السبت، 14 مارس 2015

آلام الحسين...

آلام الحسين

"يا حسين...!!!"
هكذا أهتف من أعماق قلبي المكلوم,ووجهي محتقن بالدم والدموع تسيل علي وجنتي,ومرار حلقي يصل إلي طرف لساني مع ألم نفسي رهيب يستعدي نحو الجسد,وأشعر بظمأ شديد للماء وبحد السيف علي رقبتي يستعد لذبحي...تقمص وجداني كامل يأتيني كلما قرأت أحداث استشهاد الإمام المرتجي ابن بنت النبي فاطمة الزهراء وابن ابن عمه علي الإمام المرتضي علي كل آل بيت النبي السلام.
بدعوي الحد من المد الشيعي يُعتم علي الحسين وسيرة الحسين وثورة الحسين من خطب الخطباء ووعظ الواعظين,ولو أحيا الناس ذكري استشهاده المؤلم يتم حبسهم؛لأنهم بذلك ينشرون المد الشيعي كما تذكر الأخبار,يمنعون نص مسرحي شعري عظيم"ثأر الله(الحسين ثائراً وشهيداً)" من العرض, أجمل ما كتب عبد الرحمن الشرقاوي صاحب رواية الأرض التي حولها سيناريو حسن فؤاد وكاميرا يوسف شاهين لعلامة سينمائية خالدة وأداء الفنانين الصادق ,خاصة في مشهد النهاية الشهير المرمز برسائل لا محل لها في هذا الموضع,لا وجود له في الرواية لكن محمد أبو سويلم كان حسينياً فيه لما تلبس الممثل العظيم محمود المليجي بدفاعه عن أرضه وحقه وحياته وأهله ضد القوة الغاشمة لدولة مستبدة,الحقيقة أن نموذج الحسين منذ يزيد الفاجر إلي اليوم,نموذج يخيف كل طاغية وكل مستبد,يستبعدونه ما استطاعوا إلي ذلك سبيلاً,لماذا؟نزار قباني يعرف أحد الأسباب... حين مات عبد الناصر استعاد ذكري الحسين وهو يرثيه"فتاريخنا كله محنة وأيامنا كلها كربلاء"تاريخنا كل علي خط الخلفاء الأمويين في الفساد السياسي والمالي,لكن ليس لنا سوي حسين واحد فقط,في التاريخ الإسلامي,تلك الروح التي اقتبس منها الثائر العظيم تشي جيفارا فكان هو الآخر حسينياً آمن بما آمن به الحسين وسار علي دربه في مواجهة الطغيان,كان شجاعاً نقياً مثله,يحمل قلب طفل مثله وأحلام لا حد لها فاقتدي به مثالاً ورمزاً للثورة علي الظلم فقال " على جميع ثوار العالم الاقتداء بتلك الثورة العارمة التي قادها الزعيم الصلب، الحسين العظيم، والسير على نهجها لدحر زعماء الشر والاطاحة برؤوسهم العفنة".وهذا سبب آخر من أسباب التعتيم الممنهج في الدول العربية علي شخصية الحسين,فما أكثر رءوس الشر العفنة فيها,التي تدرك جيداً أن نهايتها في أمثال الحسين فتحاشوا سيرته الطاهرة ووجدوا في قول ابن فلان وأبو علان ما يثبت عروشهم وطغيانهم فجعلوهم هم الإسلام وما دروا   لجهلههم أو دروا لفجرهم أن الإسلام لم يفقد معناه وشوّه مبناه وسقط تاجه إلا بأقوال فقهاء السلاطين ووعاظ الرؤساء,وأصبح أداة رخيصة من أدوات السياسة النجسة...وإنا لله وإنا إليه راجعون!
كأن آل البيت الكرام حكراً علي الشيعة دون السنة!كأن تكريم أبناء الزهراء والاقتداء بهما ضد نهج النبي!كأن مدح الحسين وإحياء ذكره تهمة,والحديث رواه مسلم بنصه:" تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله و عترتى اهل بيتي"عن زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري,وصححه الألباني أيضاً!!!ألا بعداً لمن يريد تفريق الأمة في أهم ما يقربها حب النبي وآل بيت النبي,الذين قاسوا من بعده ما تشيب منه الرءوس,قتل الرضيع وذبح الرجال وسبي النساء وتعطيش الحلوق وتخويف القلوب وخيانة العهود....أاأ
يا الله من أين أجئ بقلب يسع كل هذا المرار للكلام عن قتل الحسين...يا الله كيف أصدق ما حدث...كيف أستعيد ذكري موت حفيد حبيبك محمد لأجل أن يتأمر الفاجر,وبيد ملاعين ليوم الدين...يا الله من أين آتي بقوة تعينني علي استعادة سبي السيدات: زينب وسكينة وفاطمة, وذلهن علي يد بن زياد...آه لو كنت ممن يستمرأون ترديد اللعنات؛لكنت أرحت قلبي,مع ذلك لا محيص من قولها مرة واحدة...لعائن الله علي قتلة الحسين والذين مثلوا بجسده والذين أذلوا نساء بيته آل بيت النبي هم ومن والاهم ومن دافع عنهم ومن مهد لهم لعناً لا تمحيه الأيام بل تزيده رسوخاً,لأن أحفاد هؤلاء لا زالوا من يوم كربلاء لليوم هم السادة,بينما الحسين وشيعته الصادقة المحبة -لا شيعته التي تلعن أصحاب النبي وتطعن فيهن وفي زوجاته وفي القرآن نفسه,بل في الألوهية نفسها وتنسبها لغير الله!-لا مكان لهم في دنيا الله التي أفسدها أشباه يزيد وحاشية يزيد...وآسف يا مولاي أني لا أملك إلا الدموع واللعنات... والله إني أحبك وأحب من يحبك,راجياً أن يصيبني بعضاً من قول الرسول:" حسين مني وأنا من حسين,أحب الله من أحب حسيناً".حتي لو لم يكن قال النبي هذا القول,ما نقص من حبي لك يا ابن الزهراء ذرة.

مدد يا حسين لاستعادة ذكراك العظيمة واستشهادك المثال...!
مدد يا حسين ولو كره ولاة يزيد والسائرين علي دربه في كل جيل  أخذ المدد منك أيها الشجاع الكريم,مدد يا حسين علي كل ظالم متجبر,وغني مبذر سرق مال المسلمين,وشرطي جلف يعبد سيده الغتصب الظلوم...مدد يا حسين بعدد رمال صحراء كربلاء التي شهدت قتلك بيد اللعين شمر لدنيا يكسبها تحت قيادة عمر بن سعد...سعد من؟سعد بن أبي وقاص!!!ليصير علي الري والياً برأسك الشريف...ألا بئس المسعي,ويا تعس المآل!!!
مدد مدد...مدد يا مدد!
خيوط الفتنة تمتد من ناحية التعصب القبلي المعروف عند العرب إلي صراع هاشم وأمية ابنا عبد مناف علي السيادة في مكة, سيفز بها هاشم ثم يخرج أمية إلي الشام مغاضباً...ستمضي السنون وتتوالد الأجيال وسيصير قاعدة الأمويين الشام يواجهون الهاشميين في قاعدتهم الحجازية في الفتنة وما بعدها....عبد المطلب أثناء الصراع علي السيادة المكية أعاد دين الحنيفية للصدارة ليكون ظهيراً له في الصراع,في إرهاص بالنزوع الديني في بني هاشم و بأهمية الدين في حكم العرب,وتأكيداً علي قول ابن خلدون "  إن العرب لا يحصل لهم الملك إلاَّ بصبغة دينية من نبوَةٍ أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة، والسبب في ذلك أنهم لخلق التوحش الذي فيهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض، للغلظة والأنفة وبعد الهمة والمنافسة في الرئاسة، فقلما تجتمع أهواؤهم، فإذا كان الدين بالنبوة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم وذهب خلق الكبر والمنافسة منهم فسهل انقيادهم واجتماعهم وذلك بما يشملهم من الدين المذهب للغلظة والأنفة، الوازع عن التحاسد والتنافس فإذا كان فيهم النبي أو الولي الذي يبعثهم على القيام بأمر الله يذهب منهم مذمومات الأخلاق ويأخذهم بمحمودها ويؤلف كلمتهم لإِظهار الحق تم إجتماعهم وحصل لهم الملك والتغلب        "ومع ظهور الإسلام وإطاحته بكل الرءوس وتمكين الله للنبي تُكبح جماح القبائلية لحد كبير,لكنها تنفجر يوم وفاته في حادث السقيفة وأزمة سعد بن عبادة وتخفت في خلافة الصديق والفاروق؛لتعود مرة أخري في الفترة الأخيرة من حكم عثمان,وتصل لذروتها في قتل حفيد أبي سفيان بن أمية لحفيد محمد بن هاشم الصراع,طبعاً الأزمة أعمق من ذلك وأرفع من صراع قبلي,لكن التلميح له يضئ خلفية من خلفيات استشهاد الحسين عليه السلام...
يلخص المقريزي هذا الصراع في نقله لبيتين من الشعر:
عبد شمس قد أضرمت لبني هاشم حربا يشيب منها الوليد    فابن حربٍ للمصطفى وابن هند لعلــــيٍ وللحســـــين يزيــــــد
فكانت عاشوراء...وكانت كربلاء...
في طريق الإمام علي لصفين يقف أمام رقعة من الأرض ويسأل عنها فيقال إنها كربلاء,يبكي وهو يقول:"هنا محط رحالهم ومهراق دمائهم"...رأي ببصيرته ما ستؤول له الأمور التي جاهد لتغيير خط مسارها,بيد أنه شعر أن أمر الله نافذ من فوق سمائه,وأن موتهم واستشهادهم هو وآل وأهله في سبيل الحق قدرهم لا مفر...
بعد عشرين عاماً وفي العاشر من محرم ينزل الحسين بكربلاء...يا لكرب وبلاء آل بيت النبي...يا لجريمة فظيعة في حق أبناء النبي...يا لطمع وجشع في الدنيا والملك حصد رقاب خير رجال الخير علي يد أقذر رجال الباطل...يا لبطون وفروج وشهوات تسلطت علي القلوب حتي أعمتها وجعلتها تقتل ابن بنت نبيها وهي تهتف"الله أكبر"...يا لعجز الكلمات أمام صرخات ابن الحسين الرضيع وهو يبكي طالباً الماء,فيرفعه لأعدائه لعلهم يرحموا الطفل فيأتيه سهم فيموت بين يديه....هذا زمان ومكان قتل الحسين بن الزهراء بنت النبي...,لابد أنه حين نزله في غرة محرم تحت ضغط الحر بن يزيد بأمر من ابن الدعي بن زياد استرجع قول أبيه وهو معه يومئذ يسمعه"هنا محط رحالهم,ومهراق دمائهم"والله لأكون في شيعته أنصره وأموت دونه خير لي من الدنيا كلها...يالها من لحظة استشعروها من كانوا معه..لحظة "الحق"وما أضيع الحق في كل زمان,ويالخيبة من عرفه وتغافل عنه ويالمصيبة من عداه...
أطبق الأوغاد علي الأسد مصيدتهم...ما خرج لطلب الدنيا,ولا جاهد من أجل سلطة,وإنما ورث عن أبيه هم الأمة,وجدها في قبضة "يزيد القرود"التافه الغر ,الذي كاد جده لجد الحسين ولم يسلم هو ولا ابنه معاوية إلا عند فتح مكة فكانا من المؤلفة قلوبهم,وتشتهر الأخبار الكاذبة أن معاوية أحد كتبة الوحي!!!يزيد الذي سيستبيح الحرم ويقصف الكعبة ويقول:" لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل"
آه...هاشم بعد مرور العقود تلو العقود ما زال يؤرق أحفاد أمية...العصبية مازالت تحكم النفوس....
وجدها بين يدي طغمة من الطامعين الذين ملأت الدنيا قلوبهم وطردوا دين الله من قلوب الناس بالرشوة والفساد والتخويف والقتل,فنهض مع أهله وأصحابه مولياً وجهه لله وللحقيقة,تخلي عنه الناس وخذله الكوفيون كما خذلوا أبيه من قبل,كان يمضي لموته وهو عارف أنه سيموت,أجل...كان يسعي لموت يحيي في النفوس معني الحياة وقيمة الإنسان,قيمته في إثبات ذاته في وجه السيف والمال,لو بايع أو هادن أو صمت,لكان عاش سنوات معدودة,وسيذوق كأس سيشرب منها كل ذي فم ولسان,ويصبح اسماً لا في طيات الأسماء,لكنه قام قومة تليق بابن علي وحفيد النبي,قام كإنسان أولاً,إنسان رأي الظلم يتسيد والظلام يعم والدين ينهار,والناس يستصرخون من الظلم ومكان النبي وأصحابه يدنسه شخص كيزيد مهد له أبوه الإمارة بالغدر والظلم وبنقض العهود وبأعذار هي عليه قبل أن تكون له,فانتفض كثائر عظيم,لم يثنه خيانة من وعدوه ولا هرب من ناصروه ولا قتل مبعوثيه,بل سعي نحو الموت ليرفع عن الأمة الغمة,عرف أن موته هو حياة للإنسان,موت ستظل الشعوب والثقافات والأديان من بعده تتخذه رمزاً ومثالاً للتأمل في عظمة الإنسان حين يصبح كالملائكة,يحتقر الدنيا ويسير نحو الموت علي رأس اثنين وسبعين شخصاً هم كل ما تبقي أمام أربعة آلاف محارب,من علي رأسهم أصبحوا مثالاً لسقوط الإنسان في الدرك الأسفل من جحيم المنافع المادية الذي يظنه جنة أرضية لغبائه وجهله,أين معاوية وابنه؟انقطعت ذريتهما وذكرهما ولم يخلف أحد من أبناء معاوية يزيد حتي انتهاء الدولة الأموية؟أين رءوس قتلة الحسين؟قيض الله لها المختار الثقفي ليصطادهم في سلسلة اغتيالات انتقاماً لدم الحسين المراق في كربلاء رافعاً شعار"يا لثارات الحسين"...وأين الحسين؟في قلوب محبي الحق وعارفي قدر الرجال ليوم الدين.

في لقاء تليفزيوني جميل يثير الأسي علي حال الثقافة المصرية اليوم,ويسبب كراهية شديدة ولعنات متوالية علي من أفسدوها بجهلهم وهرائهم واجترائهم علي الكتابة,حتي أعلن أحد المتمحكين في الأدب نفسه إلهاً للسرد,ولا حول ولا قوة إلا بالله,ميز العظيم طه حسين محمود أمين العالم من بين جلساؤه من الشباب بأنه قارئ جيد علي عكس الآخرين غير المتعمقين في القراءة!!!! فبدا علي أمين العالم سعادة وسرور من فاز بوسام أو منح جائزة غالية,الحق أنه منح ما هو أكبر من ذلك,شهادة بالجدية والثقافة من رجل الثقافة والجدية,قبل سنوات وتحديداً عام 1944 أعطي طه حسين شاباً آخر وقتها بدا في اللقاء المشار إليه كهلاً شهادة بأنه "أول فيلسوف مصري",عن رسالته حول الموت والزمان الوجودي أيام ما كانت الجامعة المصرية بها رسائل يسبقها تعليم ممتاز أخرج لنا عباقرة وقبل أن تصبح"حمار خانة"مملوءة بالحمير السوائم والأميين الجهلة,هذا الفيلسوف هو عبد الرحمن بدوي مترجم كتاب"أحزاب المعارضة السياسية في صدر الإسلام"ليوليوس فلهوزن الذي يقدمه بدوي بأنه"سيد مؤرخي الإسلام بين المستشرقين".
يدين التراث العربي والإسلامي للمستشرقين بأكثر مما كان ينبغي أن يدين به,وبأكثر مما تظهره النظرة السطحية, من المنطقي أن نقول في التكنولوجيا والتقنية التي لا علاقة لنا إلا مستهلكين جهلة بطرق ابتكارها وحتي تشغيلها!!"الخواجة لم يترك لنا شيئاً نفعله"لكن من العار أن نترك تاريخاً ننتمي إليه وثقافة نعرفها في يد غريب مع احترامنا لعلمه وقدرته لكن في الأول والآخر نحن أولي,ذلك طبعاً ينطبق علي أصولنا الحضارية القديمة التي أصبحت غريبة عنا!!!
 الاستشراق جهاز معرفي عظيم يستخدم أحدث الأدوات البحثية والمناهج العلمية لاستخلاص حضارة العرب في كل المجالات,منهم من استشرق بهدف حب الشرق وشغف بحضارته وروحه,ومنهم من استشرق بدافع الاستعمار الذكي الذي درس الدول التي سيحتلها وبالفعل ترك فيها أثراً ثقافياً بارزاً,بعد رحيله,وكالعادة أخذت مجموعة تعمل بهدف التحقيق والتوثيق والفهم والشرح,ومجموعة لم تهتم كثيراً غير بالطعن والازدراء والتطاول علي الدين والنبي,عبد الرحمن بدوي وقف مدافعاً عظيماً ومحامياً شجاعاً أمام طعنات المستشرقين علي النبي وعلي القرآن في موقف صادق من علامة فيلسوف.
في هذا الكتاب فقرة عن الحسين يوردها فلهوزن تستدعي وقفة أمام طعن في شخصية الحسين,أو بالأحري فهمه للرواية التي تحكي عن واقعة قتل الحسين-وويل ثم ويل للمؤرخين من الروايات-يقول:
1-".....ما كان مثله إلا كمثل آنية من الفخار اصطدمت بحديد هو عبيد الله" قد يكون هذا الوصف يصلح لأعرابي قابل أعرابي آخر في الصحراء يوم كربلاء وسأله عن نبأ الحسين فيقول مثل هذا المعني,أما مستشرق كلفهوزن يقول ذلك بداية القرن العشرين,فهو سقوط لمعني دروس التاريخ وانهيار لفلسفته,الحسين رجل المبادئ الأخلاق لم ينضم إليه إلا من كان مثله,مكن القدر مسلم بن عقيل رسوله إلي الكوفة مرتين من بن زياد ولم يفتك به في منزل بن هانئ غيلة ولا هاجمه لما حاصر قصره,في الأولي لأنه ترفع عن أن يهجم عليه من خلف ستار والثانية لأنه لم يجئ مقاتلاً وإنما رسولاً,ثم تكون نهايته ونهاية بن عروة علي يد بن الدعي,تلك هي أخلاق أصحاب الحسين لم يفتنوا الناس بالمال أو بالخوف أو بالمطامع وإنما جمعوا قلوبهم بحب الحسين وآل بيت النبي,من الناحية السياسية الحسين كان فاشلاً بمقاييس فلهوزن ومقاييس السياسة الميكافيللية الناجحة بصورة مفزعة مهما اختلفت الأزمان والرجال,لم يكن ميكافيللياً ولا نفعياً؛في مجتمع بحث فيه عن  غايته بكل وسيلة...رجل المبادئ ضرب أمثلة تسحق بن زياد ومليون مثله,مازال ذكره وأتباعه ومحبوه يملأون الأرض بالملايين وممجدوه في كل الثقافات كثر أمثال غاندي وديكينز وغيرهما من  العقول العظيمة,اسأل أحد اليوم عن بن زياد,إما لا يعرفه أو يعرفه ويلعنه وقل لأي ذي عقل"الحسين"وانظر كيف ستكون ردة فعله,بن زياد الذي قال عن الحسين يوماً"الكذاب ابن الكذاب"قُبر في باطن الأرض تشيعه اللعنات,بينما الحسين ممجد ذكره في الأرض تتنازع الدول والأقطار في إثبات وجود رأسه التي قطعها الشقي الوغد شمر تقرباً ليزيد!
آنية الفخار الحقيقية هي كلامه الذي يتمكن أي طفل قرأ سيرة الحسين من الرد عليه!
2"لقد المضي الحسين كما مضي المسيح في طريق مرسوم,ليضع ملكوت الدنيا تحت الأقدام"جسد الحسين مع المسيح أوزير,كان كالمسيح في ازدراؤه للدنيا واحتقاره لرخصها,أدرك هو ومن معه ببصيرتهم قول القرآن"فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض"ضحي بحياته لينفع الناس ويحييهم,لكل واحد في الدنيا صليبه الخاص بالمعني المعنوي,يتألم عليه,صليب الحسين وآلامه لم يكونا لذنب اقترفه ولا لجريرة جناها,صليب الحسين كصليب المسيح في العقيدة المسيحية لخلاص الغير بالتضحية بالنفس,وكان كأوزير في تحالف قوي الشر عليه وتقطيع جسده,ست خالد بخلود اوزير وحور لم يمت من يوم الصراع الكبير معهما,مازالوا يعودون في كل جيل بوجوه مختلفة يحمل فريق راية ست وفريق راية أوزير...الطريق المرسوم هو السعي للفداء ووضع الدنيا حيث تنتمي...تحت الأقدام.
3"ومد يده كالطفل ليأخذ القمر,ادعي اعرض الدعاوي لكنه لم يبذل شيئاً في تحقيق أدناها,بل ترك الآخرين أن يعملوا من أجله كل شئ,وفي الواقع لم يكن أحد يوليه الثقة,إنما قدم القوم رءوسهم يائسين,لم يكن يصطدم بأول مقاومة حتي انهار,فأراد الانسحاب لكن ذلك كان متأخراً فاكتفي بأن راح ينظر لأنصاره وهم يقتلون من أجله,وأبقي علي نفسه حتي اللحظة الأخيرة........"مد يده كالطفل ليأخذ القمر في سياق تشير للبراءة والابتعاد عن تدنيس النفس بالحيل,لكن هنا يشير للسذاجة وعدم فهم الدنيا وآليات الاستحواذ عليها,والفقرة أصلاً لا تستحق الرد عليها وربما كان عند أبي مخنف الراوي الذي يعتمد عليه فلهوزن وغيره الدلائل المباشرة التي تغنينا عن الخوض في تفكير لا منطقي يقلب الحقائق ويجعل من الموجب سالب!!قد يوصف بأنه حاقد علي الحسين أو كاره له ويريد تحطيم المعاني الحسينية,وهذا مفهوم,لكن لا نستبعد أن تكون الفكرة الغربية التي أسسها نيتشه وهو ألماني كفلهوزن عن تمجيد القوة وازدراء الضعف والحط من شأن المسيح لأنه ضعيف مصلوب لا حول له,وهذا ضرر علي الحضارة الغربية وعلي الإنسان عموماً في رأي ذهنية جبارة كنيتشه,ربما قد تأثر بها فلهوزن في رأيه عن المسيح بل وربما يكون هذا هو سبب مقارنته بالمسيح مع اتهامه له بالضعف أيضاً.
لو أراد الإنسان الجمال سيجده لدي المرأة,أجمل ما خلق الله في دنياه,ولو أراد الصدق ليتجه نحو الفن,الفن هو القادر علي إجلاء ما في النفوس من مكبوت ومختف كما فعل هاملت المعذب الخالد مع عمه...وتلك تنويعة من تنويعات حور وأوزير!
ربما قراءة نقدية سريعة علي أمل أن يتح لنا الزمان قراءة متأنية لمسرحية ثأر الله تكشف لنا عن شخصية الحسين كما صاغها الشرقاوي,أفضل من أي بحث تاريخي كأبحاث فلهوزن!
منعت المسرحية من العرض ومازلت لليوم تسبب مشكلات مع (الكهنوت!) الأزهري,الذي لم يكتف بتدمير عقول المنتسبين له بمناهج تثير الغثيان,بل تعدي عقول وأرواح من هم بخارجه وتسبب في عرقلة المسرحية بدعوي أن فيها تهجم علي معاوية ويزيد!!!! حرم المشاهدين من رؤية الفنان عبد الله غيث وهو يتألق في دور الحسين حيث أشاد به كل من شاهده في البروفات وراهبة الفن أمينة رزق في دور السيدة زينب,وما أجمل أدائها الحواري بالفصحي علي المسرح وكم سيكون أجمل مع أبيات الشرقاوي,طبعاً الحسين ليس في معادلة شيوخ السلطان وهو السبب الرئيسي في ظني للوقوف في وجه المسرحية,وربما قال المعممون-ليس الذين لا يعرفون عن وظائف الدماغ إلا أنها أداة للبس العمامة بل القسم الآخر ممن اتخذوا العمامة وسيلة لغاية دنيوية!-"هل نعرض لهم مسرحية من لحم ودم في تفاعل بين الممثل والجمهور مؤثر,فيخرج الناس من قاعة العرض يطالبون بسقوط الحاكم كما شاهدوا الحسين يفعل,فلنعطهم درساً عن عذاب القبر أو عن الحور العين أو زواج الجن من الإنس!أو أي أمور أسطورية ونقول لهم أن ذلك هو الدين ومن ينكر المعلوم منه كافر!ولنمنع عنهم سيرة الحسين"هذا لسان حالهم الذي أوردنا المهالك وجعلنا عبرة للأمم!علي الأقل لابد أن يتم تسجيلها إذاعياً لتضاف لتراث عظيم من المسرح في إذاعة البرنامج الثقافي,ومع الأسف لن نجد ممثلاً يتقمص دور الحسين ولا ممثلة تقنعنا بزينب,مؤخراً أرادوا لليلي علوي تجسيد دور السيدة زينب ولمحمد رياض تجسيد الحسين,انتهي عصر الممثلين العظام وضاعت الفرصة!!إلا لو ظهر فناناً عظيماً لتجسيد الحسين وفنانة عظيمة لتجسيد زينب,ليلي علوي ممثلة مُقنعة,لكن لها أدوارها الفنية الخاصة التي تجيد أدائها وارتبطت بها في أذهان الجمهور,ليس في صالحها الخروج منها وإلا لن تلاقي النجاح وستصطدم بالفشل الفني.
يبدأ المنظر الأول في أحد طرقات المدينة تتقاطع عنده عدة طرق وتشرف عليه الدور الزمان ليلاً,يقطع السكون دخول رجال بالمشاعل,يهتفون"زال الطاغية المتكبر","سقط الدجال الأكبر"هلك الفرعون المتجبر
مات معاوية يا قوم
فالحرية منذ اليوم أبشر يا بشر إذن أبشر
نعرف أن الرجلين اللذين يتحدثان هما بشر وسعيد أحد أصحاب الحسين,السكينة الكاذبة قطعها موت معاوية وإعلان الفرحة بموته,هذا مما اعترض عليه شيوخ معاوية ومحبي معاوية,ولمن لا يعرف من هو معاوية فليرجع للتاريخ,وينجو من لعنة تقديس ما ليس بمقدس ويهرب من مسميات تخيف كـ"صحابي"ألم يصحب عبد الله بن السرح النبي بل وكلفه بكتابة وحيه فكذب علي الله وعلي نبيه وكتب من عنده ما كتب حتي كشفه النبي وطلب أن يكون ممن لا يعصمهم منه عاصم يوم فتح مكة,ألم نعرف أن عمار بن ياسر تقتله الفئة الباغية,وكان قاتله هو معاوية وفئته الباغية,معاوية شارب الخمر ومغير قسمة الله في الغنائم والمتهم بقتل الحسن ولاعن علي وقاتل حجر بن عدي يستكبرون وصفه بالطاغية المتكبر-طبعاً الاعتراض علي وصفه بالفرعون محفوظ,فذلك مدح لمن يفهم أخلاقيات وحضارة مصر القديمة-يرفضون وصفه بالدجال وهو من لعب الألاعيب ودجل علي الناس لتولية يزيد وهو أدري الناس بيزيد,معاوية الذي طلب إبعاد أبي ذر لأنه سأله من أين لك هذا فلو كان قصره من ماله فهو إسراف ولو كان من مال المسلمين فهو جريمة,يحبون هم معاوية علي حساب علي الذي كان وهو خليفة يركب حماراً ليشارك رعيته آلامهم,الزاهد العادل لأن ملوكهم ورؤسائهم يتبعون نهج معاوية,ستار من الدين وخلفه فليتاجرون في الآثار كما كان يتاجر معاوية بتماثيل بوذا,والاستيلاء علي المال العام بلا رادع كما فعل,لا هذا الكلام عن طغيانه وتكبره في لمز لسادتهم فلنمنعهم ولنكسب عندهم واحدة!الحسين نفسه وصفه لابن الزبير حين استداعهما الوالي فجأة بالطاغية لما حدس أن سبب استدعائهم هلاك معاوية.
يدور الحوار الشعري مع "أسد"ممثل حزب البراجماتية المتخفية تحت غطاء من أخلاقي عن وجوب طاعة الولي وحقن دماء المسلمين؛لأن مكاسبه تتهدد بسقوط سيده,ثم يظهر وحشي قاتل كأنه يمهد لحدوث جريمة أخري لحبيب آخر من آل محمد,وهو ينعي نفسه وقدره الذي وضعه في العبودية ولم يكن لها خلاص سوي قتل حمزة,من الناحية الإنسانية يثير الشفقة وخاصة بعد تطهيره من جريمته بعذاب وآلام ولعنات وكراهية أحاطت به ثم يترك المسرح وهو يتساءل في لوم وأسي"لماذا لا يعذب مثلما عذبت من والي ابن هند؟"وينتهي المشهد والأصوات تهتف "لا بيعة إلا للحسين"
مشهد افتتاحي يضعنا في ذروة الحدث,ويعطينا فكرة عن الاتجاهات السياسية بين مؤيد للحسين ومعارض له,بين من اتبع الشهوات بمنطقهم المريض وجبنهم المخجل وهرائهم الحقير,ومن والي الحق بلا رغبة إلا الحق,لأن قلبه لم يمت ومازال به أمل للمثال والعمل الجاد لصناعة حكم رشيد كحكم أبيه,الحسين يهددهم لو أصبح هو الخليفة,سيعطي لكل ذي حق حقه,ومن الناس من لا يستحقون إلا الشفقة والله ليس لفقرهم المالي,وإنما لفقرهم الأخلاقي,تسيدوا علي الناس,ولو تركوا الحسين وما يريد سيضيف لفقرهم الأخلاقي فقرهم المالي,ويطيح بغناهم الذي اكتسبوه من غير وجه وحق,ويعطيه للأمة التي سرق مالها واقتيد رجالها كعبيد في ضيعة كبيرة ختمت بختم ملك بني أمية,عدا طبعاً بلا شك الخليفة الخامس العادل حفيد الفاروق عمر بن عبد العزيز.
المنظر الثاني في قصر الوليد بن عتبة والي المدينة ومعه مروان بن الحكم وأصوات بيعة الحسين مازالت تتردد في الخلفية,وفيه الأبيات الشهيرة المزلزلة عن الكلمة وقبل إلقاء الحسين لأبياته نري ترحيب وحب عامة الشعب للحسين بن الزهراء وكراهية مروان بن الحكم له ودعوته الوليد لقتل الحسين وطبعاً يرفض الوليد ونجيه الله من ذنب عظيم,يريد بن الحكم من الحسين كلمة واحدة يبايع بها يزيد,يا لعقول متخلفة تريد أن يبايع الحسين يزيد,وما أدراكم من يزيد!!!!!!!!الملقب في أحد ألقابه التي يطلقها عليه عارفي سيرته السوداء فضلاً عن قتله حفيد النبي وسبي حريمه بأداة حقيرة شقية جعلها واليه ويده في الأمر بـ"الفاجر"!يريد بن الحكم من ابن النبي أن يقول"بايعت","آه... ما أيسرها إن هي إلا كلمة",ينتفض عليه السلام وهو يقول بعظمة الفاهم وتقي العالم وثقافة المسلم التي اكتسبها من علي "مدينة العلم": كبرت كلمة
وهل البيعة إلا كلمة
وما دين المرء سوى كلمة
وما شرف الله سوى كلمة"
أمثال هؤلاء لا يفقهون من الحكمة شيئاً,لم يفهم مروان معاني الحسين فهو رجل يقال لأمثال اليوم"عملي"في لهجة مدح,يقول للحسين في غلظة"فقل الكلمة واذهب عنا"أجل كلامك يا مولانا يؤذيه ويضيع وقته الثمين في حبك المؤامرات وتمهيد الأمور ليزيد وقروده لتتملك بغير حق.يحاول الحسين إفهامه وإفهام الناس معه بقوله"أتعرف ما معنى الكلمة
مفتاح الجنة في كلمة
دخول النار على كلمة
وقضاء الله هو كلمه
الكلمة لو تعرف حرمه زاد مذخور
الكلمة نور ..
وبعض الكلمات قبور
وبعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النبل البشري
الكلمة فرقان بين نبي وبغي
بالكلمة تنكشف الغمة
الكلمة نور
ودليل تتبعه الأمة .
عيسى ما كان سوى كلمة
أضاء الدنيا بالكلمات وعلمها للصيادين
فساروا يهدون العالم ..
الكلمة زلزلت الظالم
الكلمة حصن الحرية
إن الكلمة مسؤولية
إن الرجل هو كلمة
 شرف الله هو الكلمة"
ليس عجباً إذان اعتبار مؤسس المسرح المصري توفيق الحكيم أنها أعظم ما كتب للمسرح المصري,هذه المعاني لا تخرج إلا من مصري حفيد لإيمحوتب أول شخصية موسوعية و حكيم  يظهر في العالم,هذا كلام ابن حورجدف الحكيم ولقمان الحكيم المصري المذكور في القرآن هذا كلام سلالة أمينموبي الحكيم الفرعوني الذي اقتبس عنه اليهود التوراة وصاغوا علي هديه أمثالهم وحكمهم...هذا من يقدر علي التعبير الفني عن الحسين,ومصر كانت حاضنة أهل البيت وحب أهل مصر لهم لليوم وللأبد لا يعبرون عنه بالدموع والدعوات والتبرك بهم وبهديهم ,ويعبر عن لسان حالهم الشيخ صالح الجعفري الأزهري المصري ومن سلالة النبي عبر الحسين عن طريق زين العابدين علي بن الحسين بعد نجاته من مذبحة كربلاء وهو صبي مريض بفضل عمته السيدة زينب واستعدادها للتضحية بحياتها في قصر اللعين بن الدعي عبيد الله؛ليكون هو الابن الوحيد الباقي لأبيه الحسين!  بقوله في مطلع قصيدة "رضينا يا بني الزهرا رضينا
بحب فيكم يرضي نبينا"
في المنظر الثالث يأخذنا الشرقاوي لآخر أيام حسين في المدينة يختمها بعادته في مؤونة الفقير والبر بأهل الحاجات ويدور حوار ويختتم بقرار خروجه إلي مكة في حمي الكعبة...كان ما زال يري فيهم خيراً,ويعتقد بتعظيمهم حرمات الله!!!!!!
في الرابع أمام قبر الرسول تظهر السيدة زينب لأول مرة,وتبدو في حبها له كأم تصغره وليس فقط أخت,ويخبرها برؤية رآها تشير لاستشهاده,أجل كان يعلم ويعلم من حوله أنه ذاهب لحتفه ولطالما حذره بن عباس وتمني يوم كربلاء لو فعل بنصيحته وترك نساؤه لكيلا يتألموا معه ويشهدوا مصرعه,وجري خلفه في الطريق عبد الله بن عمر وقال"استودعك الله من شهيد",وحذره أصحاب النبي من الخروج لأهل العراق!وينتهي كما انتهي الفصل الثاني بقول الحسين"الله يفعل ما يريد"

وصل في المنظر الخامس الحسين لمكة ونحن الآن في بيته مع جاريته ريحانة,وفيها نري رفق الحسين بجاريته واعتبارها كابنته"...فأنت لدينا كسكينة" وتكاد الجارية التي فضلت العبودية علي الحرية مادامت بجوار الحسين تطير من الفرحة لما تري غيرة سكينة,يخبره ابن جعفر عن اجراءات يزيد ووعوده بجائزة مالية طائلة لمن يأتي بالحسين ويحاول أن يقنعه بالمهادنة حتي تمر العاصفة وليفعل بعدها مايشاء,يصف الحسين نفسه بالطفل!لكن ليس كطفل فلهوزن يعتبره الشرقاوي ولكن طفل الحقيقة"آه ما أهون دنياكم علي طفل الحقيقة" وهي عبارة يصعب تقبلها من أدعياء الميكافيللية والقوة الغاشمة القاسية,خاصة أن فلهوزن يعتبر الحسين وأصحابه  من الأحزاب السياسية كما جاء في تسمية كتابه,وبالتالي ومن تلك الناحية كانوا فعلاً أطفالاً أنقياء ضحوا بأنفسهم من أجل الحصول علي قمر الحقيقة وليس ليتهشموا بضعفهم الطفولي علي حديد بن زياد... وحتي هنا نقف في المسرحية عند مقارنة طفل فلهوزن بطفل الحسين.
تدور بعدها الأحداث المتوالية من خيانات وتضحيات وأبطال وجبناء وطماعين وشرفاء حتي يبتدئ انتصار الشر واضحاً,ويقضي الله أمراً مفعولاً,وتبدأ سيرة الأحداث التي ترتبط مع مسرحية أخري بعد تقسيم الشرقاوي لها جزأين"الحسين ثائراً"...ربما نكملها ونربطها بجزئها الثاني في فسحة يفسحها لنا الزمان قريباً ونستعيد مرة أخري آلام الحسين وذكري استشهاده لعلها توقظ فينا ما أراد احياؤه بموته....


الجمعة، 27 فبراير 2015

الذرة في الفلسفة الإسلامية

الذرة في الفلسفة الإسلامية

في السادس من أغسطس عام 1945 صفعت أمريكا خد العالم بيد"الولد الصغير",وبعد يومين صفعته علي الخد الآخر مرة أخري بيد"الرجل البدين"!
الولد الصغير اسم القنبلة التي أُلقيت علي هيروشيما,ومحت 90في المائة من المدينة وفي غمضة عين قتل ما يقرب من 80ألف إنسان,وعشرات الآلاف بعد ذلك تأثراً الانفجار الرهيب,وتكررت تلك الفعلة مرة أخري في ناجازاكي بقنبلة الرجل البدين,وكانت الصدمة ما تزال تزلزل العالم وقتها,في نهاية العام كان قد مات 80ألف شخص في ناجازاكي و140في هيروشيما,ومن يومها والضمير الحر يصرخ في وجه السياسة الفاسدة والحرب اللعينة"لا تلقوا بالثالثة"!وسينجو مواطن ياباني"تسوتومو ياماجوتشي"من قنبلة هيروشيما التي زارها لرحلة عمل وسيعود لمدينته ناجازاكي حيث سيتلقي الثانية,ويعيش حتي يبلغ93عاماً!!
كانت تلك القنبلة إعلان عصر جديد من القوة,يتسابق عليه الدول العظمي والدول التي تطمح أن تصير عظمي,عصر"الذرة"...تلك القوة استخداماتها في السلم يقاس بها مدي رقي العلوم,وتفتح أبواباً لا حصر لها لاختراعات عظيمة,وتوفر للإنسان السعادة والرفاهية,وفي الحرب جريمة لا تغتفر ولنا في مصائر طياري هيروشيما وناجازاكي عبرة لمن يخرج مارد الدمار الفظيع من قمقمه الذري ليطيح بالأجساد ويشوي الجلود ويطارد الأجنة في بطون أمهاتها!!
لو تصورنا الكون كبناء معماري فستكون الذرة هي أحجاره المبني بها,هي مادة بناء الكون الأساسية,كل مادة في الدنيا تتكون من جزيئات والجزيئات تتكون من ذرات,الماء كالحديد يتكون من ذرات,والنار كالهواء من ذرات,تلك الذرات عالم متكامل,أي يمكننا القول أن الكون الذي نعرفه يتكون من أكوان صغيرة لا تري إلا بتكبيرها مليون مرة علي ميكرسكوب ولن تزيد حجمها عن ملليمتر,بداخلها نواة وإليكترون وبروتون ونيترون في حركة مستمرة,ونظام يماثل النظام الشمسي وكواكبه!أجل كون ميكرسكوبي صعب تخيل كم هو صغير وضئيل يوضح لنا نيلز بور أحد علماء الذرة مدي التعقيد الذري لما يقول إننا علينا أن نعدل مفهومنا للفهم إذا أردنا فهم الذرة!هذا الكون الذري الصغير في المواد العادية طاقته الكامنة لو انفجرت قادرة علي تحريك قطار يزن مئات الأطنان ليدور حول الكرة الأرضية كلها!
فما هي قصة الذرة التي شغلت الفلاسفة طوال قرون طويلة وبعدها أصبحت الشغل الشاغل للعلماء,وتحمل كل هذا في ذاتها ويتكون منها الكون وما فيه...
تنتشر نظرية المعجزة اليونانية في للناظرين في تاريخ الحضارات,وهي نظرية مخلة ومعيبة وتهضم حق مصر القديمة في ريادتها –السابقة للأسف!!!-للعلوم والثقافات,فالوصف البديع الذي ابتذل من كثرة ترديده"أم الدنيا"ليس وصفاً رومانسياً أو شوفينياً,بل هي حقيقة مثبتة,فالأديان واللغات والثقافات والفلسفات بل والأجناس والأنساب أصولها في وادي النيل هنا وبداية فجر الضمير كان في شروق رع علي "جبت"التي ستصبح في EGYPTوعند العرب مصر,لظروف معقدة تبدأ بسرية العلوم الكهنوتية وعدم تدوينها واقتصار تداولها بين جدران المعابد,ولا تنتهي بفقداننا لغتنا القديمة ونسياننا لذكري الأجداد العظام بفعل هبوب تراب الصحاري الذي يذم في أول الموحدين ويزدري من تعلم موسي في معابدهم,وتزوج منهم إبراهيم لينجب جدهم إسماعيل,واحتضنوا يوسف,وأثروا في مزامير داوود وهجوم قبعات الغرب التي تنشر أفكار سخيفة من نوعيات حضارات فضائية وأطباق صناعية بينما معجزاتهم العلمية هم من صنعوها بعلمهم ومجهوداتهم,أما الحضارة المصرية المبجلة فهي من صناعة كائن فضائي,هذا مع الاعتراف بفضل عالمي الآثار العظام من الأجانب الذين تتلمذ علي أيديهم العلماء المصريين ولولاهم ما عرفنا أصلاً عن بوجودها! ولظهور متدينين لم يفهموا الدين فكان مسيحيون يمحون الآثار والنقوش ظناً منهم أن هذا ما سيقربهم ليسوع و مسلمين فعلوا المثل ظناً أن الله يرضيه هذا!! لمثل هذه الظروف سقطت آثارنا القديمة من ذاكرة التاريخ!
لذلك سأقول بضمير مرتاح,الذرة لها تعود أصول فكرتها الأولي لمصر القديمة,ربما لا أملك دليلاً علي ذلك لكن المؤشرات كلها تدل علي ذلك,فالحضارة اليونانية نفسها تعترف بضآلة معارفها أمام الكهان,الفلاسفة والعلماء فيها زاروا مصر وتعلموا فيها علي يد كهنتها,ثم عادوا ودونوا...كتبوا فكان لهم المجد,وأصبح الأطباء علي سبيل المثال يقسمون قسم أبقراط بدلاً من قسم أول شخصية موسوعية عرفها العالم...إيمحوتب العظيم.
لكن ليس من سبيل الآن إلا لما هو متاح لنا...

هناك مناهج علمية تسبق فيها النظرية المجردة التجربة المشهودة,وهذا ما حدث مع ديمقريطس الذي بدأ التفكير في وجود أجزاء صغيرة يتألف منها الكون كله,يقال أن تلك الفكرة راودته حين كان يسير علي الشاطئ وتأمل البحر وتساءل عما إذا كانت مياهه متصلة أم منفصلة,نظر إلي الرمال فوجدها تبدو من علي البعد كتلة واحدة لكنها في الحقيقة حبيبات صغيرة جداً,وفكر أن الماء أيضاً يتكون من تلك الحبيبات الصغيرة جداً,تلك الحبيبات دعاها باليونانية"atomos" وترجمتها"ما لا يتجزء"ومنها اشتق الاسم المعروف"atom" أي الذرات,وآمن عندها أن هناك حد معين في كل مادة لا يمكن تجزئته بعدها...
اختلف أرسطو بعد ذلك مع تلك الفكر,واعتقد أن المادة متصلة,أي يمكن تجزئتها إلي مالانهاية ودون حد معين,واعتبر ذلك بديهية لا تحتاج لإثبات,واستند علي أنه لا يوجد للمادة هيكل نهائي.
ومن المعروف أن الفلاسفة اليونايين آمنوا بالعقل والعقل وحده,واحتقروا الأعمال اليدوية فلم تظهر عندهم آلات علمية بقد ما ظهرت أفكار فلسفية وتصورات كونية؛لذلك لم يهتم أحد أن يثبت صحة أو خطأ ما يعتقده,فظل وجود الذرة يحتاج لدليل مادي,مع الأخذ في الاعتبار أن آراء أرسطو هي ما تسيدت علي العالم وكانت في حكم القوانين الثابتة,مع ذلك هناك الكثير من آرائه تثير السخرية وإنكار كون أرسطو هو قائلها!فكان ديمقريطس وذراته في الظل حتي مجئ العصور الحديثة التي رفضت كل منقول واعتمدت علي المعقول والمجرب,فأعادوا اكتشاف ديمقريطس مرة أخري بتجارب دالتون عام 1803حيث قال:"أن كل العناصر تتألف من جزيئات غاية في الصغر,وغير قابلة للتفتيت أو الانقسام تعرف باسم الذرات"وتصورها علي هيئة كرة بلياردو.

الفلسفة الهندية في القرن الخامس تقريباً,وعن طريق مذهب الجاينا القائل بأن المادة والمكان والزمان ينقسموا لأجزاء لا تتجزأ ,ظهرت فكرة الذرة التي سيدعوها البوذيون "درهما"قاصدين أصغر جزء تتألف منه الأشياء,وضربوا مثالاً أن الأشياء لو كانت تنقسم إلي مالانهاية ولا وجود لجزء لا ينقسم,لكان عدد أجزاء جبل ميرو الموجود حالياً في الحديقة الوطنية التنزانية مساو لعدد أجزاء الخردلة!

ثم جاء الإسلام...
الكتاب الأول في الحضارة الإسلامية هو القرآن الكريم,به ذُكرت الذرة أكثر من مرة في أكثر من موضع,وتم الإشارة إليها في سرد عذاب عاد وثمود وأيضاً قوم لوط فكان الدمدمة والصيحة  والصاعقةهي أوصاف لطاقة الذرة كما أن المأثور في النصوص عن نهاية قوم لوط يرمي إلي وجود انفجار ذري ...عموماً لست من أنصار نظرية الإعجاز العلمي في القرآن,لأمر لا علاقة له بالقرآن أو الدين إنما احتراما لقيمة العلم والاجتهاد والاكتشاف والمعرفة التي يقوم بها الغرب ولولاهم ما ظهرت أصلاً نظرية الإعجاز العلمي!!وازدراءً للخاملين الجهلة الذين لا يدركون حتي مقدار خيبتهم وانحطاطهم ومع ذلك في قلوبهم مرض عجيب,أعراضه أن كل شئ سبقوا إليه وكل أمر عرفوه وما يفعله الغرب ليس إلا تسخيراً من قبل الله تعالي...تعالي الله عما يفكرون!
قال تعالي"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ"هناك بالفعل "الكوارك"وهو الذي أصغر من ذلك...
وعن النبي في حديث حسن:" يُحشَرُ المتَكَبِّرونَ يومَ القيامةِ أمثالَ الذَّرِّ في صُوَرِ الرِّجالِ يغشاهمُ الذُّلُّ من كلِّ مَكانٍ"في تمثيل مباشر ومدهش للانهيار الجذبي الذي يحدث لو توقف عالم الذرة عن الحركة,لتسقط الإليكترونات وما حولها في الفراغ الذري ولا يبقي إلا النواة,وهذا لو حدث ستصبح الكرة الأرضية كلها في حجم بيضة حمامة!,وهذا ما يشير له النبي تحذيراً من التكبر أن المتكبر سيحشر مثل الذرة,أي أنه لن يعد ذرة بل سيصبح نواة!,من هنا نفهم تمنيه علي الله"اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين".
قال علي بن أبي طالب عن الذرة كأنه كشف عن نظامها الحركي المماثل للنظام الشمسي"إذا فلقت أي ذرة تجد في قلبها شمساً",ويشرح فريد الدين العطار تركيب الذرة: "الذرة فيها شمس، وإن شققت الذرة وجدت فيها عالماً وكل ذرات العالم في عمل لاتعطيل له"!!
عند تأويل قول الله:"إنه هو يبدئ ويعيد",يجد المتأول لوأراد تصويراً لعملية دمج الذرات وظهور عناصر جديدة من التحام ذرتين مثلاً أو ثلاثة,أو انضمام إليكترون لذرة أخري,فهو يبدأ الخلق بالمادة الذرية,ويعيد فيه ما يشاء لإنتاج أشكال جديدة من الحياة بنفس المادة الأولي للحياة نفسها,وهو نفس منهاج العمل في نظرية التطور التي بلورها داروين بعد تاريخ طويل لها..."فعال لما يريد".
 ر


بالطبع كان فلاسفة الإسلام علي دراية بفلسفة اليونان وعلي اتصال بأفكار الهنود,فلا يستحق لفظ فيلسوف من لم يدرس الفلسفة اليونانية دراسة وافية ويبحثها في مباحث مستفيضة فعرفوا منهما نظريات الجزء الذي لا يتجزأ وزاد اهتمامهم بتلك النظرية الذرية ما جاء في القرآن,عندهم معبر اليونان ومعبر الهند وكتاب الله وأحاديث رسوله,لانتقال نظرية الجزء الذي لا يتجزأ.عرفوها باسم الجوهر الفرد,بالطبع تأثير أرسطو علي المشائين الإسلاميين جعلهم لا يتفقون في نظرية الجزء الذي لا يتجزأ مع من قالوا به.
قال بالجوهر الفرد ,فرق معتزلية وأشاعرة,وأبي الهذيل العلاف وابن حزم وهشام الفوطي.
ومجموعة المشائيين الإسلاميين ساروا وراء قول أرسطو المعلم الأول,كابن سينا والفارابي والكندي وابراهيم النظام وابن الهيثم آمنوا أن المواد تنقسم للمالانهاية.ومنهالفلاسفة من قال أن قدرة الله ليس لها حد و,فهو قادر علي تجزئة المادة بلا توقف!مستندون إلي آيات تؤكد إحصاء الله كل شئ بعدده, وهنا يتلامس مع مسار التباس معني الأبد والخلود في اللغة العربية والجدل حول خلود الجنة والنار وتأبيد العباد فيهما....
بين فيزياء الذرة المعقدة وفلسفة العبث وأدبه,يحيا الإنسان بين قطبين يدوران به في دوامة,فإذا كانت الذرة بكل هذا النظام وكل تلك الطمأنينة في الحركة والقوانين التي أدت لدمار عاصف,فلماذا الحياة الإنسانية المجتمعية بكل هذا العبث واللاجدوي,ولم كل هذا الألم في سبيل أفكار حمقاء وآراء غبية؟كيف تكون الطبيعة بكل هذا الانتظام-مع أننا لا نعرف لها غائية بل الغائية في بعض مناهج العلوم الطبيعية تعتبر عيباً !لايذكره الباحث حتي لا يتعرض للسخرية من أقرانه!-وحياة الإنسان وسلوكه مرتبط بكل هذا العبث الذي ينخر في كيانه حتي الجنون أو الانتحار...
ليس من المستبعد أن يكون كوننا الذي اكتشفناه-لو كنا اكتشفناه يقيناً!!- مع أضعافه المجهولة التي لا ندركها ليس إلا ذرة صغيرة في الكون الأعظم..ذرة هائمة عليها حيوات ومصائر,أحزان وأفراح,آلام وعذابات,قلق ومخاوف...كل حياة الإنسان القصيرة علي الذرة مسرح عبثي يراه مشاهدون مضحك لدرجة القهقهة,ومشاهدون يرونه محزن لدرجة الصراخ والبكاء,مع أن بيكيت نفسه الذي ينتظر "جودوت"في عبثية مغرقة في الكآبة واللاجدوي والرمزية التأويلية الغامضة,لا يتمكن من كتابة مسرحية عبثية عن عالم ذرة حديد أو ذرة هيدروجين,بينما المسرح البشري كله مادة خصبة وعظيمة لأدب العبث وفلسفته!!
مدهش أن تجتمع كل تلك التناقضات,والمدهش أكثر أن تتمازج لتشكل ما نعرفه نحن باسم"الحياة"...كان فلاسفة الإسلام"يتفكرون في خلق السماوات والأرض"نبراسهم"ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك"...









الخميس، 12 فبراير 2015

أزمة يقين!

الكون الذي قُدر للإنسان المعاناة فيه ومعه,يمتلك لساناً ولغة,يجاهد الإنسان لسماعه وتفسيره,يقول البعض أنها ذات اللغة التي يتحدث بها الخالق نفسه,وهي لغة ليست خادعة ولا مراوغة ولا مجال للتأويل فيها,إنها أرقي أنواع اللغات وأكثرها وضوحاً وتجريداً,إنها عقل الله في مذهب علماء الكونيات والطبيعيات وكل من يحاول التواصل مع الظواهر الطبيعية من حوله,إنها لغة البديهيات العقلية التي لا يستطيع الإنسان أن يقول عكسها,كأن ينكر أن 1+1=2أو أن كل كميتين تساويان كمية ثالثة لابد أن يكونا هما ذاتهما متساويين...الرياضيات!
فماذا لو ظهرت أزمة لا تجعل من الرياضيات علم ثابت,وتكشف كم يمكن للإنسان أن يخدع في تصور يقيني لا يقبل الشك؟هذه الأزمة ظهرت فعلاً في القرن التاسع عشر,وعرفت باسم"أزمة اليقين الرياضي"
قبل الميلاد بثلاثمائة عام,ولد إقليدس صاحب الهندسة الإقليدية,التي ظل العالم لقرون يبني عليها كل اعتقاداته الهندسية,وزاد إيمان الناس بها لما اعتمد عليها نيوتن في نظرياته,قبل أن يجئ آينشتاين ليصنع نموذج(براديجم)علمي جديد عن فيزياء الكون بزلزاله المعروف بنظرية النسبية,آينشتاين اعتمد علي هندسة ريمان الذي فعل بإقليدس ما فعله آينشتاين بنيوتن.
لنفهم أكثر سيرورة العلم لنأخذ لمحة بسيطة عن رؤية بوبر وتوماس كون حول كيفية تطور العلوم ومساراتها لتصل في النهاية إلي نتيجة مقبولة منطقياً. مشكلة ملغزة ولغز مشكل هذه الحياة,عاني الإنسان طوال حياته ليتفاهم معها,ولما وصل لدرجة من المعرفة أهلته نوعاً ما أن يتواصل مع الظواهر من حوله,ويعرف بعضاً من تاريخه التطوري المدهش,وبصرته بعين واحدة بما تحمله نفسه العجيبة,أصبحت تلك المعرفة نفسها مشكلة,وأصبح العلم يمثل علماً في حد ذاته فظهر علم الابستمولوجيا أو علم المعرفة,والميتودلوجيا أو علم المناهج التي من خلالها يتم التأسيس للعلم.
قال أفلاطون أن العلم هو"كل صادق ومبرر",ومن يومها وكل العلماء يحاولون إثبات صدق نظرياتهم وتجاربهم,وتبرير النتائج التي وصلوا إليها,فنشأ جدل لا حل له بين الباحثين في علم العلم ومناهج المناهج!!حول الطرق التي يمكن الحكم من خلالها علي تلك النتيجة بأنها علم أو لا علم,صادق ومبرر أم يمكن تكذيبه ودحضه.
الذات+الحواس+العقل+الخبرة+المادة موضوع البحث,هذه هي أعمدة العلم الرئيسية,كل هؤلاء يمكنهم تأمل المادة التي هي موضوع البحث والخروج منها بنتيجة منطقية.
ولو سلمنا بالرأي الذي يقول أن المعرفة تحل المشكلات وتجعل الحياة أوضح,سنجد أنفسنا أمام مشكلة حل المشكلة وهي أسئلة من نوعية:ما هي المعرفة؟متي يعرف الإنسان؟كيف يعرف؟وماذا يعرف ليعرف؟وهل في إمكانية الذات الإنسانية في الأساس أن تصل لمعرفة أو حقيقة؟,أو سلمنا بأن المعرفة تزيد عدد المشكلات أمام الإنسان وتجعل الحياة أكثر صعوبة من ذي قبل فسنكون أمام ذات المشكلة أما لو رددنا مع تيمون الشكاك"أنا لا أدري ولا أدري إنني لا أدري" حينها سنكون.... أمام نفس المشكلة!فهو وصل لمعرفة أيضاً ألا وهي إنكار المعرفة!
الحق أن هذا الأمر صعب وعويص وغير مفهوم علي الإطلاق,وكل تاريخ العلم وطرائق إنتاج المعرفة سقطت باكية تحت قدمي قصيدة إيليا أبي ماضي "الطلاسم" بعدما سمعتها وتحيرت في أسئلتها الوجودية ورددت معه"أتمني أنني أدري ولكن...لست أدري!"لكن ما دامت أعمدة العلم الرئيسية قائمة في الحياة,سيظل كفاح الإنسان في السعي للتحصيل لا يهدأ مهما كانت الصعاب التي تواجهه وعلي رأسها ما قبل الميلاد وما بعد الموت!!ستظل العقول الإنسانية تفكر وتفكر في كل جيل متأملة في الماضي آملة في مستقبل جديد تكون فيه الاستنتاجات العلمية أكثر تأكيداً وأقوي حجة,وهكذا...فلا ارتاح بال الإنسان!!!
من الناس الذين لا يرتاح لهم بال فيلسوف كتب سيرته الذاتية تحت عنوان"بحث لا ينتهي"!كارل بوبر صاحب كتاب"منطق البحث العلمي"الذي وضع فيه رؤيته للطريقة التي يتمكن بها عقل الإنسان من الوصول لنتيجة ما مبنية علي آليات معينة,فهو ينقد وينقض مبدأ الاستقراء الذي يعتمد علي الملاحظة والمعطيات كالمثال الذي قدمه بيكون الذي عاش في عصر شكسبير العظيم,ولسبب التشكيك في وجود شخصية شكسبير أصلاً,اعتقد البعض أنه هو نفسه من كتب تلك المسرحيات الخالدة باسم مستعار وهو "شكسبير"!!عن حبات العنب,يعترض بوبر علي ذلك فعنده أن النظرية هي ما تسبق الملاحظة فلا يمكن أن يبدأ العلم من الملاحظة فقط,والعلوم الحديثة في بحوثها تظن أن الإنسان أصلاً يولد و في مخه بقايا تجارب لحياة سابقة!فلا يمكن للعلم أن يبدأ من مجرد ملاحظة بلا أي تصور سابق.ويعتبر الفيلسوف الشهير رسل مبدأ السببية المرتبط بمنهج الاستقراء أحد مبادئ العلم تماماً كالاعتقاد في سيادة القانون.
والمحور البارز في فهم بوبر للابستمولوجيا هو مبدأ الدحض والقابلية للكذيب,و محاصرة كل الفروض بهذا المبدأ حتي يبقي في النهاية فرض واحد يتم التحقق من صحته,فيبدأ الخط البحثي من التكذيب حتي التحقق من الصدق.وأيضاً نظرية التخمينات الافتراضية في العلم,فلا يمكننا التيقن أبداً من نظرية أو قانون ما والمثال علي ذلك قوانين نيوتن التي كانت بمثابة يقين ثابت عند العلماء حتي جاء إينشتاين بزلزاله النسبي الشهير وأثبت خطأ عدد من فرضياتها وصحهها.ثم يميز بين الكشف والتبرير فيما يسميه"منطق الاختبار العلمي",ربما ينحو بوبر نحو الاعتماد علي الخطأ قبل الصواب في الطريقة التي ينمو بها علم الإنسان فهو يقول"يمكن للمعرفة أن تنمو,ويمكن للعلم أن يتقدم فقط لأننا يمكن أن نتعلم من أخطائنا"وهو درس بشري عام لا يرتبط بالمناهج العلمية المعقدة فحسب,بل نري صدقه في الحياة اليومية البسيطة,ثم يقرر فلسفته مكملاً"فالطريقة التي تتقدم بها المعرفة للإمام,بخاصة معرفتنا العلمية,تتم عن طريق توقعات غير مبررة وغير قابلة للتبرير,وتخمينات وحلول مؤقتة لمشكلاتنا,وحدوس افتراضية,هذه الحدوس الافتراضية تخضع للنقد أي تتعرض للتفنيدات التي تنطوي علي اختبارات نقدية حاسمة.وربما تجتاز هذه الاختبارات,لكن لا يمكن تبريرها علي نحو إيجابي مطلقاً,أي أنه لا يمكن النظر إليها بوصفها صحيحة بشكل يقيني أو حتي محتملة"وهنا نتذكر عبارة ديكارت"منذ سنواتي تلقيت كماً من الآراء الخاطئة علي إنها حقيقة,وكان علي أن أتخلص من كل تلك الآراء التي تلقيتها...إذا كنت أريد تأسيس شئ صلب وثابت في العلوم"
قام سكوليموفسكي بوضع عدة أسئلة وأجاب عليها مرة من وجه نظر الوضعية المنطقية التي تأسست علي يد جماعة فيينا التي ارتبط بها وتبنت منهج الاستقراء ومرة من وجة نظر بوبر الذي ارتبط اسمه باسم تلك الجماعة التي شتتها السياسة والحروب وقتل زعيمها شليك صديق آينشتاين ورسل علي يد طالب نازي:
1-ما الذي يجب علينا أن ندرسه لنفهم العلم؟
الوضعية:تركيب العلم
بوبر:نمو العلم
2-ماهي نقطة البداية في أبحاثنا؟
الوضعية:الملاحظات
بوبر:المشكلات
3-ما هي وحدتنا التصورية الأساسية؟
الوضعية: قضايا البروتوكول
بوبر:الفروض المؤقتة
4-كيف يتم اكتساب المعرفة؟
الوضعية:الاستقراء
بوبر:التخمين الشجاع المتبوع بالنقد
5-ما هي أسس المعرفة وهل توجد معرفة لا يمكن الشك فيها؟
الوضعية:تتكون المعرفة من الوقائع الأساسية المعطاة لنا من خلال الخبرة المباشرة ويمكن التعبير عنها من خلال قضايا البرتوكول.
بوبر:لا يوجد أساس ثابت للمعرفة,فكل معرفة هي معرفة مؤقتة
6-كيف يمكن تمييز المعرفة العلمية من المعرفة اللا علمية؟
الوضعية:بمبدأ قابلية التحقيق للمعني
بوبر:بمبدأ التمييز الذي يميز النظريات العلمية القابلة للتكذيب والنظريات غير العلمية الغير قابلة للتكذيب.
بتلك الأسئلة يحاول سكوليموفسكي عرض جوانب الاختلاف بين بوبر والوضعية المنطقية.
اتخذ توماس كون من التاريخ مجالاً لفهم كيف تنمو المعرفة فأنتج كتابه"بنية الثورات العلمية"ومن العنوان يمكننا أن نفهم كيف رآها!يتصور كون وجود نموذج ارشادي في كل عصر دعاه"البراديجم",ويتلاقي براديجم مع مقصد بوبر بأن كل معرفة مؤقتة,فبتغير الزمن يتطور إدراك الإنسان للعالم والعلم,وليس هناك أفضل من نموذج نيوتن/آينشتاين مرة أخري,فتاريخ العلم عند كون هو الجولات التي تصارعت فيها النظريات والأفكار والمناهج العلمية,وكل نقلة علمية إنما هي ثورة وقفزة نحو الأمام بلا اعتماد علي التراكمية في العلم,فنحن هنا أمام عملية إزاحة لبراديجم قديم لحساب براديجم جديد تصوغه عقول تالية بأدوات مغايرة للأجيال السابقة,فلعقود طويلة اعتقد الناس أن الأرض هي مركز الكون هذا براديجم,حل محله براديجم جديد(الشمس هي مركز المجموعة الشمسية والأرض مجرد كوكب يدور حولها)وهكذا يتقدم العلم كل فترة.يتفق مرة أخري مع بوبر في مبدأ التكذيب والتحقق.
كلاهما مثلا فصل هام في تاريخ العلم,رغم كونهما خصمان يود يري واحد فلسفة العلم من زاوية والآخر يراها من زاوية أخري,لكن الأكيد أن هناك زوايا لا حصر لها لرؤية العلم...لرؤية أي شئ في العالم!

في القرن التاسع عشر وعبر سلسلة من العلماء تم إثبات هندسة أخري غير هندسة إقليدس,فنشأ عنها ما يعرف باسم"أزمة اليقين الرياضي"أي لم يعد فهم الإنسان للغة الكون وعقل الله أمراً يقيناُ,بل عرف العقل البشري بأن الكون هو الآخر مراوغ وإشاراته ليست صادقة لحد بعيد,المفارقة العجيبة هنا أن اكتشاف الهندسة اللاإقليدية ظهرت في سبيل إثبات الهندسة الإقليدية كهندسة واحدة صمم بها الكون !!
لم تعد مجموع زوايا المثلث 180درجة في هندسة إقليدس,قد تكون عند ريمان أقل أو أزيد!مسلمات إقليدس وبديهياته تم التشكيك علي يد مجموعة من علماء الرياضيات,مثل ساكيري,لوباتشفسكي الذي أملي تفنيداته الهندسية في آخر حياته وهو أعمي,جون بولياي,جاوس الذي لم ينشر آرائه,خوفاً من"صخب البيوتيانيين"هم سكان مقاطعة بيوتا في اليونان,كانوا مضرب المثل في الحمق والغباء,قصد بهذ التعبير خوفه من أبناء عصره الجامدين الذي لا يقدسون القديم ويقدمون النقل علي العقل!!!!بني ريمان فروضه الهندسية علي أعمال جاوس في السطوح المنحنية,وبني آينشاين نسبيته علي الهندسة الريمانية!هؤلاء وغيرهم هم مؤسسو الهندسة اللاإقليدية,أي أنهم حداثيون بإعمالهم العقل دون الاعتبار لما قاله السلف,وتصميم نماذج جديدة لا تعترف إلا بتجربتهم وملاحظاتهم,وليست قائمة علي تجارب وملاحظات آخرين اكتسبت قدسية بمرور الزمن واعتقاد الناس أنها صحيحة فقط لأنها قديمة,ومن يتبني هذا الاعتقاد أحد البيوتانيين الذين يثيرون الصخب,كلما جائهم مفكراً يعيد تأسيس المعارف والتصورات في الأذهان!-ننبه أن الهندسة اللاإقليدية لم تسقط هندسة إقليدس,إنما صاغت هندسة جديدة بنسق إكسيومي مغاير,أثبتت صحتها النظرية والعملية.-
من التعبيرات الأوروبية البارزة في تاريخ الحداثة,تعبير لم يتخذ من الأدب أو الرسم مادته,بل كان تعبير اتخذ النار وسيلة,في مشهد رمزي خلده التاريخ,وقف باراكيلسوس أحد أشهر الشخصيات الطبية في العصور الوسطي,وعاد مرة أخري للعصر الحاضر في قصة من قصص بورخيس,في ساحة المدينة,حاملاً كتب جالينوس وابن سينا,ووسط الناس الذين تجمعوا حوله,وضعها علي الأرض وأشعل النار فيها,بعد أن خطب في الناس شارحاً لهم أن هؤلاء القدماء ليسوا أفضل من المعاصريين,ولا يعرفون أكثر منهم,والمعارف العلمية لا تستقي من النصوص ومن قال فلان وعلان,تستقي من التجربة والملاحظة,فالطب تجارب وليس عادات وتقاليد,وأعمال هؤلاء كأي عمل بشري في الدنيا,ليس معصوماً من الخطأ,بل الخطأ وسوء الظن هو الأساس!وسمي نفسه بهذا الاسم لأنه يعني"فوق كيلسوس"وكيلسوس صاحب موسوعة علمية كانت تدرس في العصور والوسطي وما بعدها,كأنه يقول,أنا فوق كيلسوس وفوق كل قديم لأني رجل يفكر ولا يعتمد إلا علي ما يقوله عقله,ضارباً بكل ما ينافي العقل عرض الحائط,وهو أيضاً أو من بدأ يدرس باللغة الألمانية,تاركاً اللغة اللاتينية الرسمية لبقية الجامعات وانفرد بلغة الشعب,فكان أحد رموز الحداثة الثورية,في عصور الظلمات السوداء.
الإنسان خلاق بطبعه,لذلك جاءت الحداثة الأوروبية فعل طبيعي علي الرجعية والدوجماطيقية الجاهلة التي سيطرت علي الكنيسة,التي كانت تسيطر علي أوروبا قبل عصر الأنوار,المُنتج لعقول التحديث والحداثة,لو تم الحجر عليه بأي دعوي سيكون رد فعله عنيف جداً,كعنفه ضد الكنيسة والدين اللذين تحولا لعدوان للعقل والعلم,للأسف يعيش الشرق عصور ظلام شبيهة بتلك التي عاشتها أوروبا,يزيد من حدة الأسف أن وسائل الاتصال والمعرفة والتقارب الحضاري-التي ظهرت نتيجة للحداثة الأوروبية –لم تجعل لأحد حجة أن يظل في الظلام بينما مفتاح النور تحت أصابعه علي هيئة أزرار كمبيوتر الذي ينبعث من شاشته,مقروءً أو مرئياً أو مسموعاً,بلا أي جهد يذكر,ورغم ذلك لو استخدمها الشرق اليوم لا يستخدمها إلي في الهراء ونشر التخلف والغيبيات والتغييب!!
ما بعد الحداثة ترتيب طبيعي للحداثة,واليوم يتم الحديث عن "بعد ما بعد الحداثة"!لقد انفلت العقل من العقال,وأصبح الشك هو القاعدة واليقين هو الاستثناء,بل ربما يكون اليقين له ضرر يفوق ضرر الشك وعذاب الحيرة,اليقين في يشبه القبر سكون وموات لا حركة فيه...فلو كان أي بناء رياضي معقد متكامل سنجد فيه علي الأقل برهان ناقص أو متناقض,والرياضيات هي أسس المنطق الإنساني,فما بالنا بالنصوص التي تخضع للتأويل وللزمن وللمؤلف...,.....,.....,....التي تحولت لقبر متعفن يسكنه أشباح بشعة كشبح اليوم المسخ المجنون داعش,لكننا نعتبر الإيمان هو المنتهي,لا يهم موضوع الإيمان نفسه!!!بينما حداثة الغرب وما بعدها,تدور في فلك السعي لما هو في خير الإنسان ويناسب عصره...وهذا هو ما نحتاج إليه!!
طالما أن اليقين مفقود,فكل شئ يخضع للتجربة,وما تؤكد التجارب صحته يكون هو الصحيح...حتي حين!!













الأربعاء، 11 فبراير 2015

همس الجنون


لعبد الحميد جودة السحار الفضل في جمع تلك المجموعة القصصية؛فنجيب محفوظ لم يكن يريد نشرها؛لأنه يعرف جيداً كونها عملاً أدبياً غير ناضج يتأرجح بين القصة والمقال,كتابات شاب بيتطلع للحياة بدهشة لأول مرة قينفعل ويكتب دون حكمة التجربة أو عمق الرؤية؛فكلف صديقه السحار بجمعها من المجلات التي نشرتها,فاختراها السحار حسب ذوقه الشخصي,ولم تنشرباقي قصص محفوظ في تلك المرحلة من1929ل1939حيث تجاوزهاا ولم يشّرإليها بعد ذلك,لكن علي كل حال لم يتبرأمن أعماله الأولي كما يفعل الكثير من الأدباء ويُسقِطّها من حسابه.
علي الرغم أن الموضوعات التي عالجها محفوظ-بسذاجة نوعاً ما-ربما هي نفس الموضوعات التي شغلت باله طوال عمره,فمن مصر الفرعونية وفساد باشوات العهد الملكي,للمسائل الجنسية والعلاقات العاطفية,والخيانات الزوجية,ثم القضايا الفلسفية والظلم الاجتماعي والتضحية دون مقابل,هي نفس الأشياء التي يعود لهامحفوظ ويعالجها مرات عديدة بتنوع عبقري,
قطعة هامة من المشروع المحفوظي,توّضح روحه وأفكاره واهتماماته في مرحلة ما من حياته الطويلة..من همس الجنون لأحلام فترة النقاهة رحلة...ويالها من رحلة!