الأربعاء، 10 يونيو 2020

التراث المهدور


1-التجربة الأوروبية في عصر النهضة
التراث وبعث الروح الوطنية
ينبثق التراث من منبعين أولهما فردوس بهيج مرصوف بلآلئ المنطق ومغطي بذهب مصفي من عرق البحث عن الحق والخير والجمال,تظله سماء صافية تسبح فيها أطيار المساواة وتقدير الآخر واحترام العلم والعمل,يحوطها نظريات فلسفية وفكرية ناصعة العبقرية,متعة وفائدة أنتجهما علماء ومفكرون ومتصوفة ومخترعون,وثانيهما موحل يشتد فيه الجدال الديني المقيت ويحقر من الآخر ويريد الإستيلاء في كل ثقافة علي العالم وإخضاعه باسم الدين والعنصرية,ورغبة نفسية مريضة لتشويه كل ما هو جميل ورائق,مسور بأسوار من الشوك ينبت عليها الحنظل,تجد فيه الاستهزاء بالمختلف والسخرية من المخالف ويستعر بين الساكنين فيه مشاجرات لا تحل سوي بالدم والشنق والحرق,وتلك ظاهرة عرفتها كل الحضارات الكبري التي لامست الثريا ثم انطمرت في الثري والسبيل الوحيد لاستعادة مجدها القديم يكمن في المنبع الأول.
لأهداف سياسية وتقلبات عرفتها مصر كانت تهدف لتعطيل قواها العقلية وطمس طريقها القديم نحو السمو بالإنسان والاشتباك مع الكون في لغة علمية وأدبية ووضع منظومة لمستقبلها تم تغييب المبنع الأول وارتبطت اللحظة المعاصرة بالمنبع الثاني,فنتجت كل الأمراض التي عانت منها المنطقة العربية كلها,دول انهارت وآثار حضارية شوهت بالمعني كالرؤية الجاهلة حضارة مصر القديمة الباهرة التي انبثق منها فجر الضمير وأرسيت الأخلاق والمبادئ والمعارف البشرية التي تناقلها البشر كلهم فيما بعد من مصدر لاحق وهم اليونانيون,حيث كان الشرق القديم هو الأصل التراثي للثقافة الإنسانية علي الإطلاق وقد علق مؤرخ العلم الشهير جورج سارتون علي المسار الذي اتخذه ظهور العلم في الجزء الأول من"تاريخ العلم بقوله"مما أفسد فهم العلم القديم كثيراً من الأحيان ظاهرتان من الاهمال الذي لا يمكن التسامح فيه أما الظاهرة الأولي فتتعلق باهمال العلم الشرقي فمن سذاجة الأطفال أن نفترض أن العلم بدأ في بلاد الإغريق,فإن"المعجزة اليونانية"سبقتها آلاف الجهود العلمية في مصر وبلاد ما بين النهرين وغيرهما من الأقاليم,والعلم اليوناني كان إحياء أكثر منه اختراعاً.والظاهرة الثانية اهمال الإطار الجغرافي الذي نشأ فيه العلم,لا الشرقي فحسب,بل اليوناني ذاته كذلك وكفانا سوء إننا أخفينا الأصول الشرقية التي لم يكن التقدم الهليني مستطاعاً بدونها"أو آثار وتراث دمرت بالفعل كهدم المنجزات الحضارية السومرية في بلاد الرافدين والفنينقيين في سوريا,في مشاهد خلدها الألم والحزن والحسرة علي الروح الإنسانية المفقودة,وربما انعكس الأمر كذلك علي الشخصيات المؤثرة في تاريخ الحضارة العربية ممن لا يتوائمون مع المفاهيم المتخلفة المستخرجة من المنبع الموحل فقطعت رأس تمثال أبي العلاء المعري فيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة في سوريا علي يد الجماعات الإجرامية المنتشرة هناك,وقد أقيم في مسقط رأسه بالمعرة عام1944.
المعاصر لا وجود له بدون تأسيس قبلي علي مرحلة سابقة,فالنهضة الأوروبية النموذجية في القرن الرابع عشر,نشأت علي التراث دون تفرقة بين مصر القديمة واليونان والرومان,والعرب,وعليه بنت أوروبا مرحلة متألقة نزعت عنها آليات الكهنوت والمقولات العبثية الفارغة,وشمرت عن ساعد العمل الجال وفي رأسها موديل حضاري تريد الوصول إليه ثم تخطيه,منقذة نفسها من ظلام العصور الوسطي,وبعد قرون من النهضة الأوروبية لم نتعلم الدرس حتي اليوم,مازال مفهوم التراث في الذهن العام محصور علي الأفكار والاستنتاجات للمتحدثين باسم الدين التي لا جدوي منها ولا فائدة في زمن العلم والذكاء الاصطناعي وتعديل الجينات,مازالت نفس المقولات العبثيةحول المذاهب والتكفير والاتكال وكراهية الآخر والنفور من المعرفة والفن,والدعوة العمياء لقطع روابط الأخوة الإنسانية وزرع الحقد في النفوس تماماً كزمن العصور الوسطي في أوروبا,وكما وجدت هناك آذناً واعية وقلوباً سوداء وجدتها هنا,وهذا ليس التراث موضوع حديثنا هذا,بل مخلفات أزمنة القهر والجهل والتخلف والصراعات العسكرية والنزعة الغريبة التي تنبت في نفوس غير ناضجة لم تفهم الهارمونية للتنوع والاختلاف وأفكار طفولية في سيطرة فصيل واحد علي مقدرات الجنس البشري,التراث الذي أقصده ولابد من الرجوع إليه واستعادته من جديد في صورته العذبة المفتخرة الممجدة للإنسان وعقله الحامية لكينونته وتفرده القائمة علي مرتكزات من شأنها أن تجعل العالم أفضل مما هو عليه,أبطاله أمثال إيمحوتب وحم إيونو وبتاح حتب في مصر القديمة ,سقراط وأفلاطون وأرسطو في اليونان, سنيكا وفرجيل وأوفيد في روما,هيباتيا وأفلوطين ومانيتون في الأسكندرية,ابن سينا والبيروني وابن الهيثم في بلاد العرب,دافنشي وجوته وروسو في أوروبا,حتي برتراند رسل وأحمد زويل وهوكينج في العصر الحديث,هؤلاء هم من استعان بهم الغرب في سبيل نهضتهم بينما نحن متمسكون بأسماء أخري متحجرة لم تقدم شيئاً حقيقياً للبشرية,وللأسف لهؤلاء ورثة بيننا يرددون أفكارهم المتطرفة بينما نجوم الفن والعلم والفلسفة في ضباب التخبط الأعمي.
إذن فنحن مرضي ونزيد المرض بارتشاف السم الزعاف,تاركين ترياق الشفاء في دلالة علي غياب أي نوع من التفكير,المستشرقون هم من اكتشفوا لنا تراثنا وناضلوا في سبيل تحقيقه ونشره ودراسته وشرحه,هؤلا هم الورثة الحقيقيون للمجد الإنساني والتراث في منبعه الصافي,ومن سعوا سعيهم في سبيل إنتاج أعمال فكرية تتماس مع التراث القديم سواء شرقياً أو غربياً هوجموا ونغصت عليهم حياتهم,كرفاعة الطهطاوي وطه حسين,اللذين أصبحا اليوم تراثاً لا يجد من ينفذ أفكارهما وخاصة طه حسين في كتابه العمدة"مستقبل الثقافة في مصر,كهدف أساسي لإرساء تعليم علي أساس متين كما كان يتمني-ونتمني نحن الآن أكثر وأكثر-ومن أفكار هذا الأديب التنويري يبدأ عبورنا للمستقبل.
ذلك هو المدخل الذي أريد أن أبدأ منه مقالتي عن التراث في مواجهة العصر,أو علي الأصح التراث لإصلاح العصر,هل لأوروبا عقل ونحن محرومون منه؟!بالطبع لا,لكل الناس ذكاء وعقل يتفاوت بين فرد وآخر,لكن الفيصل فيم يستخدم هذا الذكاء وأين يذهب هذا المجهود.
