الجمعة، 18 سبتمبر 2020

أقمار وحمير

 

أقمار وحمير

التحم العقرب الكبير بالأصغر وتمت الساعة العاشرة,الشمس محجوبة بخيوط السحاب الأبيض,فجاء نورها مخنوقاً,مذابة حرارته في برد ديسمبر,انحني عم مكرم بنشاط رغم سنواته السبعون وفتح قفل الورشة,شم رائحة الخشب المحببة إليه,نطق اسم الله الرحمن الرحيم ودلف للداخل,من الراديو ينبعث صوت مصطفي إسماعيل يملأ جنبات المكان,مازجاً الإحساس بالآيات مع الفن التطريبي لمدرسة التلاوة المصرية,سحب كرسياً للخارج وجلس فوق الرصيف.

في هذه الورشة أولي ذكرياته عندما ورد علي الحاج حمدي صبياً صغيراً وكان حمدي في مقتبل عمره,امتلأت رئتيه لأول مرة برائحة أصبحت معاشه وكيانه,كانت الورشة يتيمة وقتها,الآن أصبحت ثلاثة ومعها معرضين للأثاث,ومع ذلك ظلت تلك الدكان الأولي هي الأصل,حفظها ابنه كريم وجعلها مقراً للإدارة بعد وفاة والده.

علي الواجهة علقت صورة الحاج حمدي في آخر سني حياته,بالجلباب والطاقية الفلاحي التي لم يخلعها عنه حتي بعد استقراره بمدينة دمنهور,لم يرتح للقميص والبنطلون,يشعرانه بأنه عار والناس تنظر لعورته لم يطقهما ساعة هرع للمنزل جرياً وغير ثيابه الجديدة,بالثوب الذي ورثه عن أبيه وجده بكوم جعيف بإيتاي البارود.

فوجئ بكريم يقف أمامه دون أن ينتبه,بوغت واضطرب من المفاجئة,ابتسم كريم في مودة وربت علي كتفه:

- ماذا أخبرك الطبيب بالأمس عن عينيك ياعم مكرم؟

أشار له مكرم أن يرفع صوته,أحني رأسه ناحية أذنه وزعق:

- ما حال عينيك يا رجل؟إنك لم ترني وأنا قادم نحوك!

-الحمد لله علي كل حال مضي زمان البصر,وها أنا ذا أعيش أيامي المتبقية بنور البصيرة.

-لا تقل ذلك أنك الباقي من زمن الأحباب.

-إذن فالأولي بي اللحاق بهم بعد فوات زمني.

يحسب كريم ضمن كبار تجار المدينة,بالرغم من سنه الذي لم يتجاوز الثلاثين,ظن المنافسين بعد وفاة أبيه أن ورشة حمدي بخيت للأخشاب حان أوان زوالها,موسعة لهم طريق التجارة بمحافظة البحيرة,كالوتد ثبت كريم كل شئ واستمر العمل كأيام الحاج وأكثر قليلاً,تقرب من عماله فأحبوه وأهدوه قوة سواعدهم ونشاط أبدانهم عن طيب خاطر,واستعان بخياله الخصب وإتقانه الحفر علي الخشب ليبدع زخرفيات فنية استمدها من الموروث القديم وحلاها بالتكنولوجيا المتطورة,ناعياً غياب التعليم ولاعناً ما يسمي مدارس وجامعات العاجزة عن الفن والعلم,فتنقص فرحته أن يكون كل العمل مصرياً وتسبب له حسرة عندما ينظر حوله فيجد فساد العقول وانهيار النفوس,نفس ما عاني منه شاباً وعاني قبله سيعاني اللاحقين حتي تأذن قوانين التطور بظهور جيل جديد قادر علي العمل والعطاء.

أراح رأسه علي ظهر المقعد وأغلق جفنيه علي صورة هند,مستدفئاً من برد الصباح بذكري أحضان الأمس الحارة,هند...حبيبته وصديقته وزوجته.

ارتج قلبه عندما صادفها بصحبة أمها في منزلهم,جاءت بها معها وفي طويتها أن يراها لعل الله يكتب لها حظاً من الدنيا في بيت بخيت,بيت العز والخير الوفير,ملتصقة بها في خجل علي كنبة الصالون, وجهها مكسو بمسحة براءة تدنيها من الملائكة كما يتخيلهم,في عينيها دهشة تصارع الخضوع,التي فرضته أمها عليها بالقسوة حتي لا تسمح بفرجة في شخصيتها ينفذ منها شاب عابث لغرض خبيث,والبنت حديث المنطقة بجمالها وجسدها المخروط الموهوبين لها بسخاء.

في الحال وقع في قلبه ما كتب علي بني آدم من الرحمة والمودة,جذبه جمالها الوضاح بالوجه البدري المنير,ضوء يشع في عتمة قلبه,رأته وكوب العصير يمس شفتيها الرقيقتين بلون الورد الأحمر,غلبها الحياء ورفعته عن فمها ناظرة له بعيون سوداء طويلة الأهداب,تمكنت دون تخطيط من دك شغاف قلبه واختراق المهجة,حولت بصرها عنه مسرعة,قامت أمها مرحبة به,سلم عليها ومد يده نحو هند فقبض علي أنامل هشة,سحبت يدها وخفضت بصرها للأرض,وقتها كانت في تتخطي عتبة الحادية والعشرين من عمرها وهو في منتصف العشرينيات,بداية إحساسه بدوران الزمن وتركم الذكريات وتغير الأحوال وانهدام ما شهده عامراً وإعمار ما وعي عليه مخرباً.علي سلالم المنزل اتخذ قراره وقبل أن يتخطي شارع 23 يوليو متجهاً نحو الورشة صمم عليه.

-إن أبيها غير مسئول عاش عمره لا يحمل للغد هماً,سيقول لك خذها كما هي بحقيبة ملابسها,وفي أحسن الأحوال قد ينفق 20 ألف جنيه علي جهازها.

ثم أكمل والده لما رأي علي وجهه أمارات اليأس:

-الرحل طيب ما في ذلك شك,والمرأة نعرفها طوال عمرنا,والبنت منبتها حسن وجميلة وهذا صلب ما أريده لك لتنعم بحياتك,فإذا كانت رغبتك صادقة فيها كزوجة لا مانع عندي وليكتبها الله من نصيبك,أما وضعهم المادي لن يشكل لي أزمة ولو تكفلت بكل المصاريف...من يبحث عن الكمال في البشر عليه أن يحيا وحيداً!وأنا أريد أن أقر عيني بأحفادك قبل حلول الأجل المحتوم.

قابل خليل طلب الحاج بدهشة عارمة,ما بلغ سقف أحلامه أعلي من شخص حسن السمعة بحارتهم المتفرعة من شارع صلاح الدين,يحتوي ابنته بين أربعة جدران وسقف ويوؤيها,بعد الدهشة جاء الاطمئنان,قال لنفسه"عشت طوال عمري لم أؤذ مخلوقاً بل سعيت في الخير كلما هداني الله إلي مسالكه,لم أشك يوماً أو أعترض علي قضاؤه وهاهو الكريم يكافئني بالسعادة تتهادي لابنتي الوحيدة,اللهم لك الحمد في السراء والضراء".

- تشرفونا يا حاج في أي وقت يناسبك.

مد عصاه الطويلة مستعداً للقيام:

- عزمنا أنفسنا عندك الجمعة القادمة وما يريده الله يكون.

اعتاد كريم تأدية صلاة الجمعة بجامع التوبة ثاني مسجد يقام في القارة الإفريقية,بميدان عرابي في قلب الجزء القديم من مدينة دمنهور عاصمة الشمال قبل كفاح مينا لتوحيد قطري البلاد ورسم مصر كما نعرفها, ومنبع الحكمة والنور,في عهد قدماء المصريين وورثتهم اليونانيين,تجاوره كنيسة السبع بنات المبنية في أواخر القرن التاسع عشر لتغدو ملجأ لأهل دمنهور كلهم إذا داهمهم وجع مفاجئ أو ألم شديد,يذهب الرجل رقيق الحال ويعالج بسعر رمزي,مرحوماً من الجزارين الجشعين اللابسين مسوح الأطباء,بعد انتشار الألقاب في فترة انهيار حضاري همش التعليم والأخلاق,فأصبح ما كان قليلاً كثيراً لكنه عديم الجدوي ضرره أكبر من نفعه.

في تلك البقعة يسري في روحه شعور غامض,تاريخ عريق ممتد للجذور الأولي للإنسانية,استهواه وجعله من حفاظ تاريخ المدينة,منذ سماعه لراو عجوز يحكي في مناسبة ما أن حورس واجه عمه ست الشرير في ذلك المكان,انبثق في وعيه تساؤلات لا حصر لها,أشبعها بالاطلاع واستدامة المعرفة كواجب مقدس,وعمل سري لا يليق بابن أهم رجال المال والأعمال في المدينة حياته الظاهرية سلسلة من الأرقام والتعاقدات والفواتير,في النهار يعيش واقعه وإذا جن الليل يعود آلاف السنوات إلي التكوين الأول للحضارة المصرية القديمة,مع الوقت أصيب الإيجيبتومينيا(الولع بالمصريات).

عقب أداء الصلاة عرج لمحل كوافير رجالي في منطقة دمنهور الجديدة موئل رؤوس المال الكبيرة, الماركات العالمية, الأبراج العالية والحداثة بوجهها القبيح حين يصبح ميدان توفيق الحكيم ميدان كنتاكي وتتحول سينما النصر الصيفي لمكان بيع خضروات وفواكه,المكان مؤسس بفخامة يعمل فيه شباب يستنكرون اسم الحلاق ويفضلون عليه مصفف شعر,وضعوا الماسكات علي وجهه وسرحوا شعره الكثيف,راقت بشرته وأضاء وجهه بفعل التنظيف والتنعيم,وعند الساعة السابعة ركب مع أمه وأبيه في السيارة وانطلقوا نحو بيت هند.

استعانت خديجة بأختها التي فاتها قطار الزواج لتجميل المنزل,استعارت الأكواب والأباريق من بيت أبيها واشترت غطاء أنتريه ليستر قذارة واهتراء المقاعد, عندما شعرت بالسيارة تدخل إلي الحارة هرعت لحجرة ابنتها واستكملت زينتها وتعطيرها,وسمحت لها باستخدام المساحيق لأول مرة في حياتها رغم سنها الناضج,فبدت كنجمة هوليوودية ضلت طريقها للسجادة الحمراء أو إحدي فاتنات ألف ليلة وليلة هاجرت من بغداد واستقر بها المقام بدمنهور في حارة مظلمة ومنزل انحنت أركانه قليل الفرش عاطل عن الرفاهية,أو هيلين فرت من طروادة لتأمن بين جنبات حورس في مدينة هرمس كما دعي أجدادها المدينة التي حل بها تحوت رب الكتابة والحكمة واقتبسوه هم في شخص هرمس الحكيم.

توترت أعصابه لمرآها وتمني لو يتلقاها بأحضانه بعيداً عن الأرض,بمكان بين جبال القمر أو حفر المريخ,حاملة صينية امتلأت بالجاتوه والحلويات الشرقية,احتضنتها أمه بدلاً عنه,وكانت تحبها ومعجبة بأخلاقها وأيدت رغبته علي الفور عندما أعلنها,والأهل تتحدث عن الترتيبات والتعجيل بالبر قدر الإمكان,فكر أنه الآن يمتلك الحبيبة التي شغله خيالها طوال عمره,شكه في قلبه الخوف من الفرح والسعادة,فلا يوم بهجة إلا ويعقبه يوم حسرة ومن ذاق السعادة عرف الحزن,نفض عن ذهنه الأفكار السوداء واستغرق في اللحظة,تبادل معها النظرات,لاحظ أبيه ما يعتمل في صدره,قال مبتسماً بنظرة"سأريحك منا الآن":

-خذ خطيبتك يا كريم إلي الشرفة,وتكلم معها قليلاً,ثم ضحك ضحكة عالية:

-لكن حذار أن تجعلها تغير رأيها فيك.

ضحكت هند بعذوبة,أثارت عطف الحاج عليها فقال:

-ليهنئكما الله يا ولدي ويرزقكما الذرية الصالحة.

الشرفة عبارة عن ألواح خشبية متراصة أحكم عليها قطعة موكيت,تعجب كريم كيف تحتمل وزن أمها الثقيل,قامتها بالكاد تصل إلي كتفيه,وجهها مضرج بحمرة زادتها فتنة وعيناها الزائغتان تبعث فيه الرغبة,لأول مرة في حياتها تنفرد بشاب ولو أنها تشعر بنظرات أمها تخترق ظهرها عابرة من مجلسها لباب الشرفة المفتوح,وقفا صامتين لدقيقة محرجة,عصر كريم رأسه ليجد موضوعاً يحرك به لسانه فلم يفلح,توجه ببصره نحو السماء الصافية,القمر في تربيعه الأول يبخل بنصفه عن الظهور:

- حلمت ذات مساء بعيد غاب في خضم الأيام إني فوق حمار يطير بي نحو القمر.

انفلتت ضحكتها صافية,جعلت الأسرتين في رضا نطقت به ملامحهم,نظرت ناحيته ببهجة ولأول مرة توجه له الحديث:

-حسبتك ستقول حصان أبيض أو ما يشبه ذلك!

-أحكي لك عن حلم خالص بي لا فيلم أجنبي,ثم إنني أحب الحمار وأعتبره أعظم حيوان,حمول صبور ذكي,مسالم وطيب يعمل بلا كلل ويتقبل القليل في رضا,لا أعرف لماذا يهان ويحقر ويصبح اسمه مسبة,فكرت أنها لو قالت له مستقبلاً"يا حمار"فلن يغضب,ابتسمت للخاطر ولم تعلق عليه,بدلاً من ذلك قالت:

-ولماذا تود الرحيل للقمر؟

-عالم بكر جديد,ليس به حروب أو صراعات أو إحن ظاهرة وباطنة,لكنك فُتيني في الكلام,كنتِ معي.

-أنا؟! أو كنت تعرفني؟

-رغم أن أمك صديقة لأمي لكني لم أرك قبل ذلك اليوم عندنا,روحك التي أشعر بها الآن تتغلغل فيّ,كانت ترافقني .

-ربما كنت أنا الحمار هل أنت متأكد أنه حمار أم حمارة؟

امتزج صوت ضحكاتهما وتلاشت في نسيم الليل الرقيق.

-وأنتِ بم تحلمين؟

-إنني عادة لا أحلم أثناء النوم,أحلم في اليقظة؟

-ما الذي ترينه في اليقظة؟

-أني زوجة وأم.

-فقط؟

-لا يوجد في الدنيا أعظم من زوجة مخلصة وأم رحيمة.

توقعت لحديثهما الأول أن يكون حول المفضل من الأكلات أو تقلبات الطقس,أو حديث عن أناس آخرين,أي نوع من الكلام الذي يملأ به التباعد الروحي عن الآخر,فيحشي الفم لعل القلب يستتر بفراغه,لم تتخيل حديثا عن الأحلام تتخلله أقمار وحمير,عاد الصمت من جديد,قطعته هي هذه المرة:

-أحياناً أري نفسي في المنام أسير في حديقة كأنها الجنة,لكن قدمي مقيدة بفولاذ قاس أسعي للتحرر منه حتي لو كان مقابل الخروج من الجنة.

فرقع صوت كيس قمامة ارتطم بالأرض من علٍ,أراد أن يهوي علي فمها وخدها بقبلات لانهائية,وشعرت هي بأنها تعرفه منذ الأزل,قبل النشأة الأولي وقبل ظهور الشمس والقمر وسقوط حبات المطر,وقبل تكون الجبال وامتلاء البحار والأنهار.

أفاق من سيل ذكرياته عندما ينهار سد الحاضر ويهجم الماضي بالحلو منه والحادق والمر,والشاطر من يستدعي الحلو وينبذ ماسواه,علي صوت "نيو"كلب حراسة الورشة والأخشاب المرصوصة خارجها وهو يتقافز في سعادة أمامه,داعب ظهره بلطف ونادي سمير أجدد عماله,طلب منه ساندويتشات الإفطار,ركب سمير الدراجة عابراً طريق المحطة حتي توقف أمام مطعم"الأصيل"مكان كريم المفضل للأكل,يعرفون طلبه إذا جاء ويبعثون به إذا أرسل نائباً عنه,لفت ساندويتشات الفول والطعمية والبطاطس مع أكياس المخلل علي المكتب أمامه,عزم عليه كريم كما يفعل كل مرة,هذه المرة قبل العزومة وجلس,مد له يده بالطعام,رده بلطف وأدب زائف:

-إنني أريدك في موضوع يا أستاذ كريم.

-خيراً؟

-صلي عالنبي,الخير إذا جاء للبني آدم منا يأتيه دون سعي,لا تصدق من يقولون تعبنا وشقينا,إذا كان ذلك هو سر الرزق لحق لكل الناس أن يصيروا أثرياء,أبي سف التراب وإخوتي وأعمامي وأبناء أعمامي وأنا, وليس في جيب أحدنا ثمن تلك الوجبة البسيطة التي ستلتهمها بالهناء والشفاء,عائلة من العرق والكد والفقر...علي كل الدنيا حظوظ قسمها المولي بحكمته وإني وسيط لما فيه الخير لك ولي وللطرف الآخر.

عدل من جلسته علي الكرسي وواجهه وهو يكتم دهشته من سلوكه الغريب وكلامه الأغرب.

استمر سمير يتكلم وهو متكأ علي المكتب بذراعه:

-يبدو أن أبيك رحمه الله كان رجلاً مبروكاً,الأرض التي ابتني عليها بيتكم,تحتها ما يساوي كنوز ألف ليلة وليلة,ربك والحق أنا لم أفهم كثيراً من كلام الخواجة البريطاني عالم الآثار ذلك,الذي سلمني خريطة قديمة توضح المكان الذي ركب البحر ليصل إليه,وأفهمني أنه يقع تحت بيتكم,وإذا كان أهل الخليج منعمين بالبترول فالمصريين لديهم آثار وأسرار تهوس العالم,سيفني ذلك الزفت الأسود ويبقي ما شاده الأوائل شاهداً علي العظمة التي كنا فيها,هؤلاء الناس الذين بعثوني لك يريدون شراء البيت بأي ثمن حتي لو وضعت عشرة أصفار أمام رقم,سيوافقون علي الفور.

نظر له كريم مشدوها,قام سمير ودس يده في فتحة قميصه,التفت حذراً لئلا يراه أحد,أخرج رقعة جلد مطوية وفردها:

-لولا أني أعرف أنك من أهل الثقة,ما تركت عينيك تقع عليها,لكني سأعطيها لك يومين لتتأكد من صحة قولي.

تركها أمامه بجوار الطعام واتجه للباب,استدار قبل بلوغه:

-أستاذنا,فكر قبل الجواب,ولا تفهمني خطأ أرجوك...هؤلاء الناس يصلون إلي أغراضهم دوماً بالرضا أو بالغصب.

بعضهم من بعض

1560ق.م

امتدت ظلال المساء أمام جدران معبد حورس,تحرك الكاهن الأكبر من وقفته التي طالت منذ الضحي في الشمس المحرقة,أجج خدم المعبد النار في المشاعل,فأخذت الظلال تتراقص حول تمثال هائل لأوزوريس مبتسماً في ثقة ينظر نحو مشرق الشمس بثبات العالم وحكمة الفيلسوف.

اقترب الكاهن الأكبر من البوابة الرئيسية للمعبد المقام غرب مدينة دمنهور,علي وجهه سمات تنم علي القلق والتوجس,لوي رأسه نحو التمثال الكبير وتنهد في حرقة يخاطبه:

-مولاي الصالح أوزوريس ألهم مريدينك الصواب في الأيام متلاطمة الخطوب,قوني علي حمل الأمانة ولا تدع سلسال حملتها يتخلخل,حتي لا تضيع وسط السنون.

فتح كوة في الباب المشرقي وأطل علي الشوارع التي غاب عنها ألق الحياة وقبع أهلوها في البيوت,ينتظرون ما تسفر عنه الأحداث,أبصر الساحة أمام المعبد فوجدها قد خلت من الزوار بنذورهم وآمالهم التي يعرضونها علي الإله الواحد الموجد نفسه بنفسه, بجوار صفيه أوزوريس لعلهم ينالون شفاعة الرجاء,دفع الباب وخرج بعد أن أشار لتلميذه الأثير كاي أن يتبعه,مضيا وسط الحدائق المزروعة وعيدان الريحان النامية علي شرفات المنازل,حتي وصلا إلي ترعة تلعب فيها الأسماك لاهية بحياتها البسيطة عما يجري فوق الأرض,أومئ الكاهن نحو الترعة:

-في يوم ما كنا سمكاً,وآخر كالطير في السماء ودابة الأرض,جري علي البشر صنوف من التغييرات والتحولات في مبدؤهم,تبعها كلها نتيجة واحدة لا فكاك منها...الموت.

تعود كاي أن يستمع لمعلمه في خشوع عميق,كعالم ينطق بأسرار الإله الموحاة له بالتجربة والاكتشاف فيفهم عن الدنيا ما يتعجب منه ويستزيد,لكن الكاهن في الفترة الأخيرة يكثر من ذكر الموت,ليس في دروس الأحياء فقط,في الكيمياء والطبيعة وعلم النبات,الموت ليس غريباً علي المصريين,لكن حياتهم احتشدت بجمال الدنيا وزينتها,حدق طاي في الكاهن,وكان أسمر الوجه ,لحيم,صلعته واسعة بمنتصف رأسه,يتكلم ببطء وأناة صوب الكاهن نظراته نحوه,تأمله في تمعن وقال:

-كاي...عما قريب سيحين أجلي,أشعر به دانياً,قبل الوداع الأخير أود أن أودعك شيئاً تحفظه كروحك,فضلت إخبارك به في مكان لا يوجد به مخلوق,هذه الأمانة ليست عرضاً لك حق رفضه,بل واجب مقدس تجاه بلادك وشعبها والأجيال القادمة,توارثه الكهنة في المعبد سراً وكنت أنا الحلقة الأخيرة,ولست بمستأمن خليفتي عليه,فلطالما تباهي بعلاقته مع الرعاة الأجانب,ولم أجد خيراً منك لحمل الأمانة.

أخرج من عباءته الكهنوتية البيضاء برديات عديدة,قرأ كاي عنوانها"ألواح تحوت"ارتعشت أطرافه,فلم يكن يصدق أن لهذه الألواح وجوداً حقيقياً,لقد تباعد العهد بتحوت حكيم دمنهور فكيف وصلت هذه الألواح لعهد الملك سقنن رع.

مد يده نحو البرديات في فضول مرتجف,عازم علي فتحها,أوقفه صوت الكاهن الأكبر ناهياً:

-تلك الأسرار لم تكتب للفانين,لا تحاول الإطلاع عليها إن كنت تود الاحتفاظ باتزان عقلك وسيرك العادي في الحياة,مهمتك حفظها ونقلها لجيل آخر وهكذا من أمين لمأمون,وإلا وقعت في يد الأشرار وتناثر شررها في العالم كله,ضغط الكاهن علي يد كاي بضراعة تعجب صدورها من رجل بهذه المكانة,تمتم كاي من قلبه الطيب:

-أعدك يا معلمي

1ق.م

تحت الشجرة سوي ماركوس التراب بيديه,وعلم المكان بحفر مفتاح الحياة عليها,كل شهر يأتي للاطمئنان علي كتاب تحوت,ينبش الحفرة ويتم علي عدد البرديات,ثم يحشرها في باطن الأرض من جديد,كل عام في مكان مختلف.

450م

داس شنودة علي بلاطة في وسط الدار فانخفضت درجة وارتفعت جارتها,نزل للسرداب الفسيح,يقبض بكفه علي ميراث أبيه السري,زحزح تمثال ضخم لمريم العذراء,فتح في قاعدته مخبأ سري أودع فيه البرديات,استعان بالعذراء لتحمي خبيئته,تمتم بصلاة قصيرة وارتقي السلم في عجالة.

1518م

ركض عبد الرحمن إلي داره بلغت الأنباء دمنهور بغزو العثمانلية مصر بعد هزيمة السلطان طومان باي,وتناقلت الألسن هتكهم الأعراض وسرقة الأغراض وشحن كل ما له قيمة من بشر أو حجر إلي القسطنطينية,ليغتني بافتقار غيره,لم يفكر في أسرته,استولي عليه الذعر من ضياع الأمانة,نادي ولديه سعيد وسعد,طلب منهما حفر حفرة بحوش الدار بأقصي مدي يصلون إليه,أطاعا أبيهما رغم تعجبهما,الدنيا تنقلب وهو ينقب الأرض!تركهما ودخل لحجرته أفرغ صندوقاً من زينة الصناعة المصرية تكاد منمنامته تنطق من سحر الفن,دس فيه البرديات وغطاه بكيس من الحرير,نزل إلي باطن الأرض ثبت فيها الصندوق,وأهال عليها التراب باكياً وجلاً,وقد وقع في يقينه استحالة رؤياه ثانية.

 

أداجيو

الفلاح مفارقه منذ خطواته الأولي في الدنيا,كل شئ يجانبه فيه التوفيق,حتي الفرح والاطمئنان النفسي لم يذقهما يوماً,تركيبته النفسية مفطورة علي حب الألم والأسي,وحدها سمر كانت حلوي حياته الممرورة,كل ليلة يسافر لها من دمنهور للأسكندرية العروس العجوز التي تعمل فيها يد غليظة لهدم الجمال ونشر القبح,ليراها تعتلي المسرح في كازينو لاروز علي شاطئ العجمي,منفرداً علي لسان صخري يتداخل مع الماء.

دخلت الليلة مرتدية فستان أزرق قصير يكشف عن مساحة كافية من الفخذين والكتفين,في عينيها السوداوتين لمعة تمنحه نفحات من الحيوية تقيه زحف الشيخوخة المبكرة,الضجيج من حوله يتلاشي ينفتح قلبه قبل أذنه,يسند رأسه بين كفيه,وينساب مع أغانيها الشرقية والغربية,تغني عالمة استغراق الموجودون في الطعام والشراب وانتظار الرقصة القادمة,تغني ومن حولها يسخر منها أو يلتهم لحمها بعينيه بوقاحة,تغني خيبات العشاق وآلامهم بالعربية والفرنسية والإنجليزية,ومعهم تدفن آلامها في حبها المدفون شاباً منذ سنوات عام 2011حيث جري ما جري,ومات من مات ضمنهم خطيبها أحمد.

أشارت له محيية في مودة,انتفض ولوح بيده في سعادة,التفت للفرقة -توقعوا منها ما سيسمعونه,يتكرر الوضع منذ شهور طويلة-توزعت نظراتها بينهم وبينه,ابتسمت لهم وقالت بصوت هامس:

-أداجيو.

بدأت تقلد لارا فابيان في أغنيتها,تقاوح أحبالها ليخرج منها الرنين الأوبرالي تنجح مرة وتخفق أخري,انتهت من مناجاة الحب والتضرع له,احتبتست في قلبها دمعه كتمتها بإصرار,أنهت فقرتها ونزلت متوجهه نحوه متوجة بهالة مرمرية من الجاذبية,جلست أمامه تمد له يدها الرقيقة,وقد أحاطت كتفيها ورقبتها بشال خفيف:

-هل أعجبتك الأغنية الليلة يا جورج؟

لحظتها راق جورج من كل شئ,نسي مكالمة كريم  التي أربكته في الطريق وما سرده عن آثار وحفر وخارطة,واستغاثته به لدارسته علم المصريات دراسة حرة بعيداً عن"الخراء المقرف"كما يسمي نظام التعليم,ونبوغه فيها مما جعله مطلباً لشركات السياحة الكبري وكونت له صداقات في سائر بلاد الدنيا,اتفق معه أن يراه في الغد,أما الليلة فلن يسرقها أحد.

كدرة يخشي عليها من تلويثها بأصابعه,احتضن يدها في وَلهّ وقبل ظاهر كفها وباطنه:

-أجمل من لارا فابيان بمراحل.

ابتسمت لأنه يكذب مجاملة لها وابتسم هو لأنها تعرف ذلك وتطورت البسمات لضحكات عالية,كلما نظرا لبعضهما أغرقا في الضحك,قالت له وهي تلهث:

- ألم تمل من غنائي لها كل ليلة؟

-ليتها كانت كل ساعة!

ارتطمت موجة قادمة بشوق عارم في الصخور كأنها منتحرة تلقي بنفسها في أحضان الفناء,ترددت في سمعهما كنغمة حزينة تؤذن بانقضاء الزمن.

وبدأت نجواهما الليلية تنبعث من القلب...

كان جورج يمر بمرحلة يأس في الحياة جعلته علي مشارف الانهيار,قرر أبوه السفر للأسكندرية لعل الولد يهدأ ويصفي كماء الشط في الصباح قبل أن يخوض فيه البشر,في بداية العشرينيات لا يعرف الإنسان موقعه في الحياة,وفي مجتمع مضطرب كهذا لا يعرفها حتي الممات,والصداقة تمثل للشاب حياة كاملة وعين صافية,كأنها حب لكن نزعت منه الرغبة والادعاءات الساذجة بين ذكر وأنثي,عندما نشر جورج أولي مقالاته في موقع مفتوح للجميع لم يدرك وقتها ذلك,شعر أن الدنيا أخيراً تفتحت له زهورها,هاهو مكانه يناديه لعالم الكتابة الفكرية المحملة بقضايا القرن المشحونة بالملامح الكونية المنبثة من قعر التجربة الإنسانية....وكل هذه العبارات التي ساقته لما هو عليه اليوم,فوراً اتصل بصديقه ريمون حتي يشاركه فرحته الجنونية,نزلا علي المقهي وعزمه علي المشاريب,قهقه بسعادة وفرحة وهو يحكي له ويحكي,كان دوماً يحكي له يلقنه ويشرح له ويعطيه خلاصة معرفته,استكثر عليه ريمون كل تلك السعادة,وقد حفظ كلامه من جلساتهما سوياً وأحياناً يسميها"المحاضرات",اغتاظ أولاً لسعة علم جورج أمام ضحالة ريمون المتوهم أن تجميعه درجات جيدة في أسوأ نظام تخريبي في العالم,كفيل أن يضفي عليه رونق العلم والكفاءة ألم يصبح الدكتور ريمون وهاهي صيدليته يجهزها له أبيه حتي يتخرج,أراد مزاحمة جورج كتب ما حفظه عنه وأرسله فنشر,وبدأ يقرعه ويقلل منه ويسخر,وجورج حزين وصامت لا يريد إهدار عشرة سنوات جاوره في المدرسة والكنسية كان جورج هو البليد في الفصل والسارح في العظة الإسبوعية,حتي قرر أحد البلهاء في الفصل ممن يسمون أنفسهم مدرسين تفريقهما وقد أعلن بسادية:

-إذا فشل ريمون فجورج السبب ولو نجح جورج فريمون السبب,قم واجلس بعيداً عنه لأنك علي الأرجح ستشده معك للقاع.

بعد هذا الموقف تزلزت حياة جورج وندم علي إظهار فرحته لصاحب عمره,وتعلم أن يداري علي شمعته,لكن الأثر تركه محزوناً وقد توالت عليه ذكريات الكئيبة,لاعناً ما زرعه ريمون في قلبه من غل وكراهية وقد عاش لا يعرفهما,تعكرت الحياة في عينيه وبدأ يري الناس علي حقيقتهم,مجموعة من الحمقي اللاهيين العاجزين عن الفهم والإحساس,يبادلون الجواهر النفيسة بوحل الطرقات إذا وجدوا فيه ما يرضي العته الساكن في عقولهم,معني ما نقص من حياته,لكن ما يفسده الحمقي تصلحه الجميلات.

في أول ليالي أسرته في شاليه العجمي المستأجر,نزل جورج مع أخيه وفي قلبه حسرة وغضب لا يلين,حتي يتنزهان علي الشاطئ

 

 

 

 

عصر الهيباكوشا الجديد

 

عصر الهيباكوشا الجديد

معلق في الفراغ لا يدري إن كان حياً أم عبر الجدار الفاصل بين المرئي و المتواري وتاه في ظلمات اللاعودة,بذلة الفضاء ما زالت تضخ الأكسجين لكن الهمود والنبض المنخفض يشيران أنها ربما تكون آخر الأنفاس,ورغم أنه لم يعد واعياً لأي شئ عبرت مخيلته صورة قديمة مضي عليها آلاف السنين يسمونها الرجل الفيتروفي يشعر أنه في نفس وضعه الآن,فتح عينيه بصعوبة بالغة,كأنه يزيح جبل من علي أجفانه التي أصبحت طيات وطيات لا تحتملها أعصابه,انجلت العتمة وبدأ النور يغزو عينيه.

في البدء ظن أنه يحلم,لكنه سرعان ما أدرك اليقظة الواعية,عندما أصابته وخزات الألم في صدره بتداعي الذكريات ورؤية وجهها الجميل الباكي يتضرع له أنه يعود سالماً وهو يخطو نحو المكوك الأخير علي الأرض,ليسوح في المجرات يستجدي الآخرين مساعدة أهل الأرض.

من أين تشع كل هذه الأنوار؟!الضوء يغمره كما غمره ظلام وماء الرحم كل ما حوله مضئ كأنه يغتسل من الأدران المتشبثة به أينما ذهب,إن كان هذا هو النور فبالتأكيد الشمس-التي يحكون عنها فيما مضي أنها كانت تضئ السماء-ليست سوي شمعة واهنة تلقي بأشعتها علي الأرض.

مد بصره ناحية الجالسين,لم يستطع التمييز إن كانوا ذكوراً أم إناثاً,شباباً أو شيوخاً,بشراً أم مسوخاً,هم كل شئ ولا شئ,يتصدرهم عملاق يجلس علي قمة هرم يدور من تحته بينما هو في ثباته غيره عابئ بالدوران أو السكون,قرر أن يغمض عينيه فالرؤي تثير الجنون والرغبة في المستحيلة في الخلاص.

سأله أحد الجالسين بصوت فخيم لكن بلغة عجيبة ومع ذلك فهمها بسهولة:

-كيف كانت رحلتك أيها الغريب؟

خرج صوته مخذولاً في ضعة من لا يجد تحته أرض ولا فوقه سماء:

-قاسية...قاسية ومخيفة!

رد صوت آخر بنبرة يشوبها العطف جعلته يفتح عينيه من جديد:

-لكنك كنت قادراً عليها.

تتبع مصدر الصوت وأخذ يدقق جيداً ولا يدري هل كان حقاً نسراً برأس ثور أم أنه الوهم يعبث بخيالاته,دمدم في ضعف:

-جئت طالباً العون تبعاً للعهد القديم,إن ذبذبات موجاتكم وصلت إلينا من مائة عام قبل الكارثة والرسالة كانت"عالم واحد وكيان واحد,نرحب بكم",إن الأرض تموج اليوم بالشر,البشر يأكلون بعضهم في كل مكان,الناس جوعي,الدم فاض والمياه جفت,إن الأرض في حاجة إلي السلام.

تكلم العملاق فجاء صوته مهيباً مخيفاً به هدير الرعد:

-وهل نحن المنوط بنا زرع السلام وسط الشوك والدمار؟

مرت لحظة صمت وأكمل:

-إنكم وقحون لدرجة تذهلني أحياناً وأنا محيط بكل حي في مجرتي,يقتل المرء منكم أخيه ويسلب دار جاره وينام ملء جفنيه,ثم يدعي المظلومية ويهرول طالباً السلام.

تدخل الصوت العطوف وقال:

-سيدي أرسلني معه لأري وأحكم إن كانوا يستحقون.

-لن تحتملهم يا أونشو,إن البشر لا يمكن احتمالهم علي الإطلاق.

-لن يضيرني أن أنتظر معهم أياماً بحسابهم ثم أبلغك وضعهم والحكم في بيدك في النهاية.

تريث العملاق قبل أن يجيب:

-احذرهم فأنت ستهبط كواحد منهم وسيجري عليك ما يجري عليهم,وستكون مسئول عن نفسك متروكاً لمصيرك...وصدقني إنهم قتلة ومجرمون.

تجرأ البشري وقد تمسك بأهداب الآمال:

-ومنا الصالحون والطيبون.

-نقطة من محيط!

جلجل صوت العملاق في غضب فغاص قلبه في صدره وأمسك عن الكلام.

تقدم أونشو نحو نبيل وأمسكه لينتقل معه إلي الأرض,في رمشة عين وجد نبيه نفسه أمام رجل وسيم القسمات وجيه المنظر يصلح أن يكون نجماً في السينما التي اندثرت مع ما اندثر من النسيج الذي حاكه البشر منذ قرون طويلة,تطلع أونشو حوله,فابتلعه الدخان والضجيج,الفساد في كل مكان القتل لم يعد جريمة وجدوا له مبررات عديدة وهاهي الجثث يتنافس عليها الناس الجوعي والكلاب المتوحشة نظر لنبيل في حيرة:

-هل خاطرت بنفسك وحيداً في الفضاء لتنقذ هؤلاء؟

-أجل.

-إن من يصل لهذا الدرك لا يسمو بعد ذلك أبداً.

-في شبه جزيرة سيناء بمصر,يعتصم القلة الباقية التي لم تتخل عن إنسانيتها,صحيح إنها تعاني نفس ما يعانيه الجميع لكنها ما زالت خاضعة للقوانين,العنصر السماوي فيها لم يتلاش بعد.

أمسك أونشو بيديه وانتقلا في نفس اللحظة إلي مصر,وقفا أمام بوابة حديدية ضخمة علاها الصدأ وتآكلت من الأعلي,سمع صوت ناي يعزف ببراعة وصوت الصغار يضحكون,فبدأ وجه نبيل يسترد كرامته أمام أونشو الذي قال:

-يبدو أننا وصلنا للنقطة الهائمة في المحيط.

وضع نبيل يده علي الباب ودفعه,دخل يتبعه أونشو.

الأكواخ صغيرة ومتقشفة لكنها نظيفة ومنظمة,البشر هزيلون لكن في عيونهم تتألق لمعه إيمان بيوم جديد يجلو مرار الحاضر من الحلوق,هذه امرأة تهدهد وليدها حتي ينام,وذلك رجل يجلس في صمت حكيم يكتب بانهماك شديد في دفتر,توجه أونشو نحوه وسأله بأسلوب مهذب:

-هل يمكنك أن تخبرني عن الموضوع الذي استلبك من واقعك المزري؟

لم يرفع الكاتب بصره عن أوراقه وقال وهو ما يزال يدون كلماته بشراهة المتألم لجرعة الدواء:

-كلمات يا سيدي...كلمات...كلمات أتمني أن تضئ شموع الغد,كلمات أراها ميناء جميل يطل البحر أو قصر باذخ الأناقة يجتمع في الأحبة,فدان من القمح أو مركب يتهادي علي صفحة النيل ساعة المغرب...كلمات قد تبني جسراً يعبر بنا لحاضر مختلف,كلمات اعتدت كتابتها كيلا أموت كمداً وحزناً,كلمات...

توقف عن الكلام بغتة بمجرد أن سدد بصره نحوهما وصاح في حماس:

-نبيل!نبيل عاد يا سكان مدينة رع!

من بعيد سمعت منة صيحات الناس يهتفون بالاسم المحبوب,فهرعت نحوه وكبحت جسدها في آخر لحظة من الاصطدام به,ثم قفزت عليه في لهفة شديدة فغطي شعرها وجهه وشعر بدفء جسدها يتسلل لدمه,وشم رائحتها التي يحفظها في قلبه,وبذراعين لم تعرفهما غير عطوفتين,حملها بسعادة وغطاها بالقبلات,هذا المنظر جعل أونشو ينظر في نهم لمعرفة سبب تلك التصرفات الغريبة,فلطالما سافر بني جنسه لمئات السنين وعودتهم لا تستدعي إلا تحية عابرة,فيضان المشاعر ذلك جعله ينسي للحظة العالم الذي يقبع خلف أسوار المدينة,لوي نبيل عنقه نحوه بعدما خلصها بصعوبة من أحضان منة:

-إنها زوجتي,بدونها حياتي لا معني لها مجرد أيام تسير دون مقصد حتي تنتتهي.

أبعدها عنه برفق لكنها ما زالت متعلقة بذراعه في بهجة وأعلن بصوت رجولي هز أشواقها نحوه:

-أيها الناس لقد أرسل معي حاكم كوكب كاجورا السيد أونشو ليقرر إن كنا نستحق أن يمد لنا يد المساعدة أم يتركنا لمصيرنا الضبابي الممتلئ بالأوجاع.

تطلع أونشو للوجوه المتباينة حوله تحمل ملامح متباينة,لكنها تندرج تحت الشكل الإنساني الواحد,العيون تترقب بنفس النظرة الواجفة,القوقازي يشبه المغولي,ساكن البحر المتوسط مثل القادم من عمق إفريقيا,الأمريكي كالصيني,الكل يحمل ذات الأمل,التقت عيناه بعين طفلة جميلة تبتس فتحركت بداخله لأول مرة الطبيعة البشرية التي تحول إليها فابتسم هو الآخر في مودة,اتسعت ابتسامة الطفلة ولوحت له في سعادة,الغريب أنها كانت بعين واحدة,مولودة بعين واحدة دون محجر آخر في الجهة اليمني, تشوه غريب سمم وجهها الطفولي.

انطلقت الألسنة التبلبلة تتجادل حول ما سيجري في القريب العاجل,أمسك نبيل ذراع أونشو وقال مداعباً:

-دوري لأنقلك هذه المرة.

-هل تعرف طريقة الانتقال الآني؟

-كلا ولكني أعرف الطريق إلي داري.

في الكوخ استقر نبيل لأول مرة بعد عام قضاه سائحاً في فضاء لا يعرف منتهاه,إن الجدران الخشبية التي تؤويه وابتسامة منة المشرقة في وجهه أرحب من ملايين السنين الضوئية التي قطعها وحيداً .

وضعت منة الحساء علي الطاولة الخشبية,وقفت خلفه ولفت ذراعيها حول رقبته في حنان وهمست بصوت خافت:

-متي سيتركنا ذلك الغريب؟

وأنكر تلك الكلمة التي كانت قبل دقائق تطلق عليه هو الغريب في أرض غريبة,تصنع أونشو الصمم بينما هو ينصت لكل كلمة يقولانها ونبيل يدرك ذلك,هم أن يقول شيئاً وهو يجلسها علي ساقيه,قبل أن يلمح فروة رأس تبتعد عن نافذة الكوخ,جري ناحيتها وأطل برأسه في الخارج فلم ير سوي بضعة أطفال يلهون أمام البئر المجاور,سأله أونشو:

-ماذا حدث؟

-أعتقد أني رأيت شخصاً ما يتجسس علينا.

-أقصد ماذا حدث للأرض كيف خربت؟

سرحت عيناه في قمة الجبل القريب:

-إن التحذيرات من الذكاء الاصطناعي لم تلق بالاً من العلماء,طفقوا يهيئون عالماً جديداً من الروبوتات حتي غدت هي المهيمنة تقريباً علي العالم,في البدء فرح البشر بوقف أعمالهم التي تولتها عنهم الروبوتات وأراحتهم من الإرهاق والكد,ومع الوقت بدأت بوادر الحرب,بدأت الروبوتات ترفض الأوامر,تعطلت الكمبيوترات كلها,أمريكا وروسيا والصين اتحدوا في سابقة هي الأولي منذ قرون للوقف أمام ثورة الروبوتات كما سميت وقتها,بدأوا يطالبون بحقوق بشرية في الحرية والمساهمة في إدارة موارد الكوكب,تجمعوا بالآلاف في كندا,كان منظراً مهيباً رأيته مسجلاً في طفولتي,مئات الروبوتات محمولة علي ظهر عشرات السفن في عرض البحر,هرب الكنديون ليلتها صارخين بالفزع,فقد جنت الروبوتات وبدأت في الفتك بأي بشري تقابله دون إبداء أسباب,لم يصدق أحد أنها نفس الروبوتات المطيعة التي لا يمكن تمييزها في الشكل الخارجي عن البشر,زالت الابتسامات من وجوهها وحل في عينيها غضب عارم تجاه كل ما هو حي,شبهوها بغزوات الأوروبيين لأمريكا وإفريقيا وقرر المعلقون أن التطور يلعب لعبته الأبدية وقد حان أوان إحلال جنس جديد في العالم,خاصة وقد بدأ الروبوتات يصنعون روبوتات أخري,ولم يعد مفر من استخدام الأسلحة التي تجنبها البشر لقرون طويلة منذ أن ضربوها هيروشيما قبل 300عام,وأطلقت الصواركيخ النووية تجاه مراكز الروبوتات,كان من المفترض أن تكون الضربة محدودة الضرر لكوكب الأرض,ما لم نكن نعلمه أن الروبوتات استطاعت سراً أن تصنع سلاحها الذري الخاص,ومع أول صاروخ حددته في الجو,أطلقت صواريخها النووية عشوائياً فطالت أجزاء عديدة من الكوكب فدمرتها تدميراً,زالت نيويورك ونيودلهي وميلان وتل أبيب وطالت حتي القطب الشمالي!انهار الكوكب في ساعة نحس واستمر الضرر مستمراً حتي اليوم بعد تسعين عاماً من الحرب,كما تري نعيش في ظلام دامس السحابة الذرية تحيط بنا,تلوثت التربة فقل الغذاء وأصبح الماء شحيحاً,الحيوانات معظمها انقرض الناس ورثوا تشوهات جينية غريبة,عمر الإنسان الآن لا يتعدي الأربعين تقتله الأمراض الخبيثة في زهرة أيامه هو الذي كان يبتجح بكونه سيد الكائنات الذي استطاع إطالة عمره بالتجميد وتحسين الجينات,المكوك الذي سافرت به هو عصارة عقول جبارة تمكنت من تصنيعه بأقل الإمكانيات المتوفرة رغبة في الحياة...رغبة في البقاء ...كانوا يسمون ضحايا هيروشيما بالهيباكوشا,انه نفس الاسم الذي نطلقه علي عصرنا اليوم...عصر الهيباكوشا,ويكفي أن تعلم أن القنابل المستخدمة في حرب الروبوتات تبدو معها قنبلة هيروشيما كلعبة طفل أو كطلقة مسدس قديم أمام دانة مدفع تكنولوجي ضخم,هل كنت حاضراً يوم بعثوا لنا بالذبذبات؟

-لقد كنت أنا من أرسلها.

-سيد أونشو لو كانت لكم مقدسات أستحلفك بها أن تنقذ كوكبنا.

مع حلول الليل اندس نبيل مع زوجته في فراشهما,وقد تدثرا ببطانية تقيهما البرودة,والمصباح المعلق في السقف يهتز فتتراقص الظلال علي وجهيهما.

-أؤكد لك أني رأيت شخصاً يتجسس علينا,أشعر بذلك منذ أن حللنا بالمدينة.

-حبيبي,إن رحلتك كانت مرهقة إنك في حاجة إلي بعض الراحة,لو كان هناك شئ غامض لكان اكتشفه الرجل القادم من الفضاء.

-إنه في الأرض مجرد من معظم قواه الخارقة.

انتفضت من الهلع وجلست وعينيها تتسعان ذعراً:

-ماذا تقول هل يؤثرفيه ما يؤثر فينا؟

-أعتقد ذلك.

-كما إنك تعتقد أن هناك من يراقب تحركاتكما؟

-أجل.

-إذن فهذا الرجل في حاجة إلي عناية 24ساعة,هل نسيت أن هناك من لا يرغبون في الارتقاء ومن مصلحتهم أن يظل الحال كما هو عليه دفاعاً عن مصالحهم؟

-ولكن هل يبلغ بهم الأمر أن يهددوا حياة السيد أونشو,الرجل الذي يريد مساعدتنا لتخضر الأرض ويعود الماء يجري في الينابيع؟

-لطالما غبطتك علي سذاجتك وطيبتك الزائدة!يوجد من هم علي نقيضك لا يحيون إلا في الظلام ولا تتورد وجوههم إلا وسط الخراب ولا ينامون في الليل إلا لو هدهدت أسماعهم أنات المساكين والمقهورين...

بتر كلامها دوي ضربة هائلة رددت صداها في أذنيهما,هرعا يستطلعان الأمر في حجرة أونشو,فوجدا بركة من الدم يتمدد بجانبها بجانبها جثة مقلوبة علي وجهها,أدراها نبيل فطالعه الوجه الوسيم الذي رآه عند نزوله إلي الأرض,وصرخ بقوة دفعت النيام لليقظة وخرجوا مسرعين يبحثون عن مصدر تلك الصرخة المريعة بينما انزوت منة في ركن الحجرة.

-لا أعتقد أنه مات,لقد فقد جسده البشري فحسب.

-ربما عاد إلي كوكبه.

-قد يرجع من جديد.

-خير له ألا يرجع,إذا عاد سيكون انتقامه عارماً.

انفصلت المدينة منذ ذلك الوقت إلي فريقين,أحدهما راح يجادل حول السيد أونشو,وبدا لهم أن ينظموا جماعات تخرج للبحث عنه في أرجاء الأرض رغم قبره الماثل أمامهم!

وفرقة أخري قادها نبيل وزوجته بدأت تقلب التربة بكدها وعرقها,وتحفر حتي تدمي يدها من العمل لتنقيتها من المواد المشعة وللبحث عن مصدر للماء,أصبحت رحلة الفضاء ذكري يتداولونها في أسي عندما يسمرون قبل النوم,ولما نبتت أو شجرة بعد سنوات من العمل الشاق أطلقوا عليها شجرة أونشو...لذكري القادم من بعيد ورحل قبل اكتمال يوم واحد.

الجمعة، 28 أغسطس 2020

اللص يطارد الكلاب

 

من السجن الصغير إلي السجن الكبير خرج سعيد مهران عازماً علي إقامة ميزان العدالة,في عالم امتلأ بالخيانة والشرور,انهارت فيه المبادئ وأصبح الفائز فيه هو الشخص القادر علي التلابعب والجحود والاستحواذ علي ماليس له بدون وجه حق,وللسخرية سعيد مهران ليس إلا لصاً احترف سرقة مساكن الأثرياء,بتوجيه من رؤوف علوان الرجل الذي أضاء وعيه ومنحه عيناً جديدة يري بها العالم,ليبدأ رحلة سلب من يعانون من السمنة المالية المفرطة لعلهم يتخففون من الأوزار التي يحملونها.

هكذا يستعيد نجيب محفوظ حادثة حقيقية شغلت الرأي العام في أواخر الخمسينيات,وهي حادثة محمود أمين سليمان اللص الذي امتلأت الصحف بأخباره وازدحمت الأفواه بحكاياته,اتخذت سيرته منحي مشابه لروبين هود اللص النبيل الذي يسرق من الأغنياء,وقد كان مثقفاً استطاع التقرب من مشاهير عصره وذو مهارة إجرامية فائقة,ارتكب بفضلها عدة جرائم من ضمنها الانتقام من محاميه الذي شك أنه يقيم علاقة مع زوجته في النهاية يسقط صريعاً برصاص الشرطة المصرية.

بلغة فنية وحس فلسفي يغوص فيما وراء الظاهر يستوحي محفوظ من هذه الشخصية الثرية روايته"اللص والكلاب",وقد مات البطل الحقيقي وولد سعيد مهران الخارج من السجن,وفي نفسه شهوة الانتقام من كل الخائنين,زوجته نبوية وصبيه عليش اللذين دبرا إيقاعه في قبضة البوليس,ورؤوف عنوان الحانق السابق علي الأغنياء المتحمس لسرقتهم وعندما يصبح هو نفسه غنياً,يتحول إلي أحد الكلاب التي تطارد سعيد وتطالب بسرعة القبض عليه,عنوان الرواية يحيل إلي وقائع مطارد بوليسية بين اللص والكلاب في البداية اللص من من يطاردة الكلاب البشرية,وفي النهاية ينقلب الموقف فيصبح اللص هو الطريدة للكلاب الحيوانية المتتبعة رائحته دون أن يصيبها كلل كالذي يصيب البشر فييأسون ويستسلمون لمصيرهم بين الوداعة والسخط,والعجيب أن الكلاب الحيوانية تتفوق علي البشر في مهامهم سواء اللص الذي يخطئ صيده أو الكلاب البشرية التي لا تعرف سوي غريزة الخلاص لهدفها الشخصي فقط.

محفوظ أحد العالمين بخبايا النفوس البشرية,يكتب روايات تلك المرحلة من أدبه بتقنية المونولوج الداخلي,يستخرح من الشخصيات مكامن خيباتها وهزائمها,يسرد حياتها من جديد بدمج الماضي وذكرياته المحشورة في الوعي واللاوعي ليقذف بها في ثنايا الحاضر كقدر لا يمكن الإفلات منه,الماضي هو ما يسوث المستقبل بمقود الحاضر,الخيانة والظلم هما ما يجعلا نفس سعيد مهران ثائرة علي الجميع,تريد القصاص بأي ثمن,يخرج من السجن باحثاً عن ابنته وبيته وكتبه لا يخرج سوي بقطرات لا تشفي ظمأع,فيتجه إلي المسدس ومن المسدس والرغبة المستعرة في محو شعور الظلم والخيانة بالدم,يغرق في سلسلة من التخبط الأعمي والفشل الذريع يريد أن يرفع عن نفسه الظلم,فيظلم أبرياء لا ذنب لهم إلا أنهم وجدوا في المكان والزمان الخاطئ!

مع كل رحلة يخرح من أجلها سعيد لينال انتقامه المشتهي,يعود وقد أصاب بريئاً!إنه عبث أقدار نجيب محفوظ القديم في مرحلته التاريخية يعود بشكله العصري وليس عن طريق نبوءة من كاهن,بل بنسيج من ظروف اجتماعية ونفسية جعلت الأبرياء يحلون محل المجرمين والوضعاء يستولون علي المراكز العليا"اذهب إلي الجبل حتي يهبط الظلام.لا تغادره حتي يهبط الظلام.تحاش الضوء ولذ بالظلام.تعب بلا فائدة.ذلك أنك قتلت شعبان حسين.من أنت يا شعبان؟.أنا لا أعرفك وأنت لا تعرفني.هل لك أطفال؟.هل تصورت يوماً أن يقتلك إنسان لا تعرفه ولا يعرفك.هل تصورت أن تقتل بلا سبب؟.أن تقتل لأن نبوية سليمان تزوجت من عليش سدرة؟.وأن تقتل خطأ ولا يتقل عليش أو نبوية أو رءوف صواباً؟.وأن القاتل لا أفهم شيئاً ولا الشيخ علي الجنيدي نفسه يستطيع أن يفهم.أردت أن أحل جانباً من اللغز فكشفت عن لغز أغمض"

رغن أن الخطة موجودة والإرادة صلبة لا تلين والرغبة في معاقبة الخونة صادقة,إلا أن الأقدار تعمي عين سعيد مهران كلما أراد أن يوجه رصاصته نحو الطريق الصحيح,فإذا بها تنحرف وتقتل الأبرياء,مرة عامل ومرة بواب كأن للخيانة مساربها التي يحتمي بها الخونة فلا يصيبهم رذاذ العدالة أبداً,رؤوف علوان في سموه الاجتماعي كصحافي شهير مؤثر في الرأي العام,ونبوية وعليش في هروبهم واختفائهم ببراعة من طريق الزوج المغدور به,لعبة قاسية تلعبها الأقدار معه وتعميه حتي عن نور التي تهبه قلبها وتتمني أن تحيا معه بقية عمرها,بعيداً عن شقاء الانتقام ووضاعة العمل في الدعارة,إلا أن سعيد ليس في قلبه سوي مرارة الغدر به وسرقة ممتلكاته وابنته من زوجته وصبيه الخائن,أو سرقة المبادئ القديمة التي لقنها له رؤوف علوان حول فلسفة السرقة,بأسلوب منمق بالثقافة والمبادئ الثورية حتي أنه اعتبر أن البلاد تحتاج إلي مسدس وكتاب,لماذا؟المسدس للتكفل بمثالب الماضي والكتاب لينير المستقبل!وعندما يتسلق السلم الاجتماعي يصبح أشرس كلب يطارد سعيد مهران وقد أصبح مصدر تهديد له.

وفي النهاية يتكاتف الكلاب لينالوا من اللص صاحب الرؤية الفلسفية والاجتماعية,المتخذة من السرقة تعبيراً واقعياً عن تهاويم البحث عن عالم أفضل"وغاص في الأعماق بلا نهاية.ولم يعرف لنفسه وضعاً ولا موضوعاً ولا غاية.وجاهد بكل قوة ليسيطر علي شئ ما,ليبذل مقاومة أخيرة,ليظفر عبثاً بذكري مستعصية,وأخيراً لم يجد بداً من الاستسلام فاستسلم بلا مبالاة..بلا مبالاة..".

تاه سعيد بين عالمين عارم يرفضه(زوجته نبوية-ابنته سناء-معلمه القديم رؤوف)بينما هو منجذب إليه بفعل عواطف شتي,وعالم آخر يأتيه من خارجه(نور كحبيبة-المعلم طرزان كصديق حقيقي-الشيخ علي الجنيدي كمعني نوراني غارق في المعاني الصوفية.

كلا...الانتقام...لعنة أوريست وهاملت لا تريد التخلي عن أبطالها وضحاياها لابد أن تصرعهم...

اللص والكلاب هي أول رواية كتبها محفوظ بعد أولاد حارتنا وذلك السياق له دلالة في المشروع المحفوظي ككل,سعيد مهران أحد الأولاد التائهين الباحثين عن العدالة والحق لكن رصاصته الطائشة زادت من الخراب والقهر,لم يبرد ناره حبيبة ولا صديق كأثمن ما يحصل عليه الإنسان من عوض عن لطمات الماضي الأليمة,ولا كلمات الشيخ علي الجنيدي الغامضة التي لم تكن تستغلق علي أبيه عندما يسمعها من الشيخ,عالمه النفسي صاخب متلاطم غير قادر علي فه عباراته التي تحتاج لقلب لم يلوث بالحقد والكراهية والرغبة في القتل.

تهاوي سعيد مهران أخيراً وقد انصاع لقدره الذي يطارده ولم ينجح في تحديه وتغييره,وهل نجحت حميدة في زقاق المدق من قبل,هل نجحت الأسرة في بداية ونهاية؟وكيف كانت نهاية صابر الرحيمي في الطريق,شخصيات محفوظ قدرية لكنها كلما حاولت الإفات من قدرها يستحكم عليها بأنيابه حتي يدميها...فراشة تحوم حول النار حتي تحترق بها.

 

السبت، 15 أغسطس 2020

انتحار بيت قديم

 


العصفور السعيد

تقدم العصفور خطوة ليقف ملاصقاً للنافذة تماماً,ينظر من خلالها إلي البنت الصغيرة مفطورة القلب,تبكي بحرقة,يسمع تنهداتها من الخارج,يحزن العصفور لبكاء البشر,ويتألم معهم رغم أنه لا يجد سبباً للحزن,السماء واسعة والأرض كذلك تسع الجميع ليحيا فيها,فما بال هؤلاء البشر يكدرون بعضهم ولا يرتاحون إلا إذا ألحقوا الأذي بغيرهم,نقر نقرتين علي الزجاج,لم تنتبه البنت وراحت تعض الوسادة مقهورة ودموعها الساخنة تجري وتزوم من الوجع,زادت شفقة العصفور وزقزق لعلها تتلهي عن بكائها,ظل يزقزق ويغني ويضرب بجناحيه طوال الليل,حتي هده التعب وارتمي علي ظهره في يأس وإجهاد,شاهد الدنيا من تحته تموج بخلق كثير,يطوف الناس حول أنفسهم فقط لا يهتمون بغير فائدتهم,غير عابئين بما ينطوي عليه العالم من آلام,قرر أن يكون أفضل منهم,واصل الليل بالنهار,مع طلوع الشمس كان يغني ويرقص سعيداً منتشياً,يغني للبنت النائمة ظناً منه أنها نامت علي صوته,رقص حباً في الطبيعة والسماء,وكلما ارتفعت الشمس زادت حرارة أداؤه,لم يتحمل قلبه كل هذه السعادة والتعب وسقط ميتاً علي الإفريز.

عند الظهيرة والشمس في عز شبابها,فتحت البنت النافذة,وصرخت هلعاً عندما وجدت العصفور ميتاً,جاءت أمها جرياً تستطلع ما حدث,أحضرت عصا المكنسة الخشبية المكتسية بالسواد عند رأسها,ودفعته ليهوي إلي الأرض,ارتطم بالأسفلت وعلي وجهه الميت ابتسامة يعرفها من يجيد قراءة التعابير العصفورية,قفزت قطة رماها صبي عابث بالحجارة نحو الرصيف,تأملته للحظة,وتدلي رأسها نحوه,التقطته بين أسنانها وغابا عند المنعطف.

2

انتحار بيت قديم

اليوم يهدمون البيت بعد حياة مديدة امتدت مائة عام,وقف عامل بارز العضلات تحت الشمس المحرقة,رفع المطرقة الضخم بساعدين مدربين,هوي فوق رأس المنزل توجع البيت من الضربة,قلقت الذكريات وتوجست بقايا أرواح كل من عمروه,تتالت الضربات,عشرات السواعد تجلد البيت بلا شفقة,بكاء البيت طغت عليه أصوات المطارق وزعيق المارة وجعير أبواق السيارات,يتمني لو يسمعه أحد ويعفو عنه صرخ بصوت واهن تردد في جب الفراغ العميق:

-لا زلت قوياً ويمكنني العيش مائة سنة أخري,صاحبي الأول بناني كما ينبغي,كان علمه في رأسه وعمله في يديه وضميره رقيب,لماذا تريدون هدمي وكل ما حولي هو ما يستحق الهدم قبل فوات الأوان,مع أول هزة سيقع فوقكم وساعتها ستحتاجون لي,اتركوني أعيش رحمة بكم يا ناس.

همدت المطارق,ظن أنه نجح في إقناعهم,فرش العمال السمر المغبرين بالتراب علي وجوههم وملابسهم,ملاءة مهترئة,وجلسوا حول طعام الإفطار يأكلون ويتحادثون,يؤنسون وحدته الآن إذن,سامحهم علي طرقاتهم المؤلمة,وراح يستمع لأصواتهم في شوق من فقد الحس والصاحب...آه...ضربة أخري,استسلم البيت للأمر الواقع,جمعت بقايا الأرواح نفسها وخرجت للشارع وسط الغبار والحر,أما الذكريات فقد تكومت علي نفسها وقد قررت أن ما يجري علي البيت يجري عليها.

جاء البلدوزر في النهاية ليهدم الدور الأول من جذوره,بمجرد أن لامس حديده البيت الذي فقد قواه,سقط من تلقاء نفسه منتحرا,مخلفاً ورائه سحابة هائلة من التراب الناعم,ثار في الجور وهاجم كل ما في طريقه,أغلقت الحوانيت أبوابها وأغلقت المنازل شبابيكها وجري المارة,خوفاً من العاصفة الترابية وبعد خمودها,عاد كل شئ لحاله...ولم يعد البيت القديم.

3

النبضة الأخيرة

العجوز في غرفة العناية موصول به أسلاك في الأنف والصدر,ممدد علي السرير,هو الذي لم يمكث يوماً في مكان,طاف الدنيا وحكي كثيراً عن متعته الجارفة وهو يهبط في بلاد الجليد من علي سلم الطائرة متدفئاً بالخمر وأحضان النساء,معلقاً جاكتته علي إصبعه فوق كتفه,وعن مغامراته في بلاد الفرص يركض حول نوادي القمار ولاعبيه يربح من ذلك وينفقه علي تلك,وعن ركوبه للفيل في الأدغال وتمايل جسده واهتزازه مع حركته,كان يختبر الشباب بسؤالهم عن عواصم الدول وكالعادة لا يجب أحد,فيستفيض هو في الكلام عن الجغرافيا والتاريه والعالم وما يحوي من جمال ومناظر,يحملهم بلسانه إلي ما سمعوا عنه ولم يروه,يسرد عليهم ما يلهب رغبتهم في التجوال,لعلهم يعيشوا حياة كالتي عاشها أو قريب منها.

يبدو هادئاً بعد فوران طويل,ليس بجواره مخلوق,نسي في غمرة طموحه وتقافزه في أرجاء الأرض,أنه يحيا وحيد ليس بجواره أحد وعندما أفاق كان الوقت فات,القلب ينبض نبضاته الأخيرة,أخيراً سيستقر العجوز هذه المرة في بلاد بعيدة جداً,لها تذكرة ذهاب فقط,ها هي يمنحها له جهاز قياس ضربات القلب بخيط طويل وصفارة مزعجة تستعجله لرحلته الأخيرة...وداعاً أيها العجوز ستعيش بعد حكاياتك حتي يلقاك آخر من سمعها منك.

 

 

السبت، 11 يوليو 2020

غرفة في قصر الإمبراطور


بني أحمد زكي بموهبته الفياضة قصراً فنياً هو الأعلي قامة في تاريخ السينما المصرية,يعيش فيه عشرات الشخصيات التي قدمها في السينما,لكن أحمد زكي نفسه لا وجود له,فقد وهب شخصياته التي أبدعها روحه ودمه فعاشت كما نعيش نحن,من خلالها تعرفنا علي مشاعرنا الحقيقية,مخاوفنا وأحلامنا,آمالنا وخيباتنا,تلك هي الوظيفة الأسمي لفن السينما تعريفنا ومصالحتنا علي أنفسنا,الطبطبة عند الفشل والتشجيع عند اليأس,كل هذا موجود في الغرف العامرة لقصر الإمبراطور,في تلك الحجرة يقبع عبد السميع وأولاده في أيام تغير اجتماعي عاصف لم يعد أحد يعرف البيه من البواب,وفي تلك أحمد سبع الليل متورطاً في أمور أكبر منه ولكن قلبه ما يزال بريئاً,أما هذه فعندها إبراهيم الخجلان من بيئته والرافض لوضعه الاجتماعي يكذب كي يتجمل,بجوارها خالد عبد الحميد المدمن يداوي جراحه بالمخدرات حتي يجد الشفاء في الحب,نتقدم أكثر فنري غرفاً أخري,محمد حسن النمر الأسود يجئ ألمانيا بسيطاً وجاهلاً ثم يتحول لأحد أكبر رجال الأعمال,عبده الطبال يكافح في سبيل فنه المؤمن به حتي يتحطم أمام الراقصة,أحمد أبو كامل في شادر السمك يتجبر ويتعالي متحكماً في الأرزاق حتي يلقي مصيره,علي عبد الستار لا يجد سوي هضبة الهرم ملجأ للحب بعدما أعيته الظروف المحيطة به,العقيد هشام أبو الوفا الرجل المهم وزوجته التي لم تجد الأمان مع الرجل المفترض أن يمنح مجتمعه الأمان,حسن هدهد يسلي الأغنياء علي حساب نفسه وقد حلق كابوريا,منتصر عبد الغفار في رحلته للهروب من الظلم فيظلم الناس معه دون قصد,مصطفي خلف ضد الحكومة يسرق التعويضات ثم يتطهر بخطبة تاريخية ما زالت صالحة لليوم,صلاح يلعب الكاراتيه ليدافع عن نفسه وسط عالم لا يرحم,الباشا ضابط الآداب الذي يرفض ملاحقة الصغار والتوافه لكنه عاجز عن القبض علي الرؤوس الكبيرة,حمادة يسوق سيارة الهانم ويكشف أسرار عائلتها,الرجل الثالث في الطائرة يحبط عملية تهريب مخدرات,عبد الناصر في 56يؤمم القناة وتسانده الملايين,غرف كثيرة جداً كلها مغرية للدخول,لكن كما في قصص ألف ليلة وليلة,توجد غرفة هي الأهم لكن دخولها يكلف ثمناً غالياً,غرفة أرض الخوف التي بناها معه داوود عبد السيد عام1999,هي أعجب الغرف علي لافتتها ثلاثة أسماء(يحيي المنقبادي/آدم/يحيي أبو دبورة)مما يجعلها أعقد من دكتور جيكل ومستر هايد,فهنا ثلاثة شخصيات تتشارك جسداً واحداً لا اثنتين فحسب كما في قصة ستيفنسون,وداخل هذه الغرفة يوجد سر أحمد زكي.
أي محب للفن السينمائي لابد أن يعجب بمجموعة من الممثلين والممثلات ممن جسدوا حيوات لا تنسي,رأيناها علي شاشة السينما وشكلت وجداننا,ألهمتنا وجعلتنا نفكر في الحياة من جديد,أحمد زكي واحد من هؤلاء خاصة عندما يجتمع مع مخرج بعقل فيلسوف كداوود عبد السيد ليدفعوا بالمشاهد معهم إلي أرض الخوف.
ضابط شرطة يتم تكليفه بمهمة سرية تمتد طوال حياته,هدفها زراعة عميل في العالم السفلي لدنيا المخدرات والجريمة,لن يكون مجرد جاسوس تنتهي مهمته عند مرحلة معينة,بل سيصبح فعلاً مشاركاً في الجريمة والفساد,لكن في أعماقه لابد أن يؤمن بقدسية مهمته وهي تخليص العالم من الشر والفساد!مهمة صعبة لا يقوي عليها إلا أولو العزم من البشر,يوافق يحيي المنقبادي علي أن يصبح يحيي أبو دبورة بشرط ألا ينسي أنه آدم في مهمته حيث يوالي إرسال التقارير للداخلية,ويحصل علي اعتراف من الدولة يحميه ويثبت حقيقة مهمته,مع الوقت وتوالي السنين يبدأ الشك والوهم لعبتهما في العبث بعقل الإنسان حتي يخيل له أنه في الأصل مجرم,وكل الذكريات عن المهمة ومكافحة الشر محض خيالات تترائي له خاصة عندما يقابل موسي موظف البريد ويعلم منه أن كل تقاريره لا تصل لأحد من المسئولين بل تقع في يده,وفي النهاية يتخلي عن مهمته لكنه ما يزال حائراً بين يحيي المنقبادي ويحيي أبو دبورة.
يتم قراءة هذا العمل الفني علي أكثر من مستوي,سواء المباشر كضابط يكافح الجريمة,أو المستوي الفلسفي المتساءل عن جدوي حياة الإنسان وجهده الدائم في تحقيق شئ ما يذكر له,أو المستوي الديني عن خلق الإنسان ورحلته علي الأرض متشبثاً بقوانين السماء وربما يمكن القول أنه يشير إلي طبيعة التغير العاصف لسياسة الدولة قبل النكسة وبعدها فقد تقاطع يحيي في مهمته علي أحداث سياسية هامة,لكن المستوي الذي نجد فيه سر موهبة أحمد زكي هو المستوي النفسي...صراع الوهم والحقيقة.
وتلك مشابهة للأزمة التي عاش فيها يحيي لعشر سنوات,أزمة الوهم وفقدانه لبوصلة نفسه لحساب مجرم وقاتل يتضاد مع كل ما يمثله ضابط شريف يرفض الرشوة ولا يتواني عن تحرير محضر ضد رؤسائه إذا شكاهم أحد المواطنين,ضابط يعيش للقانون فيجد نفسه بقرار واحد يوافق عليه مطارد من العدالة,منبوذاً من زملاؤه,نبرة صوت أحمد زكي في السرد بداية الفيلم,بينما هو في مستهل حياته الجديدة المفروضة عليه,تختلف عنها في نهاية الفيلم وهو ضائع يطرح علي المشاهد أسئلة من عينة:هل يمكن للإنسان أن ينسي نفسه,أن تدفعه ظروفه التي فرضت عليه أن ينسي علام كان يرتكز في وثبته الأولي نحو هدفه القديم؟هل يمكن أن يشكل المحيط الاجتماعي والكلام والمواقف إنسان منبت الصلة بالآخر القديم؟هل الوهم عذاب أم الحقيقة عذاب أشد؟
في المشهد الذي يعترف فيه يحيي أبو دبورة لزوجته منفعلاً أنه تاجر مخدرات,ينسي وننسي معه يحيي المنقبادي,بل يصيبنا نحن الشك فعلا عندما تلتمع عينا أحمد زكي بصدق لا مثيل له,والصدق هو مفتاح الشخصية الفنية لأحمد زكي والشخصية الإنسانية؛لذلك كان صوفياً من طراز نادر يسعي كالفراش نحو نار الحقيقة,نار التجلي,والحقيقة لا تمنح نفسها سوي لمتصوف يقدر علي مواجتهها ثم إعطائها لنا سهلة نقرؤها أو نشاهدها,ويظل فعل المواجهة نفسه بعيداً عن الإنسان العادي.
المشاهد التي جمعته مع موسي(عبد الرحمن أبو زهرة) في جامع السلطان حسن من أجمل مشاهد الفيلم,موسيقي روحانية لراجح داوود مع أداء ثنائي يتمازج فيشع منه الفرق بين القلق والطمأنينة,بين الفوران والخمود,بين الآمال العظيمة والمطالب البسيطة,يحيي المنقبادي متحفزاً للمعرفة متألماً لضياع هويته بفعل الأحداث,بينما موسي يصلي لله قانعاً لا يعرف عن المهمة شيئاً ولا يريد أن يعرف! لا يريد من الدنيا سوي العيش البسيط بدون أن يفكر كثيراً أو يتطلع لأفق أكبر حتي أنه عندما يراه لأول مرة يسأل"عندك أولاد؟"وعندما ييأس يحيي من الإجابة عن أي شئ لا يجد بداً من التحرر من أفكاره المعذبة ويلقي أحمد زكي بصوت مهزوز بدأ العجز في التسلل إليه بدليل جلسته المنكمشة كهزيمة أمام واقع ساحق"أنا لما ابتديت المهمة...كنت قادر أشوف كل حاجة بوضوح..كنت متأكد من اللي بعمله..بعد كده..ابتديت أحس إني بشوف الصورة من ورا لوح إزاز..وبالتدريج ابتدت كده طبقة تتكون زي التراب..والمشكلة إن التراب ابتدي يزيد..لدرجة إني مبقتش شايف أي حاجة صورة ضبابية..ذكريات اختلطت مع الأحلام مع الأوهام مع الحقايق.
الفترة الأخيرة ابتديت أحلم بكوابيس وأصحي خايف..مش عارف ليه؟بقيت بحس إني محكوم عليا بالوحدة..متعلق في الهوا لا قادر أمسك حاجة بإيديا ولا في أرض تحتيا..
وبقيت أسأل نفسي سؤال:أنا ليه بقيت كده؟".
وعندما يتسبب يحيي في اضطراب حياته يموت!
مشاهده مع المعلم هدهد(حمدي غيث)أيضاً يشع منها الفرق بين الرفض والقبول,النقمة والرضا,الاشتباك مع النفس والتصالح معها,المعلم هدهد كبير معلمي الباطنية متوائم تماماً مع قدره كمجرم,يعيش عارفاً أنه سيموت قتيلاً جراء اقترافه القتل في حق الآخرين,صاحب فلسفة تجعل الكون في تناغم أمام عينيه,فعندما يقبض البوليس علي رجاله لا ينزعج بل يقول في ثقة"ربنا بيرزق الكل الطير في السما...والنمل في الشق.. وبيرزقنا احنا كمان..الصياد لازم يرجع مجبور,والبوليس لازم يرجع ومعاه صيده..حتي اللي اتقفشوا ربنا هايرزقهم هم كمان"
في مشاهده مع عمر(عزت أبو عوف) يبرز الفرق بين الطريق السهل المضمون والطريق الوعر,الضابط العادي الذي يعيش في حياته الواقعية دون التضحية لهدف أسمي يهدف للقضاء علي تجارة المخدرات,والضابط الذي اختار الاندماج والتوحد مع شخصيته الجديدة.
ومع فريدة (فرح) يجد يحيي جزء من ذاته المفقودة كأن الحب-أغلي ما يمتلكه إنسان-التعويض العادل عن ما لاقاه في أرض الخوف من عناء,يعود لزوجته قبيل النهاية وقد كبر ابنه من زوجته الأخري هناء التي أعطاها له المعلم هدهد,وبينما هي ساكنة في حضنه يعلق يحيي بنبرة محايدة بعد كل ما مر به"عادت لي فريدة كما لم أعرفها من قبل,وبقي الحذر والخوف رفيق دائم,وبقيت ذكرياتي وظل حنيني...لأرض الخوف"
في أثناء بحث داوود عن الحقيقة أياً كان الدرب الذي سلكه,قدم أحمد زكي في صورة جديدة,ربما هي الأبرز علي الإطلاق في مسيرته الفنية,داوود في كل أفلامه سمة روحانية شاعرية,تحتاج لممثل شاعر متمكن من أدواته الفنية لأقصي درجة,ليجسد شخصية سيختلف عليها النقاد والمشاهدون,بينما الفيلم واضح كل الوضوح والدراما أمام العين لا منذ اللحظة الأولي لا تختبئ خلف ألغاز,لكن السؤال هل هو مجرد ضابط شرطة أم هو رمز للإنسان وحيرته الوجودية في البحث عن الخلاص من خطيئته الأولي الواردة في النصوص الدينية,وقد عبر عنها داوود بأكل يحيي للتفاحة أثناء تلقيه العرض من رئيسه و مع وجود أسماء كيحيي وهدهد وموسي ويونس وآدم وكلها ذات دلالات في الأديان الإبراهيمية,هل ذلك الشخص واهم أم يجبر نفسه علي الوهم للهروب من بشاعة اختياراته في الحياة؟...وهكذا تثير الأعمال الفنية الحقيقية جدل متواصل يثير العقل ويحرك الأفكار,بل يحركها المشاهد تجاه نفسه,ويبدأ في الغوص والتساؤل حول حياته الشخصية,كلنا كبشر كانت لنا أهداف وطموحات أسمي كنا نتأجج بها في بداية حياتنا,ومع تقادم العهد عليها وسرقة الأحلام بفعل واقع مزر ربما لم يكن لنا فرصة اختياره كيحيي نبدأ بالتدريج بالانسلاخ عما كان يعيش تحت جلدنا من قبل,وأصبحنا كأننا أناس غير التي كنا,ابتدأت الأقنعة الزائفة تحل محل وجهنا الحقيقة ومر السنين التصق القناع بالوجه فأصبح الفصل بينهما يتطلب عملية مرهقة مؤلمة لابد أن ينزف منها الدم الغزير وقد يتشوه الوجه الحقيقي,أصبح الواحد منا كلما أتاحت له الحياة هدنة قصيرة يعود فيها لنفسه قليلاً بعيداً عن الصراع والضجيج المُصم للآذان يشعر كأنه شخص معلق في الفراغ,لا أرض تسنده ولا سماء تظله!ويبقي السؤال هل يمكن للإنسان استنقاذ نفسه من فوضي الواقع حوله؟لم يدل يحيي علي الطريق سوي الوثيقة المخبأة في أحد البنوك,التي تبرئه من كل ما ارتكب وتحفظ عليه أمواله التي اكتسبها خلال تجارته في المخدرات,أي إن عوامل العالم الخارجي هي سبيل الهدي للكائن البشري,أما الظلام القابع داخله لا يمكن طرده دون نور من مؤثر خارجي,الصراع ليس بين شخصيات فحسب,بل بين المعاني المتضادة من خير وشر جريمة وشرف,الثنائيات كانت حاضرة علي الدوام وهي غير متوافقة كل منها لا وجود له مع الآخر.
إننا نلجأ للأفلام الجيدة طالبين الانفعال الصادق,ولا يوجد في السينما المصرية من منح مواطنيه الذي يشبههم ويشبهونه انفعالاً أصدق من أحمد زكي,حين يصرخ بألم أو يضحك في سعادة,أو ينظر في حزن,أو يتضرع طلباً للرحمة,أو يحدق في قوة,حتي عندما يغني بصوته الخشن يجذب أسماعنا راضيين متطلعين للمزيد ,أحمد زكي فنان متصوف يفني في عمله وشخصياته التي أبدعها طوال تاريخه الفني,يتأثر بها ويعايشها إلي حد غير معقول يخلط به الوهم بالحقيقة,جهازه العصبي حساس طوال الوقت يجعله يتقمص الأدوار فتنبض فيه حية,فعرف بشخصياته التي نذكر أسمائها أحياناً دون الإشارة لأحمد زكي نفسه,وصوفيته منبعها إيمانه بفن التمثيل أو التشخيص وهو المصطلح الأكثر دقة بالنسبة لأعماله, كإطار مصطنع لكشف حقائق الناس الذين راقبهم جيداً ودرس حركاتهم ثم أعاد تشكيلهم أمام الكامير,فصب في أعيننا وآذننا متعة فنية,وجعلنا نشعر بأنفسنا وبالآخرين من حولنا,فدفع ثمناً باهظاً من أعصابه وصحته النفسية,يريد أن يجسد جميع الناس ويحيا حياتهم,مقابل هذا الحب للناس والشعور الصادق بهم,أحبوه بالمثل وجعلوه إمبراطوراً لفن التمثيل,كلمة filmالإنجليزية من معانيها"الغشاء الرقيق"والقلب أيضاً غشاء رقيق مبطن بالأحاسيس,لا يكتب لممثل الخلود علي شريط الفيلم وداخل قلوب المشاهدين بغير حساسية غير عادية تتماهي مع ذلك الغشاء الرقيق المعبأ بشئ يشبه ما يجول في القلوب من معاني وصور,وحده ذلك الممثل القادر علي أن يصبح اسمه في مرادفاً للمعاني العظيمة التي ربما لم يتح لنا تجربتها في الواقع لكننا جربناها معه علي شاشة السينما.
 أثير وجه التشابه بين أحمد زكي والفنان الأمريكي آل باتشينو في القدرة علي نقل الأحاسيس الإنسانية,بالفعل جاء التشبيه منطقياً كليهما تنطق عينيه كلسانه وجسده,منهما أطللنا علي عوالم نفسية معقدة وصراعات داخلية تموج في النفس,حتي آل باتشينو في ملابسات ظهوره بفيلم الأب الروحي وعدم رضا معظم فريق العمل عنه,مقاربة لبداية أحمد زكي في معاناته مع رفض المنتجين وبعض الممثلين من قبوله بشكل كامل لابتعاده عن الصورة التقليدية للنجم,لكن كل الظروف الجانبية تبخرت ولم يبق سوي تجارب فنية عظيمة,طبعاً آل باتشينو لا يحتاج شهادة أحد لكن أحمد زكي بتكوينه النفسي ورغبته في إثبات الذات في بيئة فنية متواضعة مختلفة عن التقدم والصناعة الهوليوودية المذهلة يحتاجها وتسعده,موقف روبرت دي نيرو عندما كان رئيس لجنة تحكيم مهرجان موسكو المعروض فيه فيلم زوجة رجل مهم,عندما قابل أحمد زكي"actor you are excellent "ضحك قائلاً excellent يعني ممتاز صح؟"ومن فرط سعادته أخذ يتقافز وسط الوفد المصري وهو يردد في بهجة الدنيا تلك البهجة التي حرم منها صغيراً يتيماً-ومنحته السينما إياها طوعاً اعترافاً بعبقريته الفنية-:"بيقوليexcellent يا ولاد الكلب"هذه الواقعة تكشف عن الطفل البرئ في قلب فنان عظيم تجئ بعد تعب ومجهود وبذل لا حدود علي علي مذبح فن التشخيص,حرث وزراعة سنوات طويلة أثمرت في النهاية عن منجز فني يستحق القراءة كمشروع متكامل مرة تتلوها أخري,مشروع من شأنه إلهام أجيال جديدة من ممثلي السينما المصرية المتوعكة بشدة منذ سنوات طالت وقد آن أوان الإفاقة في سبيل وعي جديد نحو فن السينما ونحو واجبها تجاه وطنها,وتجاه تاريخها المجيد منذ أكثر من قرن مضي,ذلك التاريخ يضع جميع صناعها في حرج بالغ وهم للأسف يقدمون أعمالاً لا ترقي لرؤية والتزام وعطاء المؤسسين الأوائل والأجيال التالية لهم ممن جعلوا من أفلامهم تاريخاً نتعلم منه قبل أن نباهي به,وضمنهم يقف أحمد زكي بين المتصدرين للواجهة...واجهة أحلامنا الجميلة وتجاربنا الصادقة.
 عند بوابة القصر نري أحمد زكي نفسه قابعاً علي بابها يتأمل هذا البناء المذهل بعين الناقد,وتلك ميزة الفنان وعيبه عدم الرضا عما يقدمه,وربما لو رضي الفنان لماتت موهبته وتجمدت,أحمد زكي الفتي الريفي الغلبان الذي اقتحم بوابات العاصمة فنجح بموهبته وعمله فقط,في تجربته الشخصية نفسها نجد قبساً من صلابة المصري وإيمانه وقدرته علي الخلق والإبداع حتي في أصعب الظروف.
محمود قدري