السبت، 13 مايو 2023

مخطوطة فوينيتش... لغز أم خدعة

 في العالم الكثير من الموضوعات الملغزة العصية علي التفسير والمحصنة أما محاولات الفهم الإنساني، تعجز أمامها البشرية حتي اليوم الحاضر رغم الوثبات العلمية الهائلة التي تحققها الدول المتقدمة، بداية من حقيقة قارة أطلس الغارقة التي اختفت بين طيات التاريخ عقب دمارها، ولا أحد يستطيع أن يجزم إذا ما كانت القصة صحيحة أم من وحي خيال أفلاطون ليضرب أمثلة لآرائه الفلسفية كما عودنا في محاوراته الشهيرة، مروراً بالأهرام العظيمة في مصر، والتساؤلات اللامتناهية حول حضارة وادي النيل والحضارة السومرية والصينية وأسرار الشرق عموماً، مروراً بألغاز التاريخ الأوروبي والعربي، لقد شملت الألغاز عالمنا ويمكننا القول أننا نعيش في عالم من الغموض التام، فلا نعرف حقيقة أكثر الأشياء التصاقاً بنا، فما هو الزمن؟ وسر الجاذبية؟ وأين موقعنا في الفضاء الفسيح؟ وماهي طبيعة المخ البشري ذلك الجهاز الصغير الموجود في أدمغتنا شديد التعقيد والحساسية، ومن بين تلك الألغاز المنتظرة الشخص القادر علي حلها مخطوطة قديمة، يرجع تاريخها للقرن الخامس عشر قابعة في مكتبة جامعة ييل بالولايات المتحدة الأمريكية، بعد رحلة طويلة قطعتها بين المكتبات والأديرة، مخطوطة غامضة كتبت بلغة غريبة ورسوم سريالية أعجزت علماء التعمية وفك الشفرات، منذ اكتشافها علي يد جامع الكتب والآثار البولندي ويلفريد فوينيتش عام ١٩١٢ في، عندما باعت الجامعة الجريجورية في إيطاليا بعضاً من كتبها حين واجهت عجزاً مالياً اشترها فوينيتش بمبلغ غير معروف،ووجد مع المخطوطة رسالة ترجع تاريخ كتابتها إلي ١٩أغسطس١٦٦٦ مرسلة من جانيس ماركوس رئيس جامعة براغ إلي العالم اليسوعي أناناسيوس كيرتشر، جاء فيها أن الكتاب اشتراه رودلف الثاني إمبراطور براغ مقابل ٦٠٠دوكاتيه، وكان كيرتشر أحد خبراء حل الشفرات وتم إرسالها له علي أمل أن يفهم فحوي تلك المخطوطة المحيرة.

 الشئ الوحيد المؤكد عنها اسم مكتشفها في القرن العشرين، وأنها كتبت في الخامس عشر في السنوات الواقعة بين ١٥٠٤و١٤٣٨ حسب الفحص الكربوني الذي أجرته جامعة أريزونا لتحديد عمرها عام ٢٠٠٩،وبذلك تنسف أحد النظريات القائلة بأن كاتب هذه المخطوطة هو فوينيتش نفسه مستغلاً خبرته في عالم الآثار والمخطوطات! وهي واحدة من عشرات النظريات التي تحيط بتلك المخطوطة، فقد اعتبرها البعض مخطوطة سحرية كتبت بلغة الجان أو الملائكة، وآخرون قالوا إنها علوم جاءت من الفضاء الخارجي لتصف الحياة العجائبية لسكان العوالم الأخري.

 تعددت الأسماء التي وردت كمؤلفين محتملين لهذه المخطوطة، فافترض أن الفيلسوف الإنجليزي والراهب الفرانسيسكاني روجر بيكون الذي عاش في القرن الثالث عشر، ويعتبر أول أوروبي في القرون الوسطي يؤمن بالمنهج العلمي هو من صاغ المخطوطة علي تلك الشاكلة، لكن المتخصصين في أعمال بيكون يستبعدون تلك الفرضية وهو ما أعتقده فوينيتش نفسه، وذكر اسمي العالم الإنجليزي جون دي ووسيطه الروحاني إدوارد كيلي اللذين عاشا في بوهيميا، وأرادوا التكسب من الإمبراطور ببيع المخطوطة له، وهكذا تتعدد الرؤي حول تاريخ المخطوطة. 

أما إذا فتحنا المخطوطة نفسها فمن المستحيل التوصل إلي شئ قطعي... بل من المستحيل التوصل إلي أي شئ علي الإطلاق، المخطوطة كما ذكرنا كتبت بلغة غير معروفة، وفي السنوات الأخيرة عرفنا عن طريق الكمبيوتر أن تلك اللغة تشبه العبرية القديمة بنسبة ٨٠%، أما الرسوم فلا يمكن معرفة ما الذي تمثله، اتجاه الكتابة من اليسار إلي اليمين وعدد حروفها ما يقرب من ١٧٠ألف موزعة علي ٢٤٠صفحة، ويمكن تقسيم أبوابها استناداً علي شكل الرسومات إلي: 

1- قسم الأعشاب 2- قسم الفلك 3- قسم الأحياء 4- قسم الكونيات 5- قسم الصيدلة 6- قسم الوصفات 

ويعلمنا تاريخ البحث العلمي أن تعدد الآراء حول أي موضوع لإيجاد إجابة محددة عن الأسئلة التي يفجرها معناه أنه لا توجد له إجابة حقيقية، ولذلك ستبقي مخطوطة فوينيتش أحد الألغاز التي تطرح نفسها مع كل جيل، وفي كل مرة تتقدم فيها وسائل البحث العلمي في سعيها الدؤوب لاكتشاف المجهول.... ولكني أحياناً أتخيل أن تلك المخطوطة عبارة عن خدعة متقنة كتبها راهب منفرد أو مجموعة من رهبان القرون الوسطي، بهدف السخرية من العقل البشري وغريزته التي تريد إضفاء معني علي جميع ما يحيط به، وإيجاد تعريف وتفسير لكل الموجودات حوله، حيث أوهموا الناس أن تلك اللغة المخترعة لغة مجهولة ولابد أنها تعني شىئاً ما، وأن تلك الرسومات السريالية تشير إلي عالم مواز لعالمنا، أو أنها أحجية لحل أحاجي أخري أكثر غمومضاً، وبالفعل نجحت خطتهم وظلت مخطوطة فوينيتش تطرح نفسها كلغز وليس كخدعة بالغة الإتقان والتعقيد.

هوميروس وعالمه

 

 إن أجمل الأوقات للقارئ المحترف أو للشخص الذي يهوي الإطلاع عموماً هي تلك الساعات التي يقضيها مع أدباء وفلاسفة اليونان، فتلك البلاد نمت فيها شجرة العبقرية وطرحت ثمارها الحلوة التي مازلنا نستمتع بمذاقها حتي يومنا الحالي، وستظل البشرية تعود إلي حدائقها البهيجة للأبد، وكيف ننسي أسخيلوس وسوفوكليس ويوربيديس وما قدموه علي خشبة المسرح من شخصيات، وهل يمكن أن نسقط من حساباتنا سقراك وأفلاطون وأرسطو، وكل اسم فيهم ساهم بنصيب أساسي في كل ما نشغل به أذهاننا من مشكلات فلسفية وحياتية، إن تلك الأسماء هي الأشهر في الثقافة اليونانية، ونحتاج لعشرات الصفحات لذكر بقية أسماء مبدعي اليونان في جميع المجالات، ومجلدات ضخام للحديث عنهم جميعاً وعما قدموه من أفكار شكلت وعينا بذواتنا وبالواقع من حولنا، وعن صياغتهم للمفاهيم الفنية التي نسير حتي اليوم في الشعر والدراما.

