الخميس، 29 يناير 2026

عمر ياغي... فصل جديد للعرب مع الكيمياء


عمر ياغي... فصل جديد للعرب مع الكيمياء



عندما حصل العالم عمر ياغي علي جائزة نوبل في الكيمياء عام ٢٠٢٥، أطل علي العالم بوجهه الطفولي ونظارته الطبية، لتسافر عبر وكالات الأنباء وشاشات الأخبار أنباء إنجاز تاريخي في مجال الكيمياء، خرج من المعامل والمختبرات والحيز الأكاديمي المختص، ليعلن عن نفسه أمام البشرية فيهبها الآمال والأحلام في غد أفضل، وأن شئنا الدقة والاختصار فقد ولد علم جديد اسمه"الكيمياء الشبكية"، وزارت الفرحة قلوب العرب... فرحة خامرها حيرة واضطراب في تحديد ماهية الدولة التي ينتمي لها ياغي الذي ولد في الأردن ١٩٦٥ لأبوين فلسطينيين هاجرا بعد نكبة ١٩٤٨،ثم سافر للولايات المتحدة في عمر الخامسة عشر، وفي ٢٠٢١ منح الجنسية السعودية، مما تسبب في حالة اختلاف أدي لخلاف بين العرب- كما هي العادة للأسف- لكن فرحتي الغامرة لم تتأثر، فكل ما يهمني أنه عربي ينتمي لثقافتي ويعرف لساني، وفوزه انتصار لكل العرب يمنحهم دفعة نحو أبواب المستقبل، وفي نفس الوقت يذكرهم بتاريخهم المجيد في العلوم ودورهم في صنع الحضارة الإنسانية، عندما كان العالم غارقاً في ظلمات العصور الوسطي.

عمر ياغي فصل جديد من قصة العرب مع الكيمياء التي عرفت في فترة ما بـ"صنعة جابر" نسبة إلي جابر بن حيان، المستحق لوصف الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس باكون" أول من علم الكيمياء للعالم، فهو أبو الكيمياء"، واستمر نبوغ العرب في الكيمياء في العصر الحديث، بينما كان القرن العشرين يطوي أوراقه ويرحل حصل العالم أحمد زويل علي نوبل للكيمياء عام ١٩٩٩،وبعد ٢٦ عاماً، يقتنصها ياغي بدأبه العلمي وكفاحه بين جدران الجامعة في الولايات المتحدة، حيث نشر قبل الجائزة أكثر من ٣٠٠بحث علمي، وحظيت أعماله بأكثر من ٢٥٠ألف استشهاد علمي.

ميلاد علم جديد أمر بستحق التأمل، وقصته حين تروي تلهم الملايين حول العالم، وبتأسيسه لعلم الكيمياء الشبكية منح ياغي رؤية جديدة ومبتكرة جعلتنا نري العالم من منظور جديد تماماً، وهي سمة الاكتشافات العظيمة والاختراعات المذهلة، فقد قرر ياغي أن يجعل الكيميائي يتوقف عن السعي لإيجاد المواد، ويبدأ في تصميمها بدلاً من بقاؤه تحت رحمة التفاعلات ، وأثبت أن ندرة المواد أو وفرتها ليس قانوناً علي البشر اتباعه، بل تكوين يمكن بنائه من الصفر وعبر عن ذلك لجنة نوبل في تقريرها بقولها أن منجز عمر ياغي بمثابة"تحولاً من كيمياء الاكتشاف إلي كيمياء البناء". 

الأطر الفلزية العضوية MOFsالتي ابتكرها ياغي أشبه بإسفنجات متناهية الصغر بإمكانها تغيير واقعنا، فهي عبارة عن هياكل صغيرة جداً، وفيها مسام عديدة ومساحة سطح داخلية ضخمة للغاية بالنسبة للجزيئات، تتميز بروابط كيميائية قوية، مثل بناء من قطع الليجو لكن علي مستوي مجهري، ومثال آخر لتقريب الفكرة أكثر يمكن اعتبارها بناء معماري علي مستوي الذرة لهندسة الفراغ، أي غرفة ذرية لتخزين المياه والغازات كالهيدورجين وقود المستقبل، وتخزينه يمثل عقبة لأنه غاز خفيف للغاية من الصعب ضغطته أو تسييله، وثاني أكسيد الكربون لتنقية الهواء، وفي مسيرة مكافحة الإنسان للمرض الخبيث، فالمسامات النانوية داخل MOFsيمكنها حمل جزيئات الدواء، وتنقلها بدقة وأمان داخل الجسم، وتلك طريقة مثالية لتوصيل الأدوية المعالجة للسرطان، التي تستهدف الوصول إلي خلايا معينة دون التعامل مع الخلايا السليمة، وعندما تمت تجربة عقارات محمولة بالإطارات الفلزية مثل الدوكسوروبيسين، علي الحيوانات جاءت النتائج مبهرة، وكان تعليق العلماء" مركبات ذكية تعرف أين تذهب ومتي تعمل".

حين اقترحت فكرة مماثلة قبل عدة عقود رد العلماء "مستحيل" لاعتقادهم أن الروابط الكيميائية، سينتج عنها مواد لا بلورية في حالة فوضي وعدم استقرار، ولأن عمر ياغي رباه والده علي الاستقلال الفكري وإتقان العمل، استمر في تجاربه الناجحة في سبيل تحقيق المستحيل، حتي نجح عام ١٩٩٥ بإنتاج هياكل بلورية ، وكانت قفزة كبيرة في مشروعه العلمي، حيث استخدم روابط قوية لربط الأيونات المعدنية والموصلات العضوية، وذلك جعل الهياكل صلبة ومستقلة، ثم صنع وحدات بنائية خاصة أقامت هياكل قوية ومفرغة، تأكد العلماء من فراغها الداخلي عن طريق اختبار كمية الغاز التي يمكنها تخزينها عام ١٩٩٨.

أثبتت MOFs أنها مجرد بداية لعالم جديد يتشكل، تصبح فيه المادة تحت طاعة الإنسان يصوغها حسب حاجته، خاصة الشح المائي الذي يعاني منه ثلث سكان العالم، فلطالما كان نقص المياه وجعاً لم يبارح قلب عمر ياغي، منذ كان طفلاً يسكن مع والديه اللاجئين وأشقائه، في حجرة واحدة يتقاسمونها مع قطيع من الماشية، في منزل بلا كهرباء ولا تتوفر له الماء سوي ٤ساعات كل إسبوعين، فهو يعرف جيداً الأثر السلبي المريع لمجتمع يعاني من نقص المياه، ويحاول بكل طاقته تجنيب الأجيال المقبلة المعاناة التي مر بها كواحد من ملايين كانت المياه بالنسبة لهم حلماً، سبيله في ذلك العلم الذي ارتبط به منذ طفولته، حتي أن صورته الوحيدة التي التقطها في صغره يظهر وفي يده كتاباً، رفض أن يضعه جانباً ليلتقط صورة وظل ممسكاً به ويعلق علي ذلك" لقد حملته معي لأنني أدركت أن هذا هو أهم شئ سأفعله".

فاز ياغي بنوبل والعرب حصلوا علي حصة مستحقة وشحيحة من الأمل، ودافع جديد للعمل والانطلاق في ميادين العلم، أما العالم فقد تخطي عتبة جديدة وضعته علي آفاق علمية ستغير من مساراته للأبد، وربما عن قريب يحل اليوم السعيد الذي يحصل فيه كل العطاشي علي المياه من الهواء المحيط بهم، فتصير المياه متوفرة كالهواء، وأن تتخفف آلام مرضي السرطان بعدم الإضرار بخلاياهم السليمة أثناء العلاج، ويكتشف الإنسان جمال الطبيعة حين يقل ثاني أكسيد الكربون في الجو ونعتمد علي الهيدروجين  لإنتاج الطاقة النظيفة، ومئات الأحلام أراها الآن في طريقها للتحقيق...كل ذلك لأن هناك لاجئاً من حرب مدمرة لم يحظ ألا بقليل من التعليم، آمن بابنه وعلمه حرية التفكير، وأصر علي سفره لأمريكا رغم رفض الابن في البداية، وهذا الابن شق طريقه بذكاؤه ومهارته وجهده، ليتحول من الفتي الفقير الباحث عن المياه لأسرته، إلي نجماً لامعاً متوجاً علي عرش الكيمياء في ٢٠٢٥،وصانعاً لعالم جديد سيجعل فيه حياة الملايين حول العالم أكثر إنسانية وسعادة، وهذا الشخص فلسطيني+أردني+سعودي... ومع أني لم أحظ بنصيب عمر ياغي من العلم ولا سافرت لأمريكا لدراسة الكيمياء، لكن تلك المعادلة حلها سهل هو إذن عربي، هو إذن يشبهني، هو إذن يشرفني.

