السبت، 22 فبراير 2014

رحلة مع الحب



سؤال يوسف زيدان: كيف يمكن اقتلاع جذور الكراهية من نفوس الناس ؟
سؤال فانتازي...فلنضرب الفانتازيا بالفانتازيا!!

رحلة مع الحب
1
شعرت بالضيق ذات مساء,ارتديت ملابسي بعد تردد من برودة الجو وهممت بالخروج,نسيت الولاعة فعدت من علي الباب لأخذها ونزلت أتمشي في المدينة الصغيرة,أخذتني قدماي حتي ضفة النهر الهادئ,وقفت أتأمله وهو يمضي ساكناً راسخاً كأنه لا يشق المدينة لنصفين كل نص عكس الآخر تماماً,نصف يستمتع ونصف متاع!نصف يمضي الليالي فوق ملاه عائمة عليه ونصف يموت فيه هرباً من المدينة أو يبتني عليه العشش حتي يموت في المدينة,يعرف أهل برنا الجهة المقابلة لهم بـ"البر التاني",المتلالئ دوماً بالأنوار المزين بأجمل الجميلات وأفخم العطور,ذات مساء أيقظني عطر نسائي وصل إلي في غرفتنا المكتومة الخانقة,أيقظني....هذا المساء ليس ببعيد أنه هذا المساء وكان هذا سبب ضيقي,أن أهل برنا لما يجوعون يقفون عند الحاتي يشمون الرائحة ثم يحمدون الله ويمضون لحال سبيلهم,تضرب الأمهات أطفالهن بقسوة لما يشبطون في لعبة أو حلوي من البر الثاني,أما أن نكون في برنا آمنين نائمين فتدخل علينا عطور النساء لتثير فينا ما حرمنا ليه,فهذا كثير!
جلست بعد تعبي من الوقوف,أشعلت سيجارة وسرحت بي بالأفكار وسرحت بها,طوفنا سوياً في أحوال الدنيا والعالم والماضي والحاضر,تناقشنا في الله والزمن والفن والشر والحب والكراهية والجنس والإلحاد....حتي مضت ساعات ودنت الساعة للرابعة فجراً,فقمت لأرجع لمنزلنا,تسمرت قدامي لما رأيته قادماُ نحوي في زورق صغير,عرفته علي الفور,فتحت فمي من الدهشة ودق قلبي حتي خفت عليه أن ينفجر مني,نزل علي الشط مكفهراً لاعناً الدنيا ومن في الدنيا,تغلبت علي خوفي من هيئته الغاضبة ودنوت منه متودداً وقدماي لا تريدان حملي من الرهبة:
-حضرتك السيد حب؟أليس كذلك؟!
رد بدون أن ينظر إلي:
-كلا أنا السيدة أم موافي!
تنحيت له جانباً حتي يمضي,وسرت أعدو خلفه وهو يحاول ضبط أدوات تنكره,لقد نسي أهم شئ...لم يضع داخل ملابسه ما يثبت أنه امرأة!
-لا تنكر نفسك مني يا سيد حب!لقد عرفتك من البداية!
توقف وهجم علي:
-كيف عرفتني بحق الله؟!
لم أرد إحراج سذاجته في التنكر فقلت لست بكاذب:
-من يُحرم من الحب لابد أن يعرفه حين يراه...أرجوك لا داع للشجار معي أنزل يديك,وإلا....
-وإلا ماذا أيها الإنسان؟
-وإلا ناديت أهل المدينة أخبرهم بنزول السيد حب في برنا!
تراجع صائحاً:
-يا لحظي التعس جئت فجراً؛لأضمن خلو  البر من الناس ,ما الذي أخرجك من بيتك في تلك الساعة؟
-الضيق
قال مقلداً طريقتي متهكماً:
-الضيق!!..إفتح كوكاكولا تفرح!
-ماذا بك يا سيد حب؟
تساءلت وأنا أشعل سيجارة
-أعطني واحدة
بدأت أسير بجواره,وقد خلع عنه ملابسه السخيفة بعد أن ألححت عليه,مبرراً ذلك أن الناس لن يعرفوه حتي لو رأوه,فهم يقضون نهارهم وأمامهم غشاوة عن كل شئ إلا مواصلة العيش بأي طريقة وضمان لقمة في نهاية اليوم وسعيد الحظ من تفلح محاولاته وألاعيبه لنيل قطعة حشيش يعمر بها ليلته فهم بالنهار مساطيل من الهموم وفي الليل مساطيل من المخدرات.
بدأ يطمئن لي قليلاً,سألته:
-هل أفطرت يا سيد حب؟
-لا
-فلنذهب لمطعم قريب من هنا
-هل عنده فلافل طازجة أم يضحك عليك؟وأنت تبدو ساذجاً أصلاً!
-علي ضمانتي!
أفطرنا وشربنا الشاي وبدأت في دفعه للكلام
-هل أطلب لك كوباً آخر؟
-ليس الآن
-أنا سعيد جداً أني أجلس مع السيد حب ذاته
-شكراً
قطعت صمت طويل أعقب"شكراً"
-لن يصدقني أحداً لو قلت له أني قابلت السيد حب وجلست معهَ!
نظر لي نظرة ذات معني
-لا تقلق يا سيد حب لن يعرف مخلوق أنك هنا
-أنت تبدو شخصاً طيباً يا....
-محمود يا سيد حب
-أنت تبدو عليك طيباً يا ممدوح
-كلا! محمود
-حسناً يا محمود,أرجوك فلتناديني باسمي مجرداً فقد أكلنا عيش وملح سوياً.
-فبحق العيش والملح الذي أكلناه علي -حسابي!- فلتخبرني سبب مجيئك لبرنا في تلك الساعة و علي تلك الهيئة؟!