 وأول من يذكر من نوابغ الإغريق العظماء رجل أعمي من جزيرة خيوس خامس أكبر جزر اليونان من حيث المساحة،هو البادئ لكل شئ في حياة الإغريق العقلية وهو المنشد لأول عمل أدبي عرفوه، عرض فيه دينهم وعاداتهم وحكاياتهم وسير أبطالهم، هذا الأعمي الذي أضاء الدنيا من حوله اسمه هوميروس، وذلك العمل اسمه الإلياذة ثم ألحق به الأوديسة، ومنذ ذلك اليوم البعيد الذي قال فيه هوميروس الأبيات الأولي من إلياذته "غني لي يا ربة الشعر عن غضبة أخيليوس بن بيليوس المدمرة، التي ألحقت بالآخيين مآسي تفوق الحصر، ودفعت إلي العالم الآخر(هاديس) بأرواح الكثيرين من المقاتلين البواسل، بينما جعلت من أجسادهم لقمة سائغة للكلاب وكل أنواع الجوارح، وهكذا تحققت مشيئة زيوس." انشغل الناس بالرجل وبعمله وعكفت أجيال متواصلة منذ ما يقرب من 28 قرناً علي دراسته، علي اعتبار أنه عاش في القرن الثامن قبل الميلاد علي أرجح الظنون، ومازالوا يجدون في شخصيته وإلياذته أحد أكثر الألغاز غموضاً في تاريخ الأدب كله، لدرجة أن بعض الباحثين ينكرون وجود شخص يدعي هوميروس من الأساس، وقد بدأت جذور المشكلة الهومرية أو السؤال الهوميري من المدينة التي بدأ منها الكثير من الموضوعات الخطيرة التي رسمت للعالم مصير مغاير، مدينة الأسكندرية ومدرستها التي راجعت نصوص الإلياذة وقسمتها إلي ٢٤كتاباً بحروف الأبجدية اليونانية لطولها الاستثنائي، البالغ ١٦ألف بيا ييغطي فيهم هوميروس الأيام الأخيرة للحرب بين الجيش اليوناني القادم بسفنه المجوفة عبر البحر، وأهل طروادة الغنية بالذهب المحمية بالأسوار العالية، بعد حصار ومعارك دامت ٩سنوات وفي العاشرة يغضب أخيل من أجاممنون قائد الجيش، بعدما سلبه محظيته لتندلع مشاجرة بينهما بسبب امرأة، مثلما اندلعت الحرب المدمرة بسبب امرأة أخري هي هيلين زوجة مينيلاؤس شقيق أجاممنون عقب هروبها مع باريس ابن برياموس ملك طروادة! 

قبل الدخول إلي عالم الإلياذة الساحر، أريد ضم صوتي الواهن إلي مؤيدي وجود هوميروس فالدلائل عليه أقوي من التشككات فيه، فقد ذكره هيرودوت في تاريخه وحدد يوم وفاته وجعل آلهة اليونان من صنعه هو و الشاعر هسيود، وورد عند شيشرون خطيب روما، والمؤرخ المدقق ثيوكيديس، ولم يكن العهد بينهم قديم جداً كي يتشككون في وجوده، وظاهرة الشك في وجود بعض الشخصيات التاريخية موجودة في كل الثقافات فالعرب تشككوا في الشعر الجاهلي وقائليه، والغرب تشكك في حقيقة شكسبير ومسرحياته، وشكسبير ولد في القرن السادس عشر، أي قبل حوالي أربعة قرون فحسب....وعموماً أي شخص أو مجموعة تكتب مثل تلك الملحمة وتتنازل عنها وتنسبها لشخص آخر لينال وحده المجد أبد ابدهر؟! 

لم تكن الملحمة كلها نتاج خيال وإبداع هوميروس وحده، بل تؤكد الحفريات التاريخية حقيقة الحرب الطروادية، وأيضاً نشأت قبل الإلياذة أساطير تدور حول تلك الحرب تأثر بها هوميروس كما تأثر ببعض العناصر الشرقية من مصر القديمة وبلاد الرافدين، تظهر في تفاصيل ما يقصه من حكايات تخلب الألباب وتهيج المخيلة، مثل قصة موت بارتوكلوس صديق أخيليوس التي تذكرنا بموت أنكيدو صديق جلجامش أحد أهم أبطال أساطير بلاد الرافدين، وبالطبع دخلت علي الملحمة زيادات وقصصاً جانبية، كعادة كل النصوص الشفاهية قبل حفظها بالكتابة. 

حازت الإلياذة شهرة ومكانة لم يحتلها عمل أدبي آخر وكانت بمثابة كتاب مقدس عند اليونانيين، يحفظونه عن ظهر قلب ليتعلموا منه اللغة والشعر ويعرفون تاريخهم من هوميروس معلم الأمة ولسانها البليغ، و يصدقون كل ما فيه ومنه أخذوا عقيدتهم اللاهوتية عن الآلهة القابعة فوق جبل الأولمب تخطط مصائر البشر وترسم لهم حياتهم وموتهم وسلوكهم، لذلك نجد القدرية أحد أهم ملامح الإلياذة وهو ماتردد أصداؤه في المسرح اليوناني الذي نهل مؤلفوه من قصص الإلياذة والأوديسة، وكان أكثر التعبيرات شهرة حول تأثيرها ما قاله أسخيلوس" إن مسرحياتي هي فتات من مائدة هوميروس"، الآلهة هي المتحكمة في أهواء البشر ومشاعرهم" وأرسل زيوس إريس الشريرة إلي سفن الآخيين السريعة، وكانت ترفع شارة الحرب بيدها ووقفت علي سفينة أوديسيوس السوداء الضخمة، وقفت في منتصفها تماماً ، حتي يصل ما تعلنه إلي كلا الناحيتين، إلي حيث توجد خيام أياس التيلاموني، وإلي حيث توجد خيام أخيليوس، فقد سحبوا سفنهم إلي أبعد مسافة ممكنة معتمدين علي شجاعتهم وقوة أيديهم. وعندما وقفت الربة هناك صاحت بأعلي صوتها، ووضعت في قلب كل واحد من الآخيين رغبة عارمة للحرب والقتال الدائم، وفي الحال شعروا أن الحرب أكثر بهجة من أن يبحروا إلي أرض الوطن الحبيبة في سفنهم المجوفة، وصاح ابن أتريوس عالياً وأمر الأرجيين أن يستعدوا للحرب، ثم لبس سلاحه البرونزي اللامع"(الكتاب ١١،الأبيات ١-١٥). 

وأي وصف للقدر يوازي شاعرية" ولم يكن ميروبس يريد لولديه أن يخوضا الحرب المدمرة للرجال. ولكن الأخوين لم يصغيا لرأيه علي الإطلاق لأن أشباح الموت كانت تغريهما بالذهاب إلي قدرهما"(الكتاب الثاني، بيت ٨٣٥). 

متعة قراءة الإلياذة تتجدد مع الزمن، فعن تجربة شخصية كل عدة سنوات أتشوق للإطلاع عليها، رغم إني علي علم بمجريات الأحداث من البداية للنهاية، إننا نعتقد أن الشقة واسعة بيننا وبين الأسلاف القدامي، ونتصورهم مختلفين عننا، ربما في الظاهر فقط هذه الفكرة صحيحة، أما المشاعر والأخلاق والأحاسيس، فنحن نري نفوسنا عارية في تلك الملاحم القديمة الحلوة، ذات الرنين العذب الذي يملأ الأفئدة، وخاصة إلياذة هوميروس وروحها الطفولية البسيطة في سردها وأوصافها، إنها تروي غضبة رجل واحد دارت في فلكها عشرات القصص بلغ ذكر فيها حوالي ١٠٠٠أ اسم شخصية و ٥٠٠مكان! الفارق بييننا وبين مستمعي الإلياذة أنهم كانوا شديدو الإعجاب بأخيليوس مدمر المدن ومحطم الحصون وسالب الأرواح من الصدور، الرجل الذي يساوي جيشاً كاملاً، المحارب الذي غضب لكرامته ومجده دون أن يلين أو يرضخ لأي توسلات، حتي يعاقبه القدر بقتل صديقه بارتوكلوس علي يد هيكتور بطل طروادة، فينتقم منه ويمثل بجثته، إن أخيليوس يبدو لنا اليوم متوحشاً يمثل مفهوم البطولة في زمن هوميروس وزمن حرب طروادة، أما قراء العصور الحديثة، فيجلون هيكتور الأب والزوج والابن والمواطن الذي يدافع عن مدينته وأسرته ووالديه، في خضم هجوم اليونانيين العاتي، ووقف حائط صد أمام فيضان الدم والدمار الذي أحاط بأسوار طروادة حتي قال القدر كلمته الأخيرة وقتل علي يد هيكتور، إنه أكثر شخصية أعجبت بها في الإلياذة كلها، أكن احتراماً شديداً لذلك الرجل وأضعه فوق جميع أبطال الإلياذة، فأخيل نصف إله غاضب معربد، وأجاممنون طامح للمجد والسلطان، ومينلاؤس زوج يسعي للانتقام من زوجته التي خدعته، وباريس شقيق هيكتور فتي عابث، وأوديسيوس شخصيته ستظهر في الأوديسة وليس في الإلياذة وسنعجب به هو الآخر، حين نشهده يكافح في سبيل العودة بزوجته بينلوبي وابنه تليماخوس طوال ١٠سنوات تاه فيها بين الأمواج...هيكتور هو من يستهويني بين أبطال الإلياذة، اهتز فؤادي في عدة مشاهد كان هو بطلها، أولها مشهد وداعه لزوجته أندروماخي، إن ذلك المشهد مزلزل حقاً، إنه يعرف أن قدره الموت، كما يعرف أخيليوس أن الموت ينتظره هو الآخر، لكن شتان بين سبب موت كل واحد منهما، إن المشهد الوارد في الكتاب السادس كفاصل بين الطعنات والضربات ومناظر الدم المسفوح والأشلاء الممزقة وحشرجات الموت ومشاهد المعارك كما صورها هوميروس بدقة فائقة، يحكي عن عودة هيكتور كي يطلب من نساء طروادة أن يبتهلن للربة أثينا كي ترفع البلاء عن مدينتهن بينما أثينا وهيرا أشد الربات حنقاً هي طروادة، بسبب باريس الذي لم يحكم لهما بالتفاحة الذهبية جائزة الجمال، ومنحها لأفروديت عندما وعدته بأجمل امرأة في الكون، وهكذا نري أن كل تحركات الرجال وسعيهم في الحياة يتمحور حول المرأة وهي حقيقة نراها في حياتنا اليومية، ينتهز هيكتور فرصة وجوده في المدينة كي يري زوجته وابنه للمرة الأخيرة فبحث عنهما ولم يجدهما".... فأسرع هيكتور من البيت وعاد أدراجه من الطريق نفسه عبر الممرات المحكمة البناء. وبعد أن قطع المدينة الكبيرة وبلغ بوابات سكاياي، حيث كان ينوي الخروج إلي ساحة المعركة، أقبلت زوجته وافرة العطاء تجري للقائه أندروماخي ابنة إئيتيون الباسل الساكن في ثيبي(طيبة) بجوار بلاكوس الكثيفة الأشجار وكان سيداً علي شعب كيليكيا، إذ تزوج ابنته هيكتور ذو الدرع البرونزي. 