ليس ابتكار ياغي العلمي وحده هو ما يستحق التأمل والإعجاب، تجربته الحياتية أيضاً ملهمة، وأحاديثه تمتاز بالذكاء والتواضع، وربما أهم ما سمعته في الفترة الأخيرة قوله" بينما أتأمل رحلتي، أتذكر أن الحياة نادراً ما توفر ظروفاً مثالية، كثيراً ما نجد أنفسنا ننتظر اللحظة المناسبة، أو الموارد المناسبة، أو الظروف المناسبة لنبدأ السعي وراء أحلامنا، لكن هناك شئ واحد علمتني إياه الحياة، هو أن انتظار الظروف المثالية قد يعني في كثير من الأحيان الانتظار إلي الأبد، يكمن السر في أن تبدأ من حيث أنت وبأي شئ لديك، وأن تثق بأنه بالتفكير السليم ستتشكل الرحلة من تلقاء نفسها وأنت تمضي قدماً".تلك العبارات ليست من غث التنمية البشرية وأكوام هرائها المتناثر في كل مكان، ولا قالها أحد الفاشلين الذين لا هم لهم سوي إبداء النصائح للنجاح، إنما درس تعلمه أحد أهم علماء عصرنا، وطبقه علي نفسه فصعد من القاع للقمة، قد تبدو كلماته سهلة، ومع ذلك تنفيذها قد يستغرق عمراً بأكمله. 




الأربعاء، 28 يناير 2026

سندباد مصري يتجول بين شطآن التاريخ

 


سندباد مصري يتجول بين شطآن التاريخ



حسين فوزي أحد أعلام الثقافة العربية في القرن العشرين، ولد وفي بدايته وتوفي عام ١٩٨٨،بمهارته كعالم بحار استطاع التجول بين شطآن التاريخ المصري وصيد لآلئه في كتابه"سندباد مصري"، تلك الأنشودة المنطلقة من قلب عاشق لوطنه، تختلف مع بعض رؤاه وآراؤه، لكنك لا تمتلك سوي الإعجاب بذلك العقل الكبير وتفكيره المنطقي المرتب في كل ما يكتب، وربما سر الكتابة يكمن في الإستجابات المتباينة وردود الفعل المختلفة للأفكار التي تحملها.

في ذلك الكتاب يسير حسين فوزي في موكب التاريخ بصورة عكسية، فقد قسمه لثلاث فصول: "الظلام" وفيه مظالم وآلام الشعب المصري تحت الحكم العثماني، بعدما غزا السلطان سليم الأول مصر عام ١٥١٧،مطيحاً بحكم المماليك وشانقاً سلطانهم الاخير طومان باي أمام باب زويلة، واستبداد باشاواته بالشعب، ثم حكم محمد علي باشا وتعسفه في الكثير من أحكامه، "الخيط الأبيض والخيط الأسود" حال الشعب أثناء العصور الفارسية واليونانية والعربية، وبداية الانفصال عن لغة وتراث مصر القديمة، "الضياء" عن بداية انبثاق فجر مصر المنير في عهد قدماء المصريين... يبدأ التدوين التاريخي من مرارة التسلط العثماني وينتهي بحضارة مصر المشرقة، غير عابئ كثيراً بالحكام، فالمتن الحقيقي هو الشعب الذي نسج حياته علي ضفاف النيل، منشئاً للمباني ومطوراً للصناعات وحارساً للثمار والزرع، قابضاً علي الحكمة التي علمها له تاريخه الطويل، علاقته بحكامه علي اختلاف جنسياتهم منذ الغزو الفارسي يلخصها في عبارة يجريها علي لسانه" لا أطلب منك إلا أن تجري في أحكامك بين الناس بالعدل، وأن ترعي شئونهم بالرفق: ثم افعل ما بدا لك بعد ذلك، مادمت تتركني أعمل في وادي الخصيب" ويري في ذلك المنهج النفسي خلاصة تاريخ مصر بالكامل.

يعالج حسين فوزي فكرة الانتماء التي تحير الشباب اليوم، دون أن يعلن ذلك مباشرة، استمع بقلبك جيداً وتأمل كيف احتضن أجيال التاريخ، باراً بكل أجداده وأبائه الأقدمين" أنظرني حتي تتبين حاضري، وستعرف أن حرفاً واحداً لم أنسه مما بقي من تاريخي الوثني، والمسيحي، والإسلامي، فليس من طبيعة المصري أن يتخلي عن تراثه، تالده وطريفه، كراكيبه وتحفه الغالية، عظيمه وحقيره.

في قلبي الفسيح مكان لكل أسلافي، عاقلهم وأحمقهم، غنيهم وفقيرهم.

"بهو الأجداد" في بيتي لا يعني بأسماء يتردد صداها في رحاب التاريخ وقاعاته، بقدر ما يعني بالمجهولين المغمورين منهم، ذلك الجبار المصري الذي رمي وراء ستين قرناً من الزمان، مكلل الجبين بكل ذلك المجد، مثقل الكاهل بكل ذلك العذاب والقهر".

نلحظ من رؤيته للتاريخ المصري أننا لا ننتمي إلي مرحلة دون أخري، ولا تصنيف دفع الآخر من حلبة التاريخ، إننا كمصريين ننتمي لوادي النيل الذي صهره التاريخ بالتحالف مع الجغرافيا في بوتقة فريدة، شملت عناصر متعددة شكلت الوجدان المصري، وجعلتنا علي ما نحن عليه بعيوبنا ومميزاتنا، إن الدراسة المتأنية لذلك الكتاب أشبه بخريطة ذهنية تهب وعياً حقيقياً- بعيداً عن سخافات وحماقات الإنترنت والصفحات الإلكترونية- لكل من يعاني لعدم قدرته استيعاب الهوية المصرية، وله العذر في ذلك، فبلد يربو تاريخها علي سبعة آلاف عام، من الصعب تحديد هويتها إلا بدراسة تاريخية متعمقة تبدأ من الجذور الأولي، وهذا ما يقدمه حسين فوزي في سياحته وهو الرحالة بين المدن والأمكنة، عندما يحمل عصا تجواله ويدور في أزمنة ووقائع التاريخ المصري، حيث يعترف في البداية" لا فضل لي في هذا الكتاب إلا أني رسمت خطته ونظمت فصوله، تبعاً لانفعالاتي الشخصية بتاريخ بلادي". 


لغة هذا الكتاب وحدها تعبير عن الهوية المصرية، فلحسين فوزي لغة لها طابعها الخاص، شكلها عشقه للموسيقي ودراسته لها نظرياً وفلسفياً، وما تزال تسجيلاته بصوته القوي الواثق يشرح الموسيقي العالمية في إذاعة البرنامج الثقافي ويحللها بشغف شديد، متنقلاً بين سيمفونيات بيتهوفن وباخ وموتسارت وشوبان وغيرهم من فطاحل الموسيقي، وأيضاً لنشأته الشعبية بجوار مسجد الحسين شكلت له لغة جمعت بين الفصحي والعامية في تناغم فريد، لا يضاهيه فيها إلا يحيي حقي وخيري شلبي، فضلاً عن معيشته في أوروبا واطلاعه علي علومها و فنونها وآدابها. 