النهضة الأوروبية ابتدأت منذ الفترة التي آمنت فيها بالإنسان قبل أي شئ آخر,السماء لله عز وجل أياً كانت أسماؤه المتعددة الدالة علي رب واحد تجلي بصور متعددة علي مر التاريخ,أما الأرض التي نحيا عليها فهي للبشر وعليهم مهمة إعمارها بالحب والعلم والتكاتف والفن,وهذا المعني كانت تحتقره الكنيسة فوقفوا في مواجتهتها ومواجهة آراء أرسطو التي استخدمتها في السفسطة الدينية دفاعاً عن مكتسباتها الخاصة,وأدت تلك المواجهة لاستشهاد عدداً كبيراً من العلماء في سبيل الحقيقة والإنسان,نبذوا الغيبيات وتبنوا التفكير المنطقي,أحرق من أحرق وأعدم من أعدم,ومن أرواح هؤلاء المتصوفين في محراب ملكوت الله الحقيقي ولدت أوروبا الحديثة كما نعرفها اليوم ولأنها أهينت ونزعت عنها كرامتها بسبب الجهل والظلام,لن تخضع من جديد لأي سلطة غير سلطة البحث العلمي,نفضت أوروبا عن نفسها الجزء العقيم من التراث,وبدأ العهد التجريبي الاستقرائي القائم علي الخوض في القضايا بروح جديدة,في اليد اليمني ميزان المنطق والعدالة وفي اليسري مصباح من اختراعاتها للكشف عن الطريق المؤدي للفلاح,هذا ما أراده طه حسين فكمموه وأنهكوه حتي توفي وحرب أكتوبر المجيدة في عز فورانها وأبطالنا يستعيدون سيناء الغالية,فمات في صمت ليعيش للأبد.
لا نريد أن يكون كلاماً في الهواء,إني أبحث عن صيغة جديدة وأتضرع من قلبي أن ألهم الصواب دون حساب لأي شئ آخر,وإن كان المجتمع حولنا لا يسمح سوي بالتكرار وإعادة سماع ما تعود عليه ويداعب سكونه ودعته ويخبره أننا الأفضل وإننا خير أمة أخرجت للناس دون أن يسمع الشرط لذلك بأن نأمر بالمعروف وننهي عن المنكر,والحق هو أول الطريق لذلك,لا الباطل المتسيد والهراء المقدس,الحق هو ما يجب علينا السعي خلفه بكل جهدنا محتملين ما في طريقه من أشواء.
أكثر من ذكر أوروبا ونهضة أوروبا,أجل وسأكثر منها حتي نتعلم منها ونسلك سبييل المنهج العلمي وهو السبيل القويم,ألم تكن الصين وجارتها اليابان وسنغافورة وماليزيا والنمور الآسيوية في ظلمات يعمهون حتي لاح لهم نور أوروبا فذهبوا يقتبسون منه ويعمرون في بلادهم فأصبحت الصين قوة عظمي واليابان نموذج للعمل الحقيقي.
إنني أفكر معك يا سيدي القارئ,وأول ما أفكر فيه تلك المدينة الإيطالية التي ولد فيها الرينيسانس...فلورنسا الجميلة,لو كان هناك بقرش صاغ واحد تعليم في بلادنا بدلاً من جريمة التجهيل وتحميل شهادات لمن لا يفقهون شيئاً, لكنا نعرف فلورنسا كما نعرف طيبة في مصر القديمة وبغداد في العراق والقاهرة في العصر الإسلامي والأسكندرية في الزمن اليوناني عندما كانت مدينة الله العظمي وهونج كونج في الصين وكل المدن التي كانت منابع التقدم والرقي في العالم,علي العموم ليس عيباً أن يتعلم الإنسان حتي ولو كان الجهل هو ما يلاحقه في كل سني حياته,مستقدياً برجال عصر النهضة الأوائل.
فلورنسا هي عاصمة أقليم توسكاني في إيطاليا المنقسمة حينئذ لولايات متصارعة,كانت مسقط رأس وراعية نوابغ الرينيسانس كدافنشي ودانتي وبرارك وميكافيلي ودوناتيلي وأوتشيلو وغيرهم,عرفت باسم "أثينا الصغري"و"أثينا القرون الوسطي"دلالة علي مدي تنوع روافد ثقافتها وافتتاحها لعصر جديد يغرف من تراثه القديم,وتأمل معي من جديد اللقب ستجد فيه نظرية إحياء تراث أثينا تاج الحضارة اليونانية,الرينيسانس في الأصل معناه البعث والصحوة والعودة والرجوع والولادة الجديدة,بدأت النهضة فيها في القرن الرابع عشر وانطلقت لبقية أوروبا,من موقعها المتميز تراكمت الثروات في يد التجار والبنكيين,من الثراء والحرية السياسية التي كانت تتمتع بها واحترام حقوق الإنسان وإعطاؤه مساحة للمشاركة في الحكم,ظهرت روح جديدة ورغبة في التمتع بالحياة دون النظر إليها باعتبارها خطيئة أو دنس لابد من تجنبه وغيرها من الأوصاف السلبية التي عششت في العقل الأوروبي من قبل,لكنهم لم يفكروا في ذواتهم باعتبارهم إيطاليون,لأن إيطاليا في ذلك الوقت لم تكن دولة موحدة,فكان الناس ينقسمون لفينيسيون أو رومانيون أو ميلانيون,هنا يأتي فضل التراث في تعريف الإيطاليين بهويتهم ودفعهم لاستعادة المجد الروماني,وكان دانتي أول البارزين في نداؤه نحو بعث القومية,واستلهام الحضارة القديمة من جديد,واستنقاذها من سلطة رجال الدين وعودتها لحكم موحد تحت سلطة رجل واحد علي الطريقة الرومانية,دعوته تلك كانت ثورية في وقتها بعدما قضت الكنيسة علي الشعور القومي في نفوس الإيطاليين وجعلتهم يشعرون بالعار تجاه أمجاد أجدادهم الرومان ويتبرأون من حضارتهم,واعتبار أن اضمحلالها علامة علي الغضب الإلهي الذي حل علي روما بعدا ضلت الطريق واستغرقت في الحياة الدنيا وملذاتها فسلط الله عليها أعدائها ليقوضوا بنيانهم ويعلنون أنهيارها,أما دانتي في كتاب"الحكم الملكي"يعترف أنه في البداية كان متأثراً بتلك الرؤية لكن غلبة الحس الوطني عليه جعلته ينفد نحو الحق"كان هناك زمن كنت أنا أيضاً أقف ذاهلاً أمام هذا التصور,وهو أن الشعب الروماني بلغ قمة السؤدد علي الكرة الأرضية,لا يجد من يقاومه,وكنت أحسب لأني لم أكن أري إلا سطح الأمور,أن الرومان بلغوا كل هذا السؤدد بقوة السلاح وحدها.ولكني الآن وقد نفدت بعقلي إلي لب الأشياء,ورأيت بدلائل مقنعة كل الإقناع أن العناية الإلهية هي التي حققت ذلك لم أعد أقف متعجباً أمام هذا المجد الدنيوي"واستمع لهذ الصوت المدوي منه يعبر البحر المتوسط ليستقر في وجدان الباحثين عن مجد أوطانهم"يا للرومان من شعب مبارك!يا لأوزونيا من دولة مجيدة-أوزونيا هي اسم إيطاليا في الأدب القديم-ليته ما ولد قط من أضعف امبراطوريتك يا روما,أو ليت تقواه لم تقده في سبيل الضلال!"وهكذا اختار دانتي القيصر ونبذ البابا,فحكم عليه بالنفي المؤبد خارج وطنه,وإذا عاد يحكم عليه بالحرق حيا!!!
نظرة مماثلة لتلك ما زالت تتردد بالنسبة للحضارة المصرية القديمة,التي تم اختزالها بين الجماهير لأهداف مسمومة في قصة موسي التوراتية التي وردت في القرآن,وأصبح الرمز الديني المجازي يؤخذ حرفياً ياعتباره حقيقة تاريخية,فأصبحت بلاد وادي النيل في نظر من أعماهم ظلام العصور الوسطي الكامن في الألفية الثانية وسط نور المنجزات العلمية والتكنولوجية,ليست سوي مقراً للظلمة والطغاة,وأصبحت كلمة فرعون علماً علي الحضارة المصرية القديمة ارضاء لمفسري التوراة ممن يتلاعبون بالكلمات,وتتحول الدولة قامت علي الماعت (النظام والعدل والحق) لدولة عاشت علي الباطل وشيدت آثارها الخالدة بالسخرة والقسوة!!! والتي ورد فيها قبل أن تظهر الأديان الإبراهيمية الثلاثة عبارات كـ:
"يعترف بفضل الرجل الذي يتخذ العدالة نبراساً له فينهج نهجها"
الحكيم بتاح حتب في القرن 27ق.م
"إن فضيلة الرجل المستقيم أحب عند الله من ثور الرجل الظالم"أي من قربان الرجل الظالم.