-سئمت!سئمت يا مسعود!
-محمود!...مم سئمت يا حب؟
-سئمت من البطالة والجلوس طوال الليل والنهار أستمع لإنكار وجودي وأنا ساكت,أري الكراهية تأكلني يومياً وأنا ساكت,أري البشر يتحاربون حروب كبري وحروب تافهة وأنا ساكت,لقد قضت علي الكراهية لعنها الله ولولا قلة من عشاق مخلصين يهمني أمرهم لكنت قتلت نفسي من زمان!
-........
-ماذا أقول لك؟....انظر حولك لتعرف موضعي من العالم,أنا"وهم أنا سراب"كما يقول كامل الشناوي وفريد رحمة الله عليهما!
-هون علي نفسك يا حب,أن الحياة بخير وألف من يحتاجك لكنك تحرمهم منك
-ماذا تقصد؟
-أقصد بصراحة أنك مقصر ولو رافقتني ليوم واحد في المدينة سأدلك علي الطريقة المفيدة في العمل
نظر لي باستهانة
-أنت!! لا يبدو عليك ذلك! لكن لنجرب,ماذا لدينا نخسره يا مشهور
-محمود!
قمنا لنتجول في المدينة فسمعنا صراخاً صادراً من طفل فجرينا مسرعين نحوه,فوجدناه يصيح من النشوة,رابطاُ كلب صغير لصندوق بلاستيكي واقف فيه وهو يضرب الكلب المسكين ليجره كما يري في التليفزيون!
-هذا أول عملك ياحب,هذا طفل صغير يعذب كلباً,هيا اذهب وقم بعملك
تردد قليلاً وقال بحرج:
فلتذهب أنت...فأنا...أنا...أنا أخاف الكلاب!
-وأنا أكثر منك! فلنذهب سوياً إذن....أليس معك أسلحتك؟
-أسلحة ماذا؟ هل تظنني كيوبيد أتجول حاملاً قوس وسهم؟لقد كنت أمتلك قديماً لمسة سحرية سرقتها مني الكراهية بعد أن ضربتني علقة ساخنة! لا تذكرني!
-فكيف إذن سندخل في قلب الطفل محبة الكلب؟
-ألم تر فيلم "الفرح"؟
-بلي رأيته في السينما مرة ومراراً في التليفزيون
-سأجيبك بطريقة حامد الكدواني...
-ماجد
أكمل حديثه وهو يقفز ممسكاً مايك متخيلاً في يده,مشيراً بسبابته للطفل والكلب:
-بالحب بالحب بالحب الحب!
دخلنا الحارة متوجين للطفل ربت الحب علي رأس الطفل بحنان,نزل علي ركبتيه وابتسم:
-ما اسمك يا حبيبي؟
نظر الطفل له بشراسة:
-أنت مالك يا عم,يا أمااااااه!
تدخلت بحزم:
-حرام يا ابني ما تفعله في الكلب اتركه!
صرخ في وجهينا:
-ماذا تريدون يا أولاد"......"يا أمااااه الحقيني!
خرجت لنا سيدة ضخمة في يدها "إيد هون",وعلي وجهها علامات سكاكين ومطاوي,تنظر لنا في وعيد, ذعر الحب من منظرها المرعب واختبأ خلفي في وجل!
أخرجت الموبايل من جيبي كأنه أهم شئ في العالم,وتكلمت بصوت عال منفعل:
-طب خليك عندك يا حسين,سنجئ لك حالاً!
-سحبت الحب من يده صارخاً:
-هيا بسرعة اجري كي نلحقه!
ركضنا حتي خرجنا من الحارة تلاحقنا تهديدات وشتائم المرأة المتوحشة.
بعد أن هدأت أنفاسنا قلت:
-آسف
-لا أنا من يأسف لقد أتعبتك معي بلا نتيجة,الكراهية قضت علي حياتي من زمان,ولابد أن نعترف بتلك الحقيقة!
-أرجوك لا تيأس يا حب!النهار أمامنا طويلاً وسأساعدك بكل مجهودي!
-لا كفي!
-ألم تكن تشعر بالسأم؟اعتبره يوم تغيير ولنقم فيه ببعض الإثارة
-لم تلح علي هكذا أليس وراءك عمل تقوم به؟
-أنا مثلك عاطل!
-.....
-آسف لم أقصد!
جذبته من يده "هيا بنا الآن لنحاول ثانية!"
قريباً من قسم الشرطة شاهدنا الحادثة من البداية,كادت سيارة أن تطيح بسيارة لولا ستر الله في اللحظة الأخير,نزل....أجل أنه هو...عرفته أول ما رأيته!صرخ بقوة ارتج لها الشارع:
-يعني إيه ماشوفتنيش
لم نكن نتبين ما يقوله المسكين الآخر في صوت خافت,وفكرت أنه الآن يتبول علي نفسه وحبست دمعة أسي,صرخ ثانية:
-إنزل!!
لم تغنه الجموع المحتشدة حوله ولم تحمه من لطماته الغبية,أراد الحب أن يتدخل فأمسكته وتلقي مني نظرة وعيد نارية سمرته مكانه في دهشة.
ظل يدفعه ويشوطه حتي رماه في البوكس,وما يتردد حولي إلا عبارات الأسي:"لا حول ولا قوة إلا بالله","راح الراجل","أمه داعية عليه","ربنا يرحمنا ويذل الظالم","حوش عبيدك عن عبيدك يا رب".
سرت لخطوات بلا وعي,لم أنتبه إلا والحب يدفعني ناحية الحائط بعنف:
-لماذا منعتني,من هذا الرجل؟
حاولت تخفيف الموقف,اصطنعت الابتسام وسألته:
-بما أنك متابع جيد للسينما المصرية فلابد أن تكون شاهدت فيلم عمارة يعقوبيان...
-أجل
-هل تذكر مشهد طه الشاذلي وهو يقول"هتكوا عرضي يا مولانا"؟...هذا واحداً ممن يهتكون العرض يا مولانا!
-ضابط شرطة؟
-هذا ما نعرفه عنه في الظاهر,الحكايات عن أسعد فرحات في برنا لا تنتهي,عائلة كلها من الضباط علي نفس الشاكلة,لكنه أكثرهم جبروتاً وقدرة علي فعل أي شئ,بدأت الأمهات تخوف أبنائها به ليسمعوا الكلام,سمعت أنه متزوج امرأة آية في الجمال,لكن لم يرها أحد يقولون أنه يحبسها ويمنعها من الخروج قارب الخمسين ولم ينجب من زيجات سابقة,هوايته المفضلة التضييق علي الناس أيام العيد,ينزل الشارع بقوة مدججة يلم من يجده أمامه,ذات مرة نزل بقوة صغيرة والتف حوله الناس وبدأت حركة تساؤل وعدائية من قبلهم,اغتروا بتجمعهم,فما كان منه إلا أخرج قطعة حشيش من جيب أحدهم-حلاق أحلق عنده- وأراها للناس كلهم,أخذه لوحده مسرعاً,وفي اليوم التالي لم يكن في الشارع سائر واحد,منع الناس من النزول بلا سبب,ظل يشتم كل من في الشارع باسمه طاعناً في شرف بنته أو أمه أو زوجته أو أخته بعبارات من تمرس في مهنة كتلك لسنوات طويلة,من نجا من تعذيبه نري علي جسده الأهوال... ناس من عندنا رأوه في البر الثاني يقسمون أنه كان يتلقي الصفعات علي قفاه من السادة الكبراء علي سبيل الدعابة,وهو جذل مسرور..وكفاية لحد كده!
كنا قد ابتعدنا عن قسم الشرطة,ووصلنا للجامع والحب في حالة اكتئاب نقلتها له شعورياً بلا قصد,لم يكسر صمتنا بعد ذلك سوي صوت الخطيب يجلجل متوعداً بالنار راوياً أهوال الجحيم ويوم القيامة,مصوراً الله علي هيئة جلاد تعذيب مقلداً بصوته صرخات المعذبين,شاهدنا وجهه علي الشاشة الموضوعة خارج الجامع,محمراً متشنجاً لم يتبق إلا أن يقذف المستمعين بالسماعات المجاورة له حتي يدفعهم لحب الله وطاعته,أسرعنا في السير وقلبينا تعتصرهما يدا الألم واليأس!
عدنا مرة أخري مكان لقيانا الأول,مشينا علي ضفاف النهر صامتين,هفتني رائحة الذرة المشوي لشراء كوزين,أكلت واحداً وأعطيت للحب الثاني,كنت أظن شهيته ستتأثر بكل ما شهدناه وما يزال اليوم في أوله,لكنه فاجأني:
-هات لي واحد آخر...اسمع...من الطري!
قطعنا الوقت بالفرجة علي الناس في الشارع,والحديث العام في أحوال الحياة,خلصنا أن مشكلات الإنسان لا حل رغم كل شئ,وأنه سيظل طوال عمره في عذاب ونكد,وأن الحب-الجالس بجانبي وعلي أسنانه بقايا الذرة المشوي-هو المعني الذي يستحق أن يري الإنسان الأشياء من حوله من خلاله,هو الانفعال الأصدق بين كل انفعالاته بلا أي ترجمة سيكولوجية أو فسيولوجية أو صوفية,الحب سيبقي هو الحب مهما تعددت تفسيراته,دقات القلب والانفعال والشغف,القلق والألم اللذيذ,الحلم والتمني,الوصال والجنس....كل تلك التعبيرات الإنسانية العامة عابرة القلوب والأزمان,قلت وأنا أنظر للسحاب في السماء:
-لو كان لطغاة التاريخ السفاحين القتلة وجدوا الحب والأمان العاطفي ما صنعوا بالعالم كل تلك الفظائع الدامية,المستمرة لليوم حولنا.
كان للحب رأياً آخر:
-أعتقد أن حبهم تجلي فيما فعلوه.
-كيف؟
-هم أحبوا الكراهية....أجل أحبوا التفرقة والعنصرية,القتل والتدمير,وجدوا فيه أنفسهم كما يجد العاشق ذاته بين أحضان محبوبته,أو الفنان في عمله.
-كل شئ في هذه الحياة ممكن ومعقول,لكن كل منا له معني ووجهة نظر في الحياة,بدونها ستختل الحياة أمامه ولن يقدر علي العيش, منذ زمن توقفت عن الجدال في أي موضوع تاركاً من يري شيئاً يستمتع به.لو كنت جئت من عام أو عامين وأنا في عنوان غروري الفكري دوجماطيقتي المشتعلة,لكنا جلسنا بالساعات نتجادل حول أمور كتلك...ماذا سنفعل الآن؟
سرح الحب ووجدته ينظر ناحية البر الثاني في تفكير عميق,قلت كأن ثعبان قرصني:
-لا تفكر حتي...مستحيل!
-فلنجرب هناك...
-البرالتاني...طالما خوفونا منه ونحن صغار...ولما كبرنا عرفنا أنه عالم مخيف فعلاً

قال بلهجة ذات مغزي:
-لكن نساؤه جميلات!
-يقولون ذلك
بنفس اللهجة سأل:
-ألم تر واحدة منهن؟
-الأمر معقد!
-معقد كيف؟
-.......
-تكلم!
-حلم....حلم يراودني عن فتاة تنتظرني هناك,حكيته لأصدقائي مرة ونحن جلوس علي ناصية الشارع,فضحكوا وأضحكوا عليّ البر كله,توقفت عن الكلام فيه,لكنه يتكرر دوماً!
-ماذا يحدث في الحلم؟
-لا شئ مهم
-كلا أريد أن أعرف
-كبت من الضغوط يظهر في تحرر العقل في النوم لا أكثر...أصدقائي نصحوني أن أتغطي جيداً!
-من يعلم؟!...قد تتحقق الأحلام يوماً...أنا أحلم في النوم واليقظة,أن أملأ قلوب البشر,وأن أذبح الكراهية وأحرقها وأنثر رمادها في الهواء,أحلم أن أكون كالماء والهواء بالنسبة للبشر,أحلم أن أصلب المشاعر المدمرة علي صليب الأمل!
-سأصارحك فقط لأنك الحب.الحلم تطور لخيال أراه يجلس بجانبي ,أحدثه فلا يرد عليّ,أراه ساهماً كأنه يراني من نافذة بعيدة!
-هل تتعاطي شيئاً؟
-حسناً...فلنغلق هذا الموضوع! ماذا تنوي أن تفعل؟
قام الحب حتي وصل لمكان زورقه,قفز فيه وأشار لي بالمجئ,صاح:
-البر التاني
" من يعلم؟!...قد تتحقق الأحلام يوماً..."
مدفوعاً بقوة مجهولة وجدتني أقفز في الزورق ,أجدف بمجداف والحب بمجداف.لفت انتباهي اسم الزورق"”titanicبحروف حمراء كبيرة,قلت لا ينقصنا في تلك الرحلة إلا"البت بتاعة طيطانيك".
مضي بنا الزورق علي وجه المياه في هدوء,وأنا ألوم نفسي علي تركي لبري مخاطراً لأجل حلم!من بعيد وصلت إلينا صوت صياد يغني موالاً:" سلطان جمالك على أهل الغرام حاكم
وحارس الخال فوق ورد الخدود حاكم
شفتك عشقتك
فراقب ربنا الحاكم
يا باهر الحسن إسمح لى بوصلك يوم
دا الصبر عنى رحل والشوق اهو حاكم"
طربت حتي كدت أن أقع من علي الزورق,ولاح البر التاني فامتلأ قلبي بكآبة صامتة,وشعرت أني لن أعود برنا أبداً!
2


تركني الحب علي بوابة البر التاني بحجة"تسليك"طريقة دخولنا,أطفأت السيجارة العاشرة في انتظاره مردداً في تأمل قول نيتشه"إحراق واحتراق...تلك كانت حياتي",قبل أن أدوس شعلتها المتوهجة بحذائي,قارب وقت العصر,قلبي ينتفض من مجرد فكرة أني علي بعد خطوات من مجتمع البر التاني,الضحكات البناتية الدلوعة وأصوات الشباب يمرحون وصلتني لما استندت بظهري علي السور لأريح قدميّ,تري كيف يلهون في البر التاني,البنات عندنا ذروة ما يفعلونه من لهو الجلوس علي الإنترنت وسط مخاوف واتهامات من الأهل,والشباب إما يلعب كرة أو يجلس علي المقهي,بالتأكيد لم أستطع تخيل عالم البر التاني,الأصوات فقط هي من نشطت خيالي,أصوات محركات السيارات كانت مرعبة,السيارات لا تدخل حارتنا,حارتنا الطويلة بالكاد يتمكن التوكتوك من دخولها,أغان أجنبية عالية الصوت,مشيت بجوار السور العالي فاشتممت رائحة زهور,بالتأكيد بجانبي تماماً حديقة يحجبها عني السور,كأني في مغامرة من مغامرات ألف ليلة وليلة,ندمت علي المجئ وهممت بالرجوع,لولا سماعي صوت الحب يناديني,التفتت بفزع حولي فلم أجده.
-أنا خلف السور,سألقي لك حبلاً تمسك به ولا تحدث ضجة وإلا سأفلتك تقع وأنجو بنفسي!
بعد تردد:
-احدفه,لا تخف!
عالم آخر.....بدلاً من الكلام الكثير سأكتفي بقول"عالم آخر"تعبيراً عما يمثله لي البر التاني,عالم شعرت أني سألوثه,لم تهدأ ضربات قلبي حتي اطمئننت أن لا أحد يهتم بوجودنا لا أنا ولا الحب,وكالعادة في تلك المواقف كان لابد للحب أن يقول العبارة المعتادة في تلك المواقف:
-كن عادياً حتي لا يشك فينا أحد
قلت:
- ليتني ما طاوعتك!هيا بنا نعد.من يحتاجك هنا ياحب؟
بجدية تامة قال:
-فتاتك.
-فتاتي؟! أي فتاة!
بثقة مستفزة أجاب:
-فتاة الحلم.
مسكت نفسي بأعجوبة حتي لا أصرخ:
-أنه مجرد حلم
-حلم وخيال!
-أجل حلم وخيال
-هما أصدقائي وأنا أعرف متي يصدقان ومتي يكذبان,وفي حالتك صدقا!
-كيف عرفت؟ألم تتهمني أنني أتعاطي شيئاً؟
-أرجوك لا تتدخل في عملي!أنت من البداية أردت هذا ولم تصاحبني إلا من أجل هذا,لا تنس أنني الحب,ولا زالت لدي بعض القدرات الخارقة,علمت هذا منذ لقائنا علي الضفة وتركتك أنت تتوهم أنك تحركني بينما أنا من يتحكم فيك حتي نصل إلي تلك النقطة,نقطة اللاعودة,فتاة قلبك هنا وأنا أؤكد لك هذا,أما غير ذلك فلا أعرف,والآن ماذا ستفعل؟
نظرت إليه بوجهي كله كأني أول مرة أراه,ومرت علي ذاكرتي المشاهد كلها منذ جلوسي علي الضفة وحتي دخولي لهنا.
-لماذا تقف هكذا؟هيا تحرك!
تحركت مأخوذاً بما يحدث لي,شعوري أني دخلت حكاية من ألف ليلة وليلة لم يكن كاذباً...عموماً...كل إنسان سجين تجاربه وخبراته ومعارفه ينظر للحياة من خلال نفسه التي كونتها الظروف بمعناها الواسع,ويعطيها معني وغاية ويفسرها كما يحلو له,وكما تؤهله ثقافته وتجاربه,المعني الوحيد الذي يستحق أن يكون معني هو الحب,من لم يذقه لا يعرف ماهية الدنيا ولم يشعر بها قط,أكبر مخاوفي ألا أجد الحب,وهاهو الحب كله بجانبي يؤكد لي أنها هنا,وفي كل الحالات ليس عندي ما أخسره,أقصي ما قد يحدث أن آكل علقة محترمة تقعدني في المستشفي أياماً طويلة,ورمية علي ضفة النهر حيث يلطقتني أي زورق عابر....كل الأثمان رخيصة أمام قيمة الحب.
كأن الحب يقرأ أفكاري:
-إذن.... ليس علينا إلا أن نبحث.
-.......
-أنت تعرف شكلها؟
-أمامي في كل لحظة... معي وهي بعيدة معي, خيال وشوق يزيد داخلي, كل شئ حولي يذكرني بها,كل نور في عيني يشرق من ضحكة عينيا, ,ها هي خطوتها,هاهي همستها,هاهي ضحكتها,...
قاطعني بلين:
-حسناً يكفي!...هل تستمع لأم كلثوم كثيراً؟
-طوال الوقت...لكن لماذا؟
-لا تأخذ في بالك...تلك هي فرصتك الوحيدة,صدقني يا معروف...
-محمود
-أنا لا أظهر لشخص مرتين في حياته,لكن الناس يخلطون بيني وبين التعاطف والشفقة والحنين والمشاركة وبقية إخوتي؛لأنهم يشبهونني فعلاً,أما أنا الحب,فلا أظهر إلا مرة واحدة.
-هل الكراهية هي السبب؟
-لا..الكراهية بريئة من ذلك,تلك هي طبيعتي وطبيعة الحياة وطبيعة الناس,والآن هيا بنا نبحث عنها.
-ليت الحياة بهذه السهولة! نبحث ونجد!
-لا مفر من البحث علي كل حال...!
مشينا ومشينا ومشينا,ومع كل خطوة كنت أتطهر من كافة المشاعر الأخري,تطهرت تماماً من الكراهية,لم يعد لها علي سبيل,امتلأ قلبي بالحب,كيف أكره وقلبي عاشق,وتمنيت لو يجد كل مجنون سفاح في هذا العالم القاتم امرأة قلبه,أو يتهيأ للبحث عنها بدلاً من أن يحمل بندقية ويروع في خلق الله,أو يمسك كرباجاً ويجلد بدعوي شرع الله!
في كل خطوة كنت أجدها تقترب مني وامتلأ بالنشوة,النشوة لإيجادي السعادة,نظرت للحب نظرة خفية,معقول هل هو هرمون يمنح هرمون ربما تحول لإدمان!
ظل الحب يتحدث و أنا لا أستمع إليه,كنت مشغولاً بالإنصات لقلبي وهو يحدثني عن الحب!لم أنشغل بالبذخ حولي والهيلمان المنصوب,لو جئت لهدف آخر هنا لاضطربت وخفت وحقدت وكرهت وغرت,أما والحب يملأ قلبي سرت بثقة وأمان,مبتسماً لكل من أقابله حاملاً الأطفال الصغار لمداعبتهم متمتعاً بمنظر الغروب الوشيك,أسير بخطوة خفيفة لم يجاريها الحب نفسه,فأخذ يستمهلني وأنا مشغول بما في قلبي,الليلة سأجدها...فجأة دهمني سؤالاً خلعني من جنتي وأحل في قلبي الهم,التفتت للحب في جزع:
-ماذا عنها هي؟! كيف ستكون ردة فعلها؟
-لا أعرف! لكني أضمن لك مساعدتي علي كل حال
-كيف؟!
-لا زالت عندي بعض الحيل من أيام الشقاوة!
لا مفر من التجربة,أملي الوحيد أن تكون رحيمة بي,فما جئت إلا سعياً وراء الخير..سعياً للحب.
تعبت قدمينا من المشي,فجلسنا علي أول"كافيه",خضني بذخه في كل شئ,لم أجد من يشبهني سوي الولد ماسك المناديل أمام الحمامات الرجالي,الوحيد الذي شعرت بالألفة معه,كان الكافيه كبيراً وواسعاً,مزدحماً بالناس,مما جعلني آمل أن أتوه وسط الزحام فلا يأتي النادل يسألني عما أريده,تحسست جيبي وقرأ الحب ما في عيني:
-بمجرد أن نراه يقترب سنقوم مسرعين لنلحق حسين!
لم أتمالك نفسي وضحكت غصباً.
بالكاد كنا نسمع بعضنا,صوت مايلي سايرس كان الأعلي في الداخل,مغطياً علي دوي الزحام,منطلقاً من سماعات لم أتبين مكانها,وشاشة ضخمة تعرض كليب"wrecking ball" تتأرجح علي كرة التحطيم وتقول صادقة والتأثر باد عليها وعارية تماماً:
"I put you high up in the sky
And now, you're not coming down
It slowly turned, you let me burn
And now, we're ashes on the ground

Don't you ever say I just walked away
I will always want you
I can't live a lie, running for my life
I will always want you

I came in like a wrecking ball
I never hit so hard in love
All I wanted was to break your walls
All you ever did was wreck me

I came in like a wrecking ball
Yeah, I just closed my eyes and swung
Left me crashing in a blazing fall
All you ever did was wreck me
Yeah, you, you wreck me
"
لا أحد يعرف هل تقلد الأفلام الحياة,أم تتأثر الحياة بالأفلام!.. كما يحدث في الأفلام تمهيداً للنهاية....رأيتها هناك في ركن بعيد جالسة تنظر للشباك ساهمة! هي بشحمها ولحمها هذه المرة,تجمد الدم في عروقي وكأنه فيلم كرتون,اختفي كل ما حولي وبدوت وحيداً معها علي كوكب الأرض,نحن فقط من نبرز علي سطحه نبدو سوياً ضخام الأجساد كل منا يحتل نصف من الكرة,لو انتهز الفضائي المكلف بمراقبة الأرض من بعيد محتاراً يتساءل"هل علي هذا الكوكب البعيد الصغير الأزرق حياة؟"تلك الفرصة لأثبت أنه رأي الحياة عليها,رأي اثنين يتشابهان ولا يتشابهان,يربطهما"حبل سري خفي"لا يراه سوي الفضائيون المغايريين لطبيعة البشر,لعلم أن الحياة هنا تدب,وأن القلوب تدق سابحة في ملكوت السماء,وكان ليحتار"أليس علي هذه النقطة البعيدة أشياء أخري؟"
أيقظني صوت الحب من تهيؤاتي,أخذ يهزني حتي استفقت,وبلا كلمة نظر ناحيتها,وسبل عينيه حتي ظننت أن الحب وقع في هواها,أخيراً قال:
-كما كنت تراها في الحلم!
دفعني الحب ناحيتها وأنا لا أكاد أعي شيئاً,تجمدت كل حواسي إلا قلب يكاد ينفجر الخفقان,أخيراً شعرت بوجودي,ليت الحلم كان أطول لأعرف ما سيحدث,نظرت لي بدهشة من عينها السوداوتين الناعستين,فجأة وجدت في يدي وردة يبدو أن الحب دسها فيها دون أن أحس,الحب بسيط لا يعرف التعقيدات ولا الخطط,فقط اتركه يدفعك هو يعرف السكة,عدلت خصلتها المحتضنة أذنها,رفعتها في توتر بسبب وجودي المباغت,من فرط اضطرابي أسقطت الوردة,انحنيت لألتقطها وقبل أن أعود لوضعي السابق ظهر الحب بيننا فجأة:
-اعذري صديقي يا آنسة فهو خجول قليلاً....
أوقعت الكرسي وأنا أقوم من انحنائتي
-جداً....خجول جداً!
همس في أذني:"لمسة سحرية أخيرة,ليست خسارة فيك"
-هو يهدي لك شيئاً يتمني أن تقبليه منه!
أشار علي الشاشة في لحظة ظهرت عليها روبيرتا فلاك,تغني علي البيانو:" The first time ever I saw your face
I thought the sun rose in your eyes
And the moon and the stars were the gifts you gave
To the dark and the end of the skies

The first time ever I kissed your mouth
I felt the earth move in my hand
Like the trembling heart of a captive bird
That was there at my command my love

The first time ever I lay with you
And felt your heart so close to mine
And I knew our joy it would fill the earth
And last 'til the end of time my love

The first time ever I saw your face
Your face, your face, your face
"

جلست بلا وعي,ولمع صليبها الذهبي المعلق علي صدرها الناهد,ضحكت عيناها,فضحكت,حانت مني التفاتة للخارج,فرأيت عبر الشباك الحب جالساً علي السور,مشيراً بيده علامة علي الوداع,ثم قفز خارج السور,تاركاً إياي وحدي في بر غريب,لم يخفف غربته سوي قلب الحبيب...ولم أكن أريد سواه!وشعرت لأول مرة بالامتنان للحياة!

السبت، 15 فبراير 2014

امرؤ القيس عاشقاً...وهاملت عربياً



إجابة سؤال يوسف زيدان:" ما الذى نستدلُّ عليه من قول امرئ القيس فى معلّقته : ألاَ رُبَّ يَوْمٍ لَكَ مِنْهُنَّ صَالِـحٍ ، وَلاَ سِيَّمَا يَوْمٍ بِدَارَةِ جُلْجُـلِ . ويَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذَارَي مَطِيَّتِـي ، فَيَا عَجَباً مِنْ كُوْرِهَا المُتَحَمَّـلِ"

تعرضت لتجربة منذ عدة سنوات:مجموعة من الطلبة,في صف واحد,أولهم سيؤلف قصة يحكيها لمن بجواره وهكذا حتي تصل للأخير فيخرج ليكتبها و كنت أنا الأخير,لما خرجت لكتابة ما وصل لي,ضج الكل بالضحك ولاحظت أن الضحك تدرج في الشدة والصخب,لم يتمالك مؤلف القصة نفسه!...وهكذا حتي خفت في نهاية الصف,وبمراجعة القصة الأولي من مؤلفها وجدت الشخصيات زادت ونقصت,والأحداث اختلفت وتغيرت والأسماء اختلطت وتشابهت,كان لكل راو قصته التي نقلها عنه من يليه وفي النهاية كان هناك عشرات القصص والحواديت!
وتجربة أخري أجراها متخصصين بعد مرور أسبوعين من عرض فيلم سينمائي,سألوا المشاهدين عن السيارة الزرقاء في الفيلم,الكثيرون حكوا عن السيارة وما فعلته...ولم تكن هناك أي سيارة زرقاء في الفيلم.
الحياة-كما يقول ماركيز-ليست ما يعيشه أحدنا بل هي ما يتذكره وكيف يتذكره ليرويه.
حكاية امرئ القيس كما وصلتنا عن طريق الرواة تبدو كأنها هاربة من ألف ليلة وليلة,دراما عظيمة لأي سيناريست,ومادة خصبة للتأليف وضرب الأمثال,الفتي المنعم الشاعر,يطرده أبوه من القبيلة فيسير مع الصعاليك ثم يأتيه نبأ موته في مشهد تشويقي وبردة فعل مكتوبة بحرفية,فيحرم الطيبات علي نفسه ويستعد للثأر وفي النهاية يموت بحلة مسمومة بيد قيصر الروم بعد وشاية وعشق مع ابنة القيصر! من المؤسف غفلان شعراء السير الشعبية ورواتها عن سيرة الملك الضليل,من المبهج تخيلها علي الربابة منافسة لأبي زيد الهلالي وعنترة!
أستدعي هاملت في مقابل امرئ القيس,نفس التيمة الدرامية"الانتقام",الأب المقتول والابن الباحث عن ثأره وبين حدثي الذروة صراعات وحوادث مؤثرة خالدة تلهب الوجدان وتثير الخيال,ويزيد في عظمتها النهاية التراجيدية-المتشابهة عند هاملت وامرئ القيس-الموت بالسم!
هل كان امرؤ القيس شخصاً حقيقياً وُجد فعلاً؟
أجل كان موجوداً مع الأخذ في الاعتبار أنه:كان هناك 16 شخصاً سموا "امرؤ القيس",ويعني رجل الشدائد, أن الرواة اختلفوا في أحداث حياته أشهرها أشهرها رواية هشام بن الكلبي,رواية بن الكلبي مشهورة وضعيفة,وأن رواة شعره اشتهروا بالتلفيق! الأقرب للمنطق رواية الهيثم بن عدي,ونختصرها فيما يهمنا هنا أن امرأ القيس كان موجوداً مع أبيه حين قتل وفر لما هزمت كندة وقتل أبيه,يُستدل علي ذلك بخطاب عبيد بن الأبرص له:"
وركضك لولاه لقيت الذي لقوا        فذاك أنجاك مما هنالكا
ثم سخريته منه:
يا ذا المخوفنا بقتل               أبيه إذلالاً وحينا
أزعمت أنك قتلت                سراتنا كذباً ومينا
هلا علي حجر ابن أم            قطاب تبكي لا علينا
هلا سألت جموع كندة            يوم ولوا أين أينا
أيام نضرب هامهم                ببواتر حتي حينا
سيكون من الصعب أن نصدق القصة القائلة أن أباه قتل غدراً وتخاذلت قبيلته عن الأخذ بثأره,وأخذ الابن حندج-اسم امرئ القيس-الأصغر علي عاتقه وحده الثأر.لا بطل في القصة غير امرئ القيس,ولكل شاعر عند العرب قصة تصلنا عن طريق رواية الأحداث أو رواية الشعر,ولامرئ القيس معلقته الأشهر واسمه المتفرد في الشعر حتي قالوا عنه أنه أبو الشعراء"قفا نبك"أشهر ما (يُنسب) لامرئ القيس,وما يُنسب لامرئ القيس يتعدي مسألة الانتحال؛ليطعن في القرآن بشعر امرئ القيس كما يطعنه بشعر أمية بن أبي الصلت؛لذلك ولأسباب أخري-لا مناسبة لها الآن-لابد من الإقرار أن الشعر الجاهلي منه المنحول والمكذوب والموضوع....وإعادة قراءة طه حسين مرة أخري في فهم وأناة حتي نخلص إلي حل مناسب لتلك الأزمة (الجديدة-القديمة),لكن ما يهمنا في السؤال بيتين من المعلقة الشهيرة,فتم تحديد الهدف وسد كل المنافذ الأخري المفضية لمتاهات من القول لا مكان لها هنا.
ألاَ رُبَّ يَوْمٍ لَكَ مِنْهُنَّ صَالِـحٍ ، وَلاَ سِيَّمَا يَوْمٍ بِدَارَةِ جُلْجُـلِ . ويَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذَارَي مَطِيَّتِـي ، فَيَا عَجَباً مِنْ كُوْرِهَا المُتَحَمَّـلِ
السهل الممتنع في السؤال أنه أراد بيتين فقط!
البيتان لا يستقيما إلا بأبيات أخري وكلام في السيرة القيسية
الغالب أن معلقة امرئ القيس,كُتبت في أيام لهوه قبل أن تحدث له الحادثة الشهيرة...لن يشغلنا الانتحال وكذب الرواة وسنسير وراء المعلقة كما وصلتنا في النهاية وما فيها!
مكانة امرؤ القيس عند الشعراء كمكانة السومريين والفراعنة في الحضارات,فهو أول من قال كل شئ في شعره فاعتُبر أبيهم كلهم,وغفلوا عن كونه بهذا المنهج أول من أدخل الأيروتيك في الشعر العربي بقوله "
فمثلك حبلي قد طرقت ومرضع    فألهيتها عن ذي تمائم محول
إذا ما بكي من خلفها انصرفت له    بشق وتحتي شقها لايحول
في البداية وقف وبكي واستبكي,وذكر الأطلال وأماكن ذكرياته وأخرج علي مسرح القصيدة بكثافة شعرية المشهد كله وتفاصيله,بدأ امرؤ القيس القصيدة بالغياب والذكريات,ثم يستمر في السرد والقول عن كل ما انتهي من حياته,كأنه يقف علي طلل ذاته هو أولاً,طلله الذي جعل دموع عينيه تفيض علي نحره حتي بل دمعه محمله في النهاية لتحدث له عملية التطهير بعد أن استعاد ذاته المفقودة ثم يورد البيتين بعد ذلك في البيت العاشر والحادي عشر:
ألا رب يوم لك منهن صالح      ولا سيما يوم بدار جلجل
رواه أبو زيد القرشي:"ألا يوم لي من البيض صالح,ورواه أبو جعفر النحاس"ألا رب يوم لك صالح منهما" وقيل"ألا رب يوم لك صالح منهم"!
"ألا "بدُء بها في كل الحالات وفي روايتنا موجودة,وألا مفتتح للكلام من جديد,كأنه يبدأ قصيدة جديدة يبثها ما يعتلج في ذاته"منهن",ونؤكد علي "منهن"! لم يكن لامرئ القيس حبيبة يقترن معها في الذهن العربي كعنترة مثلاً أو كابن الملوح وكثير,عُرف عن امرئ القيس عشقه وولهه بالنساء فهو يذكر في معلقته"فاطمة وعنيزة وقد يكون لقب لفاطمة,وأم الحويرث وأم الرباب "والمرضعة والحبلة اللواتي يشتهينه,لم يعرف له حبيبة يبثها ما يكنه لها من عشق وغرام,هو يحبهـ"ن",ويريد يوماً "منهن" أي أن قلبه محروم من الحب الحقيقي فهو لا يميز بين واحدة وأخري,يفتخر بغزواته الجنسية مستخدماً في وصفها ألفاظ ومعاني تصورها علي أنها معركة حربية,يفتخر بنصره فيها ونوله ما أراد رغم الحراس والرقباء,مستمتعاً بحريته الجنسية بلا أي حد ولم يستثن منها حتي المرضعة والحامل!
"لاسيما"قد تفسر علي أنه ضرب مثال أو للتخصيص,فيومه الصالح يومه بدارة جلجل,موقع القصة الشهيرة عن ملابس الفتيات والاستحمام وعقر المطية,كما يرويها الفرزدق في حادثة شبيهة,الفرزدق من أشهر رواة شعر امرئ القيس وأشد معجبيه..كأن امرؤ القيس في هذا البيت يخاطب أطلاله النفسية وذكرياته,يتحدث لنفسه بأثر رجعي مستعيداً ما حدث وممنياً نفسه بيوم آخر مع عنيزة والفتيات,يحادث غيابه وفراغه المُبكي المنعكس علي الأطلال التي وقف يبكي عليها ويستبكي ويريق عبراته عند رسم دارس يعول عليه! الأفعال وردت في المعلقة بصيغة الماضي,والماضي هو الأصل في الكلمات العربية,وهو أصل ذات الشاعر وحياته الأولي وما يستذكره من ذكريات مبهجة بعد تطهره بالبكاء,ذكري الحب والغزل.
ويوم عقرت للعذاري مطيتي         فيا عجباً من كورها المتحمل
تروي في بعض الروايات"رحلها"بدلاً من كورها
مرة أخري لا يحدد امرؤ القيس امرأة ويتجه بذاكرته للنساء,فهو ذبح مطيته للعذاري ويستعجب...أو يندم! من حملهن رحله وأدواته بعدما كان محمولاً هو عليها...هذه هي الحياة! فلو كان البيتين يعبران عن عاطفة صادقة لامرأة ربما ما استعجب ولا ندم,بل سعد لأطعامها من أغلي ما يملكه.
المرأة والحرب هما مفتاح امرئ القيس وهو دائم الافتخار بما فعل مع الأولي وما فعل في الثانية فيذكر يوماً صالحاً آخر:
ألا رب يوم صالح قد شهدته       بتأذف التل من فوق طرطرا
ولا مثل يوم قدران ظلته            كأني وأصحابي علي قرن أعفرا

يُطارد هو الذاكرة كي لا تفلت منه,مناجياً أطلالها مستحضراً إياها كأيام صالحة يتمني أن تعود,نوستاليجيا عاطفية,وامرؤ القيس لم يحب امرأة لكنه أحب الجمال,المرأة هي أجمل كائن علي وجه الأرض,وفي الصحراء القاحلة يزداد جمالها جمالاً,والشاعر لم يحب امرأة بل أحب النساء,قلبه لم تملؤه امرأة بل ملأه جمال المرأة ووصالها العاطفي والجنسي,متحدياً بذلك قوانين القبيلة وعاداتها معرضاً نفسه للخطر كأنه في حرب أخري.
طبيعة الكلام -أي كلام -أنه يحتمل ما لايحصي من التفسيرات,والشعر أهم أنواع الكلام,يفسره القارئ كما يشعر به,ولكل قارئ لأي نص تفسيره الخاص به,الشعر يخاطب الشعور الجمعي للبشر,يصفه العبقري المهدور نجيب سرور"الشعر مش بس شعر لو كان مقفي وفصيح,الشعر لو هز قلبك وقلبي...شعر بصحيح"
تتعدد المستويات للفهم في هذين البيتين,التكثيف والرمزية فيهما متصلان بالشعور الجمعي للبشر...الزمن,تقلبات الدنيا,النساء,الحب,المال الضائع,الأمل المؤجل,ثمن الرغبة,ذكري المكان,الذكريات,وبين كل ذلك يبرز ألم الذكري مهما كانت الذكري لايهم حلوة أو سيئة,التذكر في العادة أداة تعذيب لمن يتأمل في الزمن ويري فيلم الحياة بالتتابع حتي مشهده الحالي,تصيبه الذكري الحلوة بالألم والندم علي فواتها ويتألم لها بنفس درجة ألمه عند مرور ذكري سيئة.يترجم الأبنودي نفس المعني في أغنية "كل الحاجات":"تمر صورتك أتبسم الابتسامة تعذبني".
فنحن أمام ذكري يستعذبها الشاعر ويتعذب لفواتها عليه ومضي زمنها,وتمني تكرارها ليعاوده ذات شعوره عند الغدير,من هذا البيت تبدأ لوحة جديدة من لوحات المعلقة ...في كل ذلك نتعامل مع القصة علي أنها حقيقة وقعت وهذا أمر بعيد جداً ويثير أسئلة كثيرة لا إجابة عليها إلا أنها خيالية!
يترجم البيت الأول في إحدي الترجمات للإنجليزية: Behold how many pleasant days have I spent with fair women;
Especially do I remember the day at the pool of Darat-i-Juljul
المترجم هنا شعر بالذكري واستخدم لفظ لا وجود لمعناه العربي الصريح في النص" remember",مما يدل علي هيمنة الذكري علي هذا للبيت حتي للسان غير العربي,مما أنتج نصاً تتم قراءته وتفسيره علي مستوي الوعي الجمعي لا علي مستوي اللغة فقط.
وفي ترجمة أخري:" Look how many good times I’ve spent with beautiful girls;
I especially remember the day at the oasis of Darat-i-Juljul.
مرة أخري ترد نفس الكلمة في النص الإنجليزي,مقرونة بأيام سعيدة انقضت للمرة الثانية.
تكثيف شعري للذكري وتبدل الزمن من حال إلي حال,واستدعاؤه وتمثيله شعرياً؛نزوعاً للمرأة التي تتوالد منها الحياة,كما توالدت الحركة والنشاط في الأبيات التالية مباشرة من هذين البيتين مردداً لفظ العذاري مرة ثانية مباشرة مستخدماً فعل مضارع"يرتمين"!....كأنه عاد بالزمان معهن,مستعيداً الغياب مرة بصورة جديدة,امرؤ القيس عاشق...عاشق بلا عشيقة!