الخميس، 11 يوليو 2019

غداً يكتمل ما كان


غداً يكتمل ما كان
امتلأت حفر الأرض بمياه الأمطار,صانعة مرايا كبيرة تعكس تلألؤ مصابيح   السيارات المارقة كطلقات الرصاص وسط الشارع الخالي من العابرين,الذين فضلوا دفء المنازل علي أي خيار آخر,وحدها جلست علي رصيف مطعم فاخر,طفلة صغيرة بالكاد بدأت الكلمات تعرف الطريق للسانها,انشغلت عنها أمها بالوقوف في الإشارة تستجدي العابرين بإلحاح مستفز,غير مبالية بابنتها المتجمدة برداً.
توقف يوسف أمامها متصلباً,مشاعر الرحمة التي فاضت من قلبه ثبتته مكانه لا يقدر علي تحريك قدميه,تطلع إلي تلك الكومة من الثياب الرثة الموحلة التي برز منها وجه صغير قذر,في وسطه عينان بريئتان يتطلع له في دهشة يمازجها شبح ابتسامة,ركع بجوارها حتي مس البالطو الرصيف,وقال مشفقاً:
-         مالك يا ماما, ماذا يجلسك هكذا؟
همست له من بين أسنانها مشيرة لقدميها الحافيتين:
-أريد صندلاً؟
-صندل؟!
- أمي أخبرتني  أنها ذهبت لتشتري لي صندلاً؟
خرج من باب المطعم,رجل تبدو عليه مظاهر الثراء,هذا الثراء السوقي المعلن عن  نفسه في فجاجة,في ساحباً في يده امرأة تتقد جمالاً وروعة,قائلاً في لا مبالاة:
-لا تتعب حالك أيها السيد,إنهم طفيليات.
أكمل غامزاً, والضحك يختنق في صدره:
-ها هي أمها تتسول حيناً,وحيناً...أنت تفهم طبعاً!
لم يستمع يوسف لكلماته,وقف مشدوهاً ناظراً للأرض يتعجب مع نفسه"إلهي...أتكون هي...لشد ما تغيرت!لابد أنها هي وإلا لم تقف هكذا تحملق في بدهشة"عاودت عيناه النظر لها من جديد,لو خدعه بصره فقلبه لن يفعلها...هي غادة,حبيبته الوحيدة اشتراها المال وأصبحت بالاسم زوجة وبالفعل دمية جنسية.
"سننجب ولداً وبنتاً ونملأ لهما المنزل بالدمي"
لم تدري إنها هي من ستتحول لدمية مكسوة بالمساحيق والفراء,طالما بحث عنها علي الإنترنت باسمها الحقيقة,يدرك الآن عبث مسعاه,لابد أنها تستخدم واحداً من تلك الألقاب فارغة المضمون.
خبط الرجل الثري رأسه بكفه:
-آه نسيت الموبايل,وهرول في الحال للداخل مجدداً.
توسطت الطفلة يوسف وغادة,وبدت غائبة في النوم,بدأت حوار سطحي ليخفي جيشان عواطفها:
-رأيت صور(كادت تقول:شقتنا)شقتك التي حولتها لملتقي ثقافي للأطفال.
لاحت منه نظرة للبنت النائمة:
-أحاول تأسيس تجارب ناجحة,لربما تقاوم السموم في كل مكان يُفترض به صياغتها,لا تربية ولا تعليم,فقط فرائس للجهل والضياع,من يدري؟قد يذكرني واحداً منهم وقد صار عالماً أو فناناً,شاكراً للأفق الذي فتحته له في طفولته.
لم يتغير, نفس كلامه القديم وإن كانت حماسته المحمومة خفتت كثيراً.مرت رياح باردة أطارت شعرها للخلف,وفجأة انهار سد الحاضر الوهمي الحاجز بينهما,وطغت مشاعرهما الدفينة:
-يوسف...لا تظلمني,أنت تعلم أن...
- أعرف جيداً مدي الضغط الذي كان عليك,أمثال هذه الضغوط,تصهر الفولاذ ليسيل وتحوله لمادة مختلفة. غادة...قلبي لكِ فيه مجري الدم ومآل الآمال.
-حتي اليوم؟
- وللأبد
برز كرش زوجها وتبعه بقية جسده,جذبها من يدها وتوقفا أمام سيارة فارهة,ركبا فيها وغابا عن عينه.
-أريد  صندلاً
انتزعه صوت البنت من ذكرايات ماضيه,غادة والجنة المفقودة,أحلام الحب وتتويج الكفاح بالسعادة,وكل ما توهمه من قبل؛ليعرف أن كل ما يحيط به ليس فاسداً فحسب,بل يعدي غيره بالفساد والتعفن,ليغدو مجتمعاً من الجراثيم,لا مكان فيه لإنسان يستحق هذا الوصف.
-غداً يجيئك ما تتمنين.
وضع كفه علي قدمها ليقيسها به,كانت باردة ورقيقة,انحرف للشارع الجانبي,ودخل حارة موحلة تصاعد فيها صياح النسوة وهن ينزحن الماء من فوق سطوح المنازل حتي لا تتسرب من السقوف للمساكن,لتنهمر فوق الأرض شلالات من المزاريب, وسطهن صوت أخته تضع همها كله في الزعيق,منذ طلقها زوجها لعجزها عن الإنجاب وهي تقضي طوال اليوم في مشاجرات,مثل هذه المناسبات تمنحها فرصة للتنفيس عن نفسها.
لما خلا لنفسه,هربت دمعة حبيسة,كأنها تحمل مفاتيح حدقتيه,تبعها خط من الدمع الساخن علي وجنتيه,بكاء قهر الرجال وقلة حيلتهم,بكاء من يري ذاته تستنجده وهو مكبل لا يقوي علي المقاومة,أخيراً النوم اخترقه لينفيه من عالمنا لعالم السكون والسكينة.
في الصباح اتجه نحو السوق واشتري صندلاً بني اللون يناسبها,ومشي إلي رصيف المطعم,تتبدل الأيام علي ناس يتبدل ناس علي الأيام,هو وهي من النوع الأول,وجدها كحالتها الأولي,فتحت جفنيها,فقامت ومدت يدها,وقالت في لهفة بصوت يرن بالسعادة والأمل:
-الصندل!
ألبسها إياه في قدمها الصغيرة,فمشت خطوتين ثم عادت وهي تضحك,نزلت من علي الرصيف ومشت فوق الطين لتتأكد أن قدمها محمية,فزاد ضحكها,وبدا لها غير موجود,انخرطت في شخصيتها الجديدة ذات الصندل,تركها وعاد للشقة,تبعه الأطفال كلهم يريد منه شيئاً,تشغيل الكمبيوتر,ورق رسم وألوان,قصة جيب أو كتاب كوميكس,دنا منه سمير بنظارته السميكة,يخشي الاصطدام بشئ لضعف بصره:
-يا عم يوسف...هل ستكمل لي يوم ما بدأناه أمس عن أبطال حرب أكتوبر العظيمة؟
-سنكمل يا بطل اليوم ما بدأناه بالأمس,وغداً تكملونه أنتم.



الأحد، 7 يوليو 2019

شمس وقمر وبصر



شمس وقمر وبصر

إهداء...
إلي أولادنا وبناتنا في وطننا العربي الكبير...لعلهم يجدون في هذا الكتيب الصغير علماً وخيالاً اليوم...وغداً ينطلقون لآفاق الكون,ويؤلفون كتبهم الجميلة.

خرج الجد نعمان من باب المنزل المطل علي حديقة صغيرة جميلة,فرأي يوسف يحدق في الشمس,وبجواره رحمة تمنعه وتقول له في إشفاق:
-توقف عن ذلك يا يوسف,ستؤذي عينيك!
صاح يوسف وهو يضع يديه علي عينه متألماً:
-أريد رؤيتها...أريد معرفة الشمس.
تدخل الجد نعمان بينهما,قال وهو يربت عليهما في حنان:
-اسمع كلام رحمة يا يوسف...الشمس لها طبيعة مزدوجة فهي قادرة علي البناء والنماء,وأيضاً يمكنها الإحراق والإيذاء,وعينك الصغيرة هذه لا يمكنها النظر لنجم هائل بحجم الشمس يا ولدي.ثم أن المعرفة والتعلم لهما طرقهما الخاصة للوصول للحقائق...تعاليا معي إلي داخل المنزل,وسأخبركما بقصة الشمس.
ابتسمت رحمة وقالت:
-وهل للشمس قصة أيها الجد نعمان؟
-بالطبع,كل ما في الكون لديه قصة ينتظركما لتسمعاه...

علي شاشة اللاب توب ظهرت صورة كبيرة للشمس.
صاح يوسف:
-هل هذا ما كنت أنظر إليه إنها شعلة نار.
قال الجد:
-النار هي أقرب العناصر المادية للشمس,قديماً اعتبر فلاسفة اليونان الشمس  كتلة نار تحترق-حتي تبين خطأ هذا الرأي مع اكتشاف البقع الشمسية-ما عدا المعلم الأول أرسطو الذي لاحظ أن النار حركتها تصاعدية في حين أن الشمس تقوم بحركة  دائرية حول الأرض...
صححت سارة:
-لكن الأرض هي التي تدور حول الشمس.
-في تلك النقطة تتفوقين علي أرسطو,الذي ظن أن الأرض تدور هي محور الكون  في النظرية المعروفة تاريخياً بـ"مركزية الأرض"ولم يكن يعرف أن الأرض تدور حول الشمس وسطحها البالغ5500درجة مئوية,وهذه الدرجة الحرارية سبب  ظهورها بهذا اللون الأصفر الدال علي احتضان الأرض لأشعة الشمس المسئولة عن وجود الحياة عليها,هذه الأشعة تستغرق 8دقائق لتصل لنا,فالمسافة بيننا وبين الشمس بعيدة جداً جداً,تصل إلي 149مليون كيلو متر...أتدرون يا أولاد؟أن الحمض النووي داخل كل واحد منا لو شكلنا منه خيط بإمكانه أن يقطع الرحلة إلي الشمس ويعود350مرة.
سألت رحمة:
-متي بالضبط عرف الناس أن الأرض تدور حول الشمس؟
-أول إنسان افترض أن الأرض تدور حول الشمس كان عالم الفلك اليوناني"أرسطرخس الساموسي",قبل أكثر من200عام,ولا يجب أن ننسي فضل جدودنا المصريين القدماء في كافة العلوم في ذلك الحين...هل تذكر يا يوسف ما قرأناه سوياً في قصيدة صلاح جاهين العظيمة"علي اسم مصر"ويعبر بظرف ودقة عن هذا المعني؟
-أجل يا جدي "العلم كان عندنا من صغره متربي
لكنه هاجر وعدي البحر متخبي".
-أحسنت,وأحسن من قبلك صلاح جاهين..."بطليموس"بعد ذلك بـ300عام  قرر أن الأرض هي مركز الكون,وصدقه الناس لأكثرمن  1400عام,ثم جاء كوبرنيكوس وجاليليو وكبلر ليعلنوا للعالم أن الكواكب تدور حول الشمس,ومع ذلك لم يتم الإجماع علي النظرية حتي عام 1666 لما تمكن العالم الإنجليزي السير إسحق نيوتن وهو ما يزال في الرابعة والعشرين من عمر,أثناء قضاؤه فترة عزل صحي في الريف بسبب وباء الطاعون,من شرح الطبيعة الطيفية للشمس وقدم للعالم علم التفاضل والتكامل ,والنظرية العامة للجاذبية,التي أثبت من خلالها بطلان مفهوم مركزية الأرض...دعوني أخبركم بعض المعلومات عن هذا النجم العجيب:
-الشمس نجم كبير جداً,ظهر مباشرة بعد الانفجار الكبير في مركز مجرتنا,وهو واحد من ملايين ملايين النجوم عُمرها يقدر بحوالي  4,6بليون سنة,أحرقت فيه نصف الهيدروجين الذي تملكه,والنصف الآخر يكفيها لـ5بليون سنة,وقطرها  يبلغ865,000 ميل(1,392,000كيلو متر)ما يعادل 110مرة ضعف الكرة الأرضية, تكون كتلة99,86 من نظامنا الشمسي,وهي المسئولة عن مناخنا وطقسنا.
-حوالي 74%من كتلة الشمس عبارة عن هيدروجين...أخف الغازات علي الإطلاق,والهليوم يكون 24%,والبقية عبارة عن غازات أثقل كالأوكسجين والكربون,كما تحتوي علي الحديد والنيون والنيتروجين والمغنسيوم والسليكون.
-الشمس ساخنة جداً....درجة حرارتها 9,941درجة فهرنهايت(5,500درجة سلزيوس),وأقصي درجة حرارة سجلت علي الأرض عام 1913في الولايات المتحدة كانت 134درجة فهرنهايت(56درجة سلزيوس).
-الشمس تنتج بليون بليون ميجاوات.الأرض تستقبل 94بليون منها,تماثل 400مرة ما تستهلكه الولايات المتحدة,ويكفي لإضاءة 4تريليون تريليون مصباح فئة 100وات,ولو أخذنا من مساحة الشمس جزء في حجم طابع بريد يمكنه إشعال 5,000,000, 1شمعة
-جدي ممكن سؤال؟
-بالطبع يا يوسف تفضل, السؤال مصيدة العلم.
-كيف يحدث الكسوف؟
-الكسوف يحدث عندما يتوسط القمر بين الأرض والشمس,فيحجز عنها ضوء الشمس,أطول كسوف شمس لم يستغرق إلا 7دقائق و40ثانية... هل تحبان سماع قصة القمر؟
هز يوسف ورحمة رأسيهما في سرور متحمسين لكلام الجد نعمان.
-بعد قليل سيحل المساء وسنصعد معا للسطح لرؤية القمر وقد غدا بدراً منيراً يتألق وسط السماء,وحتي هذا الوقت خذا هذه النقود,واذهبا لتشتريا الآيس كريم!
.....
لما انتهيا من صعود السلم,وجدا الجد نعمان جالساً علي الكرسي متكئاً بذقنه علي عصاه,سارحاً في الفضاء العريض أمامه,اقتربا منه بهدوء,شعر بهما فقال وهو مغمض العينين:
-        تذكرني هذه الليلة الصافية بليلة من ليالي شبابي,استمعت فيها لأول مرة لأغنية"عندما يأتي المساء",ابحثي عنها علي الانترنت يا رحمة وأسمعيها لي,انساب للآذانهم صوت عبد الوهاب الرخيم,فأنصتوا له في استمتاع,وعند انتهاء الأغنية رانت لحظة صمت جليلة تتبع تأمل الإنسان في الأعمال الفنية الرفيعة,قطعها الجد وهو يتنهد مردداً الأبيات الأولي للأغنية:
-"عندما يأتي المساء ونجوم الليل تنثر
اسألُ الليل عن نجمي,متي نجمي يظهر"
كان نجمي في السماء هذا الطبق الفضي المدور,متغير الهيئة ساحر المنظر هذا الذي:
-كرة صخرية عملاقة عمرها 4,5بليون سنة, قطرها 2160ميل(3,476كيلو متر)ربع قطر الأرض,علي سطحه توجد جبال وحفر ضخمة وأراض مسطحة من الحمم الصلبة.
-اختلف العلماء في كيفية تكون القمر,تعددت النظريات فيما بينهم,وكانت أكثرها شهرة تعتبر أن نيزك ما أو صخور عملاقة جداً ضربت الأرض,فانفجرت منها صخور تناثرت في الفضاء,ثم تجمعت من جديد لتدور حول الأرض بفعل قانون الجاذبية,لتشكل قمرنا الدوار الذي يتربط بالأرض كما يرتبط الطفل بأمه.
-علي الرغم من أشعته الفضية الجميلة,إلا أنه جسم معتم لايشع أي ضوء,وهذا النور المنبعث منه ليلاً هو ضوء الشمس المنعكس عليه؛لذلك درجة حرارته متغيرة من السخونة الملتهبة للبرودة المتجمدة,عندما تسطع الشمس علي سطحه تصل درجة حرارته إلي  220درجة لكن السماء تظل سوداء لأن القمر ليس له غلاف جوي يعكس أشعة الشمس ويعطيها لونها الأزرق,وعندما تنزاح عنه تهبط إلي 250درجة تحت الصفر!
-يرتحل القمر 27,3يوم ليكمل دورته حول الأرض.
-علي بعد مسافة238,857ميل(384,403كيلو متر) وهي مسافة تزيد وتنقص مع دوران القمر الإهليلجي -البيضاوي-,وعلي قشرة صخرية سمكها1,330كيلو متر,غنية بالحديد والكبريت والماغنسيوم,كان نيل أرمسترونج يخطو علي سطح القمر في 21يوليو عام 1969مردداً عبارته الشهيرة"تلك خطوة صغيرة لإنسان,لكنها وثبة عملاقة للإنسانية"
-جاذبية القمر تعادل سدس جاذبية الأرض؛لأنه سدس كتلة الأرض,من يزن هنا 60كيلو جرام سيزن هناك 10كيلو جرام فقط.
-يستغرق ضوء القمر ثانية وربع فقط ليصل لنا كما نراه الآن,وهي نفس السرعة التي تنتقل بها الإشارات اللاسلكية والتليفزيونية
-هل تلحظون تغير شكل القمر كل يوم؟بدوران القمر حول الأرض,الشمس تضئ أجزائه المختلفة من سطحه,فيظهر لنا طوال الشهر بأوجه مختلفة...إذن ما نراه ليس هو القمر ذاته,بل هي رؤيتنا هي المتغيرة النسبية...سأخبركم كيف نري من خلال أعيننا,هذا العضو الصغير المعقد جداً:
-البصر هو واحد من حواسنا الخمس,التي نكتسب بها معرفتنا بالعالم المحيط بنا,نحن نري بأعيننا,هذا العضو الذي يستقبل الضوء,ويحوله إلي نبضات إليكترونية تنقلها للمخ عبر العصب البصري,ما نراه في الواقع هو الضوء المنعكس من الأشياء أشعة الضوء ترتد منها لتدخل لعيننا.
-شبكية العين هي نسيج حساس للضوء يسمح بمروره,يبطن سطح العين,تشبهها كثيراً عدسة الكاميرا,ومع ذكر الكاميرا لا بد أن نذكر العالم العربي الحسن ابن الهيثم,مؤسس علم البصريات,وصاحب اختراع الكاميرا(camera)التي اشتقت اسمها من(القمرة) الغرفة المعتمة التي كان ابن الهيثم يجري فيها أبحاثه.
-وأهم شئ يا يوسف,العين حساسة للضوء الساطع والتعرض له يؤذيها جداً,كما فعلت اليوم وأنت تحدق في الشمس.
تنهد يوسف وقال:
-يا لهذا الكون الملغز العجيب!
ردت رحمة:
-والعلم هو مفتاحه.








الثلاثاء، 2 يوليو 2019

صراع الهوية عبر الجسد


رواية"موسم الهجرة إلي الشمال" للأديب السوداني الطيب صالح,واحدة من أنصع الجواهر في تاج الأدب العربي,منذ نشرت لأول عام 1966في مجلة"حوار",وهي تصنف ضمن روايات(شرق-غرب),تقف مع رواية"عصفور من الشرق","الحي اللاتيني","قنديل أم هاشم",وغيرهم من الأعمال الإبداعية التي تضمنت جدلية العلاقة الملتبسة بين الشرق والغرب.
كتب الطيب صالح نصاً رقراقاً مكثفاً,اغتسل من نبع الشعر,وارتوي من ماء النيل,وتمدد تحت شمس الصحراء,مؤطر ببنية سردية سردابية تتكشف علي مهل,ذلك ما جعل الناقد الكبير رجاء النقاش يصف الطيب صالح وهو بعد في مقتبل رحلته الأدبية بـ(عبقري الرواية العربية),ورُشح لخلافة نجيب محفوظ علي عرش الرواية العربية.
ولأنه عبقري بحق جاء عمله الروائي,مُحمل بمستويات متعددة من الدلالات والأبعاد,منها الجسد...الجسد الأفريقي,وأكرر الأفريقي قبل أن يكون شرقياً أو عربياً,بفحولته وعنفوانه وثورانه الحار,في بلاد"تموت حيتانها من البرد,مضي إليها بطل الرواية مصطفي سعيد وعاد من جديد ليحتويه النيل في فيضانه الجارف؛ليرقد في أحضان حابي,أثناء محاولته إنقاذ أهل القرية,بعدأن نفته الأرض من ظهرها.
الجسد هو بؤرة هذا العمل المتشابك,هو المعبر عن الهوية الحضارية,لا السلوك ولا الثقافة ولا اللغة,كلهم قد يخدع,كلهم من السهل تزييفه علي عقل بحدة مصطفي سعيد,قادر علي تشرب العلوم الإنسانية والبراعة في التفوق فيها,لكن لا أحد يهرب من جسده,لونه ورائحته وشكله,الجسد محور تجربته في الشمال بزمهريره المسعور ورياحه المجلجلة,كأنه يحاول قهر الجليد الإنجليزي بالنار السودانية,فالبلاد ترتبط في ذهنه بالأجساد الأنثوية وروائحها كما يصف مسز روبنسن في هذه الفقرة"فأحسست كأن القاهرة,ذلك الجبل الكبير الذي حملني إليه بعيري,امرأة أوروبية مثل مسز روبنسن تماماُ,تطوقني ذراعاها,يملأ عطرها ورائحة جسدها أنفي.كأن لون عينيها كلون القاهرة في ذهني."
تتماهي القاهرة مع المرأة الأوروبية في شعوره الداخلي,في هذه الفترة كانت القاهرة في نهضتها المجهضة تسعي لتصبح"قطعة من أوروبا,امتلأت جنباتها بمظاهر التحديث والتطور كواحدة من أشهر العواصم في العالم,فارتبطت بذهن القادم من نواحي الخرطوم بامرأة أوروبية ناعمة تأخذه بين ذراعيها.جسد مسز روبنسن تعبير عن الهوية المصرية المتآلفة مع المزاج الأوروبي ونمط العيش الغربي السائد عند بعض طبقات المجتمع المصري وقت ذلك,أما الفتاة مصرية الهوية التي عرفها قال عنها"كرهتني",ربما كرهته ؛لأنه لم يستطع أن يراها علي سجيتها  بعيداً عن المنظار الأجنبي الذي يري به مصر.
في أفريقيا يبحث عن أوروبا وفي أوروبا يتذكر أفريقيا"لاحظت أن شعر ذراعيها أكثف مما هو عند النساء عادة,وقادني هذا إلي شعر آخر,لابد أنه ناعم غزير مثل نبات السعدة علي حافة الجدول."في جسد إيزابيلا سيمور ما يعيد له ذكري نبات ينمو في مصر والسودان,وتخاطبه إيزابيلا كأحد وحوش أفريقيا في المخيلة الأوروبية-كل التصورات خيال ووهم-التي غذتها كتابات أدبائها عن أفريقيا,وأوحت لهم بجو شرقي أسطوري مفتعل غدا واقعاً عندهم"اقتلني أيها الغول الأفريقي,احرقني في نار معبدك أيها الإله الأسود.دعني أتلوي  في طقوس صلواتك العربيدة المهيجة."
أما آن همند,فكانت تسافر عبر جسده إلي الأحراش الأفريقية والصحراء العربية"كانت تدفن وجهها  تحت إبطي وتستنشقني,كأنها تستنشق دخاناً مخدراً,وجهها يتقلص باللذة,تقول كأنها تردد طقوساً في معبد:"أحب عرقك.أريد رائحتك كاملة.رائحة الأوراق المتعفنة في غابات أفريقيا,رائحة المنحة والباباي والتوابل الاستوائية,رائحة الأمطار في صحاري بلاد العرب."
ينعكس كلامها علي الصورة الذهنية للبطل عن نفسه,فيستلهم ألفاظها"وجهي عربي كصحراء الربع الخالي,ورأسي أفريقي يمور بطفولة شريرة."
الصراع الدائر في هذه الرواية صراع هوية يتخفي تحت معطف الجنس,ثأر المستعمَر ممن استعمروه وأذلوه,وأرادوا قهره,المفارقة أن البطل بكل مواهبه الذهنية لا يستخدم عقله الذكي الذي شق طريق العلم باقتدار,أثار الإعجاب والحسد,إنما فضل عليه قدرته علي اقتحام النساء وإشعال رغباتهن,يحكي عنه أحد الوزراء"كان أستاذي عام 1928.كان هو رئيساً لجمعية الكفاح لتحرير أقريقيا وكنت أناعضواً في اللجنة,ياله من رجل.إنه أعظم الأفريقين الذين عرفتهم.كانت  له صلات واسعة.يا إلهي ذلك الرجل كانت النساء تتساقط عليه كالذئاب,كان يقول سأحرر أفريقيا ب....ي",المراد واضح في العبارة الأخيرة,فها هو يختار سلاح الجسد بديلاً عن سلاح العلم والمعرفة فيتورط في قتل زوجته وانتحار أخريات بعد علاقتهن به,زوجته التي مارست عليه نفس طريقة المستعمر الأوروبي الفظ من إذلال وتحقير,ولعبت به كما لعب الساسة ببلاده وتاريخها,فتمثل فيها كل ما يسوؤه من الشمال الذي هاجر إليه,فإذا به يعود غريباً هنا كما عاش غريباً هناك.
وللرواي الذي نتعرف من خلاله علي شخصية مصطفي سعيد , تعبيرات في وصف الجسد يراد منها إبراز الهوية الوطنية في شخص الجد"إحساس صاف بالعجب من أن هذا الكيان العتيق ما يزال موجوداً أصلاً علي ظاهر الأرض.وحين أعانقه أستنشق رائحته الفريدة التي هي خليط من رائحة الضريح الكبير في المقبرة ورائحة الطفل الرضيع...نحن بمقاييس العالم الصناعي الأوروبي فلاحين فقراء ولكنني حين أعانق جدي أحس بالغني,كأنني نغمة من  دقات الكون نفسه,إنه ليس شجرة سنديان شامخة وارفة الفروع في أرض منت عليها الطبيعة بالماء والخصب,ولكنه كالشجيرات السيالة في صحاري السودان,سميكة اللحي حادة الأشواك تقهر الموت لأنها لا تسرف في الحياة"
هكذا "يا سادتي" حاولت إظهار إحدي تجليات الجسد في هذا النص قليل الصفحات غزير المعاني,واسع الاستنتاجات,هذه الحكاية الملغزة التي سردها الطيب صالح منذ أكثر من 50عاماً ومضي حيث يمضي "كل ابن آدم وإن طالت سلامته"؛لتقتفيها مئات الأقلام الأخري,منقبين فيها عن اللآلئ المخبوءة في ثنايا سطورها.

الأربعاء، 19 يونيو 2019

موت سهل


موت سهل
لساعات طويلة ظلت واقفة تحت لفحات الشمس المتوهجة,عودها النحيل ووجهها الضامر يشيان إنها ليست إلا طفلة تعاني من سوء التغذية,تشير  للسائرين في الميدان الفسيح بأكياس المناديل الورقية,تتلقي التجاهل والجنيهات النادرة بنفس الوجه المحزون,عندما حل الليل زاد الزحام,زحام  ليلة العيد بصخبها وضجيجها,ابتعدت عن الرصيف خطوات لتغدو أقرب إلي المارة والسيارات معاً,لعلها تجمع ما يكفي لعشاء ليلتها,تتنبه عندما تلحظ بنتاً في مثل سنها ترتدي ملابس جديدة وتضحك مع  صديقاتها,وهي تتمايل مع بهجة العيد,ثم تعود لتنظر لأمها علي الرصيف المجاور,بجوار  أختيها وقد تمددت واحدة علي حجرها والأخري نامت علي الأرض,وأمامهم قفص عليه علب بخور,كان الكل يعمل ولا يستجدي شيئاً من أحد,التسول عندهن جريمة,لم تجرهن الحاجة إلي امتهان الشحاذة,أمام نفسها هي بائعة تسعي علي رزقها ولا تمد يدها دون مقابل.
تلوح حولها الأضواء والزينات كأنها في مهرجان سينمائي هي نجمته الوحيدة,راق لها هذا التصور,وارتاحت لما بنته في خيالها المحلق,أخذت تروح وتغدو في الميدان وهي تتثني في دلال,كما تراهن يفعلن علي شاشة التليفزيون,وابتسمت وهي تنظر للعابرين المجهولين,ولدهشتها زاد إقبال الناس عليها,لم يصف لها أحد مدي جمال ابتسامتها,وكيف تتألق عيناها وهما يضحكان,تغدوان لامعتان لهما بريق الحياة نفسها حينما تصفو من الكدر,وتنافس النجوم روعة وجمالاً,يتحول وجهها الأسمر إلي قطعة حلوي أشهي من الحلويات التي يسيل لها لعابها في الفاترينة المجاورة.
بدأ جيبها يمتلئ ومع امتلاؤه بزغت في صدرها نية شراء واحدة من هذه الحلوي بعد أن  يخف الزحام عليها, تخجل من الدخول وسط هؤلاء الناس بملابسها  المزرية الممزقة,تحلب ريقها من جديد فابتلعته وهي تمني نفسها...توغل الليل وظهرت تباشير الصباح مؤذنة بيوم العيد,ه لا تفرق  بين العيد وغيره من الأيام,قالت لها أمها ذات عيد-حتي تتهرب منها بلطف- عندما طالبتها بشراء حذاء ولو  مستعمل بدلاً من المهترئ في قدميها"كل يوم يمر علي الواحد منا وهو معافي عيد",تراكمت عليها الأعياد,دون قطعة ملابس حلوة تتزين بها وسط أقرانها,وكل الأيام جميلة,مادام الإنسان معافي.
هرولت نحو محل الحلوي وصاحبه يهم بإغلاقه,أعاد فتح الباب وأعطاها ماطلبت,حملت اللفافة في يدها تتأملها,وارتسمت الابتسامة من جديد علي وجهها, حينما تخليت نفسها تطعم أختيها,رق لها صاحب المحل وقد تبدت براءة طفولتها في هذه اللحظة,منحها قطعة زيادة دون ثمن,في البدءرفضت لكنه أصر وقال بحنان:
-اعتبريها عيديتك.
لانت له وقبلتها شاكرة,وحين خرجت تمتم في خفوت"لو تربت في بيئة أخري لأصبحت شبيهة بالأميرات",قابلت في طريقها إلي بيتها المتهدم بائع البالونات,اشترت منه واحدة,فاستخفها الفرح بممتلكاتها البسيطة,حتي شغلها عن رؤية الطريق وهي تقطعه.
لما رأت الموتوسيكل وهي يطير ناحيتها,لمع في ذهنه اسمه الذي سمعته من رجل كاد يدهمه واحد مثله بالأمس"فعلاً أنه لا بد أن يسمي(موته سهل)بدلا من  موتوسيكل,هذه الركوبة الخطرة تحت أقدام صبية مستهترين"ارتطمت علي الأرض بعنف,وكان آخر ما سمعته قبل أن تفقد الوعي,صوت فرقعة البالون بينما اللفافة تسقط علي الأرض ويتناثر منها قطع الحلوي.


الأربعاء، 24 أبريل 2019

نظرة مصرية لليابان


يمكن تقسيم التاريخ الياباني منذ البدايات اللأولي المغلفة بعالم الأساطير,إلي الوقت الحاضر في المراحل الأساسية التالية:
1-اليابان في طور التكوين الأسطوري المتشابه في مضمونه مع  بقية التفسيرات في الوعي الإنساني العام لظهور الكون والبشر,فقد وُجد في أقدم  ما دون عن اليابان كتاب(كوجيكي)المكتوب عام(712),قصة الخلق اليابانية,التي تروي اتفاق الآلهة علي إرسال اثنين منها (إيزاناجي)و(إيزانامي)وهما أخ وأخت كي يخلقا اليابان,فوقفا علي جسر السماء العائم,وقذفا في المحيط برمح مزين بالأحجار الكريمة,ثم رفعاه نحو السماء,فتقطرت من الرمح قطرات تحولت إلي(الجزر المقدسة)المعروف بأرخبيل اليابان,وبرؤية ومحاكاة ما تفعله الضفادع في الماء,عرفا الاتصال الجنسي,فالتقيا كزوجين وأنسلا الجنس الياباني,ومن الحفيد( ننيجي) جاءت السلسلة الإمبراطورية اليابانية.
2-اليابان البوذية(522-1603),وقد انتقلت منها البوذية من الهند عن طريق جارتها الصين,وانتشرت البوذية بدافع حاجة الشعب للإشباع الديني,ورغبة الملوك في تنظيم الدولة,لاقت التشجيع من الإمبراطور(سويكو)الذي ازدهرت علي يديه الحضارة اليابانية,وفي عهده بُني معبد(هوريوجي)أقدم منجز في تاريخ الفنون اليابانية.
3-مرحلة الشواجنة(الحكام العسكريين),وهذه مرحلة اعتزال اليابان للعالم,وزهدها في التوسع,قانعة بالزراعة والفلسفة والفن.
4-مرحلة الاحتكاك بالغرب عام1853,عند رسو الأسطول الأمريكي علي سواحلها,وهي فاتحة التحديث اليابانية وتبنيه قيم الصناعة والسعي في فتح الأسواق الخارجية,والوعي بالذات كقوة قومية من شأنها النهوض بثقافتها الخاصة وبأيدي أبنائها,وبرز فيها المصلح الكبير الإمبراطور(ميجي)المعادل الياباني لشخص محمد علي,وكانت تعتبر الحكومة اليابانية تجربته في مصر نموذج ملهم لها بشدة.
5-اليابان التي نشهدها اليوم التي قامت كالعنقاء عقب أسوأ هزيمة في التاريخ الحديث,بعد تدمير هيروشيما وناجازاكي بالقنبلة النووية,وإذلال اليابان وتقزيمها سياسياً وعسكرياً واحتلالها من قبل الولايات المتحدة,نراها اليوم تحلق ثانية في الأفق الحضاري مؤمنة بالسلام,بعد انجرافها نحو القوة العسكرية,وبالسلام والعمل والإنتاج حققت تلك الجزر الخالية من الموارد الطبيعية,المعرضة دوماً للزلازل والحرائق,معجزة ملهمة اليوم لدول العالم  الثالث من الشرقيين.
2-صورة اليابان في الفكر المصري:
منذ انتصار اليابان علي روسيا القيصرية عام 1905,والتجربة اليابانية تشغل فكر النخبة المصرية,باعتبارها أول دول شرقية تهزم دولة أوروبية,وفي هذا الصدد يعبر العقاد عن تلك الحالة  التي خلفها الانتصار"كنا في حوالي الخامسة عشرة يوم نشبت الحرب بين اليابان وروسيا,وكنا نتلقف الصحف لنقرأ فيها أخبار انتصارها في البر والبحر,وأخبار وقائعها الحاسمة حول المعاقل الكبري في الشرق الأقصي,ولا نذكر أن الشرق من أقصاه إلي أقصاه شملته هزة من الفرح كتلك الهزة التي شملته أثناء الحرب اليابانية الروسية,لأنه اعتبرها حرباً شرقية غربية,وإن لم تكن روسيا مثلاً صحيحاً للغربيين أو الأوروبيين".وفي نفس المقال يتنبأ العقاد بعودة اليابان من جديد كقوة كاسحة"اليابان اليوم ضعيفة مفتقرة إلي العون ولكنها لا تبقي علي هذه الحال ولابد لها من عودة إلي القوة والثروة"
هكذا نجد الزعيم الوطني مصطفي كامل,يصدر كتابه عن اليابان بعنوان"الشمس المشرقة"الذي أوحي لفتحي رضوان بتشكيل رابطة"الطلبة الشرقيين",وفي رسالة إلي مدام آدم  عام1904يقول"إنني أبذل الآن جهدي في وضع سفر عربي عن اليابان ورقيها الحديث ووطنيتها لأنني أريد أن أبين للشعب كيف يرقي وأشجعه في مجهوداته الحاضرة"وفي العام نفسه ينشر حافظ إبراهيم قصيدته"غادة اليابان"نظمها علي لسان فتاة يابانية, جاء فيها:
أنا يابانية أنثني            عن مرادي أو أذوق العطب
أنا إن لم أحسن الرمي ولم             تستطع كفاي تقليب الظبا
أخدم الجرحي وأقضي حقهم وأواسي في الوغا من نكبا
هكذا الميكادو قد علمنا           أن نري الأوطان أماً وأبا
وقصيدة"الحرب اليابانية الروسية":
أتي علي الشرق حين          إذا ما ذكر الأحياء لا يذكر
ومر بالشرق زمان وما       يمُر بالبال ولا يخطر
حتي أعاد الصفر أيامه        فانتصف الأسود والأسمر
فرحمة الله علي أمة         يروي لها التاريخ ما يؤثر
وقد ظلت هذه القصيدة لسنوات طويلة مقررة علي طلبة التعليم العام في مصر لسنوات طويلة,الأمر الذي يعكس مدي الاهتمام بالتجربة اليابانية.
في عام  1923ضرب اليابان زلزال مدمر تبعه حريق قضي علي100ألف نسمة في طوكيو,و37ألف في يوكاهاما رثاهما شوقي في قصيدته"طوكيو"ومطلعها:
قف بطوكيو وطف علي يوكاهمه      وسل القريتين كيف القيامة
وفيها أيضاً:
دولة الشرق وهي في ذروة العز            تحار فيها العيون فخامة
أما محمد صبري السوربوني فيناقش مبكراً المقارنة بين التجربة اليابانية في النهضة ومثيلتها المصرية"إن عصر الانتقال في مصر دام قرناً ولم يبرح بعد,في حين أنه لم يدم إلا سنوات معدودات في اليابان مثلاً,وإني لأشك لحظة في أن الكثيرين سيمرون بهذه الحقيقة مرور الكرام مع أن لها خطرها"
وفي كتاب"رجعة أبي العلاء"يجري العقاد علي لسان المعري ذكري اليابان"وما يدريك لعل أهل نيبون يخدمون أهل الصين بهذه الهزيمة وهم لا يشعرون؟"و "نيبون"هي اليابان ومعناها:المكان الذي تشرق منه الشمس"
وفي الستينيات ذكرت اليابان علي لسان جمال عبد الناصر في الميثاق الوطني"مقارناً بينها وبين مصر,كأنه مازال يأمل في اللحاق بها"إن اليابان الحديثة بدأت تقدمها في نفس الوقت الذي بدأت فيه حركة النهضة اليقظة المصرية,وبينما استطاع الياباني أن يمضي ثابت الخطي,فإن المغامرات المغامرات الفردية عرقلت حركة اليقظة المصرية وأصابتها بنكسة ألحقت بها أفدح الأضرار".ونجد جمال حمدان يصف اليابان بأنها"بريطانيا الشرق الأقصي"




الثلاثاء، 16 أبريل 2019

نوتردام


علمت من الإنترنت نبأ احتراق كاتدرائية نوتردام,شعرت الذعر واجتاحني ألم عميق,عاودني ذات شعور الأسف علي دمار آثار العراق وسوريا بيد الأسافل الهمجيين,هرعت للقنوات الإخبارية,ولما رأيت الكاتدرائية التاريخية تحترق سمعت صرخات كوازيمودو وبكاء أزميرالدا في أذني,وشاهدتهم علي الشاشة ينظرون في لوعة وبجوارهم جثم فيكتور هوجو علي الأرض ينساب الدمع من عينيه,أمام أعينهم يتهاوي محترقاً سكنهم الذي سكن قلوب كل قراء الأدب في العالم...آه لا كلام يعبر عن حزني...كفي أيها الخراب والقبح تدميراً...اترك  لنا ما يساعدنا علي البقاء علي وجه الأرض.


الاثنين، 8 أبريل 2019

أهو ده اللي صار...كلمة من القلب


أهو ده اللي صار...كلمة من القلب
أردت الكتابة بموضوعية نقدية عن هذا العمل,فلم أتمكن.قلبي يتململ يود الحديث,مشحون بكل المشاعرالجميلة التي تلقاها من هذا المسلسل,مبتهج كما تكون البهجة بالفن المصري ولمعانه الذي كاد يخبو وسط هذه التشوهات الزاعقة ليل نهار,فرحان بعبد الرحيم كمال وحاتم وطاقم الممثلين الذين أبكوني وأضحكوني وجسدوا أدواراً لن أنساها,واستعادوا روح مصر في مائة عام مضت كاشفة لنا عن مائة عام قادمة!
بين قصة حب يوسف ونادرة ويوسف وسلمي,أنساني هذا العمل ما ألاقيه في حياتي اليومية مما يلاقيه الناس من الكدر والإخفاق,العجز وسوء التقدير,وكل ما يعتريهم ويعتريني من مشكلات شخصية وعامة,ليلاً أخلو مع حالي خيراً كان أو شراً,وأتتبع بحب هذه القصة التي أحيت من جديد تاريخ الأسكندرية,ومع انتهاء الحلقة الأخيرة أصبح مسلسل  "أهو ده اللي صار"عندي كرباعية  لورانس داريل عن الأسكندرية ورواية ميرامار لنجيب محفوظ وقصائد كفافيس,وغيرها من الأعمال العظيمة التي استلهمت"مدينة الله العظمي"كما سميت الأسكندرية في زمنها المجيد.
هل أقول أنه واحد من أهم الأعمال الدرامية التي أنتجت في مصر؟
هل أقول أن مثل هذه الفكرة ألحت عليّ لحكي تاريخ مدينتي دمنهور المتجذرة في تاريخ الحضارة وفكر الإنسانية,لكني لن أصيغها مثل عبد الرحيم كمال ولو كنت حاولت مائة مرة؟
هل أقول أن روبي وسوسن بدر لو أن  لبلادنا مكانة اليوم في الفن العالمي ويهتم بنا الغرب كما نهتم نحن به,لكانتا وصلتا للأوسكار في يوم ما؟
هل أقول أن محمد فراج لم  أكن أتوقع منه كثيراً قبل أن يصبح "علي بحر",والآن صرت أضرب  كفاً بكف... وأين كان علي  بحر من زمن؟...
هل أقول أن  أحمد داوود و علي الطيب وأروي جودة وهشام إسماعيل وغيرهم من فناني هذا العمل,منحوا لي لحظات فنية صافية لم أعرفها سوي مع الأعمال الفنية الكبري في تاريخ السينما والتليفزيون؟
نعم أقول بلا حساب للتقييمات والكلام الكثير عن النص والإخراج والتعقيدات النقدية,التي سأنبذها منذ اليوم وأترك لقلبي دوماً حرية الحديث عما يعجبني بلا تحفظ...فالجمال في هذا الدنيا نادر...وأمثال هذه الأعمال المحملة بالهم المصري  والمزينة بحرفنة وعبقرية الفنان المصري...(نادرة الوجود)!
وفي النهاية...أتمني أن يصبح هذا العمل فاتحة خير علي الفن المصري,وأن يكسر صوم طويل مفروض علينا,حرمنا من متعة وحلاوة فنون أهل مصر الراقية...وأن يحكي لنا عبد الرحيم كمال حكايات أخري تسمو بنا لدنيا الشعور واللذة الروحية,وتغسل عنا نصب الأيام وانكسار الأحلام  فياضة بالحب"شجرة الخلد والملك الذي  لا يبلي".