ها هي تلتقي به ومعها خادمة تحمل علي صدرها الطفل الجميل ابن هيكتور اللطيف. فكان علي صدرها كأنه نجم يتلألأ. وكان هيكتور يحب أن يسميه سكاماندريوس، لكن الآخرين كانوا ينادونه أستياناكس، لأن هيكتور وحده كان حامي حمي إليوس. فابتسم هيكتور في صمت عندما رأي طفله، لكن أندروماخي اقتربت منه وهي تذرف الدمع متعلقة بيديه ومخاطبة إياه: "آه يا زوجي! قوتك هي التي ستقضي عليك، إذ لا ترحم طفلك الرضيع، ولا ترحمني أنا، حيث عما قريب سأمسي أرملتك، بعد أن يجهز عليك الآخيون ويفتكون بك، ومن الخير لي أن أهبط تحت الأرض قبل أن تضيع مني، فلا راحة لي بعدك إذا حان أجل. ولن يبقي لي شئ سوي الآلام بعد أن فقدت أبي وأمي الملكة. أبي قتله أخيليوس الإلهي، بعد أن دمر مدينة كيليكيا المنيعة وثيبي ذات البوابات الشاهقة. قتل إئيتيون ولكنه لم يسلب أسلحته إذ حالت الرهبة دون الفعل. ولكنه أحرقه مع أسلحته رائعة الزينة وكدس فوقه الركام، ومن حوله غرست عرائس الجبل بنات زيوس حامل الدرع أيجيس، أشجار الدردار أما إخوتي السبعة الذين كانوا يعيشون في قاعاتنا، فقد رحلوا جميعاً إلي مقر هاديس في يوم واحد، قتلهم جميعاً أخيليوس الإلهي سريع القدمين، قتلهم وهم يمشون الهويني يرعون أغنامهم ذات الصوف الأبيض، أما أمي التي كانت ملكى في بلاكوس الكثيفة الأشجار فقد جاء بها أخيليوس إلي هنا مع بقية الغنائم، ولكنه بعد ذلك أطلق سراحها في مقابل فدية لا حصر لها، ثم قتلتها أرتميس ربة القوس في دار أبيها، فأنت لي يا هيكتور الأب والأم الرؤوم، أنت لي الأخ وأنت الزوج الهمام. فلتكن عندك رحمة بي، وابق هنا عند البرج، لكي تحيل طفلك يتيماً وتترك زوجتك أرملة، أما حشدك فليتحصن بجوار شجرة التين البرية، فهناك مكان لحماية المدينة، إنها أسهل نقطة للاختراق وانطلاق هجوم الأعداء، وسبق أن جاء إلي هذا الموقع الثنائي أياس وإيدومينيوس الأشهر وولدا أتريوس وابن تيديوس الباسل ثلاث مرات، وحاولوا الاختراق، سواء بناء علي مشورة أحد العرافين البارعين أو كما دلتهم قلوبهم".

 فرد عليها هيكتور العظيم ذو الخوذة اللامعة:

 "يا زوجتي لقد فكرت مثلك في كل ذلك، ولكني أستحي من الطرواديين وزوجاتهم ذوات الثياب الطويلة، إن تقاعست عن المعركة كالجبناء، وقلبي لا يحتمل لأني تربيت علي البسالة دائماً، وأن أقاتل في مقدمة الطرواديين لأصون مجد أبي العظيم ومجدي. وأنا علي يقين بقلبي وعقلي أن أليوس المقدسة ستقع لا محالة، وسيقع برياموس وقوم برياموس للرمح الرمادي. ولكن لا مصائب الطرواديين، ولا فجيعة هيكابي، ولا أحزان الملك برياموس أو إخوتي الكثيرين النبلاء الذين سيمرغون في التراب بأيدي أعدائهم، ليس كل هذا هو الذي يفزعني، بل فجيعتك أنت إذا ما ساقك أحد الآخيين المسلحين بالبرونز بعيداً، وسلبك الحرية وأنت تولولين، ثم تعملين علي النول في أرجوس بأمر إحدي السيدات، أو تحملين الماء كرهاً من نبع ميسيئيس أو هيبيريا، أو تثقل كاهلك ضرورة أو أخري لا تحتمل. وقد يقول قائل وهو يراك تبكين: هذه زوجة هيكتور الذي بز في القتال كل الطرواديين مروضي الخيول، يوم التقي الأبطال في القتال حول إليوس. قد يقول قائلهم ذلك وتزداد فجيعتك، إذ تفتقدين رجلاً مثلي يصد عنك غائلة يوم العبودية. فدعيني أموت، ودعي ركام التراب يغطيني، ولا أسمع صراخك وهم يسوقونك إلي ذل الأسر".

 هكذا قال هيكتور المجيد ثم مد كلتا يديه إلي ابنه، لكن الطفل صرخ وغاص في صدر مرضعته ذات النطاق الجميل خوفاً من مظهر أبيه الحبيب ومن البرونز ومن ذؤابة خصلة شعر الحصان وقد رآها وهي تهتز بعنف مخيف علي قمة الخوذة.فقهقه أبوه الحبيب وأمه الملكة. ونزع هيكتور الخوذة عن رأسه ووضعها ببريقها علي الأرض، وقبَّل ولده المحبوب وهدهده بين يديه وابتهل لزيوس والآلهة الآخرين قائلاً:

 "أي زيوس، ويا أيتها الآلهة، ليكن ابني هذا مثلي مبرزاً بين الطرواديين، باسلاً في القتال، قوياً في حكم إليوس. وليقل قائلهم يوماً ما أثناء عودته من ساحة الوغي: إنه أكثر بسالة من أبيه. ليكن من نصيبه أن يقتل أعداءه ويعود للوطن بالأسلاب المخضبة بالدماء ليسعد قلب أمه" 

هكذا قال ووضع طفله بين ذراعي زوجته الحبيبة، فضمته إلي صدرها الحنون وهي مبتسمة باكية بالدموع، وعندما رمقها زوجها أشفق عليها وداعبها بيديه وسماها باسمها قائلاً:

 "رجائي ألا تسرفي في الحزن داخل قلبك من أجلي يا زوجتي الحبيبة. فلن يبعث بي أحد إلي هاديس إن لم يكن هذا هو قدري، ولا أحد يتملص من قدره المحتوم نبيلاً كان أم وضيعاً، وهو قدر مرسوم للمرء منذ ولادته. عودي إلي بيتنا واعتني بشئونك من نول ومغزل، ومري وصيفاتك أن يقمن بواجباتهن، أما شئون الحرب فللرجال، لكل الرجال، ومن شأني أنا قبل جميع من يقيمون في إليوس". 