يؤخذ علي حسين فوزي تجاهل انتماء مصر العربي مفضلاً عليه الانتماء للحضارة الغربية ومنجزاتها وقوانينها ونمط حياتها، وهو ما نلمسه في هذا الكتاب المنشور في الستينيات في أوج انتماء مصر القومي للعروبة، لم يخف ذلك فقد كان النموذج الغربي هو النموذج المنشود لطبقة لا يستهان بها من مثقفي مصر ومفكريها في القرن العشرين وخصوصاً في النصف الأول منه، وهذا ليس بعيب علي الإطلاق ولا مادة للتندر والسخرية كما نلحظ في كتابات من يهاجمون ذلك الاتجاه الفكري، فالكاتب عندما يطرح فكرة ما لا يظن في نفسه أنه صولون أو حمورابي وقد أصدر مرسوماً يجب طاعته واتباعه، بل هي رؤية نابعة من تجربته وثقافته يقدمها للنقد والتمحيص، لتخضع للنقاش الحر والمنطق المسلح بالمعرفة والثقافة كي تنضج ثمراته وتفيد المجتمع، وكل القضايا الجدلية في التاريخ أو حتي العلم لا يمكن البت فيها نهائياً، بل تحتاج لمجهودات أجيال متتابعة لتغطي جوانبها وتشرحها بوضوح واقتدار، وقد أسهم حسين فوزي بنصيبه في الأمور التاريخية والثقافية.

كتب حسين فوزي مؤلفه هذا في" بحبوحة الأدب والفن: حرية في الفكر وتحرر في الأسلوب" فترك بصمة واضحة في العقلية العربية الحديثة، ومعلماً هاماً في المكتبة العربية المعاصرة، تزداد قيمتها كلما مر عليها الزمن وتعاقبت الأجيال المصرية، لتنطق بسؤالها الخالد الأبدي" إلي أين نتجه؟". 



الخميس، 15 يناير 2026

ومضات تاريخية

 



١-عين حورس


همس لنفسه "ضاعت ولم يعد لها وجود"... تحسس مكان عينه المفقودة علي يد عمه ست، ولما رأي أتباعه مدي حزنه، فقاموا برسمها علي الجدران وورق البردي، حتي أصبحت أشهر عين في التاريخ، ومنذ ذلك اليوم تحدق فينا عين حورس  المنطفئة في كل مكان



٢- أحزان خيتي


الملك خيتي رابع من حمل اسمه قابع في قصره، لا يأكل ولا يتكلم، يفكر في حربه مع أنتف العظيم، حاكم مدينة طيبة المتمرد، يأكله الندم علي تدميره للعديد من المعابد المقدسة وضياع آلاف الأرواح، فنادي علي ابنه وطلب منه أن يسجل وصاياه الخاصة بتقوي الآلهة وتجنب الحروب.


٣- التاجان


في كل عام يتذكر الملك مينا الهتاف الذي اخترق سمعه وملأ روحه "عاش مينا موحد القطرين" ليس بوسعه فصم وجهي البلاد وإعادة كفاح الوحدة من جديد، كان يكتفي بفصل تاج الشمال الأحمر عن تاج الجنوب الأبيض، ويعيد تركيبهما معاً، ثم يتوج نفسه من جديد.


٤-نبيذ لأجل سخمت


أخيراً استلقت سخمت سكرانة من شراب النبيذ الإلهي الذي وضعه لها رع كي تتوقف عن سفك دماء البشر، نظرت إلي البحيرة الحمراء التي عبت منها في جوفها، ففهمت كل شئ، غضبت علي خداع أبيها لها، لكن غضبها ذاب في جوفها وهي تستمع لضحكات الصغار الذين يمرون من أمامها.


٥- أري أشياء رائعة


تصبب العرق من اللورد كارنافون، رغم برد نوفمبر القارص عام ١٩٢٢،وتمني لو وهب عيناً تخترق سماكة الحجر، جفف جبينه بمنديل وهو يري علي ضوء المصباح الخافت، هيوارد كارتر يقترب من فتحة المقبرة وبين يديه شمعة ضئيلة، شمعة أضاءت وهجاً أعمي عينيه لما انعكس علي مئات القطع الذهبية للملك توت عنخ آمون، ارتعشت يداه بشدة وهو يتأمل الروعة المتجسدة حوله، وهتف كارنافون  بصبر نافد:

- ماذا تري؟

فأجاب بما سيدور في خلد كل إنسان سيشاهد محتويات المقبرة إلي الأبد:

- أري.... أري أشياء رائعة".




الأحد، 4 يناير 2026

دار دون....أو المدينة كما رأيتها


دار دون....أو المدينة كما رأيتها


ترجع بداية اكتشافي لدار دون منذ بداية ظهورها عام ٢٠٠٨،كنت أشاهد أغلفة إصداراتها المميزة في الصحف، ولطالما أعجبت بتصاميمها الملفتة للنظر في ذلك الوقت لم يكن الإنترنت متوفراً كاليوم، ولكن كان هناك شغفاً حقيقياً بالمعرفة، فظللت أتتبع أخبارها في الصفحات المختصة بالثقافة وعروض الكتب في الصحف والمجلات... الاسم نفسه كان جذاباً فقد كانت حركة التدوين والمدونات الإلكترونية في مجدها، ومنذ تلك الآونة تحتل دار دون مركزاً متقدماً في القائمة المفضلة لدي، لأن كل كتاب تنشره إما يمس شيئاً في وجداني أو عقلي، وهكذا اعتبرت تلك الدار بمثابة مدينة خيالية، أنسلخ من مشاكلي وآلامي وأهادن الأيام القاسية بالهرب ناحيتها، لأبتهج وأستفيد، ولأن المجال لا يسمح بالإطالة-وأنا من عشاق الإطالة والاستطراد- فسأكتفي بما جري لي في شوارع مدينة/دار دون في العام الماضي فحسب.

شوارع تلك المدينة ملأي بالمشاهدات والتأملات، ففي شارع التاريخ يقف شريف سامي يحكي ماجري لبني البشر منذ زمن آدم، ويسرد ماجري لذريته التي توزعت بين الخير والشر حتي طوفان نوح، ومآل البشرية بعد الطوفان الذي تردد صداه في كل الحضارات القديمة كالحضارة المصرية القديمة والبابلية  واليونانية، متنقلاً من الكتب المقدسة للأنثروبولوجيا للجغرافيا للأساطير وأقوال المؤرخين ذاكراً لكافة وجهات النظر، وفي النهاية يحكم العقل والمنطق كي يفصل بينهم، وأيضاً يجلي حقيقة خطيرة ألا وهي استخدام القصص الدينية وشروحاتها لأغراض سياسية تخدم فئة ما علي حساب الأخري، ويختتم كتابه" الأرض بعد طوفان نوح" بالخلاصة الحقيقية والصادقة لذلك المشوار الطويل" يجب أن نعلم أننا جميعاً خليط واحد، وأن رب السماء لم يحلل العنصرية في أي كتاب"، و يستعرض تاريخ أوروبا المتشابك في"مختصر تاريخ أوروبا" منذ أقدم العصور حتي عصرنا الحالي، لنري كيف تشكلت القارة العجوز، وأحوالها في الحرب والسلم، وتلك الضريبة الباهظة التي دفعتها كي تتقدم إلي ماهي عليه الآن وهو في حد ذاته درساً تاريخياً ملئ بالعبر، وفي كتاب"٢٦ساعة في حياة هتلر" أدركت بصورة غير مباشرة أن عمر الإنسان لا يقاس بالسنوات، فالسنين طويلة، معظم أيامها غث لا معني له، بل بالساعات الحاسمة التي ينتج عنها قرارات مصيرية، فبين ساعة تمرد الصغير أدولف علي أبيه القاسي حتي هزيمته وهو الفوهرر في الحرب العالمية الثانية، تظهر مع تقدم الساعات تلك الشخصية الأكثر جدلاً في التاريخ الحديث  بالتدريج حتي تكتمل صورتها النهائية من جوانب عدة، ما يجعل ذلك الكتاي تعريفاً وافياً لسيرة الرجل الذي قلب العالم.

وفي شارع آخر ألتقي برجل طالما أحببت لقائه منذ سلسلة الرجل المستحيل... نبيل فاروق يؤدي دوره لآخر عمره ليزيد من الوعي الوطني في كتاب "حروب" الذي حدثنا فيه عن تاريخ الحروب منذ زمن السيوف والرماح حتي حروب الجيل الرابع الخبيثة المعتمدة علي وسائل الإعلام والإشاعات والألاعيب النفسية، وفي الكتاب فصلين دسمين الأول عن رفعت الجمال الشهير برأفت الهجان، يجيب فيه عن أسئلة حول تلك الشخصية الغامضة طالما سببت لي الحيرة، والثاني عن جماعة الحشاشين وقائدها حسن الصباح، ومقره في قلعة ألموت... وسيصحبنا نبيل فاروق لشارع آخر كان بالنسبة لي مفاجئة وهو شارع السينما والدراما "شغف السينما" وسأري له وجهاً لم أعرفه من قبل، فهو مشاهد عتيد تنقل بين الأعمال السينمائية والدرامية في مصر وخارجها، فاستعادت ذاكرتي أوقاتاً جميلة قضيتها علي شاشة الفرجة، وزاد تأكدي أن باب السينما والدراما واحد من أكثر أبواب المعرفة ثراء، حين تدرس موضوعاتها بجدية.

وفي ختام العام كام كتاب" ميت مطلوب للشهادة" وفيه جمعت سمر عبد العظيم بين الفن القصصي ووقائع الطب الشرعي المثيرة، أثناء اكتشاف الحقائق خلف حالات الانتحار والقتل والحوادث، وتبين الواقع من الزيف، ولقد تلفت حولي طويلاً فيه متوجساً، فلا أعرف ماذا يمكن أن أسمي هذا الشارع فكل أبطاله يتحدثون من العالم الآخر. 


الاثنين، 8 ديسمبر 2025

السبع دوخات

 





السبع دوخات

عن قصة زعبلاوي لنجيب محفوظ

سيناريو وحوار: محمود قدري























م/١               عيادة طبيب نفسي               ن/د


ضياء رجل في الأربعين يجلس علي مقعد أمام طبيب نفسي، يناوله الطبيب روشتة دواء

ضياء يسخط ولا يأخذها منه

ضياء: مش عايز دوا! علاجي مش برشامة أزحلقها بشوية ميه في زوري. 

الطبيب(مهدئاً): الدكتور النفسي مش ساحر، والاكتئاب وحش بيكبر كل دقيقة، لازم نواجهه بكل الأسباب الممكنة... وجع الفقدان مش سهل. 

يقبض ضياء بأصابعه علي الروشتة ويضعها في جيبه، ويخرج متضايق من الباب. 

ينظر له الطبيب في أسي وعجز. 


قطع























م/٢               شقة ضياء(الصالون)                ل/د


الإضاءة كابية... نور باهت وحيد منبعث من أباجورة صغيرة موضوعة علي طاولة مستديرة. 

ضياء ممدد علي الأريكة، يقلب في صور هاتفه، فنري صورة زفافه مع زوجته الراحلة، ينظر لها بتأثر شديد ويتكلم معها. 

ضياء: سنة يا سلمي من غيرك... سنة مرت عليا كأنها قطر هرس جوايا كل حاجة. 

يرن هاتفه، يرد ولا نسمع ما يقوله الطرف الآخر لكن ندركه من كلام ضياء. 

ضياء(ساخراً بمرارة) ماتقلقش لسه عايش، الانتحار عايز شجاعة مش عندي

ثوان يستمع فيها لمحدثه. 

ضياء: حاول تمد لي الأجازة أكتر معلش، مش قادر آجي الشركة

يغلق الخط، ويستمر في تقليب الصور، نري صورة له مع والده وهما في غاية السعادة، ويسرح فجأة متذكراً شئ ما. 

ص. ضياء في صغره: هو مين بابا زعبلاوي ده اللي كل ماترجع من عنده، تبقي فرحان قوي كده وتشتري لي كل الحلويات اللي بحبها. 

ص. الأب: الزعبلاوي ده يا ابني راجل زي الملايكة كده، تقعد معاه تحكي له همومك ترتاح كأنه شالها عنك، حلال المشاكل والعقد، حاكم فيه ناس كده يا ضياء يا حبيبي، ربنا يخلقها عشان الدنيا تتوزن بين الوحش والحلو. 

ص. ضياء في صغره: طب ليه الناس بيغنوا له(يغني) الدنيا مالها يا زعبلاوي    شقلبوا حالها وخلوها ماوي؟ 

ص. الأب: بيشكوا له حالهم واللي جرالهم. 

ص. ضياء في صغره: بابا...يعني إيه ماوي؟ 

ص. الأب: يعني اللي كان فوق بقي تحت، واللي بات الضحكة علي وشه صبح دموعه علي خده(يتنهد) دنيا! 


قطع









م/٣               إشارة شارع مزدحم          ن/خ


ضياء يقود سيارته في زحام خانق. 

يري امرأة شوهاء تحمل علي كتفيها طفل رضيع تتسول به. 

زوجان في السيارة التي بجواره يتشاجران. 

فتاة تبكي وبحوارها أخري تربت عليها. 

تفتح الإشارة وينطلق بطيئاً وسط زحام البشر والسيارات. 


قطع

















م/٤               مكتب الأستاذ قمر(صالة الاستقبال)    ن/د


يجلس ضياء في مكتب بالغ الفخامة، وسط مجموعة كبيرة من الناس الذين يحملون أوراقاً عديدة، وملفات كثيرة ينتظرون دورهم في الدخول. 

ينظر للوحة شكر كبيرة معلقة علي الجدار تقديراً للأستاذ قمر المحامي في حل مشكلات الموكلين. 

تخرج من حجرة قمر امرأة فاتنة الجمال ترتدي ملابس مثيرة، تضحك وتقف عند الباب تودعه بتلويحة رقيقة من يدها. 

من فرجة الباب نري قمر متهلل الوجه يحيها برفع يده

تشير السكرتيرة لضياء بالدخول. 

السكرتيرة: اتفضل دور حضرتك


قطع




















م/٥               حجرة قمر               ن/د


يدخل ضياء يتعثر في خجله، فيقابله قمر مبتسماً بترحيب حار، مشيراً له بالجلوس وبين أصابعه سيجاراً فاخراً،وعلي المكتب الانيق لوحة باسم"الأستاذ قمر بهجت المحامي". 

قمر:شرفت مكتبنا

يجلس ضياء أمامه يمسح وجهه بمنديل، تمر لحظات صمت يقطعها قمر ليدفعه للكلام. 

قمر: خير إن شاء الله؟ قولي مشكلتك وماتقلقش ولا تحب تشرب حاجة الأول. 

ضياء: لا مالهوش لزوم، أنا ابن علي التطاوي زميلك في الأزهر

تتلاشي ابتسامة قمر لحد ما

قمر: الله يرحمه

يتغلب ضياء علي خجله، فلم يعد هناك مجالاً للصمت. 

ضياء: الحقيقة أنا جاي اسأل عن الزعبلاوي، أبويا كان قايل إنك اللي عرفتهم علي بعض. 

يرجع قمر بظهره للمكتب وقد تلاشت ابتسامته تماماً

قمر:ده كان زمان، أنا بقالي ٣٠سنة ماشوفتهوش. 

ضياء: كان فعلاً زي مابيقولوا عليه؟ 

قمر: وأكتر.

يتشاغل قمر ببضعة أوراق علي مكتبه. 

يقوم ضياء ويخاطبه بينما يتراجع للخلف نحو الباب. 

ضياء: ماتعرفش ممكن ألاقيه فين؟ 

قمر(بصرامة من ينهي حديثاً لا يعجبه) : بقولك بقالي ٣٠سنة ماشوفتهوش. 

يخرج ضياء شاعراً بالإحراج الشديد. 

يسهم قمر للحظات وكأنه يتذكر شيئاً ما يسيطر علي كيانه. 

يدخل  رجل يبدو عليه الثراء الشديد، فيفيق لنفسه ويرحب به بحرارة. 


قطع





م/٦               معرض سيارات               ل/د

يقف ضياء مع الحاج علي، وهو رجل وقور يرتدي عباءة، ويخاطب عامل عنده يمسح واجهة المعرض الزجاجية. 

الحاج علي:اتكي شوية عالإزاز يا مسعود الله يكرمك، ولما تخلص خد حسين وطوقوا العربيات تطويقة حلوة كده. 

العامل: أوامرك يا حج علي. 

الحاج علي(لضياء) :متآخذتيش يا أستاذ معلش، قطعت كلامنا، بس لازم تبقي عيني علي كل حاجة، انت سيد العارفين، حاكم محدش بيشتغل بضمير إلا لما يحس إن العين عليه. 

ضياء: الله يكون في عونك يا حاج

الحاج علي: زي ما كنت بقولك كده الزعبلاوي مالهوش مطرح معين، صحيح أنا أقدم واحد في المنطقة، أقدر أدلك علي الكبير والصغير، اللي حاضر واللي غايب، بس الزعبلاوي مش معني إنه بيته هنا يبقي عايش هنا. 

ضياء: يعني إيه؟

الحاج علي: يعني ده راجل سواح هايم في أرض الله، ممكن يقعد شهور في بيته مايعتبش براه، ويقعد سنين مايهوبش ناحيته. 


يحني ضياء رأسه بيأس. 

ينظر له الحاج علي بعطف

الحاج علي: ياه ده انت باين عليك حالتك صعبة قوي... طب اسمع. 

ينتبه له ضياء بكل حواسه. 

الحاج علي: أنا سامع كده، مجرد سماع يعني والعلم عند الله إنه بقاله فترة بيروح عند حسين الخطاط

ضياء: عنوانه اعمل معروف. 



قطع









م/٧               دكان حسين الخطاط               ن/خ


يقترب ضياء فنري حسين من ظهره.

يكتب حسين بالخط العربي الآية الكريمة "فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور"،ثم يلتفت خلفه فيجد ضياء.

ضياء(في حزن) :زعبلاوي! 

ينظر له حسين في دهشة


قطع





















م/٨               حارة قديمة               ل/د


حارة شعبية تختلط فيها أصوات الباعة مع النداء مع شجار النساء.....القمامة في كل مكان


قطع


























م/٩               بيت الملحن جاد (صالة)             ل/د


المنزل في فوضي، خمسة أطفال منهم من يبكي ويركض ويتشاجر، يرن الجرس تظهر فتفتح زوجة جاد وهي امرأة بدينة يبدو عليها سمات التفاني الذي تخلفه الأمومة في نفس المرأة، فتجد ضياء عند الباب. 


ضياء:الأستاذ جاد موجود؟ 

المرأة(مرحبة) :اتفضل موجود

يهدأ الأطفال وينظرون له في فضول. 

تقوده المرأة إلي حجرة مغلقة وتفتح الباب، تغيب لحظة وتعود. 

المرأة: اتفضل بيتك ومطرحك


قطع

















م/١٠                 بيت الملحن جاد(حجرة الجلوس)                   ل/د


يدخل ضياء الحجرة فيجد جاد هو رجل خفيف الدم يتسم بالبساطة، يدندن علي العود لحن"مدام تحب بتنكر ليه"، يشعر به جاد فيقف محيياً

جاد:أهلاً وسهلاً، اقعد ياراجل واقف ليه!

يجلس ضياء علي إحدي الشلت.

جاد: شاي ولا قهوة؟ ولا تحب الست أم إبراهيم تعمل لك شوية رز بلبن؟

يبتسم ضياء لبساطة الرجل.

ضياء: لا ولا أي حاجة.

جاد( ينادي) :يا أم أبراهيم اتنين شاي. 

جاد يلعب بأوتار العود وكأنه نسي وجود ضياء.

ضياء: اسمي ضياء وجاي لك من طرف حسين الخطاط، قالي إن الزعبلاوي عندك.

جاد:الزعبلاوي ياالله... ده لسه كان عندي الشهر اللي فات.

ضياء(بأمل) :وهو بيجي هنا كل شهر؟

جاد:مالهوش مواعيد، ممكن يخش علينا دلوقت، وممكن ماشوفهوش لحد ما ربنا يفتكرني.

ضياء: يا خسارة المشوار!

جاد: الله يسامحك بقي تقول كده علي زيارة عرفتنا ببعض؟!

ضياء:آسف قصدي....

جاد: ولا يهمك الله يعينك، محدش بيحتاج الزعبلاوي غير اللي شايل هموم طابقة علي صدره وكاتمة علي نفسه، ممكن تلاقيه عند رجل الأعمال المشهور ونس الدمنهوري، بيقعدوا لا مؤاخذة في بار النجمة.... حاكم الزعبلاوي كده تلاقيه في أماكن ماتخطرش علي بال، ولو حد عاتبه يقول: كلهم عباد الله وياعالم مين فيهم اقرب له. 

هذه المرة لا يبدو ضياء متحمساً للخبر، لقد تسلل إليه اليأس

يدندن من جديد

جاد: تحب تسمع حاجة موسيقية.

ضياء: طبعاً

جاد: هاسمعك لحن ألفته والزعبلاوي قاعد عندي، يلاعب الإولاد كأنه عيل زيهم، وكل ما أتعب يخش عليا بنغمة ولا بمقام ألاقي ربنا فتح عليا، لحد ما خلصت اللحن في ليلة واحدة. 

ضياء(مندهشاً) :ليه في الطرب كمان زي ماطلع ليه في الخط؟ 

جاد: ده أبو الطرب نفسه... ياسلام علي صوته كده لما يغني ويلعلع، تقولش ربنا خلق فيه عبد الوهاب وعبد الحليم مع بعض. 

يغني جاد مطلع قصيدة ابن الفارض

جاد:أدر ذكر من أهوي ولو بلام

فإن أحاديث الحبيب مدامي

ليشهد سمعي من أحب وأن نأي

بطيف ملام لا بطيف منام


قطع
























م/١١              حانة النجمة               ل/د


الحانة راقية وروادها غير مبتذلين، ونس الدمنهوري له يرتدي بذلة فاخرة، ويجلس وحيداً علي إحدي الطاولات، يشرب وهو بستمع لمغنية تغني أغنيةmalade je suis. 

يدخل ضياء، ويقترب منه. 

ضياء: لو سمحت يا ونس باشا ممكن دقيقة؟

ينظر له بلا مبالاة

ونس(بصوت سكران) :اقعد واشرب.

ضياء: مابشربش.

ونس: مابتكلمش مع حد غير وهو بيشرب، غير كده مع السلامة.

يضطر ضياء للجلوس، يصب له ونس كأساً يشربه ضياء باشمئزاز، وحين تهدأ حرارة الكأس يهم بالكلام.

ضياء: أنا.... 

ونس (مقاطعاً): مابكلمش حد فايق! 

يشرب ضياء عدة كئوس ثم... يغيب في حلم. 



قطع












م/١٢               حديقة(حلم)               ن/خ


حديقة في غاية الجمال. 

ضياء وزوجته يقفان علي حافة بحيرة، يضحكان في سعادة، يقطف ضياء الزهور وينثرها علي قدميها. 

فجأة ينزلق في البحيرة ويختفي داخلها. 


قطع























م/١٣               عودة إلي الحانة               ل/د


يفيق ضياء مفزوعاً، ويتلفت حوله فيجد البار فارغاً ولا يوجد سوي عدة زبائن. 

يضع يده علي رأسه متوجعاً فيجدها مبللة بالماء. 

ضياء:إيه الميه دي؟ 

ونس:واحد حبيبي حاول يفوقك كتير وفي الآخر طبطب عليك وقام. 

ضياء:حد شافني عالحال ده؟ 

ونس(ضاحكاً) :ما تقلقش ده مش أي ده الزعبلاوي! ماسمعتش عنه؟

ينتفض ضياء واقفاً. 

ضياء:الزعبلاوي؟ 

ونس: آه مالك؟ 

ضياء: ده أنا دايخ عليه السبع دوخات. 

يركض للخارج محاولاً اللحاق به. 


قطع















م/١٤               شوارع               ل/خ

يركض ضياء متلفتاً حوله في كل ركن. 

يتوقف فجأة يبتسم بمرارة وقد طرأ علي ذهنه شئ ما. 

ضياء(لنفسه) :حتي لو شوفته مش هاعرفه



قطع





















م/١٥              البار               ل/د



يعود ليجلس بجوار ونس متهالكاً. 

ونس علي وجه أسف حقيقي. 

ونس: سامحني ماكنتش عارف إنك محتاجه. 

ضياء: هو انت خليتني أقول حاجة! 

ونس: أنا غلطان حقك عليا... لو مشكلتك فلوس ولا يهمك أنا سداد

ضياء: مشكلتي نفسي... معاك تمنها؟ 

ينظر له ونس بإشفاق

ونس: تعالي بكرة أكيد هاييجي تاني. 



قطع

















م/١٥               فوتومونتاج              ل/د



١-ورقة خريف صفراء تقع علي أرضية شارع موحل بماء المطر، وتدوس عليها قدم قاسية.

2-ونس وضيلء يسيران مع بعضهما يتحدثان، وقد نمت بينهما صداقة.

٣-ونس وضياء يشربان وكل منهما سارح في أحواله.


قطع

























م/١٦               أمام الحانة               ل/خ

يخرج ضياء من الحانة، ينظر للسماء.

ضياء(منادياً) :يازعبلاوي!

تنظر له امرأة تمر به في سخرية.

يسير في الشارع حتي يبتلعه الظلام كأنه يدخل للمجهول.


النهاية


الخميس، 9 أكتوبر 2025

فيلم umbrella... البناء النموذجي والمعني المؤثر

 فيلم umbrella... البناء النموذجي والمعني المؤثر



ولد فن السينما صامتاً وقصيراً جداً، وكانت الأفلام الاولي يتراوح منها بين أقل من دقيقة وأزيد من عشر دقائق، وفتحت تلك الدقائق القليلة للمشاهدين الاوائل لهذا الاختراع الجديد، عالماً سحرياً مذهلاً، اختلط فيه الخيال بالواقع، ومن خلال الكاميرا التي حلم بها العلماء وأصبحت واقعاً ملموساً، حتي توج الفكرة الاخوين لوميير باختراع السينما أواخر القرن التاسع عشر، صنع السينمائي الفرنسي جورج ميليس رائد الخدع السينمائية مجده التاريخي بأفلام كـ A trip to the Moonو The House of the Devil  ، وعرف العالم لأول مرة شارلي شابلن أو آدم السينما عندما ظهر لأول مرة في فيلمMaking Living عام ١٩١٤،ورأت العين شخصيات أدبية سكنت عالم الورق كفاوست وشارلوك هولمز، ومايزال الفيلم الصامت يحتفظ بسحره الفني، ويعيدنا للمنبع الصافي لفن السينما، حيث الصورة هي سيدة العمل السينمائي، فإذا كان تعريف السيناريو هو قصة تروي بالصور، فالفيلم الصامت مدرسة لتعلم تقنيات البناء الفني، ولو كان بالإمكان تعريف الفن السردي بكلمات قليلة-تجاوزاً-فهو بناء قصصي محكم يجيد السارد فهم مفاتيحه، سواء عن طريق الموهبة والسليقة أو الدراسة والتجربة.

صحيح أن الفيلم الطويل هو المسيطر علي الذائقة الجماهيرية منذ عرض الفيلم الإيطالي Quo Vadis ١٩١٣، للمخرج إنريكو جوازوني، حيث كان له تأثيراً محورياً علي صناع السينما في ذلك الوقت، وخاصة المخرج الأمريكي ديفيد جريفيث، أحد أبرز رواد السينما علي مر التاريخ، الذي تأثر بهذا الفيلم وغيره من الملاحم الإيطالية الطويلة ذات الميزانية الهائلة، والديكورات الفخمة، وكانت مصدر إلهام له.

الفيلم القصير يحكي قصة، والطويل أيضاً يحكي قصة، كلاهما قائم علي أسس الدراما المعروفة، شخصية تسعي لتحقيق هدف ما، تواجهها عوائق تصنع صراعاً، مما يؤدي إلي ذروة يتبعها حل، ومع ذلك يفصل بينهما مساحة شاسعة، تجعل للفيلم القصير طابعها ولونه المميز عن الطويل، إنه يشبه كلمة همسة نابعة من قلب الفنان لتستقر في قلب شخص آخر، أما الطويل فخطاب مشحون بالتفاصيل، ولكل منهما جماله الخاص، يعبر عن الفرق بينهما الكاتب والسيناريست البريطاني إليوت جروف عندما يعتبر الأفلام القصيرة بمثابة قصائد هايكو(أحد أنواع الشعر الياباني، يتميز بقصره الشديد فيكتب في ثلاثة أسطر، ويحمل شحنة شعورية وتأملية عميقة للغاية)، أما الأفلام الطويلة تشبه الروايات.

فيلم الانيميشن القصير جداً umbrella عام 2019من إخراج المخرجة والكاتبة البرازيلية هيلينا هيلاريو وزوجها ماريو بيس، أحد القصائد المرئية المؤثرة التي نبتت في حديقة الفيلم القصير، ٨دقائق وعدد قليل من الشخصيات يحملون رسائل إنسانية راقية، تشيد من جديد حصن إنسانيتنا الذي هتكته الحياة من حولنا، وسيحعلوننا نفكر كثيراً قبل أن نصدر الأحكام السريعة البلهاء ضد أي شخص، فلا يوجد أسهل ولا أرضي للغرور البشري من إطلاق الأحكام علي الآخرين، الصعب حقاً فهمهم واكتشافهم والتعاطف معهم، حينها سيولد التسامح بين جميع أبناء آدم، وسيتغير وجه العالم القبيح الممتلئ بالكراهية والمقت والحروب. 

كل ما في العالم مائدة حافلة بالإلهام للكاتب السيناريو، تجربة مر بها، خبر قرأه في جريدة، قصيدة اطلع عليها، عمل أدبي لمس فيه وتراً شعورياً، بل تجارب الآخرين كثيراً ما تكون حافزاً للعمل، وقد استلهمت المخرجة فكرة الفيلم من موقف حدث لشقيقتها، في مدينة بالماس بالبرازيل، عندما كانت في زيارة تطوعية لإحدي دور الأيتام في ديسمبر ٢٠١١ قبيل حلول عيد الميلاد المجيد، دخلت حاملة صندوقاً مليئاً بالألعاب مما أثار البهجة والسعادة في نفوس الأطفال اليتامي، عدا طفل واحد لم يهتم بالألعاب الكثيرة، ولم وبدأ يبحث عن شئ ما، ولما خاب أمله في إيجاده ذهب ليجلس وحيداً بجوار النافذة، اقتربت منه شقيقة المخرجة واستفسرت منه عما به، فأخبرها قصة ستتحول لفيلمنا الذي سيحصد الجوائز والإعجاب. 

يدور الفيلم حول ولد صغير تعيس، يجلس أمام النافذة فيري امرأة وابنتها، يدخلان لدار الأيتام الذي يقيم فيه، وعندما يلمح مظلة صفراء في يد البنت يبتهج، ويهبط للأسفل غير عابئ بالألعاب التي حملاها معهما للأطفال، كل تفكيره ينحصر في المظلة الصفراء، كأن كيانه تجمع فيها، يأخذ المظلة ويخبئها في أحد الدواليب، وسرعان ماتكتشف البنت الأمر وتغضب منه المشرفة والأم، لكن الثلاثة ترق قلوبهم حين يكتشفون قصته المحزنة، فتلك المظلة توأم لمظلة والده التي كان يحملها معه، وكان يتجول معه في الشوارع يعانيان البؤس والتشرد والحرمان، وفي النهاية يستحيل علي والده العناية به، مشفقاً عليه من العذاب يودعه دار الأيتام، كي يجد الطفل لنفسه لقمة تشبعه وسقفاً يؤويه ويقيه الحر والبرد، إنها تذكره والده الذي حرم منه، فتمنح البنت المظلة للولد، وتمر السنوات ونري الولد أضحي عجوزاً  متعلقاً بالمظلات  حتي أنه يمتلك محل لبيعها، ومايزال شبح أبيه بالمظلة الصفراء يخايله ويتراءي له، يشاهده من داخل المحل بهيئته كما رآه آخر مرة، فيهرع نحوه كطفل ويتعثر ثم يقع علي الأرض، ويتلاشي شبح الأب العائش في وجدان الطفل، وتساعده علي النهوض زوجته المحبة ونعرف فيها نفس البنت التي زارته يوماً مع والدتها في دار الأيتام، ومنحته عن طيب خاطر مظلتها. 

اختار صناع العمل سرد القصة بدون حوار، لأنها بذلك ستكون أكثر عالمية وانتشاراً وسيفهمها الناس في كل مكان، خاصة أن الإنتاج برازيلي، وبالتالي سيحتاج إلي ترجمة بلغة مختلفة كلما عرض في دولة ما، وتلك النقطة هي سحر السينما الصامتة، فإذا كانت بلبلة الألسن تقوم كعائق كبير بين الشعوب، فالصورة وما تحمله من مشاعر فياضة، وهي تروي حكايات تمس القلوب أينما كانت، ومهما كانت اختلفت الثقافات والتجارب، توحد أبناء آدم من شتي الأصقاع والاتجاهات والأيدولوجيات، كلهم يتأثرون بتفس المعاني ويحملون نفس الآلام والآمال التي يرونها بأرواحهم قبل عيونهم، وبالاستعانة بموسيقي غابرييل ديب تتعمق المشاعر التي يثيرها الفيلم، وتبدو الأنغام لها شخصيتها المستقلة المشاركة في الأحداث، فلا يمكن تخيل فيلماً صامتاً أو ناطقاً بلا موسيقي، وقد صاحبت النغمة الصورة منذ العهد الأول للسينما، فعلي جناح الموسيقي عشنا مشاهد الرومانسية والخوف والأمل والحزن، وتسللت لنفوسنا حكايات موازية نسجتها الآلات الموسيقية وهي تتحاور فيما بينها. 

المظلة انتقلت من الحكاية الأصلية للطفل البرازيلي إلي رمز إنساني، عندما عرضت في فيلم قصير جداً... رمز للفقدان الذي يعذب كل واحد منا، ويحيا ويتحرك وجزء من وجدانه غائب، ربما حياتنا كلنا عبارة عن محاولات لملء الفراغ الذي خلفه الفقدان، لكن لا شئ يستطيع ولو ظل محاطاً طوال الوقت بأشباه الشئ الذي فقده! والفيلم يعرض بدقة ردود الفعل تجاه الفقدان، فعلي المستوي العاطفي نري الطفل غارقاً في الحزن الشديد والشعور بالوحدة، وعلي المستوي السلوكي يتجنب فهو منعزل يتجنب الأنشطة الاجتماعية، كما أشار الفيلم أيضاً لما يفعله الفقر والحاجة في الأفراد، يباعد بين الابن وأبيه، ويهجر الأب مسئولياته تجاه ابنه لعدم قدرته علي توليها، ويظل الأب هو الغائب الحاضر طوال حياة الابن، يحتل خياله حتي وهو بعد أن يطعن في السن، الأب المفقود هو السعي لما لا يدرك، ورغم أن العجوز يري أباه في هيئة الشباب إلا أنه يركض محاولاً اللحاق به، لأن العاطفة نحو ما فقده هي التي تسيره، ففي داخله يقبع الطفل الصغير المحروم من عطف والده وحمايته، وكم سيكون تأثير ذلك المشهد مضاعفاً لو نطق العجوز بكلمة" papai" أي بابا في اللغة البرازيلية، هنا سيتجلي سلطان الكلمة علي النفوس، لفظة بسيطة ستحدث تأثيراً كبيراً عندما تسمع في لحظة مشحونة كتلك، مع التصميم الرائع للشخصيات بإحساس المصمم  فيكتور هوجو المعروف بأعماله مع شركات كبري في عالم السينما كديزني ومارفل.

عبقرية الفيلم القصير جداً تكمن في قدرته علي معالجة موقفاً سريعاً أو حياة بأكلمها، عن طريق التكثيف الشديد الذي يتميز به، مما يعطينا وجهة نظر تأملية، فقلما نشاهد فيلماً قصيراً جداً ولا نفكر بعده في أبعاد طرحه للموضوع، فهو بارقة فكرية وعاطفية تجعلنا نعيد النظر في الأشياء العادية والمستهلكة في الحياة اليومية، لأنه يكشف عن جوهر أمور كثيرة تمر بنا ولا نتوقف عندها بينما يجب أو نتوقف عندها كثيراً، لأنها حياتنا التي غامت معانيها في خضم الاعتياد و المادية... الفن بصفة عامة يشبه القبعة السحرية في مسرحية"الطائر الأزرق لموريس ماترلينك، التي منحتها الجنية بريليون، للطفلين تيلتيل وميتيل لتفتح عيونهما علي حقيقة الأشياء التي تشكل ماهية العالم الذي يعيشان فيه.

التأثير القوي لفن الفيلم القصير جداً يستدعي بناء خاصاً، والبناء الفني لفيلم umbrella نموذجاً لفهم ماهية هذا الفن المراوغ. الإطار الزمني المحدود يحتم الاقتصاد في العناصر الدرامية الشخصيات، التفاصيل الزائدة كلها يجب بترها، والفكرة لابد أن تكون جلية ومركزة، فالأفلام القصيرة جداً لها قاعدة أساسية" الأقل هو الأكثر"، وقد عمل المعماري الألماني الشهير لودفيغ ميس فان وفق تلك القاعدة، والسيناريو السينمائي يشبه فن العمارة لحد كبير أو هو "فن معماري أكثر منه أدبي" علي حد تعبير المخرج إيليا كازان، هذه السمات نجدها حاضرة في الفيلم الذي لا عدد الشخصيات القليلة التي لا تتجاوز الطفل والطفلة والأم والمشرفة والأب وبضعة اطفال، وعبر فوتومونتاج سريع يكشف لنا ما يقتضي لفهم مدي بؤس حياة الطفل وأبيه، وحرمانهما من أبسط الملذات التي تتمتع بها الأسر العادية، والفكرة في مجملها تكمن في التعاطف مع الآخرين، وقدرة أي واحد منا أن يكون فارقاً بتفهمه وحنانه في مستقبل الآخرين، وعدم التسرع في الحكم علي الأفعال لأننا لا ندرك أبداً الدوافع الحقيقية وما يعانيه الآخرون ويؤثر في سلوكياتهم، كما أن الآخرين لا يعرفون دوافعنا الحقيقية، بل إننا أنفسنا في أحيان كثيرة لا نفهم ذواتنا وأسباب تصرفاتنا!

أما علي مستوي الحبكة فالحدث المحفز يحدث في الفيلم القصير جداً، بدء من اللقطات الأولي، وربما قبل بداية أحداث الفيلم، لأن الوقت المحدود لا يسمح بالإسهاب، ولقد ظهر الحدث المحفز المتمثل في المظلة منذ الثواني الأولي للفيلم، هذا الإيجاز السردي أهم ملمح علي الإطلاق، فهو عندما يثير في نفس المتلقي مشاعر صادقة بأقل الإمكانيات السردية وفي وقت قصير للغاية، فيجب علينا تقدير هذا الفن والاهتمام بصناعه، فالفيلم القصير جداً يتتبع شخصية واحدة، يتوحد معها المتفرج، فلا مفر من بنائها بتركيز شديد ليتعلق بها المشاهد في وقت محدود.

استخدم فيلم umbrella  تلك السمات المميزة للفيلم القصير جداً بحرفية مذهلة، وبني بها قصة مؤثرة وإنسانية لأبعد مدي، تعلق المشاهدون بها في كل مكان، فتمكن أن يبرز كأحد الأفلام الناجحة...كل موقف نمر به وكل شخصية نقابلها تصلح لتكون فيلماً قصيراً جداً يحمل بصمة فنية وإنسانية، إذا تمت معالجة فكرته مهما بدت بسيطة-بل كلما كانت بسيطة غدت أجمل- بصورة فنية صادقة ورؤية عميقة للنفس البشرية ومكان الفرد وسط عالم ممتلئ بالأحداث والشخصيات والمشاعر، تنتظر من يكشف عن عن جوهرها الخفي.




السبت، 13 سبتمبر 2025

دماء علي الوردة الصغيرة


دماء علي الوردة الصغيرة
مست أشعة الشمس الحانية وجه الجنرال ويكوب، في صباح يوم الثلاثاء ٣١مارس ١٨٠٧،لقد بدأت بشائر الربيع تهل وصفا الجو وسري النسيم محملاً بروائح الزهور، ركب جواده بصحبة العميد ميد ليلقي نظرة أخيرة من فوق تل أبو مندور علي مدينة رشيد النائمة في حضن النيل المتدفق في نعومة، تأملها وملأ صدره بالهواء وتنهد قائلاً لميد:
-يا لها من مدينة جميلة إنها حقاً روزيتا...وردة صغيرة.
ابتسم ميد:
-بعد ساعات قليلة ستكون تلك الوردة في عروة سترتك سيدي القائد، تزين بها تاريخك العسكري المجيد.
أعجبت كلمات المديح تلك ويكوب، فضحك ليداري قلقاً اعتمل في نفسه وهو علي التل ينظر للمدينة:
-لكن ألا تري إنها هادئة... هادئة أكثر من اللازم؟
بعد دقائق تقدم الجنرال صوب البوابة الغربية للمدينة، مرتدياً سترته العسكرية الحمراء وسرواله الرمادي، وجواده يصهل بتحد كأنه يعرف من هو فارسه، يحيط بع قواده وجنوده وعلي يساره النقيب بروس ينتفش غروراً، ففي سن صغيره تطأ أقدامه أرض مصر، وربما يعين قائداً للقوات الإنجليزية في يوم ما ومن يدري ليس بعيداً أن يدرس التلامذة في لندن سيرته الحربية في كتبهم المدرسية، ويتقدم الجميع جندياً أشقر الشعر قوي البنية يحمل بين يديه علم بريطانيا، وسار الموكب يقطع شارع دهليز الملك، وكلما تقدم في سيره يزداد الجنرال ويكوب قلقاً، وهو ينظر للقصور العملاقة والمنازل الضخمة ترتفع عالياً في شموخ، هنا يسكن علي بك السلانكلي حاكم المدينة وعثمان أغا قائد الحامية التركية مع أهالي المدينة، لم يكن ويكوب ببصيرته العسكرية يراها منازل سكنية، بل قلاع حربية ترتفع نحو السماء منذرة ومتوعدة، أبوابها مصنوعة من خشب سميك قوي، صهرت بداخله قطع من الحديد الصلب يزيدها مناعة واستحكام، ونوافذ الطوابق الأرضية مسيجة بأسياخ حديدية، أما النوافذ العليا فضيقة يستحيل اقتحامها من الخارج، وتلك المشربيات الجميلة المزينة بقطع الأرابيسك متقنة الصنع، في أسفلها فتحات تكشف من تحتها وتجعله هدفاً سهلاً... ومن جديد يلتفت فيري وجه بروس المغرور، وملامح بتروتشي القنصل الإنجليزي المتعالية، فوقف وأمر باستبقاء ٢٠٠جندي في عند مدخل المدينة، ولم يتحرك إلا عندما تأكد أنهم أخذوا مواقعهم، ورفع الجندي جون رأسه للنوافذ لعله يري امرأة حسناء تطل منها.
كلما توغل في المدينة نشر عدداً من الجنود، وكاد يسأل عن موعد استيقاظ أهل المدينة القنصل اللاهي بحديث ضاحك مع أحد الضباط سمعه يقول فيه:
-ألا يشبه ذلك نزهه علي ظهور الخيال في يوم ربيعي دافئ، داخل مزارعنا في إنحلترا؟!
لكن سرعان ما جاءه الجواب وهو يري عدداً من السقائين يملأون قربهم من مياه النيل، كي يبدأوا بتوزيعها علي المنازل، رجال نحيفة أحسادهم تنوء كواهلهم بالقرب الثقيلة، لكن في وجوههم السمراء صلابة غريبة، صلابة من صهرته الدنيا في نارها الموقدة فخرج يحمل في ضلوعه لهباً محرقاً مكبوتاً بين جوانحه، يحملون أثقالهم ويتغنون بصوت أجش منهوك من التعب، فأعاد له ذلك الصوت الممتزج بزقزقة العصافير بعضاً من الطمأنينة، وقال:
-إنها ليست إلا بلدة وادعة... أليس كذلك أيها الجنرال ميد؟
ضحك ميد وأجاب:
-أجل يا سيدي القائد، ولابد أن حاميتها قد فرت، إنني من الآن أتخيل احتفالات المساء الصاخبة.
كان الموكب العسكري قد مر علي جامع زغلول وكنيسة مار مرقص ووضع عندهما جنوداً للمراقبة والحماية، لم يستثن ركناً من المدينة الصغيرة فداست الأقدام علي كل شبر، فانتشر الجنود المدججين بالسلاح في دور العبادة والبوابة والبساتين ومبني الشرطة وقصر الحاكم والذروب الضيقة والشوارع المتعرجة، وسرح ويكوب في تلك المدينة الجميلة، التي تزوج منها الجنرال مينو أحد قواد حملة نابليون الذي سبقه في احتلال مصر، واختار زبيدة البواب لتكون قرينته، فهل يمكن أن يتزوج مصرية، ولاحت علي شفتيه ابتسامة حين مر به ذلك الخاطر.
قضت أوامر الجنرال ماكينزي فريزر باحتلال رشيد لتدعيم مركزه في الأسكندرية، ولضمان موارد الغذاء لسد أفواه الجند المفتوحة، ففصل ١٤٠٠جندياً عن قوة الحملة الكلية التي تفوق ٦٠٠٠آلاف احتلوا الأسكندرية دون قتال، بعد مفاوضات صورية مع حاكمها أمين أغا، بينما محمد علي والي مصر مشغول في الصعيد بمطاردة المماليك.
مع مرور الوقت وارتفاع الشمس في السماء، استنام الجند للراحة وتلهي البعض في الاستمتاع بجمال البساتين، ودون إنذار شق الصمت صوت قادم من مسجد زغلول ينادي" الله أكبر" فجفل الجنود وتأهبوا وارتجف بتروتشي، فهو يعرف أن ذلك ليس وقت صلاة، ولا يخرج النداء من المسجد ألا لأمر خطير، وبعد لحظات بدأت طلقات النيران تنهمر من النوافذ والأسطح، وانفتحت أبواب المنازل الصامتة فخرج منها الأهالي علي رأسهم حاكم المدينة علي السلانكلي المشهور بشجاعته يدافعون عن أرضهم بأي سلاح متاح لهم، فثخنت أجساد الإنجليز بالسيوف والحجارة والشوم، وبدأت معركة الشوارع، ركض إسماعيل الجزار حاملاً ساطوره وانقض به علي ملازم فقطع رأسه، وظهر من خلفه الفلاح القراري عبد الصمد يقبض علي منجله باحترافية يمزق جندياً يصرخ من الألم، والسلانكلي وبجواره عثمان أغا يصوبون نيران بنادقهم علي الجنود المنتشرة في المدينة، ورأي الجنرال ويكوب المدهوش العجوز جرجس خادم الكنيسة يخرج منها ويهجم علي النقيب بروس الذي قطع خده وينزف بغزارة، فعاجله بطلقة من مسدسه ارتمي جرجس علي إثرها جثة لا حياة فيها، وعرفت طلقة طريقها نحو الجنرال ويكوب، فسقط علي فرسه وهو يهمس"روزيتا... وردتي الصغيرة"، وطارت خوذة العميد ميد، ورفع مسدسه صوب امرأة تصب الزيت المغلي علي الجنود فأصابها وسقط من سطح المنزل فتكسرت عظامها، ثم أصيب بطلقة فكانت آخر كلماته قبل أن يسلم روحه صراخه في الجنود:
-أسكتوا صوت الطلقات... اقتلوهم جميعاً!
وحصدت حامية رشيد عساكر الإنجليز، لم يعد أمامها إلا القتال بعد أن أبعد صاحب خطة الهجوم وقائدها علي بك السلانكلي المراكب من علي الضفة، كي لا يجدوا منفذاً للهروب، وظل السلانكلي لساعات يقاتل ويدافع عن المدينة يؤجج الحماسة ويوقد النفوس حماسة وغيرة علي الأرض والمال والعرض حتي تقهقرت الحملة عائدة للإسكندرية عن طريق أبي قير وقد خسرت ١٧٠قتيلاً و٢٥٠جريحاً وأسر منها ١٢٠.
عند الظهيرة لم يبق من أثر المعركة إلا أنات الجرحي وبكاء النسوة والصغار من الفزع والخوف، والدماء تجري في الدروب وعلي أعتاب الدور، وبجوار البوابة وقف السلانكلي تومض في ذاكرته أحداث الليلة السابقة... التجهيز للمعركة... الاتفاق مع السقائيين علي التمويه... التحصن في البيوت... مراقبة معسكر الإنجليز... عرس أبو اليزيد الذي تأجل وقبل دقائق شاهد جثة العريس الشاب غارقة في الدم تبكي عليها عروسه العذراء... الطفل محمود هرست جثته سنابك الخيول الإنجليزية، وفي الأمس تردد غناؤه البهيج" ياعمي علي يا حاكمنا، بكرة تخرج الإنجليز من حتتنا" غمره التأثر وكادت دمعة تفر من عينه، فكبحها وتوجه نحو البوابة فأغلقها من الجديد، مرة أخري وللأبد.