الاثنين، 29 أكتوبر 2012

بطل الاستقلال في عمل أدبي



بطل الاستقلال في عمل أدبي


من أقوي الروابط التي تصل بين عصرنا الحالي والحضارة الفرعونية الآثار الباقية والأدب,وقد نبالغ بعض الشئ ونقول بل الوحيدة,لولا الآثار علي أرض مصر لم نكن لنتخيل أن علي نفس الأرض التي يتسول أبنائها كل شئ من الغرب,وبدون طعامهم وعلاجهم ما كانت لهم حياة,وجدت حضارة عظيمة علمت العالم كيف تكون الحضارة,ثم تمر الأيام ويعود ذلك العالم ليقول لنا نحن أبناء الفراعنة-هل نحن حقاً أبناءهم؟!!-أن في هذه البلاد من آلاف السنين كان لكم أجداد خالدين سبقوا المستقبل بآلاف السنين!فنندهش نحن ثم نتفاخر أن العالم المتحضر يعترف بنا,ويقول أن أجدادنا عظاماً,ونتبجح حين نتفاخر بدون علم..كيف يتفاخر المرء بدون أن يعلم ما يتفاخر به؟ كل المعارف التي وصلتنا عن الحضارة الفرعونية نقلتها لنا أوروبا!مع الاعتراف بالأهمية الشديدة لسليم حسن و العرفان لأحمد فخري,إلا أن علم (المصريات)علم أجنبي,علماؤه أجانب,نشأته ليست مصرية,المصري فقط كان عاملاً يحمل التراب ويحفر في الأرض ليقبض راتبه ويعيش!وقد يدعوا أحدهم ب"الريس" وللأسف في الغالب يكون هذا هو منتهي دوره في التاريخ الفرعوني.إذا لم تكن تتقن لغة أوروبية فستحرم من معرفة الكثير عن أجدادك العظام؛لأن الحفدة-إخوتك-لا يعرفونهم من الاساس لولا علماء الآثار الأجانب ما كنا عرفنا أحمس ولم يكن عبد الحميد جودة السحار كتب"أحمس بطل الاستقلال"..للآن نتبجح قائلين نحن أصل الحضارة وتلك كذبة شنعاء,(هم)أصل الحضارة..هم الفراعنة,(نحن)حين جاء ريتشارد جير النجم السينمائي الشهير,سألناه عن قلة الأعمال السنيمائية التي تتناول التاريخ الفرعوني!!!!فأجاب-بقسوة لابد أنها كانت قاسية علي السامعين حتي ولو لم يقصد-:ولماذا لا تصنعوا أنتم أفلاماً عن الفراعنة...حادثة قد تبدو حادثة عابرة ولا تستوقف أحداً,لكنها كاشفة لأشياء كثيرة عن علاقتنا بالفراعنة وعلاقة الفراعنة بنا وعلاقتنا بالعالم!

يبقي الأدب....

تناول السحار وفي روايته كفاح الشعب المصري والملك أحمس أول فرعون لمصر من أصل غير ملكي,وأول مُحرر عرفته مصر,وقد وضعه مانيتون علي رأس الأسرة الثامنة عشر أو كما يسميهم البعض "بناة الإمبراطورية"..وقد التزم السحار لحد ما بالرواية التاريخية المعروفة التي وصلت إلينا عن طريق اثنين من قواده نقشوا الاحداث علي جدران مقابرهم وللمصادفة كانا يحملان نفس الأسم الذي يحمله ملكهم"أحمس بن أبانا"وأحمس بن بنخب"وقد ذكرهما السحار,لكن بصورة تتناسب مع عمله الفني.أما الذي غيره تماماُ صلة القرابة بين أحمس وكامس,فجعل كامس أبو أحمس وهو أخوه في الحقيقة!وبسبب تلك اللخبطة الغير مبررة لم يذكر اسم إياح حتب زوجة سقنن رع أبو أحمس,تلك التي نغني لها في رمضان:وحوي يا وحوي إياحة وقد فسرها البعض:بأهلاً أهلاً قمر الزمان.الأنشودة التي غناها المصريون تقديراً لدورها العظيم في تاريخ مصر,تفقد زوجها وتضحي بابنها الأكبر وتُعدّ الثاني للحرب,وتقوم علي شئون الدولة أثناء غيابه في حروبه...

إذن,فقد عبث السحار بالسلالة المالكة! ليس ذلك فحسب بل جعل من أميرة حبشية زوجة لأحمس,وأحمس قد تزوج من أحمس نفرتاري أم إمنحوتب ولي عهده.

لماذا كل هذا العبث؟ولماذا كل هذا التركيز علي العلاقة العاطفية بين أحمس بن بنخب أو ابن بنب كما يسميه والأميرة شسن ابنة سقنن رع-  قد يكون لا أصل تاريخي لها-ويغفل كفاح الأسرة العظيمة التي بدأها الوالد وسار فيها الإبن الأكبر وأنهاها الصغير,بل ربما يتواري أحمس نفسه في الرواية لحساب تلك العلاقة العاطفية الجميلة,وهذا يطرح سؤال قديم متجدد لأي مدي ممكن أن يغير الفنان الحقيقة التاريخية؟...بطريقة السحار قد يكتب تاريخاً جديداً! هل قلت في البداية التزم السحار لحدً ما بالرواية التاريخية؟!....حسناً لم يلتزم السحار بالرواية التاريخية!

كعمل أدبي أول لعبد الحميد جودة السحار تعتبر رواية أحمس بطل الاستقلال,رواية ممتازة بالقياس للأعمال الأولي لأي كاتب,وقد استهواه التاريخ الفرعوني في بداية حياته كما استهوي صديقه الأديب الأكبر نجيب محفوظ أيضاً.

وتظل الفكرة الوطنية الأبرز في الرواية,التي عبرت عن إحدي عقائد الوطنية المصرية علي مر العصور يتداولها الجميع بمعانٍ عدة,تلك التي صاغها السحار بقوله علي لسان بطل الاستقلال أحمس:"....وإذا اقتضي الأمر تضحية فابذلوها,ولا تضنوا بأرواحكم فلستم مخلدين في الأرض,أما مصر فخالدة إلي أبد الآبدين"

الأحد، 21 أكتوبر 2012

كشاف تنيسي وليامز




كشاف تنيسي وليامز



والنهاية أيضاً سوداوية في تلك المسرحية! قد يبدو أن تنيسي وليامز لطخ لوحته السوداوية بشئ من البياض؛ليخفي الرياء و الكذب اللذان يحيطان الإنسان من كل اتجاه,لكن الحقيقة أن المسرحية كلها تجعلنا نتخبط في شرور هذا العالم وخطاياه,نتوه وسط الأفعال القذرة التي تصدر عن النفوس...معظم النفوس ويبقي القليل بشروره الغاطسة المكتومة نقياً متلألاً؛ربما ليعطينا أملاً ولو كان كاذباً في هذه الحياة!

فمنذ البداية نصطدم بمارجريت المتبجحة،التي تعيش مع زوجها بريك الشاذ جنسياً,ونحن لا نملك أن نقطع في كوّن بريك شاذاً أم لا؛فوليامز تعمد كما قال في المسرحية أن يجعل بعض الأمور والشخصيات غامضة غير مفهومة,كالحياة تماماً,نحن لا نفهمها رغم أننا نحياها,وذلك المذهب الفني يفوق الواقعية ويسمي الطبيعية:نحن نكتب ما يحدث ولا نفسره,إذا تمكنت من معرفة أي تفسير حقيقي وأبدي لأي شئ علي هذه الأرض؛أرجوك أبلغني وحينها سأعاود النظر في المذهب الطبيعي.
والطبيعية قد يشعر القارئ لنماذجها بملل وعدم إدراك لما يحدث,لأن الكاتب ينقل الأحداث الحياتية كما هي,فيتكشف لنا كم هي عبثية ومملة وغير مفهومة علي الأطلاق.لكن تنيسي وليامز يتلافي هذا العيب,فيبتعد قليلاً عن الطبيعية في الأدب...كما ابتعد عنها في الجنس!
فنحن نفهم أن الفتاة المتبجحة الطامعة أن يرث زوجها تركة أبيه,هي وزوجها جزءاً من عائلة ينتظر فيها الإبن الآخر موت الأب طمعاً في المال والأرض,والأب مخدوع ويتخيل ان امامه حياة طويلة ليعيشها,والأم التي تمثل الجزء المضئ في المسرحية-من وجهة نظري-تعيش بقلبها الذي منحته للأسرة ولا تستخدم عقلها إلا نادراً؛للذك أصبحت مثار سخرية الأب ومطمع جوبر وزوجته ليتخذاها وسيلة لوضع أيديهم علي أملاك الرجل المصاب بالسرطان.حين يُسلط علي المرء ضوء قوي؛تتضح ملامحه وتبرز عيبوب جسده ووجهه,وهكذا يفعل وليامز سيكولوجياً بأبطال مسرحيته,فنجد الطمع صفة يشترك فيها أكثر من الشخص كما الكذب,والشهوة الشذوذ بأنواعه الكثيرة...لماذا لا نصدق أن كل منا شاذ بطريقة ما؛وليس كل الشذوذ سلبياً بل قد يكون أمر إيجابي لكن أحد مشاكل الشذوذ,أنه ككل شئ في العالم نسبي....تخيل نفسك في بلد يسير فيها ابناؤه علي أنوفهم مثلاُ؛كيف سينظرون إليك عندئذ وكيف ستنظر لهم, ستكون النظرة ذاتها بالدهشة ذاتها!
تكنيك المسرحية يجعل المساوئ تتصارع وتتسابق,فتبدو غاية في البشاعة والوقاحة...ضوء وليامز قوي جداً علي شخصياته,لكنك تتعاطف معها ولا تتمكن أن تحبها أبداً,بل أنت مشمئز منها كبريك السكير المدمن,لكنك تتعايش معها وتتحملها,لأنك تقابلها أمثالها في الحياة, ربما لا تشعر بها أبداً,وتقول أنها عادية,لكن الفن هو من يكشف الحقيقة,فيجعل رؤيتنا أوضح للأمور فنتفاهم ونتعاطف ونتساءل عن السبب قبل أن نحكم علي شخص.
وهكذا نتفهم سر كراهية الأخ لأخيه في المسرحية,وشذوذ بريك-غير مؤكد-وإدمانه علي الخمر,ونري الجانب المضئ قليلاً من مارجريت فهي تحب زوجها حباً صادقاً,والأب رجل عصامي استطاع أن يصنع ثروة طائلةمن عمله.....أي أننا في النهاية لابد أن نري الجميع بشراً,ليسوا طيبين أو أشرار,بل هناك صفات تزرعها البيئة في الإنسان وتضعها في مواجهتنا فلا نري سواها,لكن الفن يجيئ فيسلط ضوءه الكاشف.

السبت، 13 أكتوبر 2012

أهل الكهف عند توفيق الحكيم



أهل الكهف عند توفيق الحكيم

                          
هكذا دوماً يكون الفنان!...يطرح عليك أسئلة أزلية داعبت خيال الأجداد الأوائل و ستداعب أحفادهم للأبد:ما الحياة؟ ما الموت؟ ما الحب؟ وكيف نشعر بالزمن عند مروره وهل نستعيده مرة أخري؟
تلك الأسئلة نجدها عند توفيق الحكيم في مسرحية أهل الكهف,تلك المعجزة التي تتناقلها الديانات والثقافات,ويزعم كل فريق ويؤكد أن تلك الحادثة تخصه,وأن دينه هو المقصود, وأن إلهه هو المتسبب في تلك المعجزة,أمور مفهومة تلك التي تحدث بل وطبيعية جداً والجدل فيها للباحثين المختصين بتاريخ الديانات,فهؤلاء لهم أن يحدثونا عن:وثائق قمران,وطوائف الآسينين والأبيونيين و والنصاري والفروق بينهم,ثم يشيروا للتاريخ المسيحي واليهودي والعلاقة بينهما,وهل كان أصحاب الكهف من اليهود أم من المسيحيين,و إن كانوا من المسيحيين فمن أي الطوائف هم,هل آمنوا بالله الواحد وبعيسي نبيه,أم آمنوا بالثالوث,ويتساءلون أين كان الكهف في تركيا أم الأردن,ومن هو الملك الظالم الذي طاردهم والملك الصالح الذي استقبلهم,ثم ينكر آخرون علاقة الملوك بالأمر من الأساس,ثم يحسبوا الأعوام التي لبثوها نائمين كما يقول البعض وأموات كما يقول الآخرون,ولهم أن يقولوا ثلاثة أو خمسة أو سبعة ثم يضيفوا كلبهم,ولهم الحق أيضاً في إعلان حادثتين وقعتا بنفس المواصفات,حادثة النيام السبعة وحادثة أهل الكهف,ولهم أن يثبتوا أن النيام السبعة خرافة يونانية لك تحدث من الأساس....وغير ذلك الكثير.

وتوفيق الحكيم حوّل تلك الحادثة التي تتناقلها البشرية لعمل فني خالد,يطرح أسئلة وجودية ومصيرية,حيّرت عقول الكثيرين,مَنْ مِنَ العلماء مثلاً يقول لنا ما هوالزمن!كيف لفيلسوف أن يشرح ما هو الحب!كيف لعالم دين أن يقول لنا ما هي الحياة وما هوالموت!
سيجتهد الجميع ويطرحون أفكار في غاية الروعة لكن أين ستكون الحقيقة بينها؟! ما سيختاره الإنسان سيصبح(الحقيقة بالنسبة له) وحين يستبدل اختياره بآخر ستتغير(الحقيقة بالنسبة له). ربما يكون ذلك سر مأساة مشلينا وبريسكا-الجدة والحفيدة- أبطال الملمح الأبرز في المسرحية ألا وهو الحب...ولا تنس الفنان يطرح القضايا الأزلية ويناقشها بصورة مختلفة في كل مرة.

أزمة مشلينا هي الاختيار بين ما يقرره عقله وما يؤكده قلبه,لكن ثقته في قلبه عمياء حتي أنه يتمني أن يكون مخبولاً حتي يصبح ما يفكر فيه لا وجود,يتعامي عن كافة الحقائق التي يراها,ولا يقتنع بها ويتبع نداء قلبه؛فلا يشعر بمرور ثلاثمائة عام!طالما أنه يجد أمامه صورة حبيبته القديمة بريسكا,فلا يهم أن يجد صديقه مرنوش قبر طفله الصغير(بالنسبة إليه)قد كُتب عليه أنه مات في الستين بينما مرنوش لا يزال فتياً!فليس من المستبعد في حالة مجاراة بريسكا الأخري الشبيهة بحبيبته القديمة له,أن يعيش معها حياة طويلة دون أن يشعر بغربة عن واقعه رغم مرور ثلاثمائة سنة!

لكن من قال أن للمرء حق الاختيار؛وخاصة إذا جاء في دنيا ليست دنياه وعصر لا ينتمي له من الأساس؟ قد يتوهم أنه اختار لكنه في الواقع موهوم بما ليس له وجود..البعض يري أنها سعادة ما بعدها سعادة,لكن ماذا إن أفاق علي الحقيقة؟

وليست قضية الحب وحدها التي ناقشها الحكيم بل أنه اشتبك سياسياً مع عصره؛في الثلاثينيات والصراع علي أشده بين الجديد والقديم,ويتعارك كل فريق مع الآخر ويصل الأمر للمحاكم والفصل من الوظائف والتكفير والاتهامات بالطعن في الدين ومحاولة هدمه,يقول الحكيم أن لكل زمن رجاله وأفكاره واتجاهاته,ما كان طبيعياً بل وواجباً من مائة سنة مثلاً؛من يقوم به الآن مجنون لا عقل له,من يعتنق فكرة وُضِعَت في ظروف معينة وسط بيئة خاصة تبناها مجموعة من البشر وقدسوها زمناً,ثم انتهت تلك الظروف وفَنِيّ هؤلاء الناس وتغيرت البيئة المحيطة فمن يعتقد فيها في عصره الحديث وسط عالم يتغير كل لحظة مجرد معتوه أحمق سينبذه البشر من وسطهم،كما يحدث معنا في تلك الأيام من فتوي مفاخذة الصغيرة والعلاج ببول الإبل وغيرها من الأفكار القادمة من بيئة الصحراء.
لذلك وضع مسرحية أهل الكهف أنصار الجديد من الحداثيين في مرتبة عليا-عن استحقاق وجدارة- وربما كان مقال طه حسين هو أبرز ما في هذا الصدد...ويبقي سؤالاً لماذا لا يشعر الشرق عموماً بمرور الزمن,ولماذا لا يتأمل في خلق الله؛كل ما في الكون يتغير ويتحرك كل لحظة؛ليس هناك ثبات,لماذا إذن لا تتغير أفكارنا القديمة البالية ونتعامل مع العصر كما يجب؟!

توفيق الحكيم مفكر والمفكر يشك,فليس كل ما يؤكده الجميع صحيحاً,(القديس) مرنوش بعد أن بُعث مرة أخري يموت كوثني منكر للبعث والحساب!!!
وكأن الحكيم يصرخ متألماً من الشك المميت"هل من
حقيقة في هذا العالم؟!"
ولكن يعود في النهاية لموضوع المسرحية الأبرز حب بريسكا ومشلينا,النبوءة تحققت وأصبحت تشبه القديسة بريسكا حبيبة مشلينا قبل ثلاثمائة عام قلباً وقالباً,فتحبه هي الأخري وتصمم أن يُسدّ عليها باب القبر؛لتبقي بجواره ليس كرجل حي,بل كجثة, ماذا يريد الحكيم في النهاية أن يقول,هل الحب أقوي من الإيمان كما طرح في بداية المسرحية؟أم أنهما واحد لكن بإسمين مختلفين؛يجعلنا نضحي بأنفسنا راضيين لعلمنا أن الحياة ليست فقط علي هذه الأرض وليست عبر ذلك الجسد؛فنبحث عن أخري بحب وإيمان؟
أسئلة لا تحصي يطرحها توفيق الحكيم في مسرحيته...لا تزال تبحث عن إجابة.

الاثنين، 1 أكتوبر 2012

الكوبري والحديقة


الكوبري والحديقة


حين طلبت منه زوجته أن يتقدم باستقالته من "المخروبة اللي شغال فيها دي" وشعر في فورة غضبها أنها توّد لو تسكب عليه الشاي المغلي,استعاد حادثة (الكوبري) حين كان طفلاً,وحادثة الكوبري ليست بالشئ الهام أبداً؛فقد نسيها لسنوات لكنه حين سقط من أعلي السلم سقطة خفيفة,عاوده ذات الشعور واستعاد نفس الصور والأصوات.

وهو في المرحلة الابتدائية,ألّح عليه أصدقاءه للقفز معهم فوق سور الكوبري؛ولم يكن الأمر خطيراً,فالكوبري الموجود في منطقة سموحة,بجوار سوره الأيسر عند منتصفه من ناحية الدوران انحدار صخري,ملتصق  بمساكن فقيرة شديدة البؤس,أوقعها حظها السيئ- كما هو دوماً-في وسط منطقة من تلك التي يُطلق عليها (راقية),لم يهتم بذلك؛رغم مروروه لسنوات علي ذلك الكوبري,لكنه يفهمه الآن جيداً حينما بدأت العمائر المهولة تحاصره من كل ناحية,وزوجته لها عينان,والعينان تبصران والقلب يلتهب طموحاُ و ألماً,واللسان لا يكف عن السخرية والتلميح,يري في عينيّ ابنه كلما شاهد أولاد الجيران في سيارات آبائهم يرتدون ما يسُر النظر,ويأكلون مما يراه في التليفزيون من حلوي؛نظرة ظنها في بادئ الأمر دهشة وإعجاب لكنه تحولت مؤخراً لنظرة حرمان ممزوج بانكسار لمحها أول مرة وهو يمضي لموقف النقل الداخلي بصحبة ولده ليوصله للمدرسة,بينما السيارة الخاصة يقفز نحوها فرحاً أولاد الجيران.

"نُط يا عمر كلنا هنُط هنا"
لا ياعم مش رايحين هناك,إيه اللي هيخلينا ناخد كل الكوبري ده"
"والله سهله,فاكر يا حسين الواد عصام كان خايف زيه كده ومفكرها صعبة"

لكنه سمين لحدٍ كبير كما أنه جبان لحدٍ أكبر.

"طب خليني أنا آخر واحد"

بعد أن فرغ من الشاي دخل يتبول,وظلت استفزازات إلهام مستمرة,تطلب من الولد أن يذاكر,؛كي لا يصبح خائباً كأُناس تعرفهم؛فيعيش حياة مريحة ويُسعد زوجته ويعيشان حياتهما في رغد,بدلاً من البؤس الذي تعيش فيه أمه....احتبس البول لثوانٍ من الغضب,واكمل الباقي وهو يلعنها بأقذر الألفاظ ,يكفيه "الأوساخ الآخرون"رؤسائه وزملائه في"المخروبة" وسخريتهم الدائمة منهم,وبعد أن طَهر نفسه,تساءل في حسرة"ليه كده...إيه اللي حصل!!".

منذ خمسة عشر عاماً كان يعرف فتاة جميلة لا تتكلم سوي بالهمس و البسمة الدائمة,و طوال سنوات الخطوبة عاشا سوياً في أحلام اليقظة يريان سعادتهما تقترب منهم,فمن تلك المرأة التي تفوح منها رائحة العرق وروائح أخري,و قالت بغيظ أن"كيلو لحمة أحسن من اللوحة اللي اشتريتها من صاحبك الموكوس اللي عايش دور دافنشي"

حين قفز علي السور,شعر بألم في خصيتيه من ثِقلّه, ورأي الأرض بعيدة فتردد وعاد مرة أخري مكانه.
ورآه شابان صغيران فقال له أحدهما وهو يعطف عليه بلا مبرر:"حاسب يا ابني أحسن تقع,لو مش عارف تنط ماتنطش"
لكنه أعاد المحاولة وفشل مرة أخري وظل الشابان يراقبانه في توجس,فقال له الذي يعطف عليه بلا مبرر:تعالي من هنا طب هنا الأرض أقرب" وكان أقرب فعلاً لكنه بجوار الهاوية تماماً,فردّ الآخر: هنا إيه!!كده يقع" فقال الأول موجهاً نصف حديثه للطفل والآخر لصاحبه:"بص استني هو هينزلك,نزلّه يا حسام"

أمسكه وبينهما السور أحدهما علي الكوبري والآخر يصرخ بهيستيريا:"يا عموووووووو....لا والنبي يا عمو نزلني هنقع نزلني نزلني"
لكن"عمو صمم علي دفعه:"الأرض تحتك متخافش...انزل بالراحة"
وضع قدمه اليمني علي مسمار حديدة ناتئة من جسد الكوبري كما شاهد أصدقاءه يفعلون,ووقف علي قمة المنحدر الصخري يلهث من الانفعال والخوف,ظن أنه سيقع علي الأرض,وشعر بأول رعب حقيقي في حياته الكوبري عالٍ جداً,وبصره لا يتحول عن السيارات المسرعه في الأسفل,بينما الأرض الآمنة تحته.

بعد أن جلس علي القهوة,وعاد للمنزل مغلوباً في الطاولة,أرد فجأة أن يصرخ بعلو صوته:"يا عمو لا والنبي ياعمو" ربما يجد من يساعده,ظل كما هو سميناً لكن لم يعد طفلاً,وقرر أن يصفع زوجته بقسوة عند أول محاولة للتهكم,لكن مرأي صلاح بيه وهو ينزل من سيارته متوجهاً لشقته الفارهة بصحبة امرأة باهرة,تسببت له في الانكسار والغم,وقال أن زوجته لها أعذارها فالحياة جميلة حقاً,تراها من بعيد وتريد أن تعيشها وتستمتع,هو القانع سخط علي حياته للحظة,فكيف بإلهام التي حلمت بفيلا صغيرة ترعي حديقتها كل صباح.

الأحد، 30 سبتمبر 2012

فتاة وكتاب



فتاة وكتاب

في الغالب تكون (الأشياء) واقعة تحت أعين الجميع,يرونها بوضوح,البعض يتغاضي عنها ,والآخرون يتأسفون في سرّههم؛خائفين من مجرد الهمس,وبعضهم علي الرغم من سوء تلك الأشياء وحقارتها وقذارتها؛ينافق المسئول عنها(السلطة),ويبدأ في مدح الشرور الفظيعة حتي يبدأ في تصديق نفسه ويتوّحش أمام كل من يعترض.في مصر تلك النماذج التي ربما يُتعاطف معها؛قسوة الحياة في مصر لا يحتملها سوي من يقوم بتلك الأفعال للأسف....هؤلاء الناس ليسوا موضوعنا.موضوعنا هؤلاء الأبطال الذين قالوا لا في وجه من قالوا نعم.

تحدثت عن (الأشياء)والأشياء كثيرة لا تحصي,و أشياءنا في الحالة المصرية,كل ما هو معروف ونتعايش معه بمنتهي العادية,وربما يسبب للبعض البهجة,(الأشياء)تبدأ من الاستبداد السياسي الذي هو أصل الفساد,ولا تنتهي بعدم توافر دورات مياه عمومية آدمية.

لكن(شيئنا) الذين أوّد الحديث عنه:فتاة وكتاب-هل يوجد في العالم أجمل من ذلك؟!-الفتاة طبيبة شابة,كاتبة صحفية,أديبة,باحثة,فنانة تشكيلية....

لكنها تحب اسمها وتعتز به,وتفضله علي ما عداه,حينما أراد مقدم أحد البرامج أن تختار لنفسها لقباً؛ليناديها به,أجابت ببساطة:بسمة بس.

وهكذا يكون النموذج الرابع الذي لم نتحدث عنه,هؤلاء الذين صدّعوا بقول الحقيقة,تحت أي ظروف ودون انتظارثناء,وربما بلا إمكانيات تؤهلهم للوقوف هؤلاء أمام آلة السلطة الجرارة,الساحقة لكل من لا يتنحي عنها,لكن هذا النموذج العظيم الذي يملأ مصر,وقف وتحمل ولم يساوم أو يهادن؛مجرد هدنة لتسيير المصالح,بل ظل شامخاً ينضم له فرد وراء الآخر.من الممكن القول أن هذا النموذج هو الأساس الحقيقي لثورة يناير المستمرة....من بين هؤلاء نري بسمة عبد العزيز بجسدها النحيف وقد استخدمت ترسها لصدّ زحف الآلة الجبارة وبهذا الترس الذي اختارته علي صورة قلم,بدأت تكتب بحثاً شجاعاً ربما كان الأشجع في الفترة التي سبقت يناير 2011.
الفتاة:بسمة عبد العزيز
الكتاب: إغراء السلطة المطلقة

في الأيام الشهور التي سبقت ثورة يناير,كانت تعمل الفتاة علي الكتاب,تتحدث فيه عن علاقة الشرطة بالمواطن,وصورة الشرطة الذهنية,تستدعي هذا الرجل المرعب الملقب ب"الباشا",والمواطن هذا البائس الي يخاف من ظل الباشا ويرتعد إذا رآه أمامه!
وهذا المبحث للدراسة صعب بل ربما يكون مستحيلاً؛فالحالة المصرية في علاقة الشرطة بالمواطن حالة خاصة جداً واستثنائية جداً جداً؛فلن تصل لشئ في الغالب؛لأنه منطق الفتوات والحرافيش,منطق عبثي تحكمه القوة والسلاح,وتتردد فيه أصداء الصرخات المستغيثة,والآهات المتألمة,تختلط بها مؤثرات صوتية أخري صادرة من الطرف القوي؛تتفوق السلخانات المصرية بها علي استوديوهات هوليوود.....

والاقتراب من تلك الأمور لا يقوي عليها رجال أشداء,لكن المرأة المصرية استثناء,فهي الحاملة ببذور حضارة هذا البلد وهي التي تعلم رجاله كيف تكون الشجاعة وقت الخوف,وكيف تكون الصرخة في وجه المستبد؛لذلك فبسمة عبد العزيز انساقت فقط لصوت الوطن بداخلها,واستسلمت لجيناتها المتوارثة من أمهاتها الذين شكّلوا وجه هذا البلد.

قررت إذن أن تواجه بجسدها الأعزل(الباشا) وهي عالمة بكل ما قد يُستخدم ضدها من أساليب حقيرة أنتجتها نفسيات مريضة بأمراض مستعصية؛أقلها السادية.

للأسف, لست في حالة هادئة وصبورة لأبحث في الكتاب عن مقاطع منها ما هو في غاية الحدة وذروّة المواجهة,ومنها ما يتنبأ بما حدث في يناير؛فمن حُكِم عليه بقضاء مدة عقوبة ظالمة بدون ذنب جناه؛فيظل يتنقل من مدارس مصر لجامعاتها؛بمرور الزمن يفقد القدرة تدريجياً علي أي فعل؛ما عدا ممارسته الدائمة لفعل الغباء والبلاهة والاستهتار,وأي فعل ينّم عن تدمير
عقلي ممنهج يُمارسه(باشاوات) من نفس النوع لكن بطريقة أخري!

لكن يمكنني القول أن الكتاب يحمل نبرة شجاعة متحدية,فضلاً عن مجهود بحثي واضح,ويجب قراءته ودراسته لتغيير منهجية الشرطة,وجعلنا كباقي خلق الله في هذا العالم.

كما تجد النبوءة فيه واضحة....في الواقع ليست نبوءة,هل من يري النار تزحف ويقول سيحترق المكان متنبئاً!!لكن في مصر, أشياء كثيرة تحتاج لرجال شجعان,وفتيات شجاعات,لأننا بلد تعيس؛كما صاح(أندريا)تلميذ العالم (جاليليلو) في مسرحية(حياة جاليليو للكاتب المسرحي العظيم(بريخت):
تعيس هذا البلد الخالي من الأبطال""
لكن جاليليو بحكمة العالم الخبير يقرر قائلاً:
"كلا.البلد التعيس هو الذي يحتاج لأبطال"

وبمفهوم بريخت علي لسان جاليليو نحن للأسف بلد تعيس بائس,يبحث عن بطل في زمن الجبناء....لكن هذا موضوع آخر....
 كل مكان في مصر الآن يحتاج بطله,لكنه حالياً يلقي مصير جاليليو...وربما مصير سليمان الحلبي!
فتاة مصرية واحدة؛ بها كل هذه المواهب الشجاعة في أمر واحد تؤديه,فهنيئاً لمصر بناتها,اللواتي تجندهن كبطلات في معركة الحرية المستعرة!!

الجمعة، 21 سبتمبر 2012

أحلام الأرق


أحلام الأرق


ربما الأمور لا تحدث هكذا...ربما اخطأت حين قررت المُضي في تلك المغامرة النفسية,ما معني تمزيق كلب حياً,كيف سيُمتعك نباحه النابع من ألم قطع أوصاله,علي أنغام"ليلة عيد" لفيروز...."ليلة عيد" وتقطع شريحة من لحمه."ليلة عيد"تثقب عينه بأظافرك الطويلة المغطاة بالدم."الليلة ليلة عيد"تقطع ذيله بأسنانك وهو يعوي من الألم...الآن الكلب يحرر نفسه فجأة من قيوده يهجم عليك,ينتزع ذكرك بأسنانه كما انتزعت ذيله,تقع علي رُكبَتيك والدم يتقافز منك وحين ينقسم لمئات الكلاب المتحفزة لتنقض عليك تبدأ أنت......

"اصحي بقي ياله...إيه يا ابني انت فسيخة نايمة في برميل"

عاد زياد من حلمه علي صوت صديقه....

لو حكينا القصة بتلك الطريقة الكلاسيكية ستفقد معناها الغرائبي,الواقع دوماً حافل بالصغائر والتفاهات التي تسترعي انتباهي الآن تحديداً,تلك الفترة الفاصلة بين النوم واليقظة.ليلة أرق طويل لا يوّد أن يحتلّك تماماً,فتستسلم له,ولا يريد أن يرحل عنك فتنام ,وتكف عن محاولة كتابة القصص...في "الأرق المائع" يعرف الإنسان نفسه جيداً,طفل صغير يحتاج لمن يهدّهدّه ويجلس  بجانبه حتي يغمض عينيه...لكن هل يعاني الطفل الأرق,اصبحت رجلاً,فتعامل يا برنس البرانس مع أرقك المائع بما يليق ببرنس حقيقي,يقرأ الكتب,ويدخن الشيشة ويكره دورة المياه العمومية المسماة (بالجامعة)...يع حيث يتبرز فيها الجهلة علي العقول الصافية الخارجة تواً من عالم الأحلام لتصطدم بعالم الواقع التافه الاقتنائي الذي يرفع شعار:قولي معاك إيه,أقولك تعمل إيه...حسناً ربما ليس هذا شعاره لكنه شئ من وحي الأرق."الأرق المائع"أين الأرق القديم حين كان المرء يسهر دون رغبة في النوم؛ليستمتع بهذا الليل الهادئ,كان أرقاً نبيلاً,طالما فكرت تخيّلت وقرأت بين أحضانه,أرق العشرين مغايراً,تسأل فيه سؤالاً واحداً:تري ماذا يخبئ الغد؟..فيجيب الكئيب الآخر بداخلك بسؤال آخر وهو يضحك ويردد ما يقوله ابن عزيزة الهبلة"مش إنت بس اللي ذكي...أنا كمان ذكي":ومن أدراك أنك ستعيش للغد؟

أين الأرق القديم حيث أحلام اليقظة السعيدة,متي استبدلت به هذا الأرق اللعين المتقافز حولي صائحاً بفرحة شيطانية:اصبر عليا..ده أنا(......)"  يبدو أنه أرق سافل!

ولكن إذا لم تمت...في النهاية ينسحب الأرق ويحل مكانه خدّر يتسحب ببطء لجسدك ويمسّ روحك,حينها تدرك أنك لم تنتصر علي الأرق بل سلّمك ريثما يستريح لعدو آخر يدعي النوم القلِقّ....تفاهم مع صديقك الجديد الذي سيصحبك في مغامرة نفسية كمغامرة زياد,لكن احذر كي لا تجد الكلب هو من يقطع أوصالك وهو يغني"من قد إيه كنا هنا"
حين تصل لهذا الحدّ قل لنفسك:ربما ظلمنا الأرق..كما يعذّبنا الأرق!!

الثلاثاء، 11 سبتمبر 2012

...ثم قال حربي للسيدة فاطمة ناعوت"لا ده مش كتابك"!!


...ثم قال حربي للسيدة فاطمة ناعوت"لا ده مش كتابك"!!



فاطمة ناعوت تلك الشاعرة الشفافة التي يري المرء حقائق العالم من بين كلماتها؛البنت الرقيقة التي كتبت ديواناً فأهدّته ل"ماما",الكاتبة ذات الوزن الثقيل في الحركة الثقافية المصرية, المترجمة المحترفة,ناقدة السينما التي بسذاجة عبقرية حلوة؛من مشاهدة خبّرت ذلك الفن وفهمته كأصحابه؛لكنها تجذب القارئ من يده كطفلة فرحة بشئ جديد تريّه أن يراه الجميع وتصيح ببهجة"تعالي شوف"أو تتمتم بخفوت لو كان العمل تراجيدياً"يا خسارة..معلهش", الأم التي تذوب حباً في أبنائها وجعلت من قرائها شهوداً علي تلك العاطفة التي لا توّصف؛نقلّتها لهم بصدّق من لا يعرف الكذب أبداً..كما هي كل كتاباتها.
من طلب منها إذن أن تجالس رجل؛مع احترامي-الذي يمنع كلاماً كثيراً حقيقي جداً-يدعي خالد حربي؟؟!!!
ليجرح هذا الرجل بذقّنه المدببة بسّم الجهل المميت؛براءتها النادرة في زمن الإفراج عن القتلة!!ويضطرها لوّصفه بالغبي الجاهل....ثم يصفها"بقليلة الأدب" ويؤكد أن"القرآن مش كتابك"
حين تشاهدها وهي تضع يدها علي فمها مذهولة,ستفهم ما لا يمكن قوله,لكني أريد قوّل:أن تلك الألفاظ والاتهامات ذبحتها من الداخل,وانفجر الدم من العينين دمعاً مكتوماً.

قد تكون قبّلت بروح لا تعرف الكراهية-هي من الذين يحبّون البشر فعلاً وليس إدعاءً-دعوة للحوار التليفزيوني؛كمثقفة من طراز رفيع,تدرك جيداً دور المثقف في بناء مجتمعه,وتخشي من المسئولية الجمّة عليها تجاه تنوير عقول أبناء وطنها,في زمن تطوف فيه العربات الشوارع للختان المجاني!!!أجل تنتمي تلك السيدة لزمن مضي عليه سنوات في مصر ولم يعد له وجود للأسف!زمن المحبّة والفهم الراقي للإسلام واحترام أي ديانة طالما تؤمن بالسلام مهما كان عدد أتباعها..زمن لا تخشي فيه المرأة من جسدها أو عليه لأنها تسلّحت بسلاح لا يعرفه المتأسلمون يسمي(العقل)تلك النعمة الربانية التي يمنّ بها الله علي من يرضي من عباده,زمن كان يكتب فيه الفذّ اسماعيل أدهم"لماذا أن ملّحد"فيُقابل الكتاب بالكتاب والفكرة بالفكرة,ويخاطبه من ردّوا عليه بالسيد المحترم أو الدكتور إسماعيل أدهم,ومن رجال كانوا يحسبّون علي الجانب الإسلامي الحقيقي العظيم الذي يشرّف المصريين جميعاً.....هذا الزمن أيضاً سيعود لمصر مرة أخرة،لكننا نعيش الآن زمن المحنة الصعبة,ولولا أمثال السيدة فاطمة ناعوت لكان كارثة علي مصر المسكينة,تحاول أن تدفعها بيدها العارية وهي تبكي و تصرّخ علي أبنائها ليساعدونها!!!
طالما المرأة المصرية بخير،لن يقدر أي تيّار علي غزو الثقافة المصرية الشعبية المتحضرة؛نساء كنوال السعداوي و والدة الشهيد خالد سعيد ورباب المهدي وفاطمة ناعوت وبسمة عبد العزيز و....و....و....عددّ عشرات الأسماء من النساء الحارسات لروح مصر وعقلها واطمئن!

-لماذا يهاجم المتأسلمون فاطمة ناعوت من ضمن الأسماء التي يهاجمونها بقسوة؟
لأنها امرأة وكل ماهو إنثوي يثير غيظهم وخاصة إذا كانت امرأة مثقفة متحدية ,فضلاً عن كوّنها فخورة بأنوثتها سعيدة إنها امرأة فلا تختبئ وراء حجاب,و تمتاز فاطمة ناعوت عن الباقيين,أنها تري أن المسيحية ديانة سماوية عظيمة تحمل الخير للبشر مثلها كالإسلام تماماً,بل وتزورهم في الكنائس وتؤيدهم في حقوقهم وتعمل معهم و......ياإلهي سأبكي... هل تلك فعلاً مصر نجيب محفوظ التي عشقّتها من خلاله وفهمتها وتسربت في روحي ودمي,الذي جعلني أعيش فيها وأتجول قرناً كاملاً بكل ما فيه وأنا في العشرين!!هل تلك مصر ذلك الرجل الطيب العبقري؟!
هل تلك مصر أم كلثوم حيث الآه تخرج من الجميع في وقت واحد كأنهم في صلاة فنية,فيتوحدوا مصريين مع الكلمة الصادقة والأداء السماوي الصادق!
هل تلك مصر الزعيم جمال عبد الناصر؛فيتبرع ابنه أولاده للبابا كيرلس لبناء كاتدرائية؛لأن عبد الناصر علّمهم أن من يتبرع لكنيسة كمن يتبرع للجامع بالظبط,فيجمعه في منديله البابا الذي حفظ الإنجيل علي يد شيخ القرية!!!
 هي الآن مصر الشحات وبرهامي وحربي...حتي الأسماء مقبّضة يا أخي!
ليتحكموا فيها-لا يحكمونها- قليلاً,قبل أن يعودوا لزواياهم القروّية يُنذّرون الناس بالويل؛لأنهم لا يقضون حاجتهم في دورة المياه الملحقة في(الخُرّم)بالظبط...تلك سمعتها بأذني!!!!

تلك السيدة إحدي الموّصلات لمصر الحضارة والمدنية,مصر الروح والعقل,مصر الفهم والسلام؛يُقال لها عن القرآن"مش كتابك"فترد"اخرس"وتتهاوي في معركة كلامية عقيمة, كان أولي بزمنها جلسة هادئة مع تلاميذّها تستمع وتناقش بعقل وحكمة, أوفيلماً تشاهده وتكتب عنه وتشرح عالمه أو قصيدة جديدة تبدعها,أو مقالة تعدها لتصفع الأغبياء وأعداء العقل علي أقفيتهم بكل أدب واحترام ,بدلاً من الصراخ علي الشاشة في وجه حربي!!تلك السيدة تستحق القليل من التقدّير في وطنها الذي تعشقّه بدلاً من أن يُقال لها علي الشاشة بقسوة"إنتي قليلة الأدب"

لأتوقف عن الكتابة التي لن تنتهي لولا أني لم أنمّ من الأمس,وأقول لنفسي:"هالة سرحان هي السبب...مرة عماد جاد بصّ للمعدّين وهو عالهوا وقال يظهر إن الناس اللي جابوني مش عارفين أنا بتاع واختصاصي ايه وممكن اتكلم في ايه أناهاقعد اسمع"
وللأمانة ذلك لا يُجافي الحقيقة كثيراً,فالموّلد الإعلامي صاحبه غائب,إن كان هناك إعلام أصلاَ!

العزيزة-التي لم أجتمع بها أبداً- فاطمة ناعوت...امسحي تلك الذكري السيئة من عقلك المتفتح؛ولا ترفعي عليه قضية ولا تهتمي بهذا الشخص,اعطيهم درساً آخر في التسامح والموّدة؛لعلّهم يعقلّون...لكن نظرتك الذاهلّة الحزينة ستبقي معبراً عن حال مصر إلي حين!

  يا من إوَزّتك نظرت لقاتلها وهو يجزّ عنقها الأبيض ولم تسقط قطرة دم واحدة..تنبئي في قصيدة أخري بمصرنا القادمة.