هكذا قال هيكتور المجيد والتقط خوذته ذات الذؤابة من خصلة شعر الحصان، وعادت زوجته إلي بيتها وبين الحين والحين كانت تنظر خلفها، وظلت تذرف الدموع مراراً، فلما بلغت القصر متين البناء، قصر هيكتور قاتل الرجال، وجدت وصيفاتها الكثيرات فأثارت بينهن الشجن والنحيب فشرعن يولولن علي هيكتور في قصره، مع أنه كان لا يزال علي قيد الحياة، إذ كن يتوجسن خيفة ألت يعود أبداً من المعركة، فلا هو بقادر علي أن يتحاشي القتال، ولا أن يفلت من أيدي الآخيين".(الكتاب السادس، الأبيات ٣٩٠-٥٠٠). 

أوردت هذا المشهد الطويل لأنه يعطينا فكرة واضحة عن طبيعة فن هوميروس، ويجعل القارئ يمقت الحروب، لقد ذم هوميروس الحرب وأغدق عليها أوصافاً قاسية وبشعة، ومع ذلك هذا المشهد الذي يفيض رقة بين هيكتور وزوجته وطفله الصغير يثير كوامن الأشجان الإنسانية، ويهيج كراهية الحروب التي تدمر كل ما هو جميل في النفس الإنسانية، يصعب تخيل ذلك الأب الحنون الذي يخلع خوذته ضاحكاً لأنها تخيف طفله الصغير، هو ذاته هيكتور قاتل الرجال الذي يخوض معارك دامية أمام أسوار طروادة ويروع جيش اليونانيين بالكامل منذ أن اعتزل عنهم أخيليوس غاضباً وتركهم فريسة لسهامه ورماحه، وإذا وضعنا الصورتين متقابلتين نعرف الكثير عن النفس الإنسانية في تقلباتها الفوارة. 

المشهد الثاني -وأنا أطلق علي الأبيات الشعرية المقتبسة وصف "مشهد" لأن هوميروس يصور الأحداث كأنه سينمائي من طراز فريد لا مثيل له- الذي يثير العواطف مشهد توسل ابوه برياموس وأمه هيكابي له كي لا يواجه أخيليوس،لكم هيكتور يقاتله في النهاية بعد محاولة بائسة للهرب" وكان الشيخ الأشيب برياموس هو أول من رآه بعينيه منطلقاً عبر الوادي، مارقاً كالنجم البازغ في موسم الحصاد، تلمع أشعته البراقة بين العديد من النجوم في ظلام الليل الحالك، يطلقون عليه"كلب أوريون". وهو الأكثر بريقاً في السماء، ولكنه نذير شؤم فهو يحمل الكثير من الآلام لأولئك البؤساء الفانين. هكذا لمع بريق البرونز علي صدر أخيليوس وهو يجري، وعندئذ انتاب الشيخ الأشيب نوبة بكاء شديد، ثم صاح متوسلاً إلي ابنه الحبيب كان رابضاً أمام الأسوار، راغباً بلهفة في منازلة أخيليوس، فتحدث الشيخ الأشيب علي نحو يثير الإشفاق ملوحاً بيديه لابنه، قائلاً:

 " أيها الابن الحبيب، هيكتور، لا تواجه ذلك الرجل بمفردك، من دون الآخرين، كيلا تلقي مصيرك المحتوم مقتولاً علي يد ابن بيليوس، فهو الأكثر قوة، والأشد بأساً . ليته لم يكن محبوباً علي هذا النحو لدي الآلهة، مثلما الحال بالنسبة لي! فعندئذ سيكون جسده الممد علي الأرض دون دفن طعاماً للكلاب وجوارح الطير. وبذلك تزول عن قلبي تلك الآلام المبرحة، ذلك الرجل الذي حرمني العديد من أبنائي البواسل، فقد قتل البعض، وباع البعض في الجزر النائية، فالآن لا أستطيع أن أري ولدي، ليكاؤن وبوليدوروس، بين الطرواديين المندفعين إلي داخل المدينة، و هما من أنجبتهما لي لاؤثوي، أميرة النساء. فإذا كانا علي قيد الحياة في معسكر جيش العدو، فسوف أفتديهما فيما بعد بالبرونز والذهب، ولدينا منه بالداخل الكثير، حيث كان الشيخ المسن ألتيس، ذائع الصيت قد قدمه هدية زواج ابنته أما إذا كانا قد ماتا، وهما الآن في منازل هاديس، فالألم لقلبي وقلب أمهما. نحن من أنجبناهما. وسيكون بقية الحشد أقصر إذا نجوت من الموت علي يدي أخيليوس،نعم يا بني هيا واسرع إلي داخل الأسوار لتنقذ الطرواديين والطراوديات ولكي لا تمنح المجد العظيم ابن بيليوس، وحتي لا تفقد أنت نفسك حياتك الغالية.أكثر من ذلك لتشفق عليّ، أنا التعس، أبوك سيئ الحظ، الذي لا يزال علي قيد الحياة. فهذا للأب ابن كرونوس، سيبتليني في شيخوختي بمصير مؤلم، وبمشاهدة العديد من الكوارث: أبنائي الذين يلقون مصرعهم، وبناتي اللائي يسحبن سبايا للعبودية، حجرات نومنا الخاوية وأطفالنا الصغار الذين يسحبون في خضم الصراع القاتل، زوجات بناتي اللاتي يسحبن بأيدي الآخيين سبايا. ثم أراني أنا نفسي في النهاية تجرني تلك الكلاب المتوحشة أمام البوابة الأمامية، عندما تنزع روحي بطعنة سيف برونزي حاد أو رمية سهم، علي يد أولئك الكلاب الذين قمت بتربيتهم في القصر وإطعامهم من أطايب مائدتي، الذين كانوا يحرسون بواباتي وسيشربون من دمي دون توقف، ثم يتمددون أمام عتبات بوابات القصر، ويشتعل غضبهم فالشاب يليق به أي مصير: أن يقتل في القرية، وأن يخترقه البرونز الحاد وأن يرقد عارياً بلا دفن، نعم كل الأشياء تتناسب معه وتكرم مثواه. أما عندما تلوث الكلاب الشعر الأشيب وتعبث في اللحية البيضاء، وتحط من شان الشيخ العجوز الذي لقي حتفه في القتال، فإن ذلك يجعل رثاءنا أشد إيلاماً علي النفس لموت أولئك التعساء".

 قال الشيخ الأشيب ذلك، ثم جذب شعيرات رأسه الأبيض بيديه فاقتلعها. ولكنه لم يسنطع إقناع هيكتور، ومن ناحية أخري فقد أخذت أمه في النحيل، زارفة الدمع الغزير، وفكت طيات رداءها ثم كشفت عن ثديها بيدها، وخاطبته باكية بكلمات مجنحة، وقالت: "ولدي هيكتور، أظهر الاحترام لثديي هذا ولترحم شيبتي. فأنا لم أمنع ثديي هذا لترضع ولو لمرة واحدة ليهدئ روعك. تذكر ذلك، أيها الابن الحبيب، وقم بقتال ذلك الرجل العدواني من داخل الأسوار، ولا تقف في مواجهته هناك، إنه قاسي القلب، لأنه إذا ما قضي عليك فلن أبكيك وأنت علي فراشك، أي صغيري الحبيب، يا من ولدت، كما لن تبكي زوجتك التي منحتك الكثير من هدايا الزواج، ولكن بعيداً عنا نحن الاثنتين، وبالقرب من سفن الأرجيين حيث ستلتهمك الكلاب حادة الأنياب"