الأمير مريكارع مخاطباً ولده في القرن 23ق.م
"إن العدالة خالدة,فهي تنزل مع من يقيمها إلي القبر...ولكن اسمه لا يمحي من الأرض بل يذكر علي مر السنين بسبب العدل"
الفلاح الفصيح موجهاً(تحذيراته)للحاكم في 23ق.م
وغيرها من التعاليم والمعاني التي شكلت الحس الأخلاقي للإنسان,دون إملاء من قوي خارجية بل صادرة عن قلب سليم يتهم اليوم بالظلم والجفاء!
تبع دانتي في روحه الوطنية واهتمامه بتراث بلاده الشاعر بترارك أحد الذين يؤرخ بهم المذهب الإنساني"الهيومانيزم"وأحد فطاحل الشعر في إيطاليا وصاحب أبيات ملتهبة بالعزة الوطنية:
فضيلة القوة سوف تسود
الرومان أهل البطولة... سلوا عنا الجدود
هم يزحفون...يزأرون كزئير الأسود
الحمية في قلوبنا كفعل الوقود
مجدك إيطاليا سوف يعود
 شاركهما الفيلسوف السياسي ميكافيللي أول من تجرأ وفصل صراحة بين السياسة والأخلاق تحدوه أمنياته في إنهاء الاقتسام وتوحيد الوطن تحت حكم رجل وحد فكتب كتابه الشهير"الأمير",وقد كان رجال الدين في ذلك الوقت لا يعترفون بالوطنية بل ربما انحازوا للأجانب مقابل حماية مصالحهم,كما فعل الراهب سافونا لولا الذي دأب علي مهاجمة العلوم والفنون وكل ما يمت للحياة بصلة,وكان رجلاً معقد نفسياً يشبه لحد كبير متعصبي الدين الإسلامي ومهاويس التطرف الذين يجأرون ليل نهار بأوهام وتخيلات ورغبات مريضة,لم ير في التراث الإنساني كله سوي وبدع وهرطقة,ومع أول فرصة لاحت له خان بلاده,عندما طلب شارل الثامن حق المرور بجيوشه في أراضي فلورنسا ليزحف علي نابولي,عندها رفض بيرو دي مديتشي أن يمنحه ما رأراد,فاحتل شارل الثامن فلورنسا بحجة(تحريرها)من طغيان آل مديتشي!آل مديتشي راعية الفنون والآداب التي كان يمقتها سافونا رولا,آل مديتشي وعميدها لورينزو الملقب بالمجيد الذين قدموا لإيطاليا خدمة لا ينساها التاريخ برعايتهم للعباقرة والأفذاذ.
رجل النهضة الأشهر وصاحب الأعمال التي شكلت جزء من وعي العالم هو ليوناردة دافنشي,الأيقونة العلمية والفنية لعصر النهضة المبكر,قال عنه مؤرخ الفن كلارك كينيث بأنه"أكثر إنسان فضولي بلا هوادة في التاريخ",ممسكاً بمفتاح الشخصية الدافنشية,الرغبة في التعلم وحب الاستطلاع والقدرة علي الخوض في مجالات عديدة,والسبيل الوحيد لذلك القراة والدرس والتحصيل,نظر للماضي نظرة رشيدة بصورة مكتملة وبدأ يحرث في أعمال السابقين عليه,اطلع علي قائمة تشمل التجارب العلمية اليونانية,فصنع الإنسان الآلي الذي سبقه إليه هيرون السكندري وأدخل عليه ابن الجزري تحديثاته,واطلع علي أعمال ابن الهيثم في البصريات فأدخل تحسيناته علي الغرفة المظلمة,وأتاح له رؤية أكثر عمقاً لفن الرسم,وظل يدرس إلي أن انتهي للمهندس تاكولا فاطلع علي تصاميمه الأولية للغواصات,كما اهتم بالتشريح والرياضيات والموسيقي,وقد كان في شبابه شغوفاً بليون باتستا ألبرتي,درسه بعناية فائقة وتأثر به في حياته وأعماله فاكتملت عبقريته الشاملة علي أكتاف رجال عظام قدرهم واتخذ سبيلهم.
دافنشي رجل اكتشف الماي فحق له رؤية المستقبل...
في عام2003ظهرت رواية"شيفرة دافنشي"بحبكتها المثيرة وأحداثها الملغزة,وحققت صدي عالمي تأرجح بين السلب والإيجاب,وردت فيها عبارة منسوبة لدافنشي,تشير لجوهر هذا الرجل العبقري ودوره الذي اختاره في الحياة,وقام به كالأبطال رغم الصعوبات في طريقه:
الجهل يعمي أبصارنا ويضللها
أيها البشر الفانون!افتحوا أعينكم!
فتح عينيه وحدق في الطبيعة والكون بحثاً عن الحقيقة الكامنة خلف ظواهر الأشياء,نقل إلينا علوم السابقين وطبق نظرياتهم,فكان جسراً علمياً بين مرحلتين فصلت بينهما قرون مظلمة.
دافنشي الفنان كان أصيلاً في فنه,ذو رؤية متفردة لم يسبقه لها أحد,فإذا كان في تاريخ العلم,لا يتصدر قائمة الشرف الأولي فهو في فن الرسم سيدها بلا منازع,مازالت ابتسامة الموناليزا لغزاً مستفزاً بعد 500والعشاء الأخير حافلاً بالأسرار والرموز,أما الرجل الفيتروفي مزيج من العلم والفن جمع بينهما دافنشي علي مر حياته,فرويد كان دقيقاً عندما أوجز قيمته بقوله"رجل استيقظ في الظلام الدامس بينما الجميع ما يزال يغط في نومه".
في أيامنا هذه رجل به قبس من روح دافنشي الوثابة الجريئة إيلون ماسك صاحب شركة space xوالمسئولة عن توسيع الأفق الإنساني أمام الكون الواسع بالرحلات الفضائية الغامرة والاختراعات المبتكرة,وبناء زاوية متسامية للرؤية البشرية,تسعي للخير والمعرفة وتستكمل مسيرة علمية طويلة,مع كل مكوك يطلقه أو سيارة تنطق محركاتها:
أيها البشر الفانون!افتحوا أعينكم!
إذا عرفت ماذا تريد عرفت ماذا تفعل,ونحن في منطقة لا تعرف ألف باء عن أي شئ في الحياة,عيشها خليط من الأوهام والأكاذيب والادعاء والزيف,تلك الحقيقة للأسف,وأنا أعزي كافة أزمات المجتمع العربي لأصل واحد:غياب تام للتعليم واستبداله بمؤسسات لصناعة الجهل والتشوهات النفسية,والمفارقة أن العاملين فيها أنفسهم لم يتعلموا شيئاً وهم الآن يخوضون مهمتهم الملعونة في إعادة تدوير الجهل والتخلف,وقد نادي أحد العقلاء منذ سنوات بإغلاق الجامعات سنيتين ليتعلم العاملين فيها أولاًّ!!ولم ينصت أحد وستظل الآلة الجهنمية تعمل- هي الوحيدة التي تعمل في هذه البلاد!!!-لإغراق المجتمع المصري والعربي بأعداد هائلة من الجهلة الحائزين علي عدة شهادات لا تساوي قيمة الإطار المعلقة فيه.
إنها مصيبة بل مأساة متكاملة...وهي الأصل لكل البلاوي.
وبما أن الأساتذة اختفوا ولم يبق سوي البلهاء في كل واد يهيمون يتبعهم القطعان لحتفهم,تتلألأ درر التراث العربي القديم تلمع,تخطف الأبصار ببهائها وقدرتها علي المشاركة في الحل,والاشتباك مع الواقع.
