,ومن يدري ماذا كان يمكن أن يحدث لوانتبه لها المسئولون والشعب,عبر عرض نماذج وصور للإصلاح,وتبيانا للأخطاء والأفخاخ التي وقعوا فيها؟! بدلاً من جدل عقيم لا طائل من ورائه لا يزال قائماًإلي الآن!!!!!!!

وقد نري أن محفوظ اتجه لرؤية كونية,لا تتوفر إلا عند من هو صافي البصيرة,متوقد الذهن كمحفوظ,فأراد أن يصنع عالماً موازياً,يمزج فيه الفلسفة بالحكمة بالظروف الاجتماعية المشابهه للعالم الواقعي؛تعويضاً لعالمه الذي فقده بعد ثورة يوليو.
التفسيرات لا تنتهي لتلك الرواية,المقبول منها فقط ما يُعقل,وليس ما يريده البعض أن يكون,عنوة وغصباً..وبالقتل أحياناً!!!