الأحد، 21 أغسطس 2022

منعطف خطر... النجاة تكمن في الفن!

 

منعطف خطر... النجاة تكمن في الفن!

منذ بدء عرض مسلسل"منعطف خطر"عبر منصة شاهد,والجمهور المصري والعربي في حيرة أمام لغز مقتل سلمي الوكيل,تلك الجريمة التي كشفت عن جرائم أخري وعرضت شرائح متعددة المستويات يضمها المجتمع المصري في ثناياه,تشعبت الخطيوط وازدادت الحيرة,ومع تقدم الأحداث واقتراب النهاية,بلغت التكهنات والتحليلات ذروتها,وازداد معها إعجابنا بطاقم العمل تحت إدارة المخرج الواعد السدير مسعود,صاحب الرؤية الفنية المُجددة في الدراما التليفزيونية,رغم صغر سنه إلا أنه يمتلك طاقة إبداعية كبري نريد مشاهدتها تشع في أعمال أخري تحمل بصمته الإخراجية ذات النكهة العلمية الممتزجة بروح فنية رهيفة تأسر الخيال,وهو مانفتقده في الدراما الحالية التي تصر علي السقوط لولا أمثال السدير المسعود يظهرون كل فترة كي يمنحوا الأمل في مستقبل فني راق أعتقد أنه أحد دعائم السلام والاستقرار وإحلال المنطق في عالمنا العربي المضطرب.

ويزداد ارتباطنا بالخيوط المحبوكة التي رسمها المؤلف محمد الصري والمفاجآت التي يخرجها من جعبته كل حلقة,فتتركنا مشغولي الفكر والوجدان ليس بلغز الجريمة فحسب التي منحها كل مقومات التشويق بل بالعلاقات الأبوية المتآكلة,حيث نري نتائج الإهمال وسوء التربية والغياب الدائم للآباء يترك آثاره البشعة متجسدة في شخصيات الأبناء وسلوكهم,معظم الشخصيات في المسلسل تعاني مشكلات مع آبائها,وذلك من وجهة نظري هو ما يشير له عنوان"منعطف خطر"فكيف نحلم بمجتمع متماسك ومتعاون والنواة الأسرية نفسها مفككة بل وتشبه أحياناً جبهات الحرب!

يجسد الشخصيات التي أصبحنا ننتظر رؤيتها أسبوعاً مجموعة من الفنانين أمتعونا بأدائهم:

باسم سمرة:عبر عن فجيعة الأب المكلوم بصورة مؤثرة انطبعت في القلوب,وقدم نموذج الرجل الذي تتهاوي أسرته أمامه ممزقاً بين حمايتها والرضوخ لمطالب غريمه القديم المعلم سلامة,باحترافية شديدة أكدت علي حجم موهبته الفنية التي يختزنها ذلك الوجه شديد المصرية حتي أننا يمكننا رؤية أشخاص حقيقين نعرفهم في ملامحه,وكما أثار فينا العطف الشديد بمشاهده وخاصة دفن سلمي منحنا ابتسامة-جعلتني شخصياً أقهقه-عندما لام بتلقائية ابنته علي قبول عزومة الغداء عند كريم الشاب الفاسد المدلل"يا سلام!ده علي أساس إن احنا معندناش أكل في البيت؟!ماناكل في بيتنا!"

ريهام عبد الغفور:صاغت شخصية الأم الثكلي في ابنتها التي لسعها حزن الفقد بصدق انتقل للمشاهد,فأصابهم الحزن بدورهم لأن التمثيل يعتمد علي الصدق في تجسيد الشعور الإنساني,والقدرة الفنية علي نقل الحالة الشعورية للمتلقي,هذا ما قامت به ريهام عبد الغفور بنضج متوقع منها بعد تأدية تجارب متنوعة وأدوار مختلفة صهرتها في أتون الخبرة وأصبحت فنانة تجسد أدوارها باقتدار,لقطات تعابير الذهول والألم,التوسل والخذلان والحيرة,دشنتها كفنانة يمكنها استكمال المسيرة الباذخة المشرفة للمرأة المصرية علي الشاشة منذ عزيزة أمير في البدايات لو أتيح لها أدواراً جادة وأفردت لها مساحة كافية تستقبل قدرتها التي لم نكتشفها حتي الآن بالكامل.

باسل الخياط:تقمص دور الضابط هشام الذي يخفي تحت هدوئه,جيشان شعوري عارم استطاع نقله بعينيه,باعتماده منهج الصمت القادر علي إزاحة الكلمات,ليجسد شخصية المقدم هشام منقسم الروح بين ثلاثة عمله الذي أعطاه كل وقته,أبيه الغائب دوماَ من حياته فحرمه من عطف الأبوة,وابنته التي تحتاج إليه لكنه يكرر خطأ والده رغم نفوره الشديد منه,بغيابه المتواصل عنها,ومشهد المستشفي أمام أبيه المحتضر والمونولوج الذي يزيل الستار عن دواخله جعل عبارة تتردد في ذهني"علي الآباء أن يبروا أبنائهم في الصغر,كي يبرونهم عندما يطعنون في السن ويختفي من حولها رونق الحياة".

خالد كمال:كلمة أسطي أصبحت مبتذلة اليوم,لكنها تطلق علي من بلغ في حرفته شأناً أصبح معه مثلاً يحتذي به,فهي كلمة فارسية معناها"أستاذ"وعليه خالد كمال أحد أسطوات التمثيل في جيله,قدم دور الشقيق المشوه العاجز,المطرود من إمبراطورية والده ليعيش علي الهامش لا يشعر بآلامه أحد,فأجبرنا أن نسأل أنفسنا عن مكمن العجز فينا حتي ولو كنا ظاهرياً قادرين!

حمزة العيلي:أسطي آخر له سمة مميزة أساسها اختراق جوهر الشخصية والتعايش إبراز تفاصيلها,تختلف أدواره من النقيض إلي النقيض وفيها كلها نجده قادراَ علي تطويعها وتقديمها بنفس درجة الإتقان.

جالا هشام:مشاهد قليلة وأثر بارز...في دور مدمنة المخدرات التي أحرقتها الغيرة والحقدة علي سلمي,فوصلت لدرجة امتهان نفسها مادامت الغاية في النهاية الإضرار بعدوتها!!بمظهرها الغريب الذي يخفي ورائه تاريخ من الألم النفسي والتشتت الوجداني الذي يطفو علي سلوكها فنشعر به دون البوح الصريح,أخبرتنا أن عجلة إيذاء الناس لبعضهم للأسف لا تتوقف فالأذي عدوي من يصاب بها يصر في الغالب علي نقلها لغيره...إلا ذوي القلوب الكبيرة.

محمد علاء:الابن العائش في ظل والده العملاق,وكما كان الخضوع كاملاً,سيصبح التمرد قاسياً, أول مرة أراه وأظن أنني سأبحث عن أعماله بعد ذلك,هيئة مغايرة ونبرة مميزة عن الآخرين.

تامر نبيل:بعد مسلسل خلي بالك من زيزي ودوره الذري-أي صغير الحجم هائل الكتلة-في فيلم كيرة والجن وأنا أدرك أني أشهد ميلاد فنان حقيقي حتي ولو لم ينتشر فنياً حتي الآن,شريك الضابط هشام يختلف عنه في الشخصية والرؤية الفلسفية لماهية القانون وطريقة تنفيذه,مشاهده الظريفة تريح الأعصاب من الشد المتواصل لتصاعد الأحداث.

سلمي أبو ضيف:صاحبة اللغز... ترتقي السلم خطوة خطوة,في النهاية بالتأكيد ستصل إلي الدرجة التي ستتطور فيها موهبتها لتصبح ناضجة لأنها بالفعل واعدة.

تميمة حافظ:أمينة صديقة سلمي,وجه جديد يجعلني أشد تفاؤلاً, قدمت شخصية هادئة تعتبر عين المحققين والمشاهد علي شخصية سلمي,وأتمني أنها لا تخفي شيئاً ما!!!

كافة عناصر المسلسل تضافرت لتصنع منه ذلك العمل الذي نتهلل حين يبدأ عرضه ونشعر بالغضب حين تنتهي الحلقة بقفلة تثير فينا الفضول...ولا يمكن بالطبع اغفال الكبار كأحمد ماهر العائد بعد غياب في كامل عنفوانه الفني لم ينقص منه شيئاً بل ازداد رسوخاً.

خلف الكاميرا,نسج حسام حبيب مدير التصوير باللون والإضاءة تعبير بصري عن الحالة النفسية للأبطال,أراح أعيننا بالألوان الصافية الممزوجة بعناية,من التهريج البصري الذي نراه علي الشاشة في الأعمال المبتذلة,وديكور يحيي علام,وصف بدقة الحالة الاجتماعية للأسرة التي تعيش في نفس المدينة لكن عوالمها مغايرة,فمن البيت المتهالك في الحارة الضيقة إلي الفيلا الفخمة الشاسعة,استطاع رسم خريطة اجتماعية واقتصادية كخلفية للقصة الدرامية التي تدور أحداثها أمامنا.

ولتكن تلك فاتحة أعمال جيدة أخري...لأن الخلاص النفسي والاجتماعي يكمن في الفن الصادق الحقيقي,الذي ينبهنا للمنعطف الخطر,فنتجنبه كي ننجو من مآزق الحياة الماكرة.

 

الاثنين، 15 أغسطس 2022

كل الأبواب مغلقة

 

كل الأبواب مغلقة

تظهر مجموعة من عشرة أفراد تتباين في المظهر والفئة العمرية,المسرح عبارة عن مكان غامض ومقبض أبرز ما فيه بضعة سلالم حجرية تفضي إلي الهاوية,الضوء مسلط فقط علي البقعة التي يتجمعون فيها,إنهم في الحقيقة خليط من عصور مختلفة وثقافات متعددة تعبر عن تاريخ البشرية بقدر الإمكان,لا أسماء لهم لكن كل واحد يحمل رقماً يدل عليه,بينهم امرأة واحدة هي رقم أربعة

خمسة(مستكملاً الحديث مع رقم ستة:..إذن قل لي ما الذي يخيفك؟

ستة(متمسكاً بالرقم الموضوع علي صدره):أخاف أن أفقد رقمي فأضيع ولا يصبح لي قيمة.

(يتسلل شخص مقنع من خلال الظلام المحيط بهم ويضع أول باب أمامهم,لكن المجموعة لا تراه ولا تشعر به)

عشرة:أعتقد أننا يجب علينا الاستمرار.

سبعة:ألم يكن الموعد هنا؟

خمسة:هو قال ذلك.

سبعة:إذن فلننتظر.

(يوضع الباب الثاني)

ثمانية:أحياناً أحلم أني أعيش حياة سعيدة دون هموم أو قلق,وأستيقظ من النوم والكآبة تعتصرني...فهل أنا رجل بائس يحلم أنه سعيد,أم رجل سعيد يحلم أنه استيقظ في عالم من الشقاء.

(لا أحد يجيب)

صوت:ضحكات ساخرة مستفزة

(تهبط من السماء دمي برؤوس مقطوعة)

ستة:إني خائف

(يوضع الباب الثالث)

تسعة(في حوار جانبي مع خمسة,):وكيف تتأكد من صدق وعده,ربما يكذب ولن يأتي أبداً,لطالما وعد أناساً غيرنا بالمجئ وتبخرت أحلامهم في رؤيته,ولم يرثوا من صبرهم غير الحسرة والألم,وسيطر علي أرواحهم اليأس وغزت أجسادهم الأسقام.

خمسة:إذا كانت تلك المسيرة القاسية كلها دون جدوي فقد ضاعت أعمارنا سدي في انتظار سراب.

(يوضع الباب الرابع)

واحد(هو الأكبر سناً في المجموعة):لا تقلقوا  إننا علي المسار الصحيح,ذلك هو المكان المقصود وسرعان ما سيجئ بعد قليل.

أربعة(ضارعة في سعادة)هل عند وصوله سيهبني الطفل الذي أرجوه؟!

واحد:بكل تأكيد لقد قالوا أنه صانع معجزات,سيمنحك الطفل والمال إذا رغبتي في ذلك,لكن عليك التحلي بالصبر.

(يوضع باب خمسة)

ثلاثة(يتحدث إلي الجمهور):عندما يجئ سيتغير العالم إلي الأفضل,وستغدو الأشجار أكثر اخضراراً,والمياه أكثر عذوبة,والشمس ستكتسي بحلل البهجة,وسيسكن الحب قلب كل إنسان,ولن نري دمعة طفل ولن نسمع صراخ امرأة,وسنحيا في السعادة الأبدية,وسيتعزي الحزاني,و يُنصف الأبرياء,ولن نعرف الظلام بعد اليوم,بل سنعيش تحت النور الكامل وكل من حُرم شيئاً سيجزي بأضعافه,وكل من ذاق مراً,سيمتلأ فمه بالشهد,وسنرتاح أخيراً بعدما عرفنا التعب وعَرفنا كأنما عشنا توأماً ملتصقاً لا حياة للواحد دون الآخر.

صوت:طلقات رصاص ومدفعية,صواريخ وطيارات محلقة,تتخللها صرخات مرعوبة,وصوت الكاميرات وتعليقات علي الأنباء.

(يوضع الباب السادس,وتمر لحظات صمت مقلقة,المجموعة لأول مرة تشعر بحدوث شئ غير طبيعي في الظلام من حولها,يغشاها القلق والتوجس,يجلسون في خضوع ومذلة علي السلالم الحجرية الموضوعة خلفهم...يدخل من المساحة الخالية من الأبواب شابان يضعان طاولة يتبعهما رجل يحمل كاميرا وخلفه مذيعة جميلة,ورجل يرتدي قناع مهرج علي بذلة غالية الثمن,يجلسان إلي الطاولة وتبدأ الكاميرا في التصوير.

المذيعة:وهكذا أعزائي المشاهدين في كل مكان,وصلنا إلي الفقرة الثابتة في برنامجنا مع الأستاذ السيد الدكتور الفاهم في كل المجالات,والدارس في الداخل والخارج وعلي الأطراف,ليحلل لنا أحوال العالم.

الرجل:في الواقع لا يوجد جديد تحت الشمس,ما يحدث اليوم هو نفس ما كان يحدث في القرون الماضية منذ ظهور البشرية علي كوكب الأرض,الاختلاف الوحيد أنه يحدث بوجوه جديدة وأساليب تتغير مع الزمن؛لذلك أهيب بالسادة المشاهدين ألا يزعجوا أنفسهم لأن كل ما كان سيكون من جديد ولا حيلة لنا في ذلك.

المذيعة:برافو برافو برافو...شكراً لكم أعزائي المشاهدين ونتمني أن نراكم في القرون التالية علي خير.

(يجمع فريق البرنامج أدواتهم ويخرجون)

ستة(مايزال متمسكاً برقمه):إني خائف...خائف.

ثلاثة(يحاول طمأنة ن حوله):لابد أن أوهامنا من فرط الإجهاد وعسر المسير,تصور لنا مخاوف لا أساس لها من الصحة,إن أفظع المخاوف وأشدها تحكماً في العقل والجسد هي ما يوحيه الإنسان لنفسه...أجل كلنا خائفون ولابد أن نخاف,لكن ما معني الحياة دون مقاومة للخوف والأوهام والألم,إذا استسلمنا لأفكارنا السوداء لن نفلح,سندمر أنفسنا وندمر غيرنا.

(يدخل رجل يركض خلف امرأة حاملاً مسدساً)

الرجل:سأقتلك.

المرأة:ارحمني.

الرجل:ليس اليوم محلاً للرحمة,إن تلك الكلمة قتلتها الخيانة.

المرأة:أقسم لك أني بريئة.

الرجل:لا يوجد في الدنيا بريئاً الكل يستحق العقاب لسبب أو لآخر.

(يطلق عليها الرصاص ثم ينتحر,ثم يدخل طفل صغير هو بالتأكيد ابنهما,يراهما فيبكي ثم يخرج صارخاً في فزع ويبتلعه الظلام)

ثلاثة(يقترب من أربعة فتفزع بشدة لكنه يطمئنها أنه معجب بها):لا تخشي شيئاً,لا أقصد أي سوء(متردداً في خجل)سمعت أنك تتمنين طفلاً.

أربعة:أجل.

ثلاثة:والقادم وحده هو القادر علي ذلك!

أربعة:ليست مسألة قدرة...إنني لا أرغب في أحد سواه.

ثلاثة(محبطاً,لقد نبت الحب فجأة فتغير فجأة):ولكن ماذا لو لم يأت؟!

أربعة(مندهشة):لقد تلوت للتو خطبة بليغة عن قدومه المرتقب وما سيصنعه في العالم من سعادة وبهجة لا نظير لهما.

ثلاثة (لنفسه):يا إلهي... أتمني لو لم يأت.

أربعة:أتقول شيئاً؟

ثلاثة:كلا... والطفل كيف تتخيلينه؟

أربعة(حالمة):بهي,شقي,وسيم,حنون...يعطيني بداية جديدة ومعني لحياتي,إنني أحلم منذ طفولتي أن أصير أماً,فالأمومة هي أعظم عمل في العالم,وأنت بم تحلم؟

ثلاثة(يكتشف لحظتها شيئاً محزناً عن نفسه,فيبتسم في مرارة):قضيت سنوات عمري كلها أحلم بالقادم,لم أفكر في سواه أبداً,سيطر علي فأنساني الماضي والمستقبل(يتأملها)أنساني نفسي.

(يوضع الباب الثامن)

ستة(يتشبث برقمه وقد طار صوابه):إنني رقم ستة(يصرخ)إنني رقم ستة ترتيبي بعد خمسة وقبل سبعة.

(يذهب ويقف بينهما,يتحركان فيتحرك معهما,ينظران إليه باستغراب)

سبعة:توقف عن ذلك!

ستة:وماهو ذلك"الذلك"؟

سبعة:هذا الذي تفعله.

(يتحركان من جديد,فيتحرك معهما ويحشر نفسه بينهما)

خمسة:هل جننت؟!

ستة:لا أدري كل ما أريده ألا تتركاني أنكما الشاهدان علي وجودي.

خمسة(ساخطاً):لقد جننت فعلاً!

سبعة:لم يكن ينقصنا غير ذلك.

ستة(يهمهم مترنماً)أنا ستة,ستة,ستة(يضحك بجنون)وأنتم ما رقمكم؟ومن تكونون؟وما هو الشاهد علي وجودكم(تستمر ضحكاته المجنونة)

(يوضع الباب التاسع)

(عشرة يخرج من دائرة الضوء,وينتبه للأبواب التي وضعت في الظلام,يتحسسها بيديه,يحاول فتح الباب الأول فلا يقدر,يجرب في الثاني مضطرباً فلا يستطيع)

عشرة(يصرخ ملتاعاً):يوجد هنا أبواب معلقة.

(يركض البقية نحو الأبواب وقد خرجوا من دائرة الضوء نحو الظلام الخافت,ويحاولون فتحها بطريقة بالتدريج بهيستيرية,وقبل وصولهم للفرجة الأخيرة يثبت عليها الباب العاشر,يفشلون في فتحه هو الآخر,رقم أربعة تبكي,وعشرةيقع علي الأرض منهاراً,ستة يزداد جنوناً,سبعة يبكي,ثمانية خائف,واحد ساهم,خمسة غاضب,تسعة لايزال يحاول فتح الأبواب,تسعة يائس,واحد ينظر إلي السماء برجاء,كل ذلك يحدث في ثوان قليلة,المجموعة كلها منهارة,وقفة قصيرة صامتة...يدخل من الجهة المقابلة للأبواب شبح غامض علي هيئة ظل سلويت,لا يمكن معرفة كينونته,يدق الباب,ينتبه الجميع ويثارون من جديد ويندفعون لفتح الباب,لا يزال الشبح يدق علي جميع الأبواب.

المجموعة:كل الأبواب مغلقة

أربعة(تتقدم إلي مقدمة المسرح,يتبعها ثلاثة)لما جاء ميعاده لم يتمكن من الوصول.

ثلاثة:ربما كان علينا أن(يغالب تردده وحيرته)ربما كان علينا أن نكتفي بما نمتلكه دون انتظار لأمر مجهول.

أربعة:الانتظار عذاب والوصول عذاب أشد(تنظر له بحنان وقد فهمت معني كلامه)

ثلاثة(يمد يده فتمسكها)قد يكون ما كنا ننتظره طوال حياتنا كامن داخلنا ومعنا طوال الوقت...ما يشع منه النور ويصلح حالم العالم في قلوبنا دون أن نشعر به,أو نشعر به ونتجاهله وربما نسخر منه فيذبل(ما يزال الشبح يدق في إصرار وإزعاج)...من يدري ربما كان القادم لا يحمل لنا إلا الشر.

(ثلاثة وأربعة يخرجان من الجهة المقابلة للأبواب, في سلام وانسجام متماسكي الأيدي)

ستة(يدور في جنون حول المسرح):أنا رقم ستة أنا رقم ستة,أنا بعد خمسة وقبل سبعة(يشير إلي الجمهور أثناء ركضه):فمن تكونون؟...من تكونون؟...من تكونون؟

ستار

 

 

 

 

ختم القلب الكبير

 

ختم القلب الكبير

في عتمة الليل وسكونه المريح,تشرق في قلبه شمس الطموح,في الغد سيقوم بعمله العظيم المرتجي,ومع بياض النهار وجلبته تنطفئ كلسان شمعة أخرسته الظلمات,حتي نبت في ذهنه خاطر وقال لنفسه"لن أكون قائداً يصول في الميدان بمهابة,ولا عالماً يتواصل مع أسرار الكون,ويقول للاحتباس الحراري تمهل قليلاً,وليس بيني وبين المال عمار فأغدو من أباطرة المال وأوزع الوظائف علي المتعطلين,ما أنا إلا إنسان عادي وأقل من العادي وسأحوم في تلك الحدود,حينها تراءي له ما كان محجوباً.

لاحظ أن ابنة حارس العقار ترتدي حذاء مهترئاً,لايقيها برد الشتاء وأوحاله,فاشتري لقدميها الصغيرتين حذاء جديداً,فضحكت بسرور وصفقت بيدها بسعادة طفلة في السابعة,وركضت بثقة وأمل نحو الطريق.

جاره الذي يلقي عليه كل يوم سلاماً مقتضباً,اقترب منه وشد علي يديه مبسماً,فمضي الرجل فخوراً-وكان يحترمه-وبدلاً من أن يضيع وقته عند حلول المساء في كلام الإنترنت الفارغ,اتصل بأخيه الذي لم يحادثه منذ فترة,فشعرا سوياً أن الزمن لم يمر,وفي البارحة كانا يلعبان بالكرة أمام مدخل الدار.

هبط من المنزل حاملاً بعض مدخراته ليضعها في صندوق معدني مخصص لمرضي السرطان عليه صورة طفل يحارب المرض والعلاج الكيمائي معاً,وخيل له أن الطفل يبادله العطف والامتنان.

وعندما حل الليل من جديد كان قلبه مغسولاً,وقالت له نفسه التي تخففت من أوزارها فلم تأمره هذه المرة بالسوء"ما يهمك في الطموح والعظمة اللذين يداعبان غرورك المقموع,ألا يكفيك تبديد سواد قلبك لتري ذاتك في مرآة الإنسانية"

منذ ذلك الوقت يفيض به الشجن والحنان,فيطبع كل ليلة دمعة علي المخدة...ختم القلب الكبير.

الأحد، 3 يوليو 2022

ترنيمة ديكنز الخالدة

 

 

في ديسمبر تتجمد الدماء في العروق,وتغدو السماء مكفهرة غاضبة منذرة بليال طويلة يشع منها البرد والصقيع,لكنه يحمل معه رغم قسوته الظاهرة رحمة غامرة,كأحد أطيب أوقات العام علي الإطلاق,فهو شهر ميلاد طفل السيدة مريم الذي جاؤه الرعاة عند ميلاده وسجد له المجوس حاملين الهدايا للطفل المبارك الذي سيصبح السيد المسيح رجل المحبة والسلام صاحب التعاليم السمحة ,التي دكت قساوة القلوب ليجيئ ميلاده معلناً عصراً جديداً به سيبدأ تقومينا المعاصر,وكان ذلك في 25ديسمبر-7يناير لاختلاف التقويم بين الكنائس-ذلك الشهر ملؤه الأغنيات الحلوة الفرحة بمقدم العيد,في سمعي تترنم فيروز "ليلة عيد ليلة عيد,الليلة ليلة عيد,زينة وناس صوت أجراس عم بترن بعيد صوت ولاد ثياب جداد وبكرة الحب جديد",وماجدة الرومي"ولد المسح هللويا,ولد المسيح هللويا",والأنشودة الرسمية we wish" you a merry Christmas" ليتدفأ قلبي وسط زمهرير الرياح الصاخبة وأبتهج رغم قرصة البرد,بقدوم عام جديد ذكري لميلاد طفل بيت لحم,والميلاد يحمل معه بذور الألم والسعادة,وياله من طفل ويالحكايته من حكاية,درس للأدباء وكتاب الدراما كما هي درس للمؤمنين بالرسالات السماوية,حكاية مشحونة بالمغامرة والصلابة النفسية أمام تهديدات لا يقدر عليها أعتي الرجال,طوال حياته عاش مهدداً,والعجيب أن ميلاده الذي كان متواضعاً بين الخوف والرجاء, يمنحنا الآن والبهجة وجو كرنفالي ساحر,الشجرة وسانتا كلوز,والتمنيات الطيبة بعام جديد يعالج جراح العام الفائت,ويهدئ آلام المكروبين والمعذبين في الأرض,أجل نكبر عاماً وندنو من نهايتنا المحتومة علي كل ابن أنثي,لكن كل إنسان يتمني أن يحقق في ذلك العام ما طارده واستعصي عليه عمره الفائت كله,كل تفصيلة في الكريسماس تستحق الاحتفاء ولنبدأ من بعيد...هناك في فلسطين نتجه نحو السيدة الحامل دون أن يمسهها بشر"قال كذلك قال ربك وهو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمراً مقضيا.فحملته فانتبذت به مكاناً شرقيا"إنها المطهرة التي اختارها الله لتلد أحد أنبل من عرفهم التاريخ,إن قلبي ليهتز كل مرة أقرأ فيها وصاياه المؤثرة,أسمعه فوق الجبل يصيغ للإنسان معني لو عرفه,لتغيرت القلوب والنفوس للأفضل,ولحل الجمال محل القبح والخير محل الشر"سمعتم أنه قيل:عين بعين وسن بسن.وأما أنا فأقول لكم:لا تقاوموا الشر,بل من لطمك علي خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً.ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضاً.ومن سخرك ميلاً واحداً فاذهب معه اثنين.من سألك فاعطه,ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده.سمعتم أنه قيل:تحب قريبك وتبغض عدوك.وأما أنا فأقول لكم:أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم.أحسنوا إلي مبغضيكم,وصلوا لأجل الذين يسيئون لكم ويطردونكم,لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات,فإنه يشرق شمسه علي الأشرار والصالحين,ويمطر علي الأبرار والظالمين.لأنه إن أحببتم الذي يحبونكم فأي أجر لكم؟أليس العشارون أيضاً يفعلون ذلك؟وإن سلمتم علي إخوتكم فقط,فأي فضل تصنعون؟أليس العشارون يفعلون ذلك أيضاً؟فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل"إنه لخص كل الرسالات السامية في العالم بدءَ من مصر القديمة التي أشرق فيها فجر الضمير لأول مرة علي البشرية,حتي الرسالة المحمدية المنذورة لخير الإنسان في العالم,وقد أجلت المسيح وأمه,يوم فتح مكة أمر النبي بطمس الصور داخل بيت الله فطمست"ووضع كفيه علي صورة عيسي بن مريم وأمه عليهما السلام وقال:"امحوا جميع الصور إلا ما تحت يدي"فرفع يديه عن عيسي ابن مريم وأمه"سيصبح الطفل رجلاً علي مشارف الكهولة حاملاً رسالته للإنسانية في مواجهة القيصر والخبثاء من اليهود,معلناً أنه ملك أورشليم وسيُستخف به وسيسخرون منه كما يفعل الناس دوماً مع عظماء العالم,أين هذا النجار الفقير الذي يدعي أنه المسيح من ملك داود وسليمان,اليهود يريدون ملكا محارباً كهذين الجبارين لا رجلاً رقيقاً ينادي بالحب والسلام بين الأنام,ويتعرض لمحنة وأي محنة,يطل يهوذا وألف يهوذا بوجوههم القبيحة ليخونه ويسلموه إلي مصيره المحتوم,كما سيسلموا أتباعه الذين لم يعرفوا العالم إلا أنه مكان للقلب الطاهر والروح السامية,وعلي اختلاف نهاية القصة بين المسيحية والإسلام إلا أنهما الدينان الوحيدان في العالم المعترفان بالسيد المسيح المقرب من الله علي كل حال في نظر الديانتين,فأي رابطة أقوي لنحتفل سوياً بالميلاد غير عابئين بالأفكار الكريهة التي طغت علي العقل المصري,في زمنه المتردي الردئ...إنه الكريسماس يا سادة.

دعونا نستحضر روحه الجميلة عن طريق الأديب الإنجليزي الكبير تشارلز ديكنز,صاحب رواية"ترنيمة عيد الميلاد" أجمل القصص التي دارت حول الكريسماس وأكثرها رواجاً منذ صدورها عام 1843,وفي نفس العام بدأت لأول مرة عادة تبادل كروت التهنئة بالكريسماس,فأصبح الكارت والرواية من تقاليد العيد في الغرب وجعلت ديكنز هو الرجل الذي اخترع الاحتفال بالكريسماس,فقد كان ذلك العيد يمر علي العالم دون احتفاء كبير وبعد روايته أصبح أشهر الأعياد كأنه اكتشفه من جديد! كعادة الأدب العظيم يمكن للقارئ الإحساس به في أي زمان ومكان,فما زال شكسبير يحيرنا بهاملت وديوستوفسكي يؤلمنا بالإخوة كارمازوف وهوجو يبكينا مع البؤساء,وديكنز يعلمنا نبذ الخبث والبخل مع العجوز ابينيزر سكروج بطل روايته نبيلة المضمون والهدف,إنها لندن العصر الفيكتوري في القرن التاسع عشر عشية عيد الميلاد,البرد والضباب يلفان المدينة,وينسكبان علي بيوتها ومحلاتها من شقوق الأبواب,الظلام حل مبكراً جداً,فأضحي النهار ليلاً,والكل سعيد ومبتهج حتي المشردين في الشوارع,عدا شخص واحد اسمه سكروج,عجوز جامد الكف مصدود عن الخير بلا مشاعر ولا أحباب,يرفض دعوة ابن أخته المتوفية لتناول العشاء معهم,وماهو الكريسماس في نظره؟مصاريف وفواتير تنتظر الدفع,وسنة يخسرها الإنسان من عمره دون أن تزداد حصيلة نقوده,وتظهر طبيعته العدوانية وكراهيته للبهجة في قوله-المقتطفات من ترجمتي-"إذا كان الأمر يعود لي,فكل أحمق يتفوه بعبارة:عيد ميلاد مجيد,ينبغي غليه في حلوي البودينج الخاصة بعيد الميلاد,وأن يدفن وفي قلبه وتد مغروز",يدافع ابن الأخت معبراً عن معني الكريسماس الروحي"إنه وقت جميل ملؤه التسامح والإحسان والبهجة,إنها الفترة الوحيدة من العام الطويل الذي يفتح فيها الناس قلوبهم المغلقة رجالاً ونساء,ويتذكرون من هم أدني منهم علي أنهم رفاق رحلة واحدة نهايتها الفنا,وإذن يا خالي علي الرغم من أن الكريسماس لم يضع ولو خردلة من الذهب والفضة في جيبي,فأنا علي يقين أنه أهدي لي أموراً طيبة,وسيظل يفعل ذلك,وليباركه الله",كل ذلك بالنسبة له كلام فارغ أو كلمته الشهيرة"bah!humbug",يرفض الصدقة علي المعوزين والمشردين ليتدفأوا ويأكلوا ليلة العيد,ويوبخ سكرتيره بوب كراتشيت,علي أنه سينقطع في الغد عن العمل لقضاء الكريسماس مع أسرته,ويعتبرها مناسبة سنوية لالتهام ثلاث شلنات من جيبه دون وجه حق,ثم يغادر مكتبه ويتجه لمنزله ليري شبح شريكه مارلي الذي مات منذ سبع سنوات,فأخذ بيته ولم يتأثر بموته في خضم نهمه لتكديس الثروة,وفي ليلة الميلاد سيولد سكروج من جديد,عندما تزوره ثلاث أرواح متتالية,روح عيد الميلاد الماضي,فنكتشف مآزق حياته التي شكلت عقده النفسية,والثانية روح عيد الميلاد الحاضر,وفي ذلك الفصل يبرع ديكنز في الوصف السردي الأخاذ لاحتفالات الكريسماس البهيجة,المشحونة بالحيوية والخفة,تبرز حساسية ديكنز الخاصة نحو عيد الميلاد,والثالث شبح عيد الميلاد القادم المرعب,الذي ينذر سكروج بنهايته المؤلمة وحيداً مكروهاً لو لم يتبدل حاله,وفي النهاية يصبح سكروج كطفل صغير ويغدو صديقاً لبوب كراتشيت الصغير ويدعم أسرته الفقيرة في مواجهة الحياة ويصبح أباً ثانياً للطفل العاجز تيم الصغير ابن بوب,ونجاة تيم من تهديد الموت والفقر بشارة ديكينزية وأمل ينبعث من قلب كاتب كبير عاني الفقر والظلم تجاه جميع أطفال العالم,ويتحول سكروج من شخص بغيض ثقيل الروح قاتل للبهجة,إلي أكثر إنسان يعرف كيف يحتفي بالكريسماس ويقدر حضوره السنوي.

الأعمال الأدبية العظيمة من المستحيل تلخيصها أو إعادة سردها,فقوة السرد مقترنة بالمغزي الروائي,والتفاصيل التي تشكل اللوحة الأدبية لا تتوفر إلا لأصحاب القلوب الكبيرة أمثال ديكنز,وللأسف حتي اليوم لا توجد ترجمة عربية تليق بما أبدعه تشارلز ديكنز في تلك القصة,عن روح الكريسماس وولادة الإنسان من جديد إذا اخلص من الطمع والشر اللذين يحجبان عن بصيرته جمال العالم,وستبقي البشرية كل كريسماس تقرأ ترنيمة ديكنز لأنها من الأعمال العابرة للزمن والقوميات,ملكاً لكل روح بشرية في العالم,فالروايات المحلقة في سماوات الإنسانية الباحثة عن خير الإنسان وحريته من القيود المكبل بها في العالم الدنيوي,لاتبلي مع مرور السنوات,بل تزداد وهجاً وإمتاعاً.

أمدت ترنيمة عيد الميلاد السينما والمسرح والتلفزيون بعشرات الاقتباسات,ودخلت كلمة",scrooge"المخيلة العامة كدلالة لي البخل وضعة النفس مشيرة إلي ذلك الإنجليزي العجوز,الذي سيتحول إلي أحد أجمل الشخوص الروائية المؤثرة في ملايين القراء,وستشحذ همتهم في عمل الخير ومساعدة من حطمتهم الحياة,من تلك الاقتباسات مسلسل بطولة الفنان أسترالي الجنسية بريطاني المولد"جاي بيرس"بطل فيلم momentoلكريستوفر نولان,صدر عام2019وقدم فيه رؤية سوداوية مغايرة لحد كبير للنص الروائي الأصلي,فقد تخلت المعالجة الدرامية عن الروح الفكاهية التي زرعة ديكنز في روايته,واستبدلت رؤية فلسفية بليغة المعاني أوضحت لنا النقاط العميقة في نفسية وعقل سكروج,ليصبح رمزاً لإنسان العالم الصناعي الساعي للمال علي حساب ممتلكات ودماء البشر,غير عابئ سوي بالربح الوفير,يزن كل شئ بالنقود والصكوك البنكية,فيعري زوجة بوب كراتشيت أمامه في مقابل دفع تكلفة عملية جراحية لتيم الصغير فقط ليثبت أن كل شئ في العالم يمكن شراؤه بالمال حتي الشرف والإخلاص,وهو ليس فقط كاره للكريسماس بل متشكك فيه,ويتساءل عن دليل يؤكد أن السيد المسيح ولد في الشتاء,وكيف للجمال في فلسطين أن تسير علي الثلج,ومواجهته مع الأرواح يعتبرها معركة بين منطقه العقلي الصارم والأوهام والخرافات,لكن مع مرور الوقت تنبعث في كيانه المظلم نقطة نور...هوي ذاتها التي انبعثت في الشخصية الروائية من قبل,ذلك المسلسل المكون من ثلاث حلقات الذي عرض علي قناةbbc one من إخراج"نيك ميرفي"يدل علي أن المادة الروائية لديكنز مازالت خصبة مهما امتتح منها المؤلفون والمخرجون.

وستظل الترنيمة تسمع كل عام مقروءة ومسموعة ومرئية,رغم العدد الهائل من الاقتباسات ماتزال روايتنا رحيبة ومرحبة بمئات المعالجات ووجهات النظر المختلفة,عن أزمة الإنسان الأزلية...الخروج من أسر الذات والصدمات النفسية المؤثرة,والانفتاح علي العالم والمشاركة في بناؤه بدلاً من الرغبة المكبوتة في تدميره.

 

الأحد، 5 يونيو 2022

ليلة في محبة الشعر

 

وسط طغيان المادة علي الروح الإنسانية والتسابق المحموم لأمور نظنها هامة لكن في الحقيقة هي فارغة المضمون,مفتقدة للمعني إلي حد مفزع,تندر في حياتنا الليالي الصافية التي تعيد للواحد منا توازنه,بعد معارك يومية بينه وبين ظروف الحياة,وبينه وبين نفسه,ومن تلك الليالي كان لي النصيب بأن أحظي بواحدة منها بجاليري بيت جلال أمام قصر عابدين التاريخي الشاهد علي تاريخ مصر منذ القرن التاسع عشر حتي اليوم,وسط زحام القاهرة وصخبها عقد هناك احتفال لتكريم الفائزين بالمسابقة الأولي لمبادرة ستاند شعر برعاية الشاعرة عبير عبد العزيز.

التكريم السادس لي في سنواتي الثلاثين – سرعان ما تلاشت تري أين ذهبت بحلوها ومرها؟!-التي قضيتها محاولاً فك لغز الآداب والفنون قارئاً وكاتباً,دخلت مبني القنصلية الصينية وكرمتني القنصلة وصعدت علي مسرح دار الأوبرا بالقاهرة,وكانت الجوائز ذات عائد كبير هواتف محمولة ومبالغ مالية كبيرة,لكن في بيت جلال الصغير وجدت الحميمية والألفة,رغم أني لم أطل المكوث بسبب ضرورة عودتي لمدينتي دمنهور في موعد محدد,ورأيت تصميم وأمل وصدق في كلام عبير عبد العزيز وأحلام كبيرة في ذهنها للشعر والشعراء,وقبل كلامها ضربت مثلاً فعلياً عن العطاء والعمل الواقعي,بتوزيعها علي الفائزين لوحات تشكيلية من مقتنياتها الشخصية,ولم تسع للدعاية لنفسها مع أن أسهل شئ هذه الأيام الدعاية والشهرة لسهولة وسائل الاتصال التي نقلت العالم لمراحل من التقارب وسرعة نقل المعلومات,لو شهدها علماء وأدباء القرون الماضية لقالوا أن الخيال العلمي أصبح واقعاً معاشاً وهو بالفعل كذلك,بل ظلت هويتها مخفية حتي موعد الحفل,ولم تنشره علي مواقع التواصل الاجتماعي!

كلما أستأذنت منها في الرحيل استبقتني بحرارة جعلتني لا أملك سوي المكوث,حتي وصلت"التورتة"لتفاجئنا بأن اليوم عيد ميلادها وقررت الاحتفال به في تلك المناسبة,وأعتقد أن أمامها عاماً حافلاً من العمل والعطاء وتشجيع شعراء قصيدة النثر,ذلك الاتجاه الشعري المعبر والمناسب لتيار العصر,فكما شكل العرب القدماء لغتهم الشعرية وصيغتها المرسومة بشواطئ البحور وأقفال القافية, علي الشعراء المحدثين تكوين عالمهم الشعري بلغتهم الخاصة وشكله المتغير,فأمام الزمن حتي قوانين العلوم تتبدل فيحل ببراديجم يطيح بالسابق,كما فعل مثلاًأينشتاين مع نيوتن وداروين مع أهل الأرض جميعاً!

حول النصوص الفائزة أسهب الشاعران عضوي لجنة التحكيم عاطف عبد العزيز وجمال فتحي في التأكيد علي نقاط معينة أفادت جميع الحضور ومنهم ابن عم لي جاء معي,وهو شاب صغير ليس له اهتمام بعالم الأدب لكنه تنبه وناقش معي في طريق العودة ما قالوه واعتبر الوقت المخصص للجنة التحكيم والشاعرة الراعية للحدث أجمل وقت في الاحتفالية لأنهم أشبعوا عقله وجعلوا آفاقه تتفتح لموضوعات غائبة عن عقول الأجيال الشابة,بل وكان له اقتراحات حول خطط عبير عبد العزيز لكنه لم يمتلك الشجاعة للبوح بها.

إنني شهدت ليلة صادقة تستأهل المشوار الطويل من مدينة حورس للعاصمة التي قهرت غزاتها علي مر التاريخ,وعدت متفائلاً بمستقبل جديد للشعر ترعاه سيدات يسعين للرقي العقلي والنشاط الوجداني ويهبن بكرم ويتفانين في خدمة الأدب كعبير عبد العزيز,فالمرأة المصرية منذ إيزيس هي المحرك الرئيسي والدينامو الحقيقي للمجتمع المصري,ولذلك يسعي المتطرفون وأعداء التقدم لتقييدها بكل قوتهم,لأنها إذا ظهرت بصورتها الحقيقية فقد آن للنور أن يُفني جيوش الظلام,وقامت الحقيقة لتمحو الباطل...إنني أدعوها أن تستمر في سعيها الدؤوب وعطائها,وتنفيذ خطتها لاكتشاف الشعراء وتشجيع القلوب والعقول,فالكل يشكو ويتذمر وقلة فقط هي من تعمل في صمت فهي الشخصية الحقيقية التي تستحق التكريم الليلة,وفي انتظار ليال عديدة تجدد الراكد وتدفع المتعطل,وربما يتشجع آخرون فينبت في عالم الشاشات وغابات الأسمنت زهرة نتركها للأجيال القديمة لعلم يذكروننا بالخير.

الأربعاء، 18 مايو 2022

مليكة

 

مليكة

أحنّ لمسة علي يدي

وأصفي عيون رأيتها

تقول لي يا"خالو"

فتتلاشي الدنيا علي لسانها

حملتها في أول ساعاتها

ورجوت من ربي أن يُحلي أيامها

تنتظرني علي عتبة الباب

مع أخويها-التوأم- مالك وليلاس

لكل منهما حبة عيني

يركضون نحوي

فأغدو طفلاً

حراً...مرحاً

لا أعرف من الدنيا سوي البسمات

"مليكة حبيبة خالو"

تقفز في حضني ويقفز قلبي في حضنها

أول طفلة فرحت بها

مرت السنوات

ومليكة اليوم لها خمسة أعوام

ولدت في نفس شهر ميلادي

فكأني ولدت من جديد

وكأن لروحي ميلاد ثانِ

الاثنين، 11 أبريل 2022

وجهها

 وجهها يحفظه أهل المدينة،علي الإعلانات-أسفل أعمدة الإنارة في الشوارع الراقية-وعلي واجهات محال الملابس النسائية والماكياج،كانت بالنسبة لي صورة ثابتة مبتسمة ومتأملة،حتي رأيتها ومارس يستقبل أبريل،تجلس خلف لوح زجاج تمرد علي الرمل وأصبح شفافا كي يسمح لعيني أن تتلصص علي المقهي الأنيق عندما مررت به،والشمس تغذي الأرض من حليب دفئها،وهي...هي تتكلم في الموبايل،تحرك شفتيها الرقيقتين وأنا أحرك قدمي المتعبتين،وبالحركة تغير الزمان والمكان وعبرتها دون التفات،لكني منذ ذلك اليوم أتلفت كل مرة أمر فيها أمام اللوح الزجاجي،ومهما كان الجالس علي المقعد فإنه يبقي في عيني خاويا.