)الكتاب ٢٢،الابيات ٢٥-٩٠). والمشهد الثالث مشهد زيارة برياموس لأخيليوس متوسلاً أن يمنحه جثة ابنه كي يدفنها، هنا يصل هوميروس إلي ذروة عمله بإدانة الحرب والقتل، وأعتقد أن ذلك هو المغزي الباطني للإلياذة، إن أخيليوس الذي قتل العديد من أبناء برياموس وعلي رأسهم هيكتور، يستقبل في خيمته الأب الذي يذكره بوالده العجوز الذي تركه وجاء إلي الحرب الملعونة، ويتأثر عندما يقبل يديه راجياً أن يلبي طلبه، يضع أخيليوس جثمان هيكتور بنفسه علي عربة برياموس، ويتناول مع الأب المكلوم العشاء متوحدين في حزن عميق، مدركين أن الحرب والكراهية لا طائل يرجي من ورائهما، فهي لا تخلف المجد والشهرة كما يحلم الرجال، بل لا تخلف سوي الموت والفراق وفقد الأحبة وتشقق الأرواح، وسيل الدموع المرة من القلوب الجريحة، وصياح النسوة المغتصبات وصراخ الأطفال وهم يلقون بهم من فوق الأسوار وحزن الآباء علي الأبناء، ولوعة الصديق علي صديقه، ويلخص هوميروس فلسفته في تعاسة البشر علي لسان أخيليوس وهو يستقبل برياموس في معسكر اليونان" آه،أيها التعس، لقد كابدت الكثير من الآلام! كيف تحملت الحضور إلي سفن الآخيين بمفرك، في مواجهة الرجل الذي قتل الكثير من أبنائك البواسل؟ لك قلب من حديد. ولكن هيا إذن واجلس علي المقعد، ولندع أحزاننا تهدأ داخل قلوبنا، علي الرغم من الألم المرير. فلا طائل من ذلك البكاء المدمر. فهذا هو ما قدرته الآلهة للبشر التعساء، بأن يعيشوا في ألم مرير، بينما هم أنفسهم بلا آلام. فعلي عتبات معبد زيوس توجد جرتان كبيرتان مليئتان بالهدايا، أحدهما مليئة بالخير والأخري مليئة بالشر. فأي امرئ يمنحه زيوس المتمتع بالصاعقة، هداياه المختلطة فتارة يصطدم بالشر، وتارة أخري ينعم بالخير أما من يمنحه مصير الأحزان، ويجعله محط احتقار، يطارده الجوع المفترس فوق الأرض المقدسة، يهيم علي وجهه دون اكتراث من الآلهة والبشر".

 (الكتاب ٢٤،الأبيات ٥٢٠-٥٣٠). إن الإلياذة في رؤيتي ليست عملاً لمجيد الحرب، إنها عمل لشجب الحرب التي تودي بالأرواح البريئة للهلاك، وتفقد الدول والأمم أبنائها، المشهد الوحيد الذي جمع ملك طروادة مع بطل اليونان مشهد لا يمحي من الذاكرة أبداً، إنه صورة حية لما يمكن أن يكون عليه الإنسان من وحشية ونبل في نفس الوقت، والمشهد الختامي لجنازة هيكتور والكل يرثيه حتي هيلين سبب الحرب، تستعرض شهامته وتذكر إنه لم يؤذها بلسانه قط عكس البقية باستثناء برياموس، أما زوجته فبكائها وتنبؤاتها لمصير ولده اليتيم تصيب المرء بالقشعريرة، لهذا الحد الحرب قاسية وبشعة وغير آدمية، لا يوجد فيها منتصر ولا مهزوم الكل هزم بصورة او بأخري، وفقد ما لايمكن استرجاعه إلي الأبد، وفي النهاية نعيد التفكير في الحياة لأن الشعر حقاً هو "نقد الحياة" كما قال الأديب الإنجليزي ماثيو أرنولد.

 للإلياذة خصائص مميزة نستعرضها موجزة في النقاط التالية:

 - لقد حفلت بالعديد من الخطب التي تمثل فن الخطابة اليوناني، ومن الأجزاء الممتعة في الإلياذة سماع خطبة بليغها، تتلوها خطبة للرد عليها علي نفس مستوي البلاغة. 

- يصور هوميروس الحرب الطروادية في إطار كوني، يحمل معاني لاهوتية وإنسانية عميقة، كان لها بالغ التأثير في التراث اليوناني. 

- لم تظهر شخصية المؤلف ولا أي إشارة لها في الملحمة وأحياناً نجد بعض السهو والنسيان من هوميروس. 

- السمة العامة لأبطال الإلياذة كما لاحظ النقاد، أنهم مقهورين كلهم يخوضون حرباً لا يريدها أحد ولا يمكن وصف أحدهم بالشرير، مايجعل الملحمة شعورياً أكثر تعقيداً. 

- هوميروس هو الأب الروحي للأدب الغربي كله، لقد تأثر به فرجيل في الإنيادة وهي ملحمة رومانية تسرد قصة آينياس أحد محاربي طروادة الناجيين، وقصة تأسيسه لروما، وجون ميلتون في الفردوس المفقود، وسرفانتيس في دون كيشوت، وجيمس جويس في عوليس. 

- استلهم هوميروس مادة تشبيهاته من حياة البسطاء، وكلها مدهشة في صورها، وخففت حدة العنف في الإلياذة.

 - تعتمد الكثير من وحدة الحدث في الإلياذة علي الثنائيات المتقابلة، فأخيليوس في مواجهة هيكتور، وزيوس أمام هيرا، وطروادة تصارع سفن اليونان، الحياة مقابل الموت، والواقع يقهر الآمال، والغضب يغلي والشفقة تنساب، فعلي سبيل المثال البيت الأول خصصه هوميروس لأخيليوس وغضبته، والاخير لهيكتور بعد وصف جنازته" والتفوا جميعاً حوا وليمة جنائزية كبيرة في قصر الملك برياموس ربيب الآلهة. وكانت تلك هي مراسم دفن هيكتور مروض الخيول". 

- يمدح أرسطو هوميروس لأنه استطاع الجمع بين الوحدة والتنوع، وأنه يختفي وراء أشعاره ويقدم شخوصه ويقدم شخوصه بأقوالهم وأفعالهم المباشرة، مع رسم ممتاز لشخصياتهم، كما أعجب بخياله الواسع ويعتبره أول الشعراء وأكثرهم نضجاً، ويري الإلياذة ملحمة عاطفية يغلب عليها الانفعال، فالأحداث تنبع من غضب أخيليوس من أجاممنون وحزنه المفجع لموت صديقه، ما ولد عند أخيليوس رغبة جامحة في الانتقام من هيكتور.

 - أبطال هوميروس علي وشك الفناء، وهم يعرفون ذلك، مع ذلك يواجهون مصائرهم مككللين بمجد شعري يضفيه عليهم هوميروس. 

- الإلياذة نتاج الثقافة الشفهية، لم يتم جمعها في نص معتمد إلا بأوامر من طاغية أثينا بيسيستراتوس في القرن السادس ق.م، وقد كان إنشاد ملاحم هوميروس تقليداً ثابتاً في مختلف العصور، ويشير هيرودوت إلي أثر الإلياذة في التوجهات السياسية وتشكيل الرأي العام لأبناء الشعب اليوناني، تعتبر الإلياذة والأوديسة أول النصوص المكتوبة باليونانية. 

- من الناحية الفنية والأدبية تعتبر الإلياذة مدرسة الأدباء عبر العصور، ولم يتعد أفلاطون الحقيقة عندما قال أن من يفهم ويدرس الإلياذة دراسة جادة وواعية، يهيمن علي أساليب الفنون كله، وعن نفسي طالما تمنيت معرفة اليونانية القديمة التي استخدمها هوميروس، لأنهل من ذلك النبع الفياض مباشرة دون حاجة لوسيط ترجمة، وأن يتلو لساني نفس الكلمات التي نطقها لسان هوميروس. 

- خلفية الإلياذة التاريخية تشير إلي أن الأحداث وقعت في العصر البرونزي، قبل ٤٠٠أو ٥٠٠سنة من العصر الهوميري الذي عاش فيه هوميروس.

 لا يمكنني إنهاء الكلام عن الإلياذة دون ذكر أول معرفة لي بها، ولم تكن عن طريق القراءة بل المشاهدة... إن هوليوود كانت من المصادر الاساسية لنواة ثقافتي الأولي، بما في ذلك من إيجابيات وسلبيات، ساهمت في تشكيل وعيي بالعالم من حولي، منها عرفت العديد من الموضوعات لأول مرة، ومررت بمختلف الأحاسيس، وسمعت عن شخصيات تاريخية لم أكن أعرف عنها أي شئ في بداية مراهقتي وتفتح مداركي، منهم أبطال حرب طروادة، كما شاهدتهم لأول مرة من خلال فيلم Troy الصادر عام ٢٠٠٤من إخراج ولفجانج بيتيرسن، والسيناريو لديفيد بينيوف، ومعهما شاهدت أخيليوس في شخص براد بيت، وهيكتور علي صورة إريك أبانا، وهيلين الجميلة في ملامح ديان كروغر، وأوديسيوس هو شون بين وكنت أتمني وجود فيلم خاص بالأوديسة من بطولة شون بين، وباريس في وسامة اورلاندو بلوم، وبرياموس جسده الفنان المخضرم بيتر أوتول.

