الأربعاء، 30 نوفمبر 2022

لابد لأحدهم أن يسقط

 

لابد لأحدهم أن يسقط

مسرحية قصيرة من فصل واحد

المنظر:(بوابة قصر عملاقة مزينة برسوم ونقوش عن الصيد بالسهام, أمامها يقف أمير شاب قوي البنية طيب النظرات له شعر أسود فاحم, لكن ثيابه مهلهة وشكله متعب, يسير ذهاباً وإياباً أمام البوابة في صمت, ناظراً إلي النافذة العلوية, من الناحية اليمني يدخل شخصان علي وجهيهما الشراسة والغلظة, هما الشقيقان ضار وضرار,ويخوضان في حديث هامس.الوقت عصراً في أحد أيام الشتاء)

 

ضار: هل هذا هو الأمير الذي طرده والده الملك من قصره؟

ضرار: أجل.

ضار: يبدو أنه لن يشفق عليه ويعيده إلي الداخل.

ضرار: إن مليكنا صارم في أحكامه لا يعدل عنها أبداً.

ضار: منذ ثلاثة أشهر وهو علي هذه الحال لم يبرح البوابة, آملاً في عطف الملك...أنت محق يا أخي ضرار إنه متين البنية.

ضرار: إنه قوي كالثور, لكنه طيب القلب حسن النية يتعامل مع الحياة كطفل وليد, ولأول مرة يبرح القصر.

ضار: هل أنت متأكد أنه ضالتنا التي نرجوها؟!

ضرار: بالطبع...انتظر هاهنا(يذهب للأمير,ويوجه له حديثه بلهجة ناعمة)صباح الخير أيها السيد المهاب.

الأمير(متهللاً)صباح الخير يا صاحبي.

ضرار(يخرج كيس به طعام من جعبته):أحضرت لك اليوم طعام كثير, كل منه أيها الأمير كما تشاء.

الأمير(يتناوله من يده):شكراً لك يا ضرار لا أعرف كيف كنت لأحتمل الحياة بدونك!

ضرار: لا شكر علي واجب أيها الأمير, إنك ولي نعمتنا ويوماً ما سيفتح لك القصر.

الأمير(متنهداً): لا أظن ذلك, فأبي لا يلين.

ضرار: هل ستظل عندك إلي الأبد؟!

الأمير: وماذا سأفعل غير ذلك؟

ضرار: الحياة أمامك واسعة(تتغير لهجته الناعمة) وأنا لن أطعمك مجاناً بعد الآن! (الأمير ينظر له ولا يجيب,ضرار يشير إلي أخيه) هل تري ذلك الرجل الواقف هناك؟ إنه أخي ضار,ونحن نقوم ببعض الأعمال, ونحتاج إلي ثالث كي ننجز مهامنا في المستقبل بصورة أوسع...فهل تعمل معنا؟

الأمير(بصيحة فزع): وأفارق القصر؟!

ضرار: ستفارق القصر عاجلاً أو آجلاً,برضاك أو غصباً عنك, لن يمكنك الحياة هكذا طوال عمرك.

الأمير: ولكن...ماذا سأفعل معكما بالضبط؟

ضرار: لن تفعل شيئاً ستجئ معنا في مهامنا,تظهر بجسدك المتين هذا, ليخشي الناس بأسك, فإذا وجدتنا في عراك تتدخل لتناصرنا...فما رأيك؟

الأمير: أتقصد أعمل في البلطجة؟

ضرار: لا تستخدم ألفاظاً ضخمة لأعمال هينة.

الأمير: فماذا ستسمي مهنتي الجديدة إذن؟

ضرار: مساعدة صديق في وقت الشدة...أنت لا تدرك حقيقة العالم خلف أسوار القصر, ربما سمعت عنه لكنك لم جربه, لم تعرف العناء والكدح في سبيل لقمة تحفظ حياتك, وسقف يحميك من المطر, لا تعرف إهدار الكرامة خوفاً من الجوع والتشرد والسجن...ما دمت خرجت للحياة عليك أن تتلوث بها.

(المعلم يخرج من القصر, يتواري ضار وضرار ويراقبانهما من بعيد)

المعلم(متأثراً بحال الأمير ومظهره المحطم, يفتح له ذراعيه ويجري الأمير نحوه): أيتها الحياة, يالقسوة أنيابك السامة حين تنغرز في بدن المترفين, بعدما كسوتهم الذهب وأطعمتهم من شجر الجنان, آه يا ولدي الجميل, ليت تلك المغنية التي فرقت بينك وبين أبيك لم تر نور الحياة قط.

الأمير: كلا يا معلمي, بل يا ليتها دخلت القصر منذ زمن, إن الساعات التي قضيتها معها لأحلي من الشهد المصفي, إنها حبي الوحيد,وسأظل أحبها حتي الموت

المعلم: تلك الملعونة حرمها عليك والدك فأغوتك وأضاعتك.

الأمير: أنا من سعيت إليها, لقد تمنعت خوفاً علي من غضبة أبي, لكني لم أبال, عشقتها منذ رأيتها لأول مرة تخطو داخل القصر, وجه شبيه بالملائكة ممتلئ بالبراءة واللطف, وبشرة ناعمة بيضاء صافية, جعلتني أذوب, وعينان ساحرتان طافت بي نحو عالم بعيدة لم أدر يوماً بوجودها, وصوت أكثر طرباً من كل الآلات التي تترنم في الحفلات الملائكية, إنها بريئة لو كان هناك مذنباً فهو أنا.

المعلم: لا تزال هي السبب في كل ما جري لك, إنك لن تنجو في الخارج, لقد ربيتك علي منظومة من القيم لا تصلح للشارع وأهله, لم يخطر في بال أني سأراك يوماً مطروداً إليه, لو كنت أعرف مصيرك لما علمتك العلوم العقلية وهذبتك بالآداب الإنسانية, بل فنون المطاردة والهرب ومبارزة السوقة في الحانات وقاموس كلماتهم الشنيعة السافلة(يدق ناقوس داخل القصر, يرتاع المعلم) نداء الملك! لن يمكنني المكوث معك أكثر من ذلك, اذهب وسأعود إليك إذا استطعت...إن الملك خارج لا تدعه يراك.

(يدخل المعلم إلي القصر, يقف الأمير حائراً يظهر ضار وضرار يمسك كلاً منهما يد الأمير ويمضيان به خارجاً, يظهر الملك بعد لحظة, يمر الموكب عابراً المسرح حتي يختفي آخر فرد منه, يظهر الأمير وبصحبته ضار وضرار مرة أخري)

ضار: كاد الملك يلحظنا.

ضرار: إنه لحظنا بالفعل, لكنه لا يأبه لأحد منا ولا حتي لولده.

الأمير: لم يتعود أن يعصاه أحد, فلما صدرت المعصية مني, ثار وحطم كل ما طالته يده, اعتدي علي وطردني.

ضرار: ياله من أب ظالم, كل ذلك من أجل مغنية حسنة الصوت والصورة, المغنيات في هذه المدينة كثر, عمتي مثلاً مغنية في الأفراح, لكنها لا تسبب تلك المآسي, صحيح إنها سمينة نوعاً ما, وقبيحة أيضاً, ومع ذلك فهي الأخري مغنية.

ضار: إذن ماذا تقول أيها الأمير في عرضنا لك, هل تعمل معنا وتكسب قوتك, أم تحيا خائفاً جائعاً تحت ظلال القصر العامر بالخيرات,المحروس بجدران عالية لا سبيل لتجاوزها؟

الأمير:لا يمكنني فعل الشر.

ضرار: وعصيانك لأبيك ألم يكن شراً؟

الأمير:لا سلطان لي علي قلبي, لكن لي سلطان علي عقلي, والحب ليس شراً,إنما الشر يكمن في أذي الغير وتخويفه وابتزازه,وهذا ما أعتقد أنكما تفعلانه,وليس معني أحدهم تسبب لك في الأذي أن تنتقم من الجميع.

ضرار: لا تنس من ذلك أطعمتك.

الأمير(محزوناً):لو كنت أعرف ذلك ما سمحت لنفسي بمس طعامك أبداً.

ضرار:حسناً...قل لي كيف ستعيش؟

الأمير:لا شأن لك كيف سأعيش

(ضار ينظر لضرار يائساً)

ضرار(مغتاظاً): أريد ثمن ما ألقمته جوفك في الأيام الماضية.

الأمير(مضطرباً):ليس معي قرشاً واحداً.

ضرار(يفكر للحظة):اخلع قميصك.

(يخلع الأمير قميصه ويبقي عاري الجذع)

ضار(ساخراً):لتتدفأ في ليالي الشتاء الباردة بفضيلتك

ضرار(بسخرية أشد وهما يغادران المسرح):واصنع من حبك مائدة شهية التهمهما وحدك حين تجوع(يضحكان في خسة).

(يبقي الأمير وحيداً يشعر بالبرد, يسمع صوت المغنية تشدو بأحد الألحان داخل القصر,وتطل من النافذة,فتراه عارياً يرتجف).

المغنية: لهفي عليك يا أميري يا سيد قلبي ورجل حياتي, سأرمي لك بقميص يقيك من قرصة الصقيع, تغيب للحظة في الداخل ثم ترمي له قميصاً يلتقطه الأمير ويرتديه)

الأمير:كيف حالك يا جميلتي, كيف حال القصر عندك؟

المغنية:حالي عدم, والقصر ظلام من بعدك, لا تضيؤه كل قناديل العالم.

الأمير: وأبي الملك, أما يزال ناقماً عليك؟

المغنية:نقمته لا تعرف الخمود, بل تزداد, إنه يكلفني بأشد أعمال القصر صعوبة,قلبه لا يعرف الرحمة.

الأمير:علينا فعل شئ.

المغنية: وما الذي بأيدينا.

الأمير:الخلاص...اسمعي الملك خرج, هل يمكنك التدلي الآن من السور؟

المغنية: كيف؟

الأمير: اصنعي حبلاً.

المغنية:أخاف السقوط.

الأمير:عليك أن تختاري بين حياة الهوان أو العيش حرة في أحضاني.

المغنية: سأجدل حبلاً,وسأهبط في غفلة من الحراس...وبعدها ماذاسنفعل؟

الأمير:سنهرب بعيداً إلي مكان لا أسوار له.

المغنية:لقد عشت عمري بين الأسوار, من قصر إلي قصر, ومن ملك إلي ملك, لم أعرف البراح.

الأمير: لقد حان الوقت لتعرفي البراح..سنواجه شرور هذا العالم وسننجو...حتماً سننجو.

(تدخل المغنية من النافذة ويظهر المعلم)

المعلم: لقد سمعت كل شئ أيها الأمير,خطتك خطيرة سيجن الملك,وسيتعقبكما حتي يقتلكما بأشنع ميتة.

الأمير:لن يجدني.

المعلم: بل سيجدك إن في القصر فرساناً يقتصون أثر الصقر في السماء.

الأمير:لقد علمتني قيمة الحرية والآن تريد هدمها.

المعلم: قيمة الحياة أكثر أهمية.

الأمير:أتدري لم لم أبارح القصر حتي ذلك اليوم,انتظاراً لتلك الفرصة,لأخذ حقي في الحياة والفرار من وجه الظلم.

المعلم: كم أخشي عليكما, إني أوصيك فاسمع...احذر من الجميع ولا تجعل الارتياب الزائد يعكر عليك صفوك, أحب امرأتك ولا تنغمس في الحب فتغيب عن الحياة,اسع في الأرض ودر فيها,وليكن لك دوماً نقطة ارتكاز ثابتة كي لا تتوه.

الأمير: وصاياك غالية يا معلمي.

(تفتح البوابة و تخرج المغنية من القصر ركضاً)

المغنية: نجحنا.

الأمير: ليس بعد ما يزال الطريق طويلاً.

المعلم:الوداع يا ولدي...الوداع(يعود إلي القصر ويغلق الباب).

(يخرج الأمير والمغنية من خشبة المسرح,يظهر ضار وضرار من جديد)

ضار:لقد ذهب الأمير

ضرار: إن للملك أولاداً كثر,لابد أن يخرج واحد منهم في يوم ما, إن كنا أفلتنا هذا فلن نفلت من يله.

ضار:وهل سيستغرق القادم وقتاً طويلاً.

ضرار:مهما طال الزمن,فسيسقط أحدهم,هذا قانون الحياة...لابد لأحدهم أن يسقط

ستار


الأربعاء، 12 أكتوبر 2022

الجرح الخفي

 

الجرح الخفي

ل/د - مستشفي

-يدخل شاب يتحامل علي قدمه اليسري,يحمل كيس به مراهم  ويرتدي شبشب,نري إصبعه الأكبر مربوط بشاش وبلاستر,يتجه ناحية موظف الاستقبال.

الشاب:لوسمحت عايز أغير علي ضوفري.

موظف الاستقبال(يشير إلي حجرة في آخر الممر):طب اتفضل في الأوضة دي(يرفع سماعة الهاتف مباشرة)

-يتجه الشاب ناحية الحجرة...تمر ثوان وتظهر ممرضة قليلة الحظ من الجمال,نحيفة,ودودة لأقصي درجة,وجهها يشرق بابتسامة طيبة.

الممرضة:ألف سلامة

الشاب(يبادلها بابتسامة ويومئ رأسه تحية):الله يسلمك.

-تجمع الممرضة أدوات التطهير,وتبدأ في العمل,بينما الشاب يتمدد علي السرير.

الممرضة:ضوفرك ده اتشال من إيه اتخبطت في حاجة؟

الشاب(يهز كتفيه متعجباً):أبداً جزمة ضيقة...مش عارف ازاي ده أنا لبستها يوم واحد.

الممرضة:العيال برضه عندنا في البيت جابوا جزم العيد اللي فات طلعت ضيقة وتعبت رجليهم هم كمان...ومرة ممرضة هنا اتقفل عليها الباب ضوفرها طار وقعدت تصوت.

الشاب:احنا لسان قد كده(يشير لحجم ذراعه)بس أقل حاجة تخلينا لا علي حامي ولا علي بارد

الممرضة:مظبوط...بس انت ضوفرك ده ممكن تغير عليه في البيت.

الشاب(ضاحكاً):ماليش قلب...ده أنا شوفته من غير رباط كان هايغمي عليا.

الممرضة(تتسع ابتسامتها):هو فعلاً عايز قلب,طب ممكن حد في البيت يغيرلك عليه

الشاب(بتلقائية وقد استراح كلياً لها):ده أنا أشجع واحد فيه,دول شافوه مربوط كان هايغمي عليهم...كلنا قلبنا منيل.

الممرضة(تفلت منها ضحكة عالية):انت كده أشجع واحد فيهم فعلاً.

-تنتهي من عملها وتربط علي إصبعه بإحكام.

الممرضة(بحنان):خلاص ممكن تقوم...وحاسب من الجزم!

الشاب(مبتسماً):خلاص بقي آخر مرة...هاجيب نمرة زيادة كمان علي مقاسي.

-يخرج من الحجرة عائداً لموظف الاستقبال ليحاسبه,تتبعه الممرضة ثم تقفز بخفة علي السياج المغطي بالورود,متعلقة بعامود خشبي.

الممرضة(لموظف الاستقبال):ماتحاسبهوش يا أحمد,دي حاجة بسيطة خليها علينا المرة دي

-يشير لها الشاب علي رأسه بمعني"علي دماغي كرمك",ويلوح لها مودعاً ويسير خفيف الروح والبدن.

إظلام

-نفس المشهد بعد عدة أيام.

-يدخل الشاب كالمرة السابقة,فيشير له موظف الاستقبال لنفس الحجرة,يتجه لها وهو يبحث بعينيه عن ممرضة المرة السابقة,تظهر علي عتبة الباب ممرضة أخري فائقة الجمال,متجهمة تتحرك بآلية ورتابة شديدين,وتتحدث بجفاء,تنزع الرباط وتبدأ في العمل.

الممرضة(باستهانة):علي فكرة الموضوع مش مستاهل تيجي المستشفي تغير,وفر المراهم دي لحاجة تانية,ضوفرك هايطلع لوحده.

-لايرد الشاب,وتظهر علي ملامحه تعبيرات ألم كلما لامست يدها الآلية الصماء إصبعه.

الممرضة:أصله مش جرح يعني...والأوضة دي طوارئ.

-تنتهي بسرعة,ويخرج الشاب من الحجرة مسرعاً(ترفع سماعة التليفون لموظف الاستقبال).

الممرضة:أيوة يا أحمد....

-يصل الشاب لموظف الاستقبال يجده يتحدث مع الممرضة في التليفون.

الموظف(وهو يضع السماعة):أربعين جنيه

-يدس الشاب يده في جيبه ويخرج المال,يسلمه للموظف.

-خارج المستشفي...يري الشاب برميل نفايات,يلوح بكيس المراهم في الهواء ويرميه داخله,يعدل وضع الشبشب في قدمه ويسير متساقلاً يجرجر قدميه من الألم كأول مرة ظهر فيها نحو الشارع المزدحم الصاخب,وعلي وجهه مرارة واضحة.

 

 

أش

 

الجمعة، 30 سبتمبر 2022

أحلام النهار

 

أحلام النهار

مسرحية من فصل واحد

 

 

(منزل مملوكي,ينتمي للطبقة الوسطي علي اليمين أريكة خشبية مزخرفة بالأرابيسك,وعلي اليسار مقعدين,وفي الخلف مشربية يدخل منها الضوء بجوارها قلة ماء وعدة أكواب موضوعة علي صينية نحاسية,طرق علي الباب من الخارج,تدخل شمس النهار فتاة في بداية العشرينيات لتفتح,يظهر أبيها محجوب مضطرباً, وهوعجوز قارب الستين)

شمس النهار(مندهشة):أبتاه!لم يظهر الضحي بعد علي صفحة السماء,فما الذي جاء بك مبكراً من الدكان؟!

محجوب:لا شئ...أصابني ألم طارئء فجئت لأستريح.

شمس النهار(خائفة):ألم؟!أي ألم...أبي اكشف لي عما بك.

(محجوب يتهاوي علي الكرسي صامتاً)

شمس النهار:قد صدق حلمي...عندما اكتمل القمر في الشهر الماضي,كنت أري شرفات المنزل متهشمة علي الأرض,والبيت تتهدم أعمدته فوق رؤوسنا والصرخات والبكاء يصمان الأسماع,وبعدها جاء النبأ المخيف وتضعضعت أركان الحياة,هبط الطاعون كغضب من السماء ينصب فوق رؤوس العباد...والآن يا أبي...الآن يا حاج محجوب(تبكي)

محجوب:كل يوم يموت المئات,خلت الطرقات في مصروالشام ويقولون أن في البلاد البعيدة نفس الأمور,كم تصبح التعاسة متشابهة بين الناس لا فرق عربي أو أعجمي مسلم أو مسيحي أو يهودي أو ذاك الساكن في بلاد الأفيال,لا يوجد خشب للنعوش ولا قماش للأكفان من كثرة الاستهلاك ميت خلف الآخر بل عشرات خلف عشرات,ولو وجدوا فالأثمان خيالية من يستر الموتي من الأحياء؟!أصبح اللأب يدفن ولده وقد كان ينتظر أن يهيل ابنه عليه هو التراب...وهذا الصباح وأنا في الدكان رفعت يدي لأعلي ألتمس قارورة زيت فانكشف من الأكمام ذراعي(يكشف عن ذراعه فإذا به دمامل سوداء بشعة المنظر)ووجدت أني أصبت بعلامات الطاعون وليس علي سوي الانتظار(تقترب شمس النهار منه فيبعدها عنه بحركة من يديه,فتغطي وجهها بكفيها).

شمس النهار:آه يا أبي المسكين...ليتني كنت فداك.

محجوب:وقاك الله شر الطاعون والوباء يا ابنتي...والآن ارسلي في طلب خطيبك زياد لابد أنه في هذه الساعة ببيته في الجوار.

(تخرج شمس النهار)

محجوب(وحيداً)أي كابوس هذا؟! يظل الإنسان ساخطاً علي حياته شاكياً من الظروف والأيام,حتي يلم به أول داء,فيطلب من الله العودة إلي سابق عهده فإذا عاد يصير أسعد السعداء!ماذا يكون الإنسان ذلك الجبار الذي شاد الأهرامات وسور الصين العظيم وقصور روما واليونان,يغزو بالسيف ويحكم بالجبروت وبعزيمته خضعت الأمواج والجبال,ومع ذلك يذله الموت والأمراض,أيمكن أن يكون حقاً أعظك الكائنات علي وجه البسيطة فما باله يضطرب ويتقوض بنيانه(يكشف عن ذراعه)بعدة دمامل سوداء تنبثق من طين جسده...المال,الأهل,الولد,الحياة...ليس كل ذلك سوي قبض ريح وهباء,حيت تنحل القبضة المشبثة بالدنيا وقد فارقت الأنفاس الصدر لا يري في يديه وعينيه سوي التراب,نفس تراب أجداده القدماء الذي داس عليه بالأمس,وغداً يدوس بنوه علي ترابه وينفضونه بازدراء إذا علق علي الحذاء(يبتسم بمرارة)ربي ما حمتك في خل الحياة.

(يدخل زياد غير مدرك للكارثة)

زياد:السلام عليك يا عماه.

محجوب:وعليك السلام.

زياد:لماذا طلبتني في هذه الساعة؟

محجوب:اجلس أولاً(يجلس زياد)أين وصلت في دفترك عن حوادث الأيام؟

زياد:منذ بداية ذلك الطاعون الفتاك,وأنا لا أستطيع كتابة حرف واحد,كيف أصف الدمع الجامد في العيون والآماق؟وشحوب اليتامي وارتجاف الأرامل وبكاء الشيوخ؟ماذا أقول عن الموت الأسود وهو يفترس الأجساد ويطفئ الحياة المتألقة في الأحداق؟ودوماً تتتبع المجاعة الوباء لا جدال,ذلك قانون التاريخ الوباء ثم المجاعة,إن منظر الجثث في الشوارع والمقابر الجماعية ينادي باقتراب يوم الحساب...لقد سخر مني أصحابي يوم أخبرتهم بعزمي العكوف علي الكتابة والتدوين,وقللوا من شأني وأهانوني لتركي التجارة والمال,والانغماس في الحبر ومصاحبة الدفاتر والأوراق,لو يدركون ما يلاقيه الكاتب من آلام,ليصور ما في ذهنه ويقرب المسافة بين المعني والكلمات,ويحفر تمثالاً من السطور تجسد الرؤي والمعاني التي تمور في عقله المتعب المنهوك من كثرة التجوال بين الأفكار(ينتبه لشرود محجوب عنه)عماه(لا يرد محجوب فيناديه بصوت أعلي)عماه!

محجوب(ينتبه):أجل يا بني ماذا كنت تقول...ما بال الطاعون الفتاك؟

زياد:إنك شارد البال اليوم مضطرب الوجدان,ماذا جري؟

(يكشف محجوب عن ذراعه,يرتعد زياد)

زياد:ويلي!

محجوب:أوصيك بشمس النهار.

زياد:شمس النهار في قلبي ووجداني لا أحتاج إلي وصايا,ولكن أنت تحتاج للعلاج.

محجوب:علاج؟!

زياد:لي صديق يعمل علي ترياق يقول أنه يفيد لو لم تنتشر تلك الدمامل في أنحاء الجسد,يمكنها محاصرة المرض في مرحلة مبكرة,هل توجد في مكان آخر غير ذراعك؟

محجوب:كلا

زياد:إذن,فلأسرع كي أحضر لك الدواء.

(يندفع زياد للخارج مسرعاً يحاول محجوب الكلام فلا يلحق سرعة زياد,تدخل شمس النهار من نفس الاتجاه حزينة تلتفت خلفها)

شمس النهار:لماذا يندفع زياد للخارج كالسهم المصوب بيد رام ماهر؟

محجوب(بلا مبالاة):يقول أنه سيجلب لي ترياقاً يعالج الطاعون.

شمس النهار(يتلاشي حزنها):ترياق؟!أيوجد حقاً ترياق؟!

محجوب:علمي علمك,خطيبك هو من يقول.

شمس النهار:ويكون فيه العلاج وتشفي يا أبي؟!

محجوب:لا تعلقي آمالك علي خيوط العنكبوت يا شمس النهار,ولا تنتظر من زبد البحر أن ينبت منه التفاح.

شمس النهار(كأنها لا تسمع وقد غرقت في الأحلام):ومن يدري قد يظهر يوماً ترياق,يقتل كل الطواعين,ولا يُرمي لحم الإنسان كالجيفة في الطرقات,ولا يتاجر الجشعون وقت الوباء بالغلال والقمح وبالتوابيت واللأكفان,ربما يحل يوم عما قريب ينسي فيه الإنسان الآلام وتتطهر فيه الأرض من الأدران والأحقاد,فالحقد أيضاً وباء,وضحاياه يفوقون الحصر منذ بدء الزمان(تفتح ذراعيها)ويبزغ فجر الشفاء,شفاء الروح والجسد وتفني في القلوب الأحزان...أبي عليك أن تقاوم فالأمل موجود معنا وباق.

محجوب:أمل واه يا ابنتي وقد علمتني الحياة أن الخيبة منبعها السقوط من ذري الآمال,لتتحول إلي آلام تمزق النفس لأشلاء.

شمس النهار:أبتي إن العالق في الظلام يأتنس بخيط من نور الشمس يتهادي وسط قتامة الأيام.

محجوب:أتريدين حقاً أن أجرب الترياق.

شمس النهار:بالتأكيد ماذا سنخسر علي أي الأحوال؟

محجوب:أجل لن نخسر شيئاً,لكن ماذا لو عجل بنهايتي.

شمس النهار:لا تخش شيئاً,إن قلبي مطمئن لذلك الترياق.

(يهرول زياد وفي يده الترياق)

محجوب:كم دفعت ثمناً له؟

زياد:ذلك الصديق لا يبيع الدواء بل يمنحه,لا يتاجر في آلام الناس.

شمس النهار(تهرع وتقبض علي قارورة الترياق):الناس صنفان صنف يبيع الكفن للأموات وصنف يهب الحياة دون انتظار للمكافأة... هيا أبي اشرب.

(يتناول منها القارورة ويشرب)

زياد:والآن يا عماه ادخل كي تستريح كي يتفاعل الدواء.

(يخرج محجوب)

شمس النهار:كم أحبك يا زياد,يا جالب الترياق.

زياد:لو كانت روحي تكفي لإسعادك ما بخلت بها,كي ترتسم علي شفتيك ابتسامة لوكان ترياق أبيك دمي,ما ترددت.

شمس النهار:ومن يكون صديقك هذا؟

زياد:شاب اسمه عماد,يعمل بالكيمياء والأعشاب,لكنه عبقري موهوب,نابغة في مجاله درس علوم اليونان والعرب والسريان,,وهو الوحيد بين أصدقائي الذي لم يسخرني حين قررت التفرغ للكتابة والتدوين.

شمس النهار:لو يشفي أبي سأذهب إليه وأقبل يديه.

زياد:إنه كالراهب لا يفتح بابه لأي أحد,سوي بضعة أشخاص,حين يشفي أبيك سأشكره نيابة عنك,والآن سأذهب للتدوين,حتي يستيقظ أباكي,إني لأشعر بالأمل يحدوني,لن أكتب عن الموت والخراب,بل سأصور حلماً للحب والحياة,لن يعرقلنا الوباء والموت عن مسيرتنا مادمنا نمتلك موهبة العقل والإبداع...وداعاً وسأعود بعد ساعة.

(زيا د يخرج وتتمدد شمس النهار علي الأريكة,تغمض عينيها ويظهر علي المسرح حلمها)

(يدخل الموت مرتدياً عباءة سوداء مقبضة,يقترب من صبي صغير أقصي يسار المسرح,يتسلل نحوه ويحاول الانقضاض عليه,لكن أمه تظهر في نفس اللحظة فتحمله وتأخذه في حضنها وتخرج...يقترب الموت من فتاة ويركض نحوه لكن حبيبها يجذبها نحوه...يذهب الموت نحو زهرة ويمد يده ليقطفها لكن سرعان ما تسقيها يد ممدودة فيبتعد عنها...يقترب من عازف للناي وحين يبدأ في العزف يصم الموت أذنه ويبتعد عنه,يدور الموت في رقصة جنونية حول جميع الشخصيات في الحلم ويسقط أرضاً...ينتهي الحلم وتنسحب الشخصيات تباعاً وآخرهم الموت المهزوم).

(يظهر محجوب سعيداً ويوقظ شمس النهار)

محجوب:شمس النهار,لقد محيت الدمامل.

شمس النهار(تعانقه)حدثني قلبي أنك ستنجو.

(يدخل زياد فيري ذراع محجوب الصافي)

زياد(لا يجد الكلمات):عماه...إني...

محجوب(يعانقه):إنك رسول الحياة,لولاك ماعرفنا الترياق ولا الدواء...أملي الآن أن تصير الفرحة فرحتان,غداً ستتزوجان.

شمس النهار(خجلة):لكن يا أبي...

محجوب:لا أعذار...وسط أكوام الجثث والموت والدماء ستولد الحياة من جديد,لن ننهزم أمام جيش الدمامل السوداء,ستعود الحياة يوماً صافية ويجب أن نستعد لذلك(للجمهور)وطبعاً كلكم مدعوون

ستار

 

 

 

 

 

فريدة

 

فريدة

عند اقتراب مغيب الشمس كانت الشوارع شبه خاوية,المحال مغلقة والمقاهي مهجورة وصوت الرياح يدوي في الأذان ويجاوبه حفيف أوراق الأشجار المهتزة,البرد القارس جعل الناس تلزم منازلها,لم يمر شتاء بتلك القسوة من قبل,وكان يسرع الخطي في الميدان الخالي حالماً بدفء البيت ولذة المشروب الساخن والفراغ,لما وصل لباب عمارته استغرب من الماء النساب نحو الشارع,دخل في حذر كي لا يبتل,ورآها لأول مرة بعد عشر سنوات,وهتف بدهشة:

-فريدة!

استدارت لتواجهه مبتسمة,وقد شمرت طرف جلبابها المبتل عن ساقيها:

-كيف حالك يا أستاذ أحمد,عاش من شافك,لقد كبرت كثيراً وأصبحت ماشاء الله شاباً,لم تعد ذلك المراهق الشقي.

-كلنا كبرنا,ماذا تفعلين هنا؟

أدرك بلاهة سؤاله فاستدرك:

-أعني ألم تتزوجي وتركتي مسح السلالم منذ زمن؟

بدا في عينيها شهوة للحكي,كأنها كانت تنتظر أن يسألها أحدهم لتتخفف من الهم الساكن في صدرها وتزيحه بلسانها,فأسندت المساحة علي الجدار ومسحت عرق جبينها المتصبب وقالت:

-لقد أردت الهرب من شقاء العمل في البيوت,ومهانة التعرض لمضايقات أصحابها وأغراضهم الدنيئة,وسئمت من مكوثي في بيت أبي لأنه كلما رآني اعتبرني هماً,أنثي تحيا في بيئة شعبية,ألف عين عليها ومثلها من الألسنة فأذاقني من القسوة والعنف ما حطمني,يريد أن يسترني في ظل أحد الرجال كي يستريح مني,فوافقت علي أول عريس ولم أكن أعرف وقتها أني ألقي بنفسي في طريق مهلك...كان رجلاً كالملايين من حولنا,نفس الازدراء للنساء ومعاملتهن كأنهن لسن سوي قطعة لحم يستمتع به,وفم مفتوح ليطعمه,بل ظل يعايرني بما آكله ويحسبه علي,صمدت سنوات طويلة رغبة مني في عدم تمزيق أطفالي وتربيتهم تحت سقف أبيهم,لكن الكيل فاض,أصبح يطالبني بإنجاب الولد بعد ثلاثة بنات...ومن أين سآتي بالولد خبرني وهل لي في ذلك حيلة؟!و في النهاية تزوج سراً بأخري رغبة ولد يحمل اسمه كما يقول كأن بناتي لا يقدرن علي ذلك!لم أحتمل تلك الحياة وطلبت الطلاق,فحرمني من كل حقوقي,ومازلت في انتظار قرارات المحكمة...حاولت البحث عن عمل آخر أقل إرهاقاً فلم أعد تلك الشابة القوية بعدما أنهكتني السنون,حتي أتمكن من إطعام ثلاث ملائكة لا ذنب لهن,فوجدت كل الأبواب مسدودة,لا أحد يريد توظيف مطلقة لسبب ما يخشون منها ويحيدون عن التعامل معها,ومن أجد لديه قبولاً,أشعر بالأطماع الخبيثة تدور في صدره وتفضحها عينيه,لذلك عدت إلي عملي القديم.

ثم ابتسمت بمرارة ساخرة لسعت قلبه:

-علي الأقل مضايقاته ليست جديدة عليّ.

لم تكن تشعر بالبرد بل وخيل إليه أنها لا تشعر بشئ علي الإطلاق,ولما تخففت بالتنفيس عن صدرها قبضت علي المساحة من جديد,وعادت للعمل بجد وتصميم,كمن تقود قارباً متهالكاً وسط عاصفة عاتية تهب من كل اتجاه وتضربها الأمواج من كل جانب,لكنها عازمة علي الوصول بالسفينة وركابها لبر الأمان.

وقف ينتظر انتهائها من العمل وقد اقتبس من جلدها قوة وصبراً,غير عابئ بشدة البرد أو قرب حلول الظلام,باحثاً في جيبه عما يمنحه لتلك القبطانة الحديدية,ورغم كثرة العملات وجد ألا شئ يفيها حقها ,فأخذهم كلهم ووضعهم في كفيها فارتاعت:

-كلا يا أستاذ أحمد ذلك كثير جداً,لا يمكنني قبوله بدون وجه حق,إنني لست متسولة ولن أكون يوماً.

شعرت بحرجه فأخرجته منه بصنعة لطافة,بأخذ عشرين جنيهاً:

-سآخذ هذه لأشتري بها حلوي للبنات,وأخبرهم أنها من عمهم أحمد,كي يشعروا للحظة أن الدنيا ماتزال بخير.

امتلأت عينيه بالدموع وهو يراقبها ترتدي حذائها وتحمل كيس ممتلئ بأشعات وتحاليل للأمراض التي تحاصرها:

-عن إذنك مازالت لدي عمارتين تنتظران المسح وأريد العودة للمنزل قبل تأخر الوقت.

ولوحت له علي عتبة الباب:

-أراك علي خير.

تمتم بكلمات غير مفهومة,وتابعها بعينيه وهي تتقافز بين برك المياه الموحلة بهمة حتي ابتلعها الظلام,وقال لنفسه:

-أنثي تتصف برجولة لا يعرفها الكثير من الذكور

شعر لحظتها بالخجل من نفسه,فأغلق الباب وصعد السلالم نحو شقته.