وها هو ابن خلدون يجلس متربعاً في فردوس التراث العربي,اصحبني لنسمع منه,ويسمع منا.
-"اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيداً إذا كان علي التدريج شيئاً فشيئاً,وقليلاً قليلاً,يلقي عليه أولاً مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب,يقرب له من شرحها علي سبيل الإجمال,ويراعي في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه حتي ينتهي إلي آخر الفن,وعند ذلك يحصل له ملكة ذلك العلم,إلا أنها جزئية وضعيفة,وغايتها أنها هيأته لفهم الفن وتحصيل مسائله.ثم يرجع به إلي الفن ثانية فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبة إلي أعلي منها,ويستوفي الشرح والبيان,ويخرج عن الإجمال,ويذكر له هنالك من الخلا ووجهه إلي أن ينتهي إلي آخر الفن فتجود ملكته,ثم يرجع به-وقد شدا-فلا يترك عويصاً ولا مبهماً ولا مغلقاً إلا وضحه وفتح له مقفله فيخلص من الفن وقد استولي علي ملكته.وهذا وجه التعليم المفيد,وهو كما رأيت يحصل ثلاث تكرارات,وقد يحصل للبعض في أقل من ذلك بحسب ما يخلق له ويتيسر عليه".
-سيدي ابن خلدون,إن الكارثة ليست في غياب التعليم فقط,بل أن المدارس المنوط بها هذا الواجب المقدس والمعلم الذي كاد "أن يكون رسولاً" كما قال أمير الشعراء,يقومون  بفعل إجرامي لن تصدقه,إنهم يقتلونهم,لا مجازاً لأنهم مسئوليين عن قتل عقولهم ومواهبهم وطموحهم في الحياة,بل حقيقة يا سيدي يضربونهم حتي الموت ولم تعد تخلو الأخبار من حوادث مرعبة من عينة مدرس يفقأ عين تلميذ أو يضربه حتي يلفظ أنفاسه أو يمنعه من الذهاب للحمام حتي يتبول علي نفسه وسط أقرانه أو مدرس في الجامعة التي لم تجمع سوي الهراء كله في مكان واحد يتشاجر مع أحد الشباب أو يطلب منهم خلع سراويلهم...وغير ذلك مما لا يحكي!
-"إرهاف الحد من التعليم مضر بالمتعلم سيما في أصاغر الولد لأنه سوء الملكة.ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر,وضيق علي النفس في انبساطها,وذهب بنشاطها,ودعاه إلي الكسل,وحمل علي الكذب والخبث,وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه,وعلمه المكر والخديعة لذلك,وصارت له هذه عادة وخلقاً وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن,وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله,وصار عيالاً له علي غيره ذلك,بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل,فانقبضت عن غايتها ومدي إنسانيتها فارتكس وعاد في أسفل السافلين.
وهكذ وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف,واعتبره في كل من يملك أمره عليه ولا تكون الملكة الكافلة له رفيقة به,وتجد ذلك فيهم استقراء.وانظره في اليهود وما حصل بذلك فيهم من خلق السوء,حتي أنه يوصفون في كل أفق وعصر بالحرج,ومعناه والاصطلاح المشهور التخابث والكيد".
سمعه أبو عبد الله ابن خلصون فنادي بالزجر كأداة رادعة لسوء الخلق...طبعاً مع الأخذ في الاعتبار أن حديثه عن الوضع الطبيعي,لا الشذوذ الغارقين فيه:
-"ولا ينبغي أن يحمل الطفل في الزجر والتأديب قبل سبع سنين,فإذا أكملها فلا بأس بأن يدخل المسجد,ويوصي مؤدبه أن لا يعنف عليه,فإن ذلك يكسر نشاطه ويمنع من حسن نشره حتي يبلغ عشر سنين,فلا بأس بالزجر المعتدل في التأديب والتعليم,وليكن هذا إلي كمال أربع عشرة سنة"
أما عن عظمة الإنترنت وقدرته علي تعويض غياب التعليم فأبو إسحاق الشاطبي له أري قديم في التعلم عن بعد وعن طريق الأجهزة الحديثة ومصادره المتعددة:
-"من أنفع طرق العلم الموصلة إلي غاية التحقق به,أخذه عن أهله من المتحققين به علي الكمال والتمام,وذلك أن الله خلق الإنسان لا يعلم شيئاً,ثم علمه وبصره وهداه طرق مصلحته في الحياة الدنيا,غير أن ما علمه من ذلك علي ضربين:
ضرب منها ضروري داخل عليه من غير علم,من أين ولا كيف,بل هو مغروز فيه من أصل الخلقة كالتقامه الثدي ومصه له عند خروجه من البطن إلي الدنيا-هذا من المحسوسات-وكعلمه بوجوده,وأن النقيضين لا يجتمعان-من جملة المعقولات-وضرب منها بواسطة التعليم,شعر بذلك أم لا,كوجوه التصرفات الضرورية,نحو محاكاة الأصوات,والنطق بالكلمات,ومعرفة أسماء الأشياء في المحسوسات,وكالعلوم النظرية التي للعقل في تحصيلها مجال ونظر في المعقولات.
وكلامنا من ذلك فيما يفتقر إلي نظر وتبصر,فلابد من معلم فيها,وإن كان الناس قد اختلفوا:
هل يمكن حصول العلم دون معلم أم لا؟فالإمكان مُسلم,ولكن الواقع في مجاري العادات أن لابد من المعلم,وهو المتفق عليه في الجملة وإن اختلفوا في بعض التفاصيل...واتفاق الناس علي ذلك في الوقوع وجريان العادة به كاف في أنه لابد منه.
وقد قالوا:إن العلم كله في صدور الرجال ثم انتقل إلي الكتب,وصارت مفاتحه بأيدي الرجال.وهذا الكلام يقضي بأن لابد في تحصيله من الرجال,إذ ليس وراء هاتين المرتبتين مرمي عندهم."



الأربعاء، 3 يونيو 2020

ثلاثة وجوه تضحك


أصبح صوت باب المحل وهو يغلق إعلان عن حد فاصل بين حياتين,الأولي ممتلئة بالصخب والثرثرة والوساوس حول الوباء المستشري في الدنيا المعروف باسم كورونا,تحاك فيها القصص والنظريات حول الجاري في أنحاء الأرض والثانية هادئة صامتة يقضيها أحمد في منزله,ما زال يعيش مع أبيه وأمه وقد جاوز الثلاثين ولا عيب فيه يمنع من الزواج,المحيطون به يتعجبون من عزوفه عن الزواج,يستعجلون ليلة العرس والملابس الجديدة و"مبروك" والطعام في الفرح تعقبه ألوان من الحلوي والمشروبات,ثم انتظار الحمل ورؤية الأبناء,مما يعمق شعوره بالنفور من فكرة الزواج كلها,ألم يعد في القضية حب وتوافق وانسجام أين الثقة التي تجعله يأتمن امرأة علي نفسه وأن تأتمنه علي ذاتها, علي ما يذكر كان في الاقتران عواطف أسمي من فرش المنازل وتجهيزها.
في الأيام السابقة كان معظم وقته يتبعثر في المحل محتملاً جدال الزبائن وفصالهم,وغير مرة صبر علي صلفهم و قلة ذوقهم,في البداية كان يحزن علي حاله ومع الوقت تأقلم,وحينها عرف أنه هُزم وسيظل هكذا بين جدران الدكان يحلق علي المال كما كانت أمه تحلق علي الدجاج في العشة فوق سطح الدار,وكلما عاودته أحلامه القديمة في تغيير العالم والشرب حتي الموت من بحار العلم في الدول الأوروبية تعويضاً عن الجفاف القاحل في مجتمعه الذي أفسد حال بلاده وجعل حالها مائلاً,يسخر من نفسه ويصعب عليه ذاته,يتسرب تحت جلده الألم دون شفقة,يقبض علي قلبه لا يتركه قبل أن يبكي.
بين إغلاق المحلات وإعلان حظر التجول ثلاث ساعات,قبل المرواح يعرج علي كورنيش ترعة المحمودية,هناك تنقسم دمنهور إلي برين البر الرئيسي الذي يحيا فيه والبر الثاني الذي لم يزره في حياته سوي مرة أو مرتين,في تلك الساعة صعب العثور علي مقعد فارغ,الكل جاء لنفس هدفه,إطالة وقت مكوثه في الخارج قليلاً.
رصيف الكورنيش كله مزدحم,سار باتجاه كوبري إفلاقة حتي وجد دكة,فألقي عليها جسده بإنهاك,ينظر إلي زحام السيارات في الشارع,لم يشهد في حياته زحام في المدينة يفوق زحام هذه الساعة,علي مد البصر المرور متوقف,أخرج سيجارة وأشعلها متوجساً حذر أناس من التدخين لأنه يضعف مقاومة الرئة أمام غزو الفيروس,لكنه عاد وتذكر أن أناس آخرين مدحوا قدرتها علي تعزيز الدفاعات في مواجهته,وهو يخرج أول نفس ابتسم وكادت تفلت منه ضحكة عالية,لهذا الحد تبلبل كل ما يعرفه الإنسان واضطرب حاله,إذن كيف كان يتحدث عن الألفية الثالثة وماذا عن الذكاء الصناعي وإطالة الحياة وهندسة الجينات,كلها تهاوت أمام أصغر المخلوقات,بتر ضحكته شاعراً بالرثاء للجنس البشري كله ألسنة طويلة وأسلحة فتاكة في مواجهة بعضهم وعند الخطر الحقيقي لا حيلة لهم,ولم يجدوا سوي التباعد الاجتماعي ومنع المصافحة وأغراق الكفوف بالكحول!
علي مقربة سمع صياح ولدان وبنت,الولد الكبير أطلق طائرته الورقية فحلقت في السماء,بينما الأصغر طائرته معوجة عاجزة عن الطيران,البنت اقتربت من صاحب الطائرة العالية وبدأت تلعب معه,تمسك الخيط مرة وهو مرة,الصغير حائر,يرجع بظهره بسرعة عكس اتجاه الرياح لعل الطائرة ترتفع لكنه يصطدك بامرأة سمينة فيقع أرضاً والمرأة تصب عليه اللعنات,يتعثر في مشيه من ألم السقطة لكنه يحاول من جديد فيصطدم بأحمد ويقع عند قدميه,يساعده علي النهوض مبتسماً,يمد يده ويحمل الطائرة,يتأملها ويعود بذاكرته لزمن فات كان فيه مثل هذا الولد ليس له هم سوي طائرة ورقية في ذيلها خيط,فكر أن يسأل الولد هل يخاف من الكورونا أو سمع بها لكنه بدلاً من ذلك قال:
-لن يمكن لها أن تطير...الحل الوحيد أن تحل كلها ثم يعاد سبكها من جديد لتتوازن وسط الرياح القوية.
قفز الولد ناحيته وقف بجواره وقال في ضراعة وأمل:
-هل تستطيع إصلاحها؟
أحس نحو بشفقة عارمة,ربت علي رأسه وقال في حماس طفولي:
-لنحاول معاً.
حل الخيط واستبدل العيدان الخشبية بأخري وجدها في طائرة ملقاة بجوار المياه غارقة في الطين,وثب فوق السور وأحضرها,في ربع ساعة كانت جاهزة للإقلاع.
قام من مكانه ممسكاً بطرف الخيط,الطائرة تعلو نحو السماء وكلما علت دوت ضحكات الولد,فيحس أحمد بالامتنان وتعاوده الرغبة في تغيير العالم وهمس لنفسه"لابد أن يتغير" التفت للشرفة المواجهة للكورنيش تقف فيها فتاة بعيون عسلية كانت ترقب الموقف منذ بدايته,فوجدها مبتسمة في سعادة وهي تنظر للسماء,التقت نظراتهما فبادلها الابتسام الصافي,ثلاث وجوه تضحك علي الأرض وفي السماء يسمو ما كان يضطرب في السقوط,جرت البنت نحو الولد الصغير تبعها الولد الكبير وبدأوا يصخبون كلهم في وقت واحد.
شفق المغيب المنعكس علي السحب اليضاء وجمال الفتاة جعلاه يغمض عينيه لحظة ليثبت المشهد في ذاكرته,وعندما حل الليل,مضي في الظلام ترقبه عيون الفتاة حتي ابتلعته الشوارع المظلمة,دخلت ذات العيون العسلية من الشرفة وأغلقتها بإحكام.

الثلاثاء، 26 مايو 2020

قبل المغرب


قبل المغرب

م/1                                                                                   ن/خ
                                                      الشارع
-عصر يوم في فصل الربيع,سيارة نصف نقل متوقفة أمام عمارة قديمة في شارع شعبي متواضع المساكن,علي الرصيف امرأة تبيع الليمون,بجوارها أخري تفرش طشت ممتلئ بالجبن,من العمارة يهبط رجال يحملون كراتين معبأة بالكتب,كراس,منضدة صغيرة وجهاز كمبيوتر.
-بينما يرصون هذه الأشياء,تنعطف الكاميرا وتدور حول السيارة حتي تصل في لقطة متوسطة حتي تصل للسائق ورجل آخر بجواره,السائق يرتدي كمامة لكنها ليست علي فمه بل علي ذقنه,حتي يتمكن من تدخين سيجارة وصلت الآن لنصفها.
السائق:البت أسماء بتي مقهورة عالآخر عشان الأستاذ عمر هايقفل المكان,بتقولي يابابا ده كان أحلي حاجة في حياتي...بنت الإيه جات له عيلة كده وإنت عارف لا فيه مدارس بتعلم ولا فيه نيلة,خلاها بنت مفتحة عالآخر...وترسمني تقولش زي الجدع ده اللي اسمه بيكاسو(بحزن)خسارة حقيقي.
الرجل:وأكل عيشه هو كمان اتقطع,كان لينا فين الهم ده؟! هو إحنا كنا ناقصين بلاوي الكورونا دي كمان!
قطع
م/2                                                                                   ن/د
أمام باب الشقة
-الرجال وقد أفرغوا الشقة تماماً يهبط منه آخر اثنين وهما يحملان دكة كبيرة,تظهر خلفهما علي البسطة رحمة,فتاة في منتصف العشرينيات,رقيقة,شعرها الفاحم وعينيها السوداوين يوحيان بالألفة من أول نظرة,تتجه نحو الشقة في حزن,تدخل أمام الكاميرا وعندما تخرج من الكادر تظهر لافتة "بناء المستقبل"وتحته ثلاث كلمات"تعلم –فكر-ابدع".
م/3                                                                                   ن/د
داخل الشقة
عمر يقف ساكناً أمام نافذة مفتوحة,الكهرباء مفصولة,الزوايا مظلمة,الضوء يغمر البقعة التي يقف فيها,علي الأرض تناثرت أوراق ورسومات طفولية,وقطع كروشيه وطربوش قديم وعباءة علي مقاس طفل صغير كانا يستخدمان كأغراض تمثيلية.
-عمر يشعر بوجود رحمة دون أن ينصرف عن التحديق في الخارج.
عمر:طول حياتي يا رحمة كنت بابوظ بإيدي الحاجات الحلوة,أمشي كويس وعال العال وقبل ما آخد منها اللي أنا عايزه كانت تروح مني...بإيدي...حاجة غلط أعملها أو أقولها وفجأة ألاقي الحلم ضاع... بيتحول لكابوس ودموع...إلا المرة دي جات لوحدها,ومش عليا أنا بس عالدنيا كلها!
رحمة ( تحاول مداراة الحزن في صوتها مصطنعة الدعابة):أنا الحاجة الوحيدة اللي مش هاتقدر تضيعها منك,عارف ليه يا أستاذ لأني هافضل مكلبشة فيك بإيدي وسناني لحد ما نتجوز.
تتقدم نحوه وتضع يدها علي ظهره بحنان
رحمة:وبعد ما نتجوز إنت اللي هاتمسك فيا بإيدك وسنانك.
يلتفت عمر فنراه شاب في أوائل الثلاثينيات ما يميزه أنه لا يوجد به شئ مميز علي الإطلاق,عادي إلي درجة غريبة,عيناه متلألئة بالدموع
رحمة(بجدية وقد بدا صوتها مرتعشاً من الحزن):مش دايماً كنت بتقول إن اليأس خيانة للمستقبل,ما أحبش أشوفك كده تحت أي ظرف كان,أزمة وهاتعدي زي ما مليون أزمة قبليها وعدت
تأخذ يده بين كفيها
رحمة:مين عارف؟زي ما يقولوا لعلها رحمة.
-ينظر لها وليده بين كفيها وفي عينيها شئ فهمته,تترك يده وتدس يدها في شنطتها.
رحمة:معايا كحول.
يبتسمان
-يخرجان من الشقة,يتردد عمر لحظة أمام اللافتة,ثم يخلعها ويحملها تحت ذراعه
م/4                                                                                   ن/خ
الشارع
السيارة رحلت,يخرجان من العمارة والحسرة علي وجهيهما.
طفلة باكية ترقبهما وهما يرحلان.
م/5                                                                                ن/خ
أمام إحدي المحال
باب المحل يرتطم بالأرض بقوة,رجل ينحني ويغلق القفل.
يظهر طفل بدين يلهث من الجري حاملاً كيس.
الطفل:والنبي يا عمو عايز بكرة خيط.
الرجل:ما جيتش من بدري ليه الساعة جات خمسة خلاص بكرة ابقي حود خدها
الطفل:لسه جاي من الشغل والله ما بنطلعش قبل كده
الرجل:قبل ما تروح الشغل
الطفل:أنا باروح من الفجر
الرجل يلتفت له لأول مرة
الرجل:بتشتغل فين؟
الطفل:في فرن
-يفتح الكيس فنري ملابس متسخة بالعرق والدقيق.
-يتعاطف معه الرجل
الرجل( مبتسماً):هاتطير طيارة بيه ولا إيه؟
الطفل:شوية كده قبل المغرب
يفتح الرجل المحل ويخرج حاملاً بكرة خيط,يعطيها للطفل
الطفل:بكام
الرجل:خلاص يا ابني مش مهم كل سنة وانت طيب
قطع
م/6                                                                          ن/خ
صنينة دوران صغيرة
عمر ورحمة يجلسان علي مقعد خشبي في صمت وبجوارهما اللافتة,يرقبان زحام وهرجلة قبل الحظر.
الطفل في المشهد السابق يربط الخيط في الطائرة ,يحاول أن يرتفع بها فلا يقدر, ترتعش في الهوا ثم تسقط,ينظر للأطفال الآخرين الذين تعلو طائراتهم في غيظ,يحاول أكثر من مرة.
يجري بظهره حتي يتعثر في رحمة,تئن من الخبطة ويقع علي الأرض,وينهضانه سوياً.
يلتقط عمر الطائرة من الأرض
عمر:أنا شايفك من ساعتها,طيارتك عمرها ما هاتطير,مش موزونة عشان تقاوم الهوا,لازم تتفك وتتعمل جديد...أعملها لك؟
يومئ الطفل موافقاً
يبدأ عمر في عمل الطائرة من جديد
عمر:الواد ده بيرجعني بتاع عشرين سنة ورا
رحمة:تعرف إني ولا مرة طيرت طيارة.
عمر:خمس دقايق بالظبط وهاتبقي الكابتن رحمة اللي هاتلف العالم
تنظر له بحب وقد انهمك في عمل الطائرة.
بعد دقائق.
الشمس أصبحت متوارية تماماً وآخر خيط ضوء بدأ يرحل الآن
عمر يقف ويعلو بالطائرة,يسلم الخيط لرحمة التي تمسكه فرحة ويبدوان سعيدان لأول مرة من بداية اليوم,الطفل بجوارهما يقفز من السعادة,تبتعد رحمة عنه في مرح مشيرة إلي خوفها أن يصطدم بها ثانية.
عمر ورحمة يسيران في سكون ثم يغيبان عند أول منعطف
الطفل يدور حول الصينية ركضاً بالطائرة,الآن هي عالية وقوية يمكنها مقاومة الرياح ومنافسة طائرات الأولاد الآخرين.
-النهاية-




الجمعة، 8 مايو 2020

رسائل"مستقبل الثقافة في مصر"1


سيدي العميد...
إني متعب وحق الله,متعب من الجهل والتخلف والانهيار المدوي لكل ما حولي-ولا أبرئ نفسي-الذين ارتحلوا من بلاد الناس ليحلوا بأرض مصر المباركة,وقد فارقها أمثالك من النوابغ النبهاء,سيدي عميد الأدب العربي,اعذرني علي قولي...لكني أعيش في زمن أصبح اسم سيادتكم فيه مثار سخرية واسهزاء البلهاء والحمقي ممن تسلقوا سلم مقلب الزبالة ذاك المسمي زوراً"تعليم",سيدي العميد لطفاً لا تغضب مني فأنا من مريديك القدامي منذ عشت أيامك بحجرة بيتنا القديم أيام الصفاء وراحة البال والأمل الطليق في غد أجمل أعيشه,قفلت شرفتي الصغيرة بالألموتال وحولتها لمكتبة,أول مقتنياتي كانت أيامك تطل منها أوراق حياتك حية نابضة بالشقاء والأمل,توزعني خلالها مشاعر الإعجاب بك والرحمة لآلامك,إني بكيت عليك يا سيدي وعلي شقاؤك في العمي والفقر وتنكر الأيام,وأعجبت بصلابتك وحبك في العلم وجرأتك علي المعرفة.
ما زال هناك من يعرفون قدرك وقيمتك رغم عواصف الهجوم العاتية,التي أظنها لم تنل من مثقف في القرن الماضي أكثر مما نالت من قامتك السامقة,المحلقة فوق هامات الصغار,وأنا يا سيدي صغير أحيا في زمن الصغار قبل سنوات كانوا ميديوكر الآن تقزموا حتي أصبحوا كالفيروسات,الكبار العارفين بقدرك ممكن أحكي لك عنهم يوسف زيدان أحد معجبينك الخلصاء والسائرين علي دربك الممتد نحو صهد المعرفة وحرارة الاكتشاف,أنت لا تعرفه ولا تعرفني,لكننا نعرفك جيداً,فأنت من الصنف الذي يعرفه الناس وما عليه إن جهلهم,يُذكر بك في يومك الأربعائي الذي اختاره للأحاديث والكتابة تيمناً,فأعادني لسيل ذكريات معك.
اسمح لي بالحديث قليلاً لعلي أفضي لك بأشياء ترضيك مع إني لي داء عجيب,إن كل ما أصنعه حسناً لا بد أن أفسده في النهاية!
أعرفك...أعرفك صبياً في مغاغة تقطن الصعيد,لك في دارك أقاصيص وفي القرية حكايات.
أعرفك ضائقاً بمناهج الأزهر وتخلفه عن الحضارة,كما أضيق بالنظام اللاتعليمي المتخلف الذي أنتج لنا عاهات خطيرة يا سيدي نخرت في بلاد النيل وجعلتها عمياء صماء شوهاء عرجاء,بل ضيقي أضعاف مضاعفة,فإن كان الجهل سببه غياب المعرفة,فزمني هو عصر المعرفة بضغطة زر واحدة...لا في الماضي كان ضغطة الآن يكفي لمسة علي شاشات يصنعها الأوروبيون والأمريكيون -ممن أردتنا أن نحذو حذوهم فاتهموك يا سيدي!-لترتحل إلي آفاق حتي أنت كنت تجهلها-سامحني-ولا تعرف بوجودها,زمن التكنولوجيا التي نستهلكها وحسب وليتنا نستهلكها فيما ينفع بل في الهراء والتفاهات.
أعرفك في فرنسا غريباً ببلاد الغال,تسعي للعلم الذي لا ساحل له وقد كانت بلادك أصله ومنبعه,وجدته وتعلمته وفرحت به,وعدت لمصر تنشره وتذيعه,فما كان جزاؤك إلا النيابة والاتهام والتشنيع.
أعرفك عند رجوعك شخص من الناس تضطرب أمور حياته كأترابه من الرجال,زواج وعمل وميلاد طفل,ثم الرفعة والاتصال بأهل الحكم.
منك عرفت ابن خلدون لأول مرة من هو وماذا قال وماهية مقالته,ما غفل عنه بالخطأ أو تغافل عنه بالقصد,ومع المتنبي في خطوب حياته صحبتني أنا أعمي وأنت عصاي ومتكأي,بلغتك البليغة وآيات عباراتك الأنيقة,صحت كما صاح نزار قباني:
ارم نظارتيك ما أنت أعمي
إنما نحن جوقة العميان
وفي حديث الأربعاء حدثتني بحديث حلو ومبتكر ليس عن فلان وعلان إنما حديث قلبك الكبير وعقلك الجواب,تقلب في أخبار القدماء وتصوغها من جديد,تشككك فيها وتنقدها لا تسير مع القطيع أينما سارت بهم عصا التراث ونعيق الناعقين,بل تختط لذاتك طريقاً متفرداً,لا أكتمك سراً أن معرفتي بك قطعت صلتي بكتب العقاد وجعلت إعجابي القديم به يتهاوي بمعاولك,وكرهت تلك المدرسة السلفية في التفكير حتي ولو بدت تقدمية وهي ترزح في أغلال هي نفسها لا تعرف من صنعها في البدء,لكن الشئ بالشئ يذكر لم أعجب بتلخيصك للأقاصيص والمسرحيات اليونانية والفرنسية,فمتي كانت الصورة تغني عن الأصل.
واصطحبتي معك يا سيدي وعرفتني علي قادة الفكر منذ سقراط,تلقيت كلماتك بروح ساخنة لما كنت في مقتبل الشباب,وها أنذا أخطو نحو الثلاثين ومازالت كلماتك تحيي في حماسة الصبا القديم,وفي الشعر الجاهلي كان الزلزال وقد فرقت بين المرويات الدينية وعلم التاريخ كما يجب أن يكون,حررت الذهن من البلادة والجمود والتصورات الجاهزة,فأصبح كل شئ عرضة للنقد والاستفهام,كأنك عازم أن تهدم السجون الفكرية التي عشنا فيها وتخلصنا عن طريق غير مباشر بتلك التهمة التي لحقت بالتاريخ المصري,علي جثث ملوكنا القدامي الذين يسمونهم"فراعنة"علي اسم فرعون موسي الذي اختزلوا فيه حضارة مصر العظيمة ورقة حكمتها وطيبة فلسفتها,ثم جاء مريد آخر يا سيدي أنت تعرفه,اسمه خيري شلبي الذي حول أيامك لمسلسل إذاعي بعدما خدعك خدعة بيضاء لا جناح عليها وأسمعك الحوار بنطقه الفصيح مع أنه قد ينطق أيضاً بالعامية,فوجد هو الآخر صوته الخاص علي حسك,مما أشعر أبيه بالفخر بعدما كان حانقاً عليه مقللاً من شأنه,فانظر أي فخر أن يقترن باسمك إنسان,ابن شلبي هذا كما يسمي نفسه حيناً وحيناً باسم الطرشجي الحلوجي,اكتشف نص محاكمتك واجداً فيها درساً عظيما,سيدي ليس فيها أي دروس!بعد دروسك انحدر بنا الحال لنجد في براءتك درساً ونسينا منهجك الديكارتي الفعال.
أستحيي أن أحدثك عن ديكارت!فماذا أعرف أنا عن ديكارت أو عن أي شئ في العال,فكما استشففت يا سيدي إني رجل جاهل لا يفقه شيئاً علي الإطلاق,ولكني أستميحك أت تدعني أسلي نفسي عن همومي وأوهامي,وفساد العالم من حولي وخبث البشر في حياتي,ديكارت الرجل الذي فكر لنفسه بنفسه,في البدء كان ديكارت صوفياً أراد التجرد من كل العلائق المادية ليصل إلي الحقيقة عن طريق الشك,مطلقاً صيحته العابرة للزمن"أنا أفكر إذن أنا موجود"معتبراً أن تلك الخطوة هي الطريق الوحيد لمن يريد الإضافة للعلم وليس الأخذ منه فحسب,ومن فلسفته الديكارتية ومنهجه الرياضي أسس بنيان فلسفي مؤثر بغض النظر عما أخطأ فيه وأصاب,فمن من بني آدم لا يخطئ ويزل,كأرسطو المعلم لأول الذي أعرض عنه الناس بفعل ديكارت وأمثاله عندما كشفوا لهم تهافت بعض آراؤه وسذاجتها في كثير من المواضع,قضي ديكارت أعوام وأعوام يفكر ويحلم ويتدبر في مادته الفلسفية قبل أن يشرع في كتابة تأملاته بغرفته الدافئة بهولندا,ثم يموت في خدمة القصر عام 1650قائلاً"تلك نفسي وينبغي عليها أن تغادرني الآن"ويقولون مات بالالتهاب الرئوي ويقولون مات مسموماً,وبعد ثلاثة عشر سنة من وفاته تدين الكنيسة الرومانية أعماله وتعتبرها ضمن الكتب الممنوع حيازتها,لماذا يا سيدي تمنع أعمال ديكارت عن الناس؟ألأنها تشككهم في الموروث والمقدس أم لأنه ناهض أرسطو وكان حبيب الكنيسة واحتكم للعقل دون شفيع؟أليس ذات الشئ حدث معك في الشعر الجاهلي,عندما وضعت العقل فوق النقل وانحزت لما وقر في نفسك من حقيقة ذلك الشعر وخصاله وتطوره وظهور التكلف فيه ليبدو بدوياً خشناً,إذن...فلا امرؤ القيس ولا عنترة ولا عمرو بن كلثوم!أقول هذا الكلام وأنا حزين فهؤلاء شكلوا جزء من وجداني يصعب بتره,لكن عزائي ما قال أرسطو بأنه يحب أفلاطون لكن الحقيقة أعز عليه من أفلاطون,وهذا لا يعني أني أسلم لك فما هذا علمتنا,بل علمتنا التحصن بالمنطق ضد الدوجماطيقية,لكن منهجك يفضي لنتائج منطقية صعب نقضها,إذن فهي صحيحة إلي حين,كالبراديجم في العلوم التطبيقية,ألم يكن نيوتن فسر الكون علي هواه واطمأن له الناس ثم بزغ شروق آينشتاين ونسبيته فتبددت الراحة ووهم الحقيقة وتجلت النسبية في سماء العقل البشري وجعلته يسبح في الفضاء.
تهدي كتابك"مع أبي العلاء في سجنه"لهؤلاء الذين لا يعملون ويؤذي نفوسهم أن يعمل الناس",وهل في الحياة المصرية أكثر من هؤلاء,إذا وجدوا شخصاً يكدح ويعمل ليصل لهدفه بالطريق المستقيم المرسوم بخط العمل والمرصوف بأسفلت العرق,لا يسلم منهم,يذيقونه اللوم والتقريع وإن استفادوا منه ينقلبون عليه ولا يشكرون,يصيح"الطريق من هاهنا أيها الحمقي البائسين,لا سبيل إلاه حتي نصل إلي ما وصل له غيرنا نحن لسنا أقل منهم",فماذا يفعلون به يا سيدي يحقرونه ويزدرونه ويقللون من شأنه,وبالطرق الملتوية يسبقون,ثم يلقون عليه وهو في المرتبة الأدني منهم الآن قاذورات ألسنتهم ونتانة ضمائرهم ثم يتيهون في الأرض مرحاً,كأننا ملكنا العالم ولم يعد لنا سوي أن نتيه علي بعضنا,ألم لأننا لضعفنا وقلة حيلتنا بين الأمم أصبح العراك العقيم والتباهي الفارغ هو كل ما يغطي عرينا أمام بعضنا البعض,أنا لا أدري يا سيدي فكما قلت لك أنا رجل جاهل ولكني أسمح لي أن أحكي لك فصلاً في حياتنا الفكرية المعاصرة لم تشهده أنت حدث بعد وفاتك بحولي عشرين عاماً,وعن مثقف مصري كان مثلك من طبقة توصف بأنها متواضعة لا أدري لماذا,مع أنها أخرجت للبيئة المصرية للآلئها المفتخرة,اتخذ العلم طريقاً للحياة,عاش ليتعلم ويعلم في مجتمع جرف من كل المعاني واحتله مجموعة من الفارغين وقفوا للفاضية والملآنة كما يقولون في المثل الشعبي,كان صادقاً وشجاعاً يا سيدي واسمه نصر حامد أبو زيد....لا أعرف كيف قفز لذهني الآن...علي ما يبدو الجراح تذكر بالجراح!
ذلك الفصل يتصل إتصالاً وثيقاً بدعوتك القديمة المتجددة لبحث مستقبل الثقافة في مصر,لم لو تهزم لما كانت هذه البلاد شهدت مآس عديدة وذبح لأكبر العقول المفكرة فيها لحساب نفس الاتجاه الذي هاجمك وقل من أطروحتك,دعني أقول ما في نفسي متشجعاً بحديثي معك ومستظلاً بواحتك من الحرية وتلك النار التي كانت جذوتها مستعرة فيك وتدفعك دفعاً قوياً للبحث والدرس...إني أشعر بالخيانة!كيف كان عندك حلاً نافعاً لإصلاح التعليم ليجنب البلاد من الانحدار ولم ينفذ أحد ما جاء به...خونة في البلاد!أين هم ليدفعوا فاتورة باهظة لفساد الشعب وضياع الشخصية الوطنية وانهيار القيم وموت التعليم الذي أردت أحيائه من قبل,وسعيت لرتق خروقه,التعليم الذي كنت ساخطاً عليه هو الآن منتهي أمنياتنا وغاية آمالنا يمثل لنا البقعة المضيئة في تاريخنا الحديث,استمع يا سيدي لشهادة أحد العاملين فيما يسمي زوراً الجامعة ولا يمكنني وصفهم بغير العاملين فهم لا يقربون للتعليم بصلة ولو أنصفوا لاستمعوا لكلام يوسف زيدان عندما اقترح أن تغلق الجامعات ويتعلمون هم أولاً ثم لهم أن يدعوا بعد ذلك ما شاءوا, وذلك أخف وقعاً مما يصفهم به وجدي الفيشاوي أحد العاملين في جامعة الأزهر في رواية "الجامعة والصعود إلي الهاوية" -والعنوان مقتبس من إحدي قصص الجاسوسية والخيانة!- وكلامه ينطبق علي كل الجامعات في مصر" يخيل إليه أن الجامعة ما عاد جامعة إنما يركز نظراته علي آذانهم لقد امتلأت الجامعة بأصحاب الآذان الطويلة...ماذا حدث للجامعة!الصورة سوداء كئيبة...أين جيل الأساتذة العمالقة...ماتوا...لم يعد للعمالقة مكان بين هذا القطيع الهائل من لئام الأقزام وأصحاب الآذان الطويلة".
ما نجحنا فيه بعد ثمانين عاماً من دعوتك أن أصبح التعليم وسيلة لأحقر الادعاءات الإجتماعية والطبقية ألقاب وشهادات بالكوم كل عام هل كنت تحلم يوماً أن يصير عدد الخريجين يزيد الأربعمائة ألف في عام واحد وعدد الحاصلين علي درجات علمية دبلوم وماجستير ودكتوراة-يا حلاوة علي الأوهام اللذيذة-108ألف في عام واحد,لو أن واحد بالمائة فقط من هؤلاء جميعهم متهم بشبه التعليم أو التنوير لكنا اليوم في الصفوف الأولي للدول المتقدمة,لكنها تجارة سواء كانت جامعات حكومة وخاصة وللأسف كان مساري في الخاصة وأنا برئ منها وهي بريئة مني,فلطالما أهنت وأطلق عليّ وصف الحمار,لأني بحثت فيها عما أردت فلم أجد,فجنوا مني وأساءوا لي علي الدوام لأن مجرد بحثي وعدم استقراري أزعجهم,يريدون الدعة وتبادل الأوهام في سلام,تجارة كتلك التي كان يقوم بها الخديوي حين ينعم بالرتب والألقاب,ومازال معروف الرصافي صوته يدوي مع كل دفعة من الخريجين:
وأي نفع لمن يأتي مدارسكم
إن كان يخرج منها كما دخلا
أنت سعيت في الخير وأردت الإصلاح لكنك قوبلت بشتي الإتهامات والإفتراءات,لا تحزن يا سيدي فإن منا من يحبك ويحب من يحبك,فمثلك هم قارب النجاة الوحيد في عالم يتغير الآن كما كان يتغير يوم كتبت كتابك عن مستقبل الثقافة,هوجمت لأنك أردت أن نكون محترمين في بلادنا لنصبح محترمين أمام العالم,فمجتمع بلا تعليم مجتمع بلا كرامة,عقلنا اليوم في أفضل حالته وأسعدها تكراري لا يستطيع غير الاستعادة والاقتباس والتقليد أما الأفكار الأصيلة والمشاريع الحقيقية فلا مكان لها بعدا احتله التافهين من كل مشرب التافهين من المتحدثين باسم الدين,والمشهورين باسم الفن والصائحين باسم الغناء,والفن مع العلم هما الراية الأولي لأي مجتمع حديث,ولو استمعت لآراء المنتسبين لهذين المعنيين في مصر لسمعت غثاء القول وأجهله,هؤلاء لغوشوا علي مشروع نهضتك التعليمية لتجنبني أنا وجيلي والأجيال التي سبقت ما لحق بنا من تشويه في تلك التجربة الإجرامية التي تمارس في البلاد,متروكين تحت رحمة ذوي الآذان الطويلة الذين شكلوا هم أيضاً بنفس الطريقة ليعيدوا إنتاج التخلف في دائرة مفرغة,أردت كسرها لكنهم مسكوا لك الطبلة والطار والدف والمزمار وعلي طريقة الأساليب المنحطة عزفوا كشرشوحات الحواري"التغريب-الهجوم علي الإسلام-الانسلاخ من الهوية-الهجوم علي الأزهر-"وكل هذا الهراء الذي لا يجيدون غيره وأحقر منه.
دونت كتابك يا سيدي عقب معاهدة 1936,التي أنهت بشكل رسمي 54عاماً من الاحتلال البريطاني واعترفت لمصر باستقلالها,لكن ويا ويلي من لكن كل ما يجئ بعدها يجب ما قبلها,كان استقلالاً منقوصاً وسيادة مقيدة حيث اشترطت بريطانيا شروطاً مجحفة,فرفض الشعب المعاهدة واحتفل يوم ألغاها النحاس عام 1951قائلاً "من أجل مصر قدمت معاهدة 1936ومن أجل مصر أطالبكم اليوم بإلغائها"وتلك العبارة كاشفة عن كمية الجدل والاعتراضات التي صاحبت تلك المعاهدة,لكنها بلا شك كانت نقطة حاسمة في تاريخ مصر التي انفصلت عن التاج البريطاني,وأصبحت تسعي لتكتشف ذاتها من جديد,شمرت عن ساعد الجد وبدأت العمل لبناء مستقبل الثقافة في مصر,وصدرت كتابك بقول رفيقك في ظلام البصر ونور العقل أبو العلاء المعري:
خذي رأيي وحسبك ذاك مني
علي ما فيه من عوج وأمت
وماذا يبتغي الجلساء عندي
أرادوا منطقي وأردت صمتي
ويوجد بيننا أم قصي
أقاموا سمتهم وأممت سمتي
استمع لندائي من أسفل سافلين فأنا ليس دراية بالنقد ولا عندي خلفية أدبية تؤهلني للحكم ,لكني أفكر وأنت تحب المتفكرين وأدرس معك وعلي يديك كما كنت أفعل عندما كان يطرح يوسف زيدان أسئلته الأسبوعية,كان توقفها أكبر خسارة منيت بها في حياتي العقلية,وأنا رجل يعمل بالتجارة وذقت كثيراً مرارة الخسارة,بعدما حصلت علي شهادة في الإعلام وفنون الإتصال-شهادة زور لا أعترف بها ولا بسواها ككل الشهادات في هذا المجتمع-يمكنك القول أني اشتريتها من سوق الاستثمار في مستقبل الأمة وطموحات الشباب في مكان لا يهتم سوي بالمال,ادفع ادفع ولن تحصل علي شئ علي الإطلاق,وفيما يسمي الجامعات الحكومية لن تحصل علي شئ أيضاً لكنك معفي من الدفع,أقول لك ذلك لتحتمل آرائي السخيفة فأنا أدري الناس بها...وانتظر مني كل أسبوع خطاب جديد حتي ننهي درسنا حول مستقبل الثقافة في مصر.