 ذلك الفيلم أحد أشهر الأعمال الهوليوودية الملحمية، يروي بصرياً احداث حرب طروادة، دون أي ذكر للآلهة عكس العمل الأصلي الحافل بأدوار آلهة الأوليمب الفعالة، جعلها معركة بشرية خالصة رجال ضد رجال، مع تأكيده علي بشاعة الحروب واعلاؤه للقيم البشرية النبيلة، وذلك من أسرار جماهيريته بجانب الإنتاج الضخم والأداء الاحترافي، فنحن نري مشاهد خراب طروادة حية، من كانوا يرقصون ويمرحون في الأمس ظناً منهم أن الجيش اليوناني رحل، لم يكونوا يعلمون أن الحصان الذي أدخلوه للمدينة ممتلئ بالجنود، كحيلة من حيل أوديسيوس الداهية، وسيكونون بسببه مع حلول الليل، مقتولين و منتحرين خوفاً من السبي، ومغتصبين في الشوارع ينتزع من أحضان النساء أطفالهن ويقذف بهم من أعلي الأسوار، ومحترقين بالنار الملتهبة، ونعرف كيف تغيب الحرب العقول وتجعل الإنسان وحشاً لا عقل ولا قلب له، ليس فيها أي بطولة ولا شاعرية كما ذكر هيكتور لباريس وهما علي السفينة العائدة لطروادة.

 احتفظ الفيلم بالروح الأصلية للملحمة، بشر مدفوعون إلي حرب مدمرة، تحرمهم من سعادتهم وهنائهم، ربما لو تقابلوا في ظروف أخري لكانوا أصدقاء مقربين، وليس أعداء سيوفهم علي رقاب بعضهم البعض، إن أخيليوس وهو يجهز جثة هيكتور لأبيه يبكي عليه وعلي نفسه وعلي بارتوكلوس وعلي صفعات القدر، ويناديه بكلمة"أخي" ويعده بلقاء قريب في عالم هاديس، بل لا يتورع عن امتداح برياموس ويصفه بأنه ملك أفضل من أجاممنون الذي يحارب في جيشه، وفي النهاية يموت الأبطال ولا يبقي في المشهد الأخير سوي أطلال طروادة، وجثة أخيل علي المحرقة يتصاعد منها الدخان، وصوت أوديسيوس معلقاً في الخلفية" إذا حكوا قصتي فدعهم يقولون أني عرفت العمالقة، رجال نهضوا وسقطوا كحنطة الشتاء، لكن أسمائهم لن تفني، دعهم يقولون أني عشت في زمن هيكتور مروض الخيول، دعهم يقولون إني عشت في زمن أخيل". وعند انتهاء تجربة القراءة أو المشاهدة يتردد في الروح الحزينة والقلوب المتألمة صدي كلمات هوميروس كما جاءت علي لسان زيوس في الكتاب ١٧ بيت٤٤٥" حيث لا يوجد في تصوري، من يستحق الشفقة بين الكائنات التي تتنفس علي وجه الأرض وتتحرك أكثر من الإنسان"

الأحد، 30 أبريل 2023

مع كل موجة حكاية

 مع كل موجة حكاية لو إحنا في سفينة فضائية بتدور حوالين الأرض، هانشوف كوكب الأرض لونه أزرق، ولو قربنا بالسفينة أكتر هانعرف ليه، لأننا هانكتشف إن معظم سطح الأرض في الحقيقة مش أرض! تلتين ميه وتلت أرض، والميه متوزع في البحار والمحيطات والأنهار، حوالي ٧٠% ميه و ٣٠%أرض، يعني ممكن نسمي كوكبنا الكوكب المائي وتبقي تسمية أدق، وممكن نشوف عالبحر ألوان تانية في بعض الأماكن ممكن تبقي خضرا في المناطق الضحلة اللي بيظهر من خلالها القاع الرملي، وفيه بحار بتتسمي بأسماء ألوان تانية عشان بينعكس عليها ألوان النباتات والحيوانات الدقيقة اللي عايشة فيها أو الرواسب اللي بتنجرف فيها، زي البحر الأصفر في الصين والبحر الأبيض في روسيا الشمالية، والبحر الأحمر، والبحر الأسود. 

هانسيب دلوقتي السفينة لإن الفضاء مش موضوعنا، وهاننزل علي شواطئ البحار، ونشم هوا البحر المنعش ونشوف الزحمة والمايوهات، ونسمع الدوشة المختلطة بصوت الأمواج، كل الناس مبسوطة وجاية تقضي يومين عالبحر، هربانين من الروتين ووجع الدماغ والقرف اللي بيتعرضوله في حياة البر وهمومها، هدفهم الوحيد يرفهوا عن نفسهم، كله عمال يبلبط وريحة اليود بتضرب في الدماغ، والجو كله سعادة وبهجة، حتي صريخ العيال فيه فرحة وإثارة مش مزعج، وتلاقي كل واحدة مع جوزها نسوا شوية المشاكل وقعدوا منسجمين، تجربة المصيف ماتتنسيش والواحد وهو صغير لما كان يعرف إنه رايح المصيف في اسكندرية، مكانش بينام قبليها بليلتين عالأقل من الشوق والفرحة ويسهر يتخيل المتعة اللي مستنياه، وآخر يوم في المصيف بتبقي الدمعة هاتفر من عينه كإنه راجع يعيش في الجبل مع المطاريد، أو عليه حكم مستنيه ولازم ينفذه! 

جو أجازة المصيف من الحاجات القليلة اللي البشر متفقين عليها، نفس الطقوس والعادات تقريباً، اللي بيعوم في عوامة كاوتش في شط مجاني والقناديل عمالة تلسوع فيه، واللي بيلف باليخت بتاعه عالمالديف و الريفيرا، والاتنين رغم الفرق الشاسع بينهم بيبقوا مبسوطين مع إن ده هاينزل من اليخت ياكل في مطعم فخم الحاجات اللي اسمها صعب ومنعرفهاش غير بالسمع، والتاني جايب حلة محشي ولا شايل ساندويتشين في علبة بلاستيك... بس في النهاية الاتنين بيصيفوا زي بعض... قد إيه البحر ده كريم ورزقه واسع فعلاً، بس البحر مكانش دايماً صورته في الأذهان زي دلوقتي مكان للبهجة والاستجمام، كان مكان الخوف والأهوال والرعب، اللي بيروح فيه مابيرجعش، مرادف بشكل ما للموت والحطام والضياع والمجهول اللي محدش قادر يفهمه أو يسيطر عليه، لحد إنجلترا في القرن التسعتاشر ما اخترعت مفهوم المصيف، إزاي ده حصل؟ هنأجل السؤال ده شويتين وهنجاوب عليه في وقته، الأول نعرف شوية عن تاريخ البحر، اتكون إزاي، والناس علي مر التاريخ شافته واتعاملت معاه إزاي، ولأي مدي ساهم في تشكيل العقول وبني الوعي، وتغيير مسار الحضارة، البحر والكلام عنه مابينتهيش، لو جمعنا مثلاً مادة علمية عن البحر والأدب، أو البحر والفلكلور، هانحتاج لمجلدات ضخمة جداً، إنما هنحاول نحكي اللي نقدر عليه. 

البحر اتوجد إزاي، وإيه مصدر الميه عموماً ؟ العلم بيقولنا عن طريقة ممكن نلخصها ببساطة إن سطح الأرض من ملايين السنين، كان درجة حرارته عالية جداً فالميه كانت موجودة وقتها في غيوم مالهاش عدد بتدور في الجو، مع الزمن حصل اللي دايماً بيحصل من الأزل للأبد، كل حاجة اتغيرت الحرارة انخفضت، وبخار الميه اتكثف، وبدأ عصر طويل جداً من الأمطار الغزيرة، اتجمعت في أماكن منخفضة من الأرض وهاتبقي بعد كده ولحد النهارده المحيطات والأنهار والبحيرات وبعضها اتسرب وبقي مياه جوفية، الميه حوالينا في كل مكان في السحب وفي الهوا وجنبنا وتحتنا لكن ٩٥%منه موجود في البحار، ولو كانت الكوكب كله علي مستوي واحد من غير تعاريج ومرتفعات ومنخفضات، كانت الميه غطت سطحه كله بغلاف مائي سمكه أكتر من كيلو متر والبحار تلات انواع: 

1- بحار داخلية شبه منعزلة وبتحوطها اليابسة باستثناء مضيق، زي البحر المتوسط وبحر البلطيق.

 2- بحار ساحلية ودي مكانها علي حدود القارات زي بحر الصين وبحر الشمال وخليج البنغال. 

3- بحار جزائرية موجودة جوه عدد من الجزر زي بحر جاوة وبحر إيجة. والسواحل برضه أنواع: 

1- سواحل رملية اللي نعرفها وبنصيف فيها أو اللي بنحلم نصيف فيها، ودي انحدارها تدريجي لداخل البحر.

 2- سواحل صخرية، ودي كلها نتوءات وانحدارها خطير ومش مكان للمصيف بتاتاً.

 الحضارات الأولي الكبري في مسيرة الإنسانية الطويلة من اكتشاف النار لإختراع chatgpt ظهرت عالسواحل البحرية، زي مصر واليونان وفينيقيا وروما والهند والصين واليابان، وبعد كده ظهرت دول شابة ومتقدمة زي إنجلترا وفرنسا وألمانيا وأسبانيا وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية، كأن التاريخ بيقولنا إن البحر مفتاح السيادة والتقدم والطريق للكنوز، وده اللي هايخلي الرحالة زي ابن بطوطة وماركوبولو اللي مصادفة ظهروا في جيل واحد وغيرهم عشرات يدونوا أسفارهم اللي فيها عن البحر غرائب للخيال فيها نصيب كبير، وهايخلي الدم يختلط بالملح والرمل في معارك عسكرية بحرية زلزلت الأمواج.

 في البداية اتعرف الإنسان عالبحر من خلال رحلات بتتم في أماكن محدودة، مع كده مكانتش بتبقي سهلة الأخطار بتحاوطه من كل جانب، عشان كده البحر كان ملعب خصب للخيال الإنساني، نسج علي أمواجه حكايات وأساطير امتزجت فيها الخيال بالواقع، وظهرت شخصيات البحارة اللي تعتبر مرحلة جديدة في تطوير الشخصية الإنسانية ونشأة مفاهيم البطولة والحرية ورفض التبعية، ونمو حب المغامرة والاكتشاف في النفوس وبالتالي مكنش بيركب سفن البحر غير الشجعان الحقيقيين، اللي بيلاقوا ذاتهم في تحدي الأخطار وبتثير فيهم الحماس والرغبة في التفوق، وبكده نقدر نقول إن أدب البحر اللي بتدور أحداثه في البحر وبيتحكم في مصير شخصياته اتولد.

 أول حكاياتنا عن البحر بتحصل في البلد اللي بدأت كل حاجة في الدنيا مصر القديمة، القصة مشهورة باسم الملاح التائه لكن سليم حسن عالم المصريات الكبير سماها"قصة الغريق"، وتعتبر قصة شرقية بامتياز فيها من روح العمل القصصي الأعظم ألف ليلة وليلة، وهي عن أمير وتابعه ويظهر إن الأمير أخفق في مهمة الفرعون كلفه بيها في رحلاته البحرية، وبيرجع خايف من عقاب الفرعون، فالتابع بتاعه وهو بطل القصة بيهون عليه أحزانه بمنطق بعد الشدة الفرج، وبيحكي له عن تجربته لما سفينته غرقت، وعاش علي جزيرة بيحكمها تعبان براس إنسان، في أول سطورها بنلاقي فرحة شديدة برجوع الملاحين سالمين، كل واحد بيهني التاني ماعدا الأمير فالتابع بيحكي له قصته لما سافر في البحر بسفينة مع ١٢٠ بحار نخبة بحارة مصر، وطبعاً العدد ده بيدي فكرة عن حجم السفينة الضخم وحسن تنظيمها، وبيقدمهم انهم قلوبهم أقوي من قلوب الأسود ومن خبرتهم يقدروا يتنبأوا بالعواصف والزوابع قبل ما تحصل، ودي فعلاً الصفات اللي لازم الشغالين في البحر، ولأن البحر غدار كالعادة سفينته بتغرق وهو الوحيد اللي نجا، والبحر بيرميه علي جزيرة مهجورة وبيقضي تلات تيام معهوش ونيس غير روحه، وبيلاقي التعبان المرعب، لكنه بيطلع طيب وبيطمنه إنه هايرجع لبلده بعد أربع شهور وفعلاً بيرجع بعد المدة دي لما يلاقي سفينة معدية، وبعد كل ده الأمير بيفضل خايف من عقاب الفرعون والمورال بتاع الحدوتة مأثرش فيه، وبيرد عليه ويقوله: انت عامل زي واحد بيسقي طير عند الفجر عشان هايصبح يدبحه... متهيألي الراجل البحار ده هو الأب الروحي لأوديسيوس والسندباد وروبنسون كروزو وكل الشخصيات الشهيرة اللي هاتواجه بعد كده متاعب البحر، وبتكشف جزء من تاريخ البحرية المصرية اللي تاجرت وسافرت في البحر، وبرعت في صناعة السفن، ولحد النهارده أقدم سفينة خشبية موجودة هي سفينة الدفن الملكية الخاصة بالملك خوفو، وأول البعثات البحرية المعروفة هي اللي قامت بيها ٤٠سفينة مصرية، طلعت من شواطئ مصر رايحة لسواحل فينيقيا، عشان تستورد خشب الأرز من لبنان في عهد الملك سنفرو آخر ملوك الأسرة التالتة، الكلام ده كان حوالي ٢٩٢٠قبل الميلاد حط عليهم ٢٠٢٣ بعد الميلاد وشوف الرحلة دي قديمة قد إيه، وفي عهد حتشبسوت طلعت بعثة من خمس سفن لبلاد الحبشة، وجابت معها البخور وأكتر من تلاتين شجرة من الأشجار النادرة لمعبد الدير البحري، وأيام تحتمس التالت من الأسرة التمنتاشر، أسرة الأبطال والأمجاد علي كل المستويات، الأسطول المصري وصل لذروة عظمته، فتح بلاد الشام، وسيطر علي سواحل البحر المتوسط حتي جزائر بحر إيجة في اليونان، ومن إنجازات رمسيس التاني ملك المجد والانتصار إنه جهز أسطول من ٣٠٠ قطعة بحرية أمن بيها سواحل البحر الأحمر والأبيض.

 تاني حكاية واحدة من أروع الأعمال الأدبية، بتقابلنا في اليونان بلد الأساطير والفلسفة والأدب، غذت عقول البشر علي مر التاريخ وبيرويها هوميروس الشاعر الأول في الثقافة اليونانية، وهي تاني ملحمة ليه بعد الإلياذة اللي بتحكي عن حرب طروادة، الأوديسة بقي بتدور حوالين رحلة أوديسيوس ورجوعه بعد الحرب لمراته بينلوبي وابنه تليماخوس، وخدت منه اسمها، أوديسيوس غضب عليه إله البحر بوسايدون، وخلاه يتوه بين الشواطئ والجزر محروم من الوطن والسكن والأمان، وبيتعرض لمغامرات ملحمية وبيخرج منها بفضل ذكاؤه وشجاعته المشهور بيهم، وبفضل رعاية الإلهة أثينا المتعاطفة معاه وبتساعده، باحث فرنسي معاصر اسمه فيكتور بيرار،حاول يحاكي رحلة أوديسيوس باستخدام نسخة من الاوديسة كخريطة، وبالطريقة دي قدر يعرف المواقع اللي زارها بالظبط في البحر المتوسط، وهي: طروادة في الاناضول، بلاد اللقلق والمرجح إنها في إيطاليا، بلاد أكلة اللوتس "ليبيا"، أرض العمالقة "كوما"، مملكة أبوللو "سترومبلي"، أرض القتلة "مالطا"، جزيرة الساحرة تسيرس "إيطاليا"، جزيرة عرائس البحر "كابري"، مضيق مسينا، جزيرة الشمس"صقلية"، جزيرة كاليبسو" عند مضيق جبل طارق"، جزيرة كورفو، جزيرة إيثاكا.

 وإيثاكا هي وطن أوديسيوس ولما بيرجع بيتبقي له مغامرة أخيرة، وهي إنه يتخلص من الخطاب الطمعانين في الجواز من مراته بعد ما فكروا إن البحر بلعه، أوديسيوس قابل في كل مكان مغامرة، في جزيرة كاليبسو بيتسجن ٧ سنين عند الحورية كاليبسو، وفي بلاد أكلة اللوتس بياكل مجموعة من زمايله زهرة اللوتس وبتخليهم ينسوا كل حاجة، ويفتكروا إن هنا وطنهم الأصلي، في كوما بيواجه الوحش بوليمفيوس ابن بوسايدون العملاق، اللي عنده عين واحدة في راسه ومعروف باسم السايكلوب، وبيحبسهم في كهفه وبياكل رجالته اتنين اتنين، اوديسيوس بيهرب منه وبيعميه بعد ما يخليه يسكر، وكده غضب بوسايدون بيزيد عليه، وعند الساحرة تسيرس زمايله بيتحولوا لخنازير وبيقدر يرجعهم بشر بمساعدة الإله هرمس، وفي مضيق مسينا بيقابل سيلا وده كائن نصه إنسان ونصه سمكة، وبيواجه كاريدي اللي بتبلع مية البحر وبتلفظها بقوة شديدة، والبحارة بيطمعوا في جرة اداهاله ملك جزيرة الأوليين وبيفكروا إن فيها كنز، وبيفتحوها وبيتفاجئوا إن محبوس فيه طاقة الرياح اللي خرجت وضيعتهم تاني بعد ما كانوا خلاص قربوا بلدهم، وفي كابري بيتعرض لإغواء السيرينيات أو عرايس البحر بصوتهم الساحر لأي بحار لدرجة إنه ينط في البحر عشان يوصل لهم، لكنه بيحط شمع ودن بحارته وبيطلب منهم يربطوه في الصاري ولما بيسمع صوتهم بيحاول فعلاً يفك نفسه عشان يروح لمصدر الصوت لكنهم بيشددوا عليه الحبال، وفي صقلية الجوع بيخلي زمايله ياكلوا قطعان الإله أبوللو، ويعاقبهم بتحطيم السفينة. 

العملين دول من أدب البحر الأولي حصلت في البحر الأحمر والتانية في البحر المتوسط بيدونا فكرة، عن التصورات الأولي للإنسان عن عالم البحر المخيف والمجهول، وبيرسموا صور عن وحوش كامنة تحت السطح في اتتظار الضحايا البشرية، عبر عنه الشاعر الساخر أركيبوس في القرن الخامس قبل الميلاد لما قال: قد إيه جميل إنك تتفرجي عالبحر طول ما انتي عالبر،لكن اوعي تركبي في سفينة.

 الأدب الروماني متأثر جداً بالأدب اليوناني، والحقيقة إن كل الأدباء لحد النهارده متأثرين بالأدب اليوناني، سحره غريب جداً يعني اللي عمل زي الإلياذة والأوديسة دول من قرون طويلة جداً، ومع كده لسه قلب الواحد بيتهز والدموع ممكن تخنقه كل ما يقرا مشهد وداع هيكتور لمراته، وقلبه يدق من الإثارة مع مغامرات أوديسيوس ويتغاظ من خطاب بينلوبي، ومازالت مسرحية أوديب لسوفوكليس واحدة من أعظم المسرحيات، وتعتبر العمل الدرامي النموذجي بحسب قواعد أرسطو، فمكانش غريب إن الشاعر الروماني فرجيل يتأثر بالإلياذة والأوديسة في ملحمته الإنيادة اللي بتحكي عن تأسيس روما علي يد أينياس، واحد من أبطال طروادة اللي هايهربوا منها بعد دمارها وفيها سرد لمغامراته البحرية في البحر المتوسط، اللي بعد كده هايبقي لأحفاده مجرد بحيرة رومانية ضمن ممتلكات الإمبراطورية الضخمة، وده مجاش غير بعد صراع مرير علي الشواطئ، ومعارك رهيبة اهمها اللي دار بين جنرالات روما مع جيش قرطاجة بقيادة هانيبال صاحب العقلية العسكرية الفذة والخطط العبقرية في ميدان الحروب، وقرطاجة دي كانت في مكان قريب من مدينة تونس الحالية، حكمت بحار وجزر وعاشت في ثراء دفعها إنها تتحدي روما القوة العظمي في الوقت ده،وشجعهم علي كده طموح وخطط هانيبال، ولأن أسطولهم في البحر مش ممكن مواجهته، اختار الطريق البري لمهاجمة روما عن طريق جبال الألب، زحف ١٥٠ ميل في أسوأ الظروف الممكنة خسر فيها الآلاف من جنوده، واستلهم منه نابليون كتير في حياته العسكرية، وقلد خطته في طريقه لإيطاليا بعد كده، وبعد سنين من المواجهات والكر والفر كان مصير قرطاجة نفس مصير طروادة، الاتنين اتدمروا عشان يفتحوا الطريق لقوة جديدة، وده حال الدول والممالك في عصر وأوان.

 وممكن الصراع الروماني يبقي داخلي بينهم وبين بعض، ويكون مكانه البحر، زي ما حصل في معركة أكتيوم بعد وفاة يوليوس قيصر، واتواجه أسطول أوكتافيوس مع أسطول ماركوس أنطونيوس وكليوباترا السابعة، وانتهت بانتصار اوكتافيوس وهزيمة مارك أنطونيو وانتحار كليوباترا، في الزمن ده اللي كان الدم مغرق البحر والإنسان مالهوش تمن، حصل حاجة غريبة، الملح بقي واحد من الملامح الأساسية للإدارة، وعامل مهم في التجارة، ومن أهميته أثر حتي في اللغة، كلمة salary اللي معناها المرتب بالإنجليزي اتاخدت من الكلمة الرومانية saltration ومعناها حصص الملح، وفي حاكم قوطي عاش في القرن الخامس، لخص أهمية الملح لما قال: مش كل الناس محتاجة للدهب بس مفيش بني آدم مش محتاج الملح، وفي القرن العشرين كان إنتاج الملح في الهند خاضع لسيطرة الحاكم البريطاني، وده اللي خلي غاندي يقود مسيرة الملح مع ٨٠شخص من أتباعه، مشوا ٣٨٤ كيلو متر، ومع الطريق الأعداد زادت لحد ما حصل عصيان مدني شارك فيه ملايين للهنود، من ٢٥٠٠سنة قبل الميلاد والإنسان عارف كنوز البحر، وأول حاجة طبعاً السمك اللي اعتبره أكل يناسب الملوك، واستغل الطحالب لإنتاج "الأجار" وده مادة هلامية بتستخدم في العلاج وساعات بتبقي سماد للأرض الزراعية، ولاحظ قدرة الأسفنج علي الامتصاص، وكان الجنود الرومان بيخزنوا فيه الميه وبيبطنوا بيه خوذهم وفي إنجيل مرقص إن المسيح في ساعاته الأخيرة قدم له جندي روماني أسفنجة مليانة خل يشرب منها، وفضلت تجارة الأسفنج مركزها البحر المتوسط، لحد ما في يوم تاجر فرنسي سنة ١٨٤١ سفينته اتحطمت في الباهما، وهناك لاحظ إن الأسفنج في المنطقة دي أحسن وأسس هناك تجارة للأسفنج سحبت البساط من أي منافس، فيه بعض المؤرخين بيشوفوا إن حضارة العالم القديم انتهت لما البحر المتوسط مابقاش بحيرة رومانية واتشكلت دول وممالك مستقلة.

 هانبحر مع التيار ونروح لشواطئ تانية في المحيط الهندي أو البحر الشرقي الكبير اللي غامر فيه ملاحين الفرس والعرب والصين ووحوشه مرعبة بتحطم المراكل، وطيوره متوحشة بتسد عين الشمس، الطيور دي سماها الصينيين الفنج والفرس السيمورغ والعرب سموها العنقاء أو الرخ، ودي حتة بيظهر فيها العرب بوضوح وجلاء وعلي رأسهم السندباد واحد من أشهر شخصيات ألف ليلة وليلة العمل القصصي العظيم اللي نقدر نقول عليه بضمير مرتاح مالهوش مثيل في الدنيا، وفيه معلومة تاريخية متداولة إن العرب مكانوش أهل بحر، ودي مش دقيقة العرب دول جغرافياً وتاريخياً مكانوش زي بعض، موطنهم أصلاً اسمه "شبه الجزيرة"، وسواحلها تشهد بتفرد الملاحين اللي فيها، أما اللي في قلب الجزيرة زي مكة والطائف كان الجبال بتحاوطهم ودول فعلاً معظمهم عاشوا وماتوا ومايعرفوش حتي يعني إيه بحر، ورغم كده كانوا أهل تجارة ورحلات، وشخصيات شهيرة من قريش قبل البعثة النبوية، كانت بتروح لكسري فارس وقيصر الروم الممثلين لأكبر قوتين في العصر ده لأسباب تتعلق بصراعات سياسية وبعضهم كان بيبقي في مقام السفير في القصور الملكية، وساعات ناس بتسافر بهدف إنها تتعلم وتدور عالحقايق الدينية والروحية المفقودة في شبه الجزيرة العربية، وعالعموم كانوا مختلفين جداً عن الصورة اللي كرستها الدراما واللي دخلت نمط تفكيرنا ورؤيتنا للتاريخ،من ٥٠٠سنة قبل ظهور الإسلام أسس مجموعة من صيادين الحيتان مدينة جدة الساحلية وسكنها واحد من أولاد معد بن عدنان الجد التستعاشر للنبي، وبالتزامن مع الوقت ده عرفوا الرياح الموسمية في المحيط الهندي، ودي خلت سفنهم الشراعية الصغيرة وكان اسمها "الدو" ، تقوم برحلتين كل سنة، وابتكروا الشراع المثلث وبفضله السفن بقي عندها مقاومة للعواصف، وفخر العرب في الملاحة هