الجمعة، 24 يوليو 2026

البيروني... عقل متشعب ورؤية إنسانية

 

التراث العربي بحر عميق متخم بالجواهر والدرر، درسه المستشرقون بشغف فامتلأوا إعجاباً بهم، ومن ضمن هؤلاء المستشرق الألماني إدوارد سخاو الذي وصف البيروني بأنه أكبر عقلية ظهرت في التاريخ ويعتبره أكبر ظاهرة علمية ظهرت في الحضارة الإسلامية، وفي قوله هذا مبالغة، فلا يمكن أن نصف عالماً بأنه هو الأعظم علي الإطلاق، ولكن سخاو له العذر لأنه سلخ من عمره سنوات طوال يدرس أعمال البيروني وتعلق به، والبيروني لا يحتاج شهادة للتدليل علي سعة علمه وتأثيره المدوي في مسار العلم، فاسمه سبظل باقياً علي لائحة أكابر العلماء في التاريخ.

علي أرض خوارزم وتحديداً في قرية قرب مدينة كاث، ولد أبي الريحان البيروني ٩٧٣م، في تلك المنطقة الواقعة حالياً في أوزبكستان وسط آسيا، حضارتها كان لها صيتاً واسعا، وكانت نقطة تلاق للحضارات اليونانية والفارسية والهندية والصينية، هناك أمراً غامضاً في حياة البيروني يخص أسرته حسبما قال في قصيدة شعرية سجلها ياقوت الحموي:

وذاكراً في قوافي الشعر حسبي ولست والله عارفاً نسبي

إذ لست أعرف جدي حق معرفة وكيف أعرف جدي إذ جهلت أبي

إني أبو لهب شيخ بلا أدب نعم ووالدتي حمالة الحطب

فهل لم يكن البيروني حقاً يعرف نسبه، أم أنت تلك الأبيات لها معني فلسفي، قصده الاستهزاء بالأنساب والألقاب؟! المؤكد أن راعيه ومربيه هو أبو نصر المنصور علي بن عراق، أحد أفراد الأسرة الحاكمة في خوارزم، وكان عالماً في الرياضيات والفلك، تعرف من خلاله عالمنا علي هندسة إقليدس ونظريات بطليموس الفلكية، ما أعده للأعمال الكبري التي قام بها في مستقبل أيامه، وظل البيروني وفياً لفضل المنصور عليه معبراً عن سعادته بين أفراد هذه الأسرة، وقبل أن ينهل من علم المنصور في بداية حياته، تعرف علي عالم نبات يونانياً، ساعده البيروني في جمع البذور والأزهار والفاكهة، فاشتعل شغفه بالعلوم الطبيعية، وهكذا كانت طفولة البيروني مع علم النباتات والفلك والرياضيات، وأصبح ما في جوف الأرض وما علي سطحها وما يعلوها من كواكب ونجوم، هو شاغل البيروني طوال حياته، لقد أراد ذلك العلامة أن يشحن عقله بالدنيا وما فيها فترك آثاراً علمية خالدة تتباهي بها الثقافة العربية.

فما الذي فعله بالضبط ليستحق مكانته ؟

لم يكن لشخص مثل هذا أن يضيع عمره فيما لا نفع منه، في سن السابعة عشر استخدم حلقة مدرجة لرصد ارتفاع الشمس عند خط زوال مدينة كاث، وبذلك استطاع حساب عرض المدينة، ولما كان في الرابعة والعشرين تراسل مع ابن سينا الذي كان يصغره بسبع سنوات، فتناقشا في كتابي السماء والطبيعة لأرسطو، وبنية الكون والقوانين الفيزيائية المؤثرة في حركة الأجسام، والجسيمات الغير قابلة للانقسام(الذرات)، وطبيعة الحرارة وكيفية انتقال الضوء، وبعد ذلك بعامين يكتب "الآثار الباقية عن القرون الخالية"، ليتدارس تاريخ البشرية منذ أصوله الأولي، شارحاً نظام التقاويم المختلفة عند العرب واليونان والفرس، كما يشير للأحداث التي جرتومع الملوك، وعادات ومعتقدات الأمم السابقة، وقد وضع تلك الأمم تحت عينه الفاحصة الدقيقة شديدة الملاحظة والذكاء، وليس من المستبعد أن تكون فكرة هذا الكتاب نبتت في عقل البيروني، بسبب تلك الاضطرابات السياسية العاتية التي عاني منها، فأراد فهم كيفية تطور المجتمعات وتتبدل الأيام، فلقد تغيرت حياة البيروني بعدما احتلت جيوش محمود الغزنوي خوارزم ١٠١٧،وارتحل مع بقية علماء البلاط لغزنة عاصمة حكمه، تلك الفترة كانت صعبة عليه فتحداها بالعمل والاجتهاد، فوضع فيها عمله الشهير" تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة" وانغمس لسنوات في دراسة بلاد الهند وأتقن لغتهم السنسكريتية، فأضاف وهو في الأربعينيات لغة جديدة للغات التي يتقنها وهي الفارسية والعربية والسريانية واليونانية، وهذا الكتاب مصدراً أساسياً لدراسة الهند، فلم يترك فيها شيئاً لم يسجله بأمانة كالعلوم والمعتقدات والقوانين وأنظمة القياس والوزن والأساطير واللغة والجغرافيا، مقتبساً أربع وعشرون عملاً لأربعة عشر كاتباً يونانياً، وأربعين مصدرا سنسكريتياً، لم يكن العالم قبل البيروني يعرف شيئاً ذا بال عن الهند، فهبط أرضها كي يسجل للبشرية جزء مجهولاً من ثقافتها، يمثل تحقيق ما للهند مع الآثار الباقية سلماً ارتقي به البيروني ليصبح من رواد علم التاريخ والإثنوغرافيا(علم وصف الشعوب)، ومن بديع صفاته أنه لما تعلم الكثير من الهند، ربما نازعته نفسه لرد جزء من ذلك الجميل فترجم كتاب العناصر لإقليدس وكتاب المجسطي لبطليموس للسنسكريتية، ونلمس في كتاباته عرفاناً للحضارة اليونانية وتقديراً لفلاسفتها وأدبائها، ذلك التعامل الراقي مع الحضارات المختلفة، يجعل البيروني من أوائل الدعاة لاكتشاف وحدة الأصول الإنسانية بين شعوب الأرض، فهو مؤمن بالوحدة والتعاون الشامل، عن طريق فهم الآخر واحترامه، فتمتد جسور التواصل بين الحضارات، ولم لا والأصل واحد وإن اختلفت الفروع؟!

كذلك كان من أساطين علم الفلك، فقد قال بإمكانية دوران الأرض حول الشمس، وبأن للأرض جاذبية تشد الأجسام حول مركزها، واستدل علي كروية الأرض، وبحث في تأثير القمر علي المد والجزر، وكتابه" القانون المسعودي" موسوعة فلكية يتجول فيها القارئ علي صفحة السماء، بل وابتكر أيضاً عدداً من آلات القياس الفلكية، وفي الجغرافيا تمكن من قياس محيط الأرض، بنسبة تختلف حوالي١١٠كم فقط عما جاءت به الدراسات الحديثة، وفي الجيولوجيا ذكر النظرية التي تشير لتعاقب العصور في دورات متتابعة، ومع مرور الزمن يصبح البحر يابساً واليابس بحراً، وفي آخر حياته يقتحم علمي المعادن والصدلة، فيكتب "الجماهر في معرفة الجواهر" يحدد فيه الأوزان النوعية للأحجار الكريمة، " الصيدنة" وهو معجم طبي يحتوي علي أسماء الأدوية والعقاقير وتأثيراتها، وفي يوم وفاته عام ١٠٤٨م يأبي وهو في النزع الأخير، مفارقة الدنيا إلا وهو يستفهم عن مسألة في علم المواريث كما يحدثنا الفقيه أبو الحسن علي بن عيسي قائلاً" أودع الدنيا وأنا عالم بها خير لي من أن أخليها وأنا جاهل بها".

