فلاسفة حول الدائرة
لا يمكن فض ألغاز هذا العالم البتة، كل لحظة مثيرة للدهشة والغرابة، ومن الصعب الجزم بصحة أي فكرة ولدت من العقل البشري، كأني أسير مع الاتجاه القائل بأن كل المعارف البشرية محض سذاجة وتخييل، وأتنهد مع المعري بلوعة:
نفارق العيش لم نظفر بمعرفة وإنما نحن في ضلال وتعليل
يرد علي خاطري تلك الأفكار المخيفة، وأنا أتأمل فلسفة العود الأبدي، تلك الفكرة الرهيبة الغامضة عن تكرار الأحداث في العالم مراراً بتعاقب الحياة في الكون بصورة متكررة، فالحياة في ذلك النسق الفكري لا تفني إلا تعود من جديد، هل هذا ما نعنيه نحن بقولنا"دارت الأيام"،وبأن الدائرة التي بدون بداية ولا نهاية هي أكمل الأشكال الهندسية، حيث البداية هي النهاية والنهاية هي البداية؟....إن مجرد التفكير في مفهوم الأبدي يصيب الدماغ بالدوار، إن نيتشة كان علي حق حين سردها علي لسان شيطان في ذلك المقطع من كتاب العلم المرح:" ماذا عساك تقول لو أن شيطاناً تسلل يوماً أو ليلة داخل وحدتك الأكثر انزواء، وقال لك" هاته الحياة، مثلما تحياها الآن، ومثلما حييتها، سيلزمك أن تحياها مرة أخري ومرات لا حصر لها، ولن يكون فيها شئ جديد، سوي أن كل ألم وكل متعة، كل فكرة وكل تأوه وكل ما هو متناه في الصغر والكبر في حياتك لابد أن يعود إليك، والكل في نفس النظام ونفس التتابع، تلك الرتيلاء(العنكبوت) أيضاً، وضوء القمر هذا بين الأشجار، وهاته اللحظة وأنا نفسي. إن ساعة الوجود الرملية الخالدة لا تفتأ تعكس من جديد وأنت معها يا ذرة غبار من الغبار" ألن تلقي بنفسك أرضاً، تصر أسنانك وتلعن الشيطان الذي يكلمك بهذا الشكل؟ أم سيحدث أن تعيش لحظة رائعة قد يمكنك فيها أن تجيبه" أنت إله فما سمعت أشياء أروع من هاته قط"لو سيطرت عليك هاته الفكرة فستحولك، جاعلة منك مثلما أنت شخصاً آخر، ربما طاحنة إياك:والسؤال المطروح بخصوص كل شئ:"هل تريد هذا مرة أخري ومرات لا حصر لها" سيهبط بثقله علي تصرفك كأثقل وزن! أو كم سيلزمك من إظهار الإحسان تجاه نفسك وتجاه الحياة حتي لا ترغب في شئ غير هاته الأخيرة التي هي إثبات أبدي، هاته الأخيرة التي هي عقاب أبدي! " ما أن نيتشه يطرح إلتزاماً أخلاقياً، فكيف تبغي أن تعيش حياتك لو قيض لك أن تعيدها مرات لا حصر لها! لو أن كل لحظة ستعاد إلي مالا نهاية، وترمي في وجدانك ضحكات الفرح أو صراخ لهيب الألم، وبالتالي سنندم علي كل لحظة مرت لم نكن علي مستوي الأخلاق المطلوبة، فلا أحد يريد أن تعاد مساوئ حياته، وستتيقظ عندما نفهم ذلك حواسنا للمستقبل، ونستعد دوماً للتعامل مع اللحظة القادمة، وأن نتشبع بكل ما في الحياة، وفي النهاية نحب القدر ونتماهي معه.
فكرة التكرار الزمني للأحداث من عمر الحضارات الأولي للبشرية، وعرفتها كل الثقافات، ففي مدونة هرمس المصرية المنسوبة للإله تحوت"يتغير كل شئ في الزمن أبداً، تولد الكائنات ثم تفني ثم تعود للوجود من جديد" وعرف السومريون والبابليون الدورة الزمنية، التي سموها "السار" ونقلها الإغريق وحرفوها للساروس أي الدائرة، والساروس البابلية هي دورة كونية تدوم لـ ٣٦٠٠عام،أي أن الكون يخلق ثم يستمر لمدة ٣٦٠٠عام ثم يفني بالطوفان أو الحريق، وكان لمفهوم تكرار الزمن أهمية كبيرة في الفلسفة اليونانية، وضحت في فلسفة أنكسمندر الملطي عندما ذكر وجود عدد لا متناه من العوالم واعتقد بالفناء الكوني، أما هيراقليطس فعرف الساروس بالسنة الكبري، فالنار في فلسفته أحد عناصر الكون الرئيسية تلتهم العالم بين مدة وأخري، ثم يعود من جديد لما كان عليه سابقاً، وهيراقليطس هذا أحد أهم فلاسفة اليونان الذين أثروا في عقل الحضارة الغربية، فهيجل يقول عنه"ما من قضية لهيراقليطس لم أكن قد احتضنتها في منطقي"، ونيتشه يضع له مكاناً فريداً في روحه"وظل يساورني شك فيما يتصل بهيراقليطس الذي يبعث اتصالي به الدفء في نفسي ويجعلني أكثر رشاقة مما يفعل اتصالي بغيره أياً كان" بل لقد اعتبر أحد الشراح أن فلسفة نيتشه يرجع لهيراقليطس، والحق أن هيراقليطس وإن لم يكن من نجوم الفلسفة الإغريقية إلا أن تأثيره تفرع وامتد لكل مكان في العالم، فأفكاره كامنة في الرواقية، والأفلاطونية المحدثة، أما المسيحيون الأوائل عاملوه كأول المبشرين بديانتهم، بسبب نظريته في اللوجوس، ولما انتقل للعالم الإسلامي، أثرت فكرته في تعاقب الإكوان في نظريات إخوان الصفا، وقوله بأن النار أصل الوجود كان له عواقب حاسمة في اتجاه الفيلسوف الصوفي الغنوصي الحلاج لتقديس النار، وذلك الفيلسوف المولود في إفسوس غرب الاناضول عام ٥٣٥ق.م من عائلة عريقة تتسم بالنبالة، عرف بغرابة سلوكه وحزنه الدائم، حتي عرف بالفيلسوف الباكي، ويصفه ديوجنيس"كارهاً للبشرية، اختار العزلة والبعد عن المناصب، وما بقي من مؤلفاته عبارات ملؤها الألغاز، واتبع الفيثاغوريون فلسفته وآمنوا بوجود عوالم كثيرة في عدد محدود، وبأن الحوادث ستتكرر والدورات الزمنية تحدث لما لا نهاية، وحول هذا الموضوع خاطب ديموس تلميذ أرسطو أتباعه قائلاً"إن صدقنا الفيثاغوريون فسيجئ يوم نجتمع فيه ثانية في هذا المكان، فتجلسون كما أنتم تسمعون إلي، وأتحدث أنا إليكم كما أفعل الآن" واعتقد أفلاطون وزينون بتلك السيرورة الكونية، ومع انتشار المسيحية تعرضت لنقد شديد من مفكريها، مثل القديس أوغسطين علي اعتبار أنها تنكر الإرادة الحرة وفرصة الخلاص،ومع الوقت تلاشت من الأذهان.
في القرن التاسع عشر أعاد نيتشه العملاق من جديد إحياء نظرية العود الأبدي، كأحد أهم المرتكزات التي بنيت عليها فلسفته المثيرة للجدل، ورغم كونه دارساً متعمقاً للفلسفة اليونانية-أو ربما بسبب ذلك- ينسب فضل صياغة العود الأبدي لنفسه، فيحكي أنه في أحد أيام شهر أغسطس من عام ١٨٨١كان يتنزه في إيطاليا"في ذلك اليوم كنت أجتاز الغابة علي طول بحيرة سلفا بلانا، وبالقرب من كتلة صخرية هائلة برزت علي شكل هرمي، وعلي مقربة من سورلي، وقفت، وهناك خطرت لي الفكرة" تلك الفكرة ظنها نبعت من أعماقه لفرط ما تشبع بالفلسفة اليونانية حتي غدت لا تنفصل عن وعيه، ومنذ تلك اللحظة بجوار الصخرة الهرمية، ونيتشه يتغني بالعود الأبدي في أعماله، خاصة عمله الأشهر" هكذا تكلم زرادشت"فيجعل النبي الفارسي زرادتشت يترنم بالآراء العاتية والصادمة، حول القوة والإنسان الأعلي اللذين أساء فهمهما التيار النازي في ألمانيا وانحرف هتلر عن المضمون العميق لرؤية نيتشه، وها نحن نسمع من نيتشه علي لسان زرادشت همسات شعرية" سأعود مع هذه الشمس، وهذه الأرض، وهذا النسر، وهذا الثعبان، لا إلي حياة جديدة أو حياة أفضل، أو حياة تقرب من هذه، سأعود أبداً إلي نفس هذه الحياة، في كل صغيرة وكبيرة منها، لكي أدعو مرة أخري إلي العود الأبدي لكل الأشياء".
نجد فلسفة العود الأبدي يتردد صداها في العلوم، بحسب نظرية الانفجار الكبير للعالم البلجيكي جورج لوميتر، سيظل الكون يتمدد حتي يصل إلي أقصي مداه، وسينكمش من جديد ماراً بنفس مراحل تطوره عكسياً إلي أن يختفي كلياً، ومن المنتظر حينها أن يعود من جديد ماراً بنفس مراحل تكوينه السابق. يؤيد عدد كبير من العلماء هذه النظرية التي استطاع الأولون من الحكماء إدراكها بأسلوبهم، وصاغها نيتشه بمقهومه الخاص وجعل منها أحد النظريات المؤثرة في الثقافة المعاصرة... من يدري ربما نحن أيضاً نعرف ذلك في أعماقنا وإلا لماذا نصاب كثيراً بالديجافو ونشعر أننا مررنا بنفس المواقف ذاتها من قبل، كأن الحجاب يرفع عنا ونشعر أننا عشنا هذه الحياة من قبل ولكننا نسينا، وما أكثر ما ينسي أبناء آدم.