أدرك البيروني قيمة الحياة فلم ينتهك أيامه في الفراغ، فأمد العالم بذخيرة علمية مازالت تحتفظ حتي اليوم بقيمتها، ومبادئ وروح علمية تحتذي من أهم عناصرها أصالة التفكير، الشمولية الموسوعية، موهبة أدبية، منهج علمي دقيق، ورغبة في التوحيد بين البشر رغم ما تظن كل أمة عن الآخري، فتنازعت عليه عدة قوميات هي العربية والإيرانية والتركية والروسية، وإذا سألنا عالمنا العبقري إلي من تنتمي بين كل هؤلاء؟ لأجاب بحسب ما تعلمناه منه: أنتمي للإنسانية بكل أممها وعصورها التي تتعاقب بحركة الأفلاك.


الخميس، 23 يوليو 2026

فلاسفة حول الدائرة

 فلاسفة حول الدائرة

لا يمكن فض ألغاز هذا العالم البتة، كل لحظة مثيرة للدهشة والغرابة، ومن الصعب الجزم بصحة أي فكرة ولدت من العقل البشري، كأني أسير مع الاتجاه القائل بأن كل المعارف البشرية محض سذاجة وتخييل، وأتنهد مع المعري بلوعة:

نفارق العيش لم نظفر بمعرفة وإنما نحن في ضلال وتعليل

يرد علي خاطري تلك الأفكار المخيفة، وأنا أتأمل فلسفة العود الأبدي، تلك الفكرة الرهيبة الغامضة عن تكرار الأحداث في العالم مراراً بتعاقب الحياة في الكون بصورة متكررة، فالحياة في ذلك النسق الفكري لا تفني إلا تعود من جديد، هل هذا ما نعنيه نحن بقولنا"دارت الأيام"،وبأن الدائرة التي بدون بداية ولا نهاية هي أكمل الأشكال الهندسية، حيث البداية هي النهاية والنهاية هي البداية؟....إن مجرد التفكير في مفهوم الأبدي يصيب الدماغ بالدوار، إن نيتشة كان علي حق حين سردها علي لسان شيطان في ذلك المقطع من كتاب العلم المرح:" ماذا عساك تقول لو أن شيطاناً تسلل يوماً أو ليلة داخل وحدتك الأكثر انزواء، وقال لك" هاته الحياة، مثلما تحياها الآن، ومثلما حييتها، سيلزمك أن تحياها مرة أخري ومرات لا حصر لها، ولن يكون فيها شئ جديد، سوي أن كل ألم وكل متعة، كل فكرة وكل تأوه وكل ما هو متناه في الصغر والكبر في حياتك لابد أن يعود إليك، والكل في نفس النظام ونفس التتابع، تلك الرتيلاء(العنكبوت) أيضاً، وضوء القمر هذا بين الأشجار، وهاته اللحظة وأنا نفسي. إن ساعة الوجود الرملية الخالدة لا تفتأ تعكس من جديد وأنت معها يا ذرة غبار من الغبار" ألن تلقي بنفسك أرضاً، تصر أسنانك وتلعن الشيطان الذي يكلمك بهذا الشكل؟ أم سيحدث أن تعيش لحظة رائعة قد يمكنك فيها أن تجيبه" أنت إله فما سمعت أشياء أروع من هاته قط"لو سيطرت عليك هاته الفكرة فستحولك، جاعلة منك مثلما أنت شخصاً آخر، ربما طاحنة إياك:والسؤال المطروح بخصوص كل شئ:"هل تريد هذا مرة أخري ومرات لا حصر لها" سيهبط بثقله علي تصرفك كأثقل وزن! أو كم سيلزمك من إظهار الإحسان تجاه نفسك وتجاه الحياة حتي لا ترغب في شئ غير هاته الأخيرة التي هي إثبات أبدي، هاته الأخيرة التي هي عقاب أبدي! " ما أن نيتشه يطرح إلتزاماً أخلاقياً، فكيف تبغي أن تعيش حياتك لو قيض لك أن تعيدها مرات لا حصر لها! لو أن كل لحظة ستعاد إلي مالا نهاية، وترمي في وجدانك ضحكات الفرح أو صراخ لهيب الألم، وبالتالي سنندم علي كل لحظة مرت لم نكن علي مستوي الأخلاق المطلوبة، فلا أحد يريد أن تعاد مساوئ حياته، وستتيقظ عندما نفهم ذلك حواسنا للمستقبل، ونستعد دوماً للتعامل مع اللحظة القادمة، وأن نتشبع بكل ما في الحياة، وفي النهاية نحب القدر ونتماهي معه.

فكرة التكرار الزمني للأحداث من عمر الحضارات الأولي للبشرية، وعرفتها كل الثقافات، ففي مدونة هرمس المصرية المنسوبة للإله تحوت"يتغير كل شئ في الزمن أبداً، تولد الكائنات ثم تفني ثم تعود للوجود من جديد" وعرف السومريون والبابليون الدورة الزمنية، التي سموها "السار" ونقلها الإغريق وحرفوها للساروس أي الدائرة، والساروس البابلية هي دورة كونية تدوم لـ ٣٦٠٠عام،أي أن الكون يخلق ثم يستمر لمدة ٣٦٠٠عام ثم يفني بالطوفان أو الحريق، وكان لمفهوم تكرار الزمن أهمية كبيرة في الفلسفة اليونانية، وضحت في فلسفة أنكسمندر الملطي عندما ذكر وجود عدد لا متناه من العوالم واعتقد بالفناء الكوني، أما هيراقليطس فعرف الساروس بالسنة الكبري، فالنار في فلسفته أحد عناصر الكون الرئيسية تلتهم العالم بين مدة وأخري، ثم يعود من جديد لما كان عليه سابقاً، وهيراقليطس هذا أحد أهم فلاسفة اليونان الذين أثروا في عقل الحضارة الغربية، فهيجل يقول عنه"ما من قضية لهيراقليطس لم أكن قد احتضنتها في منطقي"، ونيتشه يضع له مكاناً فريداً في روحه"وظل يساورني شك فيما يتصل بهيراقليطس الذي يبعث اتصالي به الدفء في نفسي ويجعلني أكثر رشاقة مما يفعل اتصالي بغيره أياً كان" بل لقد اعتبر أحد الشراح أن فلسفة نيتشه يرجع لهيراقليطس، والحق أن هيراقليطس وإن لم يكن من نجوم الفلسفة الإغريقية إلا أن تأثيره تفرع وامتد لكل مكان في العالم، فأفكاره كامنة في الرواقية، والأفلاطونية المحدثة، أما المسيحيون الأوائل عاملوه كأول المبشرين بديانتهم، بسبب نظريته في اللوجوس، ولما انتقل للعالم الإسلامي، أثرت فكرته في تعاقب الإكوان في نظريات إخوان الصفا، وقوله بأن النار أصل الوجود كان له عواقب حاسمة في اتجاه الفيلسوف الصوفي الغنوصي الحلاج لتقديس النار، وذلك الفيلسوف المولود في إفسوس غرب الاناضول عام ٥٣٥ق.م من عائلة عريقة تتسم بالنبالة، عرف بغرابة سلوكه وحزنه الدائم، حتي عرف بالفيلسوف الباكي، ويصفه ديوجنيس"كارهاً للبشرية، اختار العزلة والبعد عن المناصب، وما بقي من مؤلفاته عبارات ملؤها الألغاز، واتبع الفيثاغوريون فلسفته وآمنوا بوجود عوالم كثيرة في عدد محدود، وبأن الحوادث ستتكرر والدورات الزمنية تحدث لما لا نهاية، وحول هذا الموضوع خاطب ديموس تلميذ أرسطو أتباعه قائلاً"إن صدقنا الفيثاغوريون فسيجئ يوم نجتمع فيه ثانية في هذا المكان، فتجلسون كما أنتم تسمعون إلي، وأتحدث أنا إليكم كما أفعل الآن" واعتقد أفلاطون وزينون بتلك السيرورة الكونية، ومع انتشار المسيحية تعرضت لنقد شديد من مفكريها، مثل القديس أوغسطين علي اعتبار أنها تنكر الإرادة الحرة وفرصة الخلاص،ومع الوقت تلاشت من الأذهان.

في القرن التاسع عشر أعاد نيتشه العملاق من جديد إحياء نظرية العود الأبدي، كأحد أهم المرتكزات التي بنيت عليها فلسفته المثيرة للجدل، ورغم كونه دارساً متعمقاً للفلسفة اليونانية-أو ربما بسبب ذلك- ينسب فضل صياغة العود الأبدي لنفسه، فيحكي أنه في أحد أيام شهر أغسطس من عام ١٨٨١كان يتنزه في إيطاليا"في ذلك اليوم كنت أجتاز الغابة علي طول بحيرة سلفا بلانا، وبالقرب من كتلة صخرية هائلة برزت علي شكل هرمي، وعلي مقربة من سورلي، وقفت، وهناك خطرت لي الفكرة" تلك الفكرة ظنها نبعت من أعماقه لفرط ما تشبع بالفلسفة اليونانية حتي غدت لا تنفصل عن وعيه، ومنذ تلك اللحظة بجوار الصخرة الهرمية، ونيتشه يتغني بالعود الأبدي في أعماله، خاصة عمله الأشهر" هكذا تكلم زرادشت"فيجعل النبي الفارسي زرادتشت يترنم بالآراء العاتية والصادمة، حول القوة والإنسان الأعلي اللذين أساء فهمهما التيار النازي في ألمانيا وانحرف هتلر عن المضمون العميق لرؤية نيتشه، وها نحن نسمع من نيتشه علي لسان زرادشت همسات شعرية" سأعود مع هذه الشمس، وهذه الأرض، وهذا النسر، وهذا الثعبان، لا إلي حياة جديدة أو حياة أفضل، أو حياة تقرب من هذه، سأعود أبداً إلي نفس هذه الحياة، في كل صغيرة وكبيرة منها، لكي أدعو مرة أخري إلي العود الأبدي لكل الأشياء".

نجد فلسفة العود الأبدي يتردد صداها في العلوم، بحسب نظرية الانفجار الكبير للعالم البلجيكي جورج لوميتر، سيظل الكون يتمدد حتي يصل إلي أقصي مداه، وسينكمش من جديد ماراً بنفس مراحل تطوره عكسياً إلي أن يختفي كلياً، ومن المنتظر حينها أن يعود من جديد ماراً بنفس مراحل تكوينه السابق. يؤيد عدد كبير من العلماء هذه النظرية التي استطاع الأولون من الحكماء إدراكها بأسلوبهم، وصاغها نيتشه بمقهومه الخاص وجعل منها أحد النظريات المؤثرة في الثقافة المعاصرة... من يدري ربما نحن أيضاً نعرف ذلك في أعماقنا وإلا لماذا نصاب كثيراً بالديجافو ونشعر أننا مررنا بنفس المواقف ذاتها من قبل، كأن الحجاب يرفع عنا ونشعر أننا عشنا هذه الحياة من قبل ولكننا نسينا، وما أكثر ما ينسي أبناء آدم.


الخميس، 29 يناير 2026

عمر ياغي... فصل جديد للعرب مع الكيمياء


عمر ياغي... فصل جديد للعرب مع الكيمياء



عندما حصل العالم عمر ياغي علي جائزة نوبل في الكيمياء عام ٢٠٢٥، أطل علي العالم بوجهه الطفولي ونظارته الطبية، لتسافر عبر وكالات الأنباء وشاشات الأخبار أنباء إنجاز تاريخي في مجال الكيمياء، خرج من المعامل والمختبرات والحيز الأكاديمي المختص، ليعلن عن نفسه أمام البشرية فيهبها الآمال والأحلام في غد أفضل، وأن شئنا الدقة والاختصار فقد ولد علم جديد اسمه"الكيمياء الشبكية"، وزارت الفرحة قلوب العرب... فرحة خامرها حيرة واضطراب في تحديد ماهية الدولة التي ينتمي لها ياغي الذي ولد في الأردن ١٩٦٥ لأبوين فلسطينيين هاجرا بعد نكبة ١٩٤٨،ثم سافر للولايات المتحدة في عمر الخامسة عشر، وفي ٢٠٢١ منح الجنسية السعودية، مما تسبب في حالة اختلاف أدي لخلاف بين العرب- كما هي العادة للأسف- لكن فرحتي الغامرة لم تتأثر، فكل ما يهمني أنه عربي ينتمي لثقافتي ويعرف لساني، وفوزه انتصار لكل العرب يمنحهم دفعة نحو أبواب المستقبل، وفي نفس الوقت يذكرهم بتاريخهم المجيد في العلوم ودورهم في صنع الحضارة الإنسانية، عندما كان العالم غارقاً في ظلمات العصور الوسطي.

عمر ياغي فصل جديد من قصة العرب مع الكيمياء التي عرفت في فترة ما بـ"صنعة جابر" نسبة إلي جابر بن حيان، المستحق لوصف الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس باكون" أول من علم الكيمياء للعالم، فهو أبو الكيمياء"، واستمر نبوغ العرب في الكيمياء في العصر الحديث، بينما كان القرن العشرين يطوي أوراقه ويرحل حصل العالم أحمد زويل علي نوبل للكيمياء عام ١٩٩٩،وبعد ٢٦ عاماً، يقتنصها ياغي بدأبه العلمي وكفاحه بين جدران الجامعة في الولايات المتحدة، حيث نشر قبل الجائزة أكثر من ٣٠٠بحث علمي، وحظيت أعماله بأكثر من ٢٥٠ألف استشهاد علمي.

ميلاد علم جديد أمر بستحق التأمل، وقصته حين تروي تلهم الملايين حول العالم، وبتأسيسه لعلم الكيمياء الشبكية منح ياغي رؤية جديدة ومبتكرة جعلتنا نري العالم من منظور جديد تماماً، وهي سمة الاكتشافات العظيمة والاختراعات المذهلة، فقد قرر ياغي أن يجعل الكيميائي يتوقف عن السعي لإيجاد المواد، ويبدأ في تصميمها بدلاً من بقاؤه تحت رحمة التفاعلات ، وأثبت أن ندرة المواد أو وفرتها ليس قانوناً علي البشر اتباعه، بل تكوين يمكن بنائه من الصفر وعبر عن ذلك لجنة نوبل في تقريرها بقولها أن منجز عمر ياغي بمثابة"تحولاً من كيمياء الاكتشاف إلي كيمياء البناء". 

الأطر الفلزية العضوية MOFsالتي ابتكرها ياغي أشبه بإسفنجات متناهية الصغر بإمكانها تغيير واقعنا، فهي عبارة عن هياكل صغيرة جداً، وفيها مسام عديدة ومساحة سطح داخلية ضخمة للغاية بالنسبة للجزيئات، تتميز بروابط كيميائية قوية، مثل بناء من قطع الليجو لكن علي مستوي مجهري، ومثال آخر لتقريب الفكرة أكثر يمكن اعتبارها بناء معماري علي مستوي الذرة لهندسة الفراغ، أي غرفة ذرية لتخزين المياه والغازات كالهيدورجين وقود المستقبل، وتخزينه يمثل عقبة لأنه غاز خفيف للغاية من الصعب ضغطته أو تسييله، وثاني أكسيد الكربون لتنقية الهواء، وفي مسيرة مكافحة الإنسان للمرض الخبيث، فالمسامات النانوية داخل MOFsيمكنها حمل جزيئات الدواء، وتنقلها بدقة وأمان داخل الجسم، وتلك طريقة مثالية لتوصيل الأدوية المعالجة للسرطان، التي تستهدف الوصول إلي خلايا معينة دون التعامل مع الخلايا السليمة، وعندما تمت تجربة عقارات محمولة بالإطارات الفلزية مثل الدوكسوروبيسين، علي الحيوانات جاءت النتائج مبهرة، وكان تعليق العلماء" مركبات ذكية تعرف أين تذهب ومتي تعمل".

حين اقترحت فكرة مماثلة قبل عدة عقود رد العلماء "مستحيل" لاعتقادهم أن الروابط الكيميائية، سينتج عنها مواد لا بلورية في حالة فوضي وعدم استقرار، ولأن عمر ياغي رباه والده علي الاستقلال الفكري وإتقان العمل، استمر في تجاربه الناجحة في سبيل تحقيق المستحيل، حتي نجح عام ١٩٩٥ بإنتاج هياكل بلورية ، وكانت قفزة كبيرة في مشروعه العلمي، حيث استخدم روابط قوية لربط الأيونات المعدنية والموصلات العضوية، وذلك جعل الهياكل صلبة ومستقلة، ثم صنع وحدات بنائية خاصة أقامت هياكل قوية ومفرغة، تأكد العلماء من فراغها الداخلي عن طريق اختبار كمية الغاز التي يمكنها تخزينها عام ١٩٩٨.

أثبتت MOFs أنها مجرد بداية لعالم جديد يتشكل، تصبح فيه المادة تحت طاعة الإنسان يصوغها حسب حاجته، خاصة الشح المائي الذي يعاني منه ثلث سكان العالم، فلطالما كان نقص المياه وجعاً لم يبارح قلب عمر ياغي، منذ كان طفلاً يسكن مع والديه اللاجئين وأشقائه، في حجرة واحدة يتقاسمونها مع قطيع من الماشية، في منزل بلا كهرباء ولا تتوفر له الماء سوي ٤ساعات كل إسبوعين، فهو يعرف جيداً الأثر السلبي المريع لمجتمع يعاني من نقص المياه، ويحاول بكل طاقته تجنيب الأجيال المقبلة المعاناة التي مر بها كواحد من ملايين كانت المياه بالنسبة لهم حلماً، سبيله في ذلك العلم الذي ارتبط به منذ طفولته، حتي أن صورته الوحيدة التي التقطها في صغره يظهر وفي يده كتاباً، رفض أن يضعه جانباً ليلتقط صورة وظل ممسكاً به ويعلق علي ذلك" لقد حملته معي لأنني أدركت أن هذا هو أهم شئ سأفعله".

فاز ياغي بنوبل والعرب حصلوا علي حصة مستحقة وشحيحة من الأمل، ودافع جديد للعمل والانطلاق في ميادين العلم، أما العالم فقد تخطي عتبة جديدة وضعته علي آفاق علمية ستغير من مساراته للأبد، وربما عن قريب يحل اليوم السعيد الذي يحصل فيه كل العطاشي علي المياه من الهواء المحيط بهم، فتصير المياه متوفرة كالهواء، وأن تتخفف آلام مرضي السرطان بعدم الإضرار بخلاياهم السليمة أثناء العلاج، ويكتشف الإنسان جمال الطبيعة حين يقل ثاني أكسيد الكربون في الجو ونعتمد علي الهيدروجين  لإنتاج الطاقة النظيفة، ومئات الأحلام أراها الآن في طريقها للتحقيق...كل ذلك لأن هناك لاجئاً من حرب مدمرة لم يحظ ألا بقليل من التعليم، آمن بابنه وعلمه حرية التفكير، وأصر علي سفره لأمريكا رغم رفض الابن في البداية، وهذا الابن شق طريقه بذكاؤه ومهارته وجهده، ليتحول من الفتي الفقير الباحث عن المياه لأسرته، إلي نجماً لامعاً متوجاً علي عرش الكيمياء في ٢٠٢٥،وصانعاً لعالم جديد سيجعل فيه حياة الملايين حول العالم أكثر إنسانية وسعادة، وهذا الشخص فلسطيني+أردني+سعودي... ومع أني لم أحظ بنصيب عمر ياغي من العلم ولا سافرت لأمريكا لدراسة الكيمياء، لكن تلك المعادلة حلها سهل هو إذن عربي، هو إذن يشبهني، هو إذن يشرفني.

ليس ابتكار ياغي العلمي وحده هو ما يستحق التأمل والإعجاب، تجربته الحياتية أيضاً ملهمة، وأحاديثه تمتاز بالذكاء والتواضع، وربما أهم ما سمعته في الفترة الأخيرة قوله" بينما أتأمل رحلتي، أتذكر أن الحياة نادراً ما توفر ظروفاً مثالية، كثيراً ما نجد أنفسنا ننتظر اللحظة المناسبة، أو الموارد المناسبة، أو الظروف المناسبة لنبدأ السعي وراء أحلامنا، لكن هناك شئ واحد علمتني إياه الحياة، هو أن انتظار الظروف المثالية قد يعني في كثير من الأحيان الانتظار إلي الأبد، يكمن السر في أن تبدأ من حيث أنت وبأي شئ لديك، وأن تثق بأنه بالتفكير السليم ستتشكل الرحلة من تلقاء نفسها وأنت تمضي قدماً".تلك العبارات ليست من غث التنمية البشرية وأكوام هرائها المتناثر في كل مكان، ولا قالها أحد الفاشلين الذين لا هم لهم سوي إبداء النصائح للنجاح، إنما درس تعلمه أحد أهم علماء عصرنا، وطبقه علي نفسه فصعد من القاع للقمة، قد تبدو كلماته سهلة، ومع ذلك تنفيذها قد يستغرق عمراً بأكمله. 




الأربعاء، 28 يناير 2026

سندباد مصري يتجول بين شطآن التاريخ

 


سندباد مصري يتجول بين شطآن التاريخ



حسين فوزي أحد أعلام الثقافة العربية في القرن العشرين، ولد وفي بدايته وتوفي عام ١٩٨٨،بمهارته كعالم بحار استطاع التجول بين شطآن التاريخ المصري وصيد لآلئه في كتابه"سندباد مصري"، تلك الأنشودة المنطلقة من قلب عاشق لوطنه، تختلف مع بعض رؤاه وآراؤه، لكنك لا تمتلك سوي الإعجاب بذلك العقل الكبير وتفكيره المنطقي المرتب في كل ما يكتب، وربما سر الكتابة يكمن في الإستجابات المتباينة وردود الفعل المختلفة للأفكار التي تحملها.

في ذلك الكتاب يسير حسين فوزي في موكب التاريخ بصورة عكسية، فقد قسمه لثلاث فصول: "الظلام" وفيه مظالم وآلام الشعب المصري تحت الحكم العثماني، بعدما غزا السلطان سليم الأول مصر عام ١٥١٧،مطيحاً بحكم المماليك وشانقاً سلطانهم الاخير طومان باي أمام باب زويلة، واستبداد باشاواته بالشعب، ثم حكم محمد علي باشا وتعسفه في الكثير من أحكامه، "الخيط الأبيض والخيط الأسود" حال الشعب أثناء العصور الفارسية واليونانية والعربية، وبداية الانفصال عن لغة وتراث مصر القديمة، "الضياء" عن بداية انبثاق فجر مصر المنير في عهد قدماء المصريين... يبدأ التدوين التاريخي من مرارة التسلط العثماني وينتهي بحضارة مصر المشرقة، غير عابئ كثيراً بالحكام، فالمتن الحقيقي هو الشعب الذي نسج حياته علي ضفاف النيل، منشئاً للمباني ومطوراً للصناعات وحارساً للثمار والزرع، قابضاً علي الحكمة التي علمها له تاريخه الطويل، علاقته بحكامه علي اختلاف جنسياتهم منذ الغزو الفارسي يلخصها في عبارة يجريها علي لسانه" لا أطلب منك إلا أن تجري في أحكامك بين الناس بالعدل، وأن ترعي شئونهم بالرفق: ثم افعل ما بدا لك بعد ذلك، مادمت تتركني أعمل في وادي الخصيب" ويري في ذلك المنهج النفسي خلاصة تاريخ مصر بالكامل.

يعالج حسين فوزي فكرة الانتماء التي تحير الشباب اليوم، دون أن يعلن ذلك مباشرة، استمع بقلبك جيداً وتأمل كيف احتضن أجيال التاريخ، باراً بكل أجداده وأبائه الأقدمين" أنظرني حتي تتبين حاضري، وستعرف أن حرفاً واحداً لم أنسه مما بقي من تاريخي الوثني، والمسيحي، والإسلامي، فليس من طبيعة المصري أن يتخلي عن تراثه، تالده وطريفه، كراكيبه وتحفه الغالية، عظيمه وحقيره.

في قلبي الفسيح مكان لكل أسلافي، عاقلهم وأحمقهم، غنيهم وفقيرهم.

"بهو الأجداد" في بيتي لا يعني بأسماء يتردد صداها في رحاب التاريخ وقاعاته، بقدر ما يعني بالمجهولين المغمورين منهم، ذلك الجبار المصري الذي رمي وراء ستين قرناً من الزمان، مكلل الجبين بكل ذلك المجد، مثقل الكاهل بكل ذلك العذاب والقهر".

نلحظ من رؤيته للتاريخ المصري أننا لا ننتمي إلي مرحلة دون أخري، ولا تصنيف دفع الآخر من حلبة التاريخ، إننا كمصريين ننتمي لوادي النيل الذي صهره التاريخ بالتحالف مع الجغرافيا في بوتقة فريدة، شملت عناصر متعددة شكلت الوجدان المصري، وجعلتنا علي ما نحن عليه بعيوبنا ومميزاتنا، إن الدراسة المتأنية لذلك الكتاب أشبه بخريطة ذهنية تهب وعياً حقيقياً- بعيداً عن سخافات وحماقات الإنترنت والصفحات الإلكترونية- لكل من يعاني لعدم قدرته استيعاب الهوية المصرية، وله العذر في ذلك، فبلد يربو تاريخها علي سبعة آلاف عام، من الصعب تحديد هويتها إلا بدراسة تاريخية متعمقة تبدأ من الجذور الأولي، وهذا ما يقدمه حسين فوزي في سياحته وهو الرحالة بين المدن والأمكنة، عندما يحمل عصا تجواله ويدور في أزمنة ووقائع التاريخ المصري، حيث يعترف في البداية" لا فضل لي في هذا الكتاب إلا أني رسمت خطته ونظمت فصوله، تبعاً لانفعالاتي الشخصية بتاريخ بلادي". 


لغة هذا الكتاب وحدها تعبير عن الهوية المصرية، فلحسين فوزي لغة لها طابعها الخاص، شكلها عشقه للموسيقي ودراسته لها نظرياً وفلسفياً، وما تزال تسجيلاته بصوته القوي الواثق يشرح الموسيقي العالمية في إذاعة البرنامج الثقافي ويحللها بشغف شديد، متنقلاً بين سيمفونيات بيتهوفن وباخ وموتسارت وشوبان وغيرهم من فطاحل الموسيقي، وأيضاً لنشأته الشعبية بجوار مسجد الحسين شكلت له لغة جمعت بين الفصحي والعامية في تناغم فريد، لا يضاهيه فيها إلا يحيي حقي وخيري شلبي، فضلاً عن معيشته في أوروبا واطلاعه علي علومها و فنونها وآدابها. 

يؤخذ علي حسين فوزي تجاهل انتماء مصر العربي مفضلاً عليه الانتماء للحضارة الغربية ومنجزاتها وقوانينها ونمط حياتها، وهو ما نلمسه في هذا الكتاب المنشور في الستينيات في أوج انتماء مصر القومي للعروبة، لم يخف ذلك فقد كان النموذج الغربي هو النموذج المنشود لطبقة لا يستهان بها من مثقفي مصر ومفكريها في القرن العشرين وخصوصاً في النصف الأول منه، وهذا ليس بعيب علي الإطلاق ولا مادة للتندر والسخرية كما نلحظ في كتابات من يهاجمون ذلك الاتجاه الفكري، فالكاتب عندما يطرح فكرة ما لا يظن في نفسه أنه صولون أو حمورابي وقد أصدر مرسوماً يجب طاعته واتباعه، بل هي رؤية نابعة من تجربته وثقافته يقدمها للنقد والتمحيص، لتخضع للنقاش الحر والمنطق المسلح بالمعرفة والثقافة كي تنضج ثمراته وتفيد المجتمع، وكل القضايا الجدلية في التاريخ أو حتي العلم لا يمكن البت فيها نهائياً، بل تحتاج لمجهودات أجيال متتابعة لتغطي جوانبها وتشرحها بوضوح واقتدار، وقد أسهم حسين فوزي بنصيبه في الأمور التاريخية والثقافية.

كتب حسين فوزي مؤلفه هذا في" بحبوحة الأدب والفن: حرية في الفكر وتحرر في الأسلوب" فترك بصمة واضحة في العقلية العربية الحديثة، ومعلماً هاماً في المكتبة العربية المعاصرة، تزداد قيمتها كلما مر عليها الزمن وتعاقبت الأجيال المصرية، لتنطق بسؤالها الخالد الأبدي" إلي أين نتجه؟". 



الخميس، 15 يناير 2026

ومضات تاريخية

 



١-عين حورس


همس لنفسه "ضاعت ولم يعد لها وجود"... تحسس مكان عينه المفقودة علي يد عمه ست، ولما رأي أتباعه مدي حزنه، فقاموا برسمها علي الجدران وورق البردي، حتي أصبحت أشهر عين في التاريخ، ومنذ ذلك اليوم تحدق فينا عين حورس  المنطفئة في كل مكان



٢- أحزان خيتي


الملك خيتي رابع من حمل اسمه قابع في قصره، لا يأكل ولا يتكلم، يفكر في حربه مع أنتف العظيم، حاكم مدينة طيبة المتمرد، يأكله الندم علي تدميره للعديد من المعابد المقدسة وضياع آلاف الأرواح، فنادي علي ابنه وطلب منه أن يسجل وصاياه الخاصة بتقوي الآلهة وتجنب الحروب.


٣- التاجان


في كل عام يتذكر الملك مينا الهتاف الذي اخترق سمعه وملأ روحه "عاش مينا موحد القطرين" ليس بوسعه فصم وجهي البلاد وإعادة كفاح الوحدة من جديد، كان يكتفي بفصل تاج الشمال الأحمر عن تاج الجنوب الأبيض، ويعيد تركيبهما معاً، ثم يتوج نفسه من جديد.


٤-نبيذ لأجل سخمت


أخيراً استلقت سخمت سكرانة من شراب النبيذ الإلهي الذي وضعه لها رع كي تتوقف عن سفك دماء البشر، نظرت إلي البحيرة الحمراء التي عبت منها في جوفها، ففهمت كل شئ، غضبت علي خداع أبيها لها، لكن غضبها ذاب في جوفها وهي تستمع لضحكات الصغار الذين يمرون من أمامها.


٥- أري أشياء رائعة


تصبب العرق من اللورد كارنافون، رغم برد نوفمبر القارص عام ١٩٢٢،وتمني لو وهب عيناً تخترق سماكة الحجر، جفف جبينه بمنديل وهو يري علي ضوء المصباح الخافت، هيوارد كارتر يقترب من فتحة المقبرة وبين يديه شمعة ضئيلة، شمعة أضاءت وهجاً أعمي عينيه لما انعكس علي مئات القطع الذهبية للملك توت عنخ آمون، ارتعشت يداه بشدة وهو يتأمل الروعة المتجسدة حوله، وهتف كارنافون  بصبر نافد:

- ماذا تري؟

فأجاب بما سيدور في خلد كل إنسان سيشاهد محتويات المقبرة إلي الأبد:

- أري.... أري أشياء رائعة".




الأحد، 4 يناير 2026

دار دون....أو المدينة كما رأيتها


دار دون....أو المدينة كما رأيتها


ترجع بداية اكتشافي لدار دون منذ بداية ظهورها عام ٢٠٠٨،كنت أشاهد أغلفة إصداراتها المميزة في الصحف، ولطالما أعجبت بتصاميمها الملفتة للنظر في ذلك الوقت لم يكن الإنترنت متوفراً كاليوم، ولكن كان هناك شغفاً حقيقياً بالمعرفة، فظللت أتتبع أخبارها في الصفحات المختصة بالثقافة وعروض الكتب في الصحف والمجلات... الاسم نفسه كان جذاباً فقد كانت حركة التدوين والمدونات الإلكترونية في مجدها، ومنذ تلك الآونة تحتل دار دون مركزاً متقدماً في القائمة المفضلة لدي، لأن كل كتاب تنشره إما يمس شيئاً في وجداني أو عقلي، وهكذا اعتبرت تلك الدار بمثابة مدينة خيالية، أنسلخ من مشاكلي وآلامي وأهادن الأيام القاسية بالهرب ناحيتها، لأبتهج وأستفيد، ولأن المجال لا يسمح بالإطالة-وأنا من عشاق الإطالة والاستطراد- فسأكتفي بما جري لي في شوارع مدينة/دار دون في العام الماضي فحسب.

شوارع تلك المدينة ملأي بالمشاهدات والتأملات، ففي شارع التاريخ يقف شريف سامي يحكي ماجري لبني البشر منذ زمن آدم، ويسرد ماجري لذريته التي توزعت بين الخير والشر حتي طوفان نوح، ومآل البشرية بعد الطوفان الذي تردد صداه في كل الحضارات القديمة كالحضارة المصرية القديمة والبابلية  واليونانية، متنقلاً من الكتب المقدسة للأنثروبولوجيا للجغرافيا للأساطير وأقوال المؤرخين ذاكراً لكافة وجهات النظر، وفي النهاية يحكم العقل والمنطق كي يفصل بينهم، وأيضاً يجلي حقيقة خطيرة ألا وهي استخدام القصص الدينية وشروحاتها لأغراض سياسية تخدم فئة ما علي حساب الأخري، ويختتم كتابه" الأرض بعد طوفان نوح" بالخلاصة الحقيقية والصادقة لذلك المشوار الطويل" يجب أن نعلم أننا جميعاً خليط واحد، وأن رب السماء لم يحلل العنصرية في أي كتاب"، و يستعرض تاريخ أوروبا المتشابك في"مختصر تاريخ أوروبا" منذ أقدم العصور حتي عصرنا الحالي، لنري كيف تشكلت القارة العجوز، وأحوالها في الحرب والسلم، وتلك الضريبة الباهظة التي دفعتها كي تتقدم إلي ماهي عليه الآن وهو في حد ذاته درساً تاريخياً ملئ بالعبر، وفي كتاب"٢٦ساعة في حياة هتلر" أدركت بصورة غير مباشرة أن عمر الإنسان لا يقاس بالسنوات، فالسنين طويلة، معظم أيامها غث لا معني له، بل بالساعات الحاسمة التي ينتج عنها قرارات مصيرية، فبين ساعة تمرد الصغير أدولف علي أبيه القاسي حتي هزيمته وهو الفوهرر في الحرب العالمية الثانية، تظهر مع تقدم الساعات تلك الشخصية الأكثر جدلاً في التاريخ الحديث  بالتدريج حتي تكتمل صورتها النهائية من جوانب عدة، ما يجعل ذلك الكتاي تعريفاً وافياً لسيرة الرجل الذي قلب العالم.

وفي شارع آخر ألتقي برجل طالما أحببت لقائه منذ سلسلة الرجل المستحيل... نبيل فاروق يؤدي دوره لآخر عمره ليزيد من الوعي الوطني في كتاب "حروب" الذي حدثنا فيه عن تاريخ الحروب منذ زمن السيوف والرماح حتي حروب الجيل الرابع الخبيثة المعتمدة علي وسائل الإعلام والإشاعات والألاعيب النفسية، وفي الكتاب فصلين دسمين الأول عن رفعت الجمال الشهير برأفت الهجان، يجيب فيه عن أسئلة حول تلك الشخصية الغامضة طالما سببت لي الحيرة، والثاني عن جماعة الحشاشين وقائدها حسن الصباح، ومقره في قلعة ألموت... وسيصحبنا نبيل فاروق لشارع آخر كان بالنسبة لي مفاجئة وهو شارع السينما والدراما "شغف السينما" وسأري له وجهاً لم أعرفه من قبل، فهو مشاهد عتيد تنقل بين الأعمال السينمائية والدرامية في مصر وخارجها، فاستعادت ذاكرتي أوقاتاً جميلة قضيتها علي شاشة الفرجة، وزاد تأكدي أن باب السينما والدراما واحد من أكثر أبواب المعرفة ثراء، حين تدرس موضوعاتها بجدية.

وفي ختام العام كام كتاب" ميت مطلوب للشهادة" وفيه جمعت سمر عبد العظيم بين الفن القصصي ووقائع الطب الشرعي المثيرة، أثناء اكتشاف الحقائق خلف حالات الانتحار والقتل والحوادث، وتبين الواقع من الزيف، ولقد تلفت حولي طويلاً فيه متوجساً، فلا أعرف ماذا يمكن أن أسمي هذا الشارع فكل أبطاله يتحدثون من العالم الآخر. 


الاثنين، 8 ديسمبر 2025

السبع دوخات

 





السبع دوخات

عن قصة زعبلاوي لنجيب محفوظ

سيناريو وحوار: محمود قدري























م/١               عيادة طبيب نفسي               ن/د


ضياء رجل في الأربعين يجلس علي مقعد أمام طبيب نفسي، يناوله الطبيب روشتة دواء

ضياء يسخط ولا يأخذها منه

ضياء: مش عايز دوا! علاجي مش برشامة أزحلقها بشوية ميه في زوري. 

الطبيب(مهدئاً): الدكتور النفسي مش ساحر، والاكتئاب وحش بيكبر كل دقيقة، لازم نواجهه بكل الأسباب الممكنة... وجع الفقدان مش سهل. 

يقبض ضياء بأصابعه علي الروشتة ويضعها في جيبه، ويخرج متضايق من الباب. 

ينظر له الطبيب في أسي وعجز. 


قطع























م/٢               شقة ضياء(الصالون)                ل/د


الإضاءة كابية... نور باهت وحيد منبعث من أباجورة صغيرة موضوعة علي طاولة مستديرة. 

ضياء ممدد علي الأريكة، يقلب في صور هاتفه، فنري صورة زفافه مع زوجته الراحلة، ينظر لها بتأثر شديد ويتكلم معها. 

ضياء: سنة يا سلمي من غيرك... سنة مرت عليا كأنها قطر هرس جوايا كل حاجة. 

يرن هاتفه، يرد ولا نسمع ما يقوله الطرف الآخر لكن ندركه من كلام ضياء. 

ضياء(ساخراً بمرارة) ماتقلقش لسه عايش، الانتحار عايز شجاعة مش عندي

ثوان يستمع فيها لمحدثه. 

ضياء: حاول تمد لي الأجازة أكتر معلش، مش قادر آجي الشركة

يغلق الخط، ويستمر في تقليب الصور، نري صورة له مع والده وهما في غاية السعادة، ويسرح فجأة متذكراً شئ ما. 

ص. ضياء في صغره: هو مين بابا زعبلاوي ده اللي كل ماترجع من عنده، تبقي فرحان قوي كده وتشتري لي كل الحلويات اللي بحبها. 

ص. الأب: الزعبلاوي ده يا ابني راجل زي الملايكة كده، تقعد معاه تحكي له همومك ترتاح كأنه شالها عنك، حلال المشاكل والعقد، حاكم فيه ناس كده يا ضياء يا حبيبي، ربنا يخلقها عشان الدنيا تتوزن بين الوحش والحلو. 

ص. ضياء في صغره: طب ليه الناس بيغنوا له(يغني) الدنيا مالها يا زعبلاوي    شقلبوا حالها وخلوها ماوي؟ 

ص. الأب: بيشكوا له حالهم واللي جرالهم. 

ص. ضياء في صغره: بابا...يعني إيه ماوي؟ 

ص. الأب: يعني اللي كان فوق بقي تحت، واللي بات الضحكة علي وشه صبح دموعه علي خده(يتنهد) دنيا! 


قطع









م/٣               إشارة شارع مزدحم          ن/خ


ضياء يقود سيارته في زحام خانق. 

يري امرأة شوهاء تحمل علي كتفيها طفل رضيع تتسول به. 

زوجان في السيارة التي بجواره يتشاجران. 

فتاة تبكي وبحوارها أخري تربت عليها. 

تفتح الإشارة وينطلق بطيئاً وسط زحام البشر والسيارات. 


قطع

















م/٤               مكتب الأستاذ قمر(صالة الاستقبال)    ن/د


يجلس ضياء في مكتب بالغ الفخامة، وسط مجموعة كبيرة من الناس الذين يحملون أوراقاً عديدة، وملفات كثيرة ينتظرون دورهم في الدخول. 

ينظر للوحة شكر كبيرة معلقة علي الجدار تقديراً للأستاذ قمر المحامي في حل مشكلات الموكلين. 

تخرج من حجرة قمر امرأة فاتنة الجمال ترتدي ملابس مثيرة، تضحك وتقف عند الباب تودعه بتلويحة رقيقة من يدها. 

من فرجة الباب نري قمر متهلل الوجه يحيها برفع يده

تشير السكرتيرة لضياء بالدخول. 

السكرتيرة: اتفضل دور حضرتك


قطع




















م/٥               حجرة قمر               ن/د


يدخل ضياء يتعثر في خجله، فيقابله قمر مبتسماً بترحيب حار، مشيراً له بالجلوس وبين أصابعه سيجاراً فاخراً،وعلي المكتب الانيق لوحة باسم"الأستاذ قمر بهجت المحامي". 

قمر:شرفت مكتبنا

يجلس ضياء أمامه يمسح وجهه بمنديل، تمر لحظات صمت يقطعها قمر ليدفعه للكلام. 

قمر: خير إن شاء الله؟ قولي مشكلتك وماتقلقش ولا تحب تشرب حاجة الأول. 

ضياء: لا مالهوش لزوم، أنا ابن علي التطاوي زميلك في الأزهر

تتلاشي ابتسامة قمر لحد ما

قمر: الله يرحمه

يتغلب ضياء علي خجله، فلم يعد هناك مجالاً للصمت. 

ضياء: الحقيقة أنا جاي اسأل عن الزعبلاوي، أبويا كان قايل إنك اللي عرفتهم علي بعض. 

يرجع قمر بظهره للمكتب وقد تلاشت ابتسامته تماماً

قمر:ده كان زمان، أنا بقالي ٣٠سنة ماشوفتهوش. 

ضياء: كان فعلاً زي مابيقولوا عليه؟ 

قمر: وأكتر.

يتشاغل قمر ببضعة أوراق علي مكتبه. 

يقوم ضياء ويخاطبه بينما يتراجع للخلف نحو الباب. 

ضياء: ماتعرفش ممكن ألاقيه فين؟ 

قمر(بصرامة من ينهي حديثاً لا يعجبه) : بقولك بقالي ٣٠سنة ماشوفتهوش. 

يخرج ضياء شاعراً بالإحراج الشديد. 

يسهم قمر للحظات وكأنه يتذكر شيئاً ما يسيطر علي كيانه. 

يدخل  رجل يبدو عليه الثراء الشديد، فيفيق لنفسه ويرحب به بحرارة. 


قطع





م/٦               معرض سيارات               ل/د

يقف ضياء مع الحاج علي، وهو رجل وقور يرتدي عباءة، ويخاطب عامل عنده يمسح واجهة المعرض الزجاجية. 

الحاج علي:اتكي شوية عالإزاز يا مسعود الله يكرمك، ولما تخلص خد حسين وطوقوا العربيات تطويقة حلوة كده. 

العامل: أوامرك يا حج علي. 

الحاج علي(لضياء) :متآخذتيش يا أستاذ معلش، قطعت كلامنا، بس لازم تبقي عيني علي كل حاجة، انت سيد العارفين، حاكم محدش بيشتغل بضمير إلا لما يحس إن العين عليه. 

ضياء: الله يكون في عونك يا حاج

الحاج علي: زي ما كنت بقولك كده الزعبلاوي مالهوش مطرح معين، صحيح أنا أقدم واحد في المنطقة، أقدر أدلك علي الكبير والصغير، اللي حاضر واللي غايب، بس الزعبلاوي مش معني إنه بيته هنا يبقي عايش هنا. 

ضياء: يعني إيه؟

الحاج علي: يعني ده راجل سواح هايم في أرض الله، ممكن يقعد شهور في بيته مايعتبش براه، ويقعد سنين مايهوبش ناحيته. 


يحني ضياء رأسه بيأس. 

ينظر له الحاج علي بعطف

الحاج علي: ياه ده انت باين عليك حالتك صعبة قوي... طب اسمع. 

ينتبه له ضياء بكل حواسه. 

الحاج علي: أنا سامع كده، مجرد سماع يعني والعلم عند الله إنه بقاله فترة بيروح عند حسين الخطاط

ضياء: عنوانه اعمل معروف. 



قطع









م/٧               دكان حسين الخطاط               ن/خ


يقترب ضياء فنري حسين من ظهره.

يكتب حسين بالخط العربي الآية الكريمة "فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور"،ثم يلتفت خلفه فيجد ضياء.

ضياء(في حزن) :زعبلاوي! 

ينظر له حسين في دهشة


قطع





















م/٨               حارة قديمة               ل/د


حارة شعبية تختلط فيها أصوات الباعة مع النداء مع شجار النساء.....القمامة في كل مكان


قطع


























م/٩               بيت الملحن جاد (صالة)             ل/د


المنزل في فوضي، خمسة أطفال منهم من يبكي ويركض ويتشاجر، يرن الجرس تظهر فتفتح زوجة جاد وهي امرأة بدينة يبدو عليها سمات التفاني الذي تخلفه الأمومة في نفس المرأة، فتجد ضياء عند الباب. 


ضياء:الأستاذ جاد موجود؟ 

المرأة(مرحبة) :اتفضل موجود

يهدأ الأطفال وينظرون له في فضول. 

تقوده المرأة إلي حجرة مغلقة وتفتح الباب، تغيب لحظة وتعود. 

المرأة: اتفضل بيتك ومطرحك


قطع

















م/١٠                 بيت الملحن جاد(حجرة الجلوس)                   ل/د


يدخل ضياء الحجرة فيجد جاد هو رجل خفيف الدم يتسم بالبساطة، يدندن علي العود لحن"مدام تحب بتنكر ليه"، يشعر به جاد فيقف محيياً

جاد:أهلاً وسهلاً، اقعد ياراجل واقف ليه!

يجلس ضياء علي إحدي الشلت.

جاد: شاي ولا قهوة؟ ولا تحب الست أم إبراهيم تعمل لك شوية رز بلبن؟

يبتسم ضياء لبساطة الرجل.

ضياء: لا ولا أي حاجة.

جاد( ينادي) :يا أم أبراهيم اتنين شاي. 

جاد يلعب بأوتار العود وكأنه نسي وجود ضياء.

ضياء: اسمي ضياء وجاي لك من طرف حسين الخطاط، قالي إن الزعبلاوي عندك.

جاد:الزعبلاوي ياالله... ده لسه كان عندي الشهر اللي فات.

ضياء(بأمل) :وهو بيجي هنا كل شهر؟

جاد:مالهوش مواعيد، ممكن يخش علينا دلوقت، وممكن ماشوفهوش لحد ما ربنا يفتكرني.

ضياء: يا خسارة المشوار!

جاد: الله يسامحك بقي تقول كده علي زيارة عرفتنا ببعض؟!

ضياء:آسف قصدي....

جاد: ولا يهمك الله يعينك، محدش بيحتاج الزعبلاوي غير اللي شايل هموم طابقة علي صدره وكاتمة علي نفسه، ممكن تلاقيه عند رجل الأعمال المشهور ونس الدمنهوري، بيقعدوا لا مؤاخذة في بار النجمة.... حاكم الزعبلاوي كده تلاقيه في أماكن ماتخطرش علي بال، ولو حد عاتبه يقول: كلهم عباد الله وياعالم مين فيهم اقرب له. 

هذه المرة لا يبدو ضياء متحمساً للخبر، لقد تسلل إليه اليأس

يدندن من جديد

جاد: تحب تسمع حاجة موسيقية.

ضياء: طبعاً

جاد: هاسمعك لحن ألفته والزعبلاوي قاعد عندي، يلاعب الإولاد كأنه عيل زيهم، وكل ما أتعب يخش عليا بنغمة ولا بمقام ألاقي ربنا فتح عليا، لحد ما خلصت اللحن في ليلة واحدة. 

ضياء(مندهشاً) :ليه في الطرب كمان زي ماطلع ليه في الخط؟ 

جاد: ده أبو الطرب نفسه... ياسلام علي صوته كده لما يغني ويلعلع، تقولش ربنا خلق فيه عبد الوهاب وعبد الحليم مع بعض. 

يغني جاد مطلع قصيدة ابن الفارض

جاد:أدر ذكر من أهوي ولو بلام

فإن أحاديث الحبيب مدامي

ليشهد سمعي من أحب وأن نأي

بطيف ملام لا بطيف منام


قطع
























م/١١              حانة النجمة               ل/د


الحانة راقية وروادها غير مبتذلين، ونس الدمنهوري له يرتدي بذلة فاخرة، ويجلس وحيداً علي إحدي الطاولات، يشرب وهو بستمع لمغنية تغني أغنيةmalade je suis. 

يدخل ضياء، ويقترب منه. 

ضياء: لو سمحت يا ونس باشا ممكن دقيقة؟

ينظر له بلا مبالاة

ونس(بصوت سكران) :اقعد واشرب.

ضياء: مابشربش.

ونس: مابتكلمش مع حد غير وهو بيشرب، غير كده مع السلامة.

يضطر ضياء للجلوس، يصب له ونس كأساً يشربه ضياء باشمئزاز، وحين تهدأ حرارة الكأس يهم بالكلام.

ضياء: أنا.... 

ونس (مقاطعاً): مابكلمش حد فايق! 

يشرب ضياء عدة كئوس ثم... يغيب في حلم. 



قطع












م/١٢               حديقة(حلم)               ن/خ


حديقة في غاية الجمال. 

ضياء وزوجته يقفان علي حافة بحيرة، يضحكان في سعادة، يقطف ضياء الزهور وينثرها علي قدميها. 

فجأة ينزلق في البحيرة ويختفي داخلها. 


قطع























م/١٣               عودة إلي الحانة               ل/د


يفيق ضياء مفزوعاً، ويتلفت حوله فيجد البار فارغاً ولا يوجد سوي عدة زبائن. 

يضع يده علي رأسه متوجعاً فيجدها مبللة بالماء. 

ضياء:إيه الميه دي؟ 

ونس:واحد حبيبي حاول يفوقك كتير وفي الآخر طبطب عليك وقام. 

ضياء:حد شافني عالحال ده؟ 

ونس(ضاحكاً) :ما تقلقش ده مش أي ده الزعبلاوي! ماسمعتش عنه؟

ينتفض ضياء واقفاً. 

ضياء:الزعبلاوي؟ 

ونس: آه مالك؟ 

ضياء: ده أنا دايخ عليه السبع دوخات. 

يركض للخارج محاولاً اللحاق به. 


قطع















م/١٤               شوارع               ل/خ

يركض ضياء متلفتاً حوله في كل ركن. 

يتوقف فجأة يبتسم بمرارة وقد طرأ علي ذهنه شئ ما. 

ضياء(لنفسه) :حتي لو شوفته مش هاعرفه



قطع





















م/١٥              البار               ل/د



يعود ليجلس بجوار ونس متهالكاً. 

ونس علي وجه أسف حقيقي. 

ونس: سامحني ماكنتش عارف إنك محتاجه. 

ضياء: هو انت خليتني أقول حاجة! 

ونس: أنا غلطان حقك عليا... لو مشكلتك فلوس ولا يهمك أنا سداد

ضياء: مشكلتي نفسي... معاك تمنها؟ 

ينظر له ونس بإشفاق

ونس: تعالي بكرة أكيد هاييجي تاني. 



قطع

















م/١٥               فوتومونتاج              ل/د



١-ورقة خريف صفراء تقع علي أرضية شارع موحل بماء المطر، وتدوس عليها قدم قاسية.

2-ونس وضيلء يسيران مع بعضهما يتحدثان، وقد نمت بينهما صداقة.

٣-ونس وضياء يشربان وكل منهما سارح في أحواله.


قطع

























م/١٦               أمام الحانة               ل/خ

يخرج ضياء من الحانة، ينظر للسماء.

ضياء(منادياً) :يازعبلاوي!

تنظر له امرأة تمر به في سخرية.

يسير في الشارع حتي يبتلعه الظلام كأنه يدخل للمجهول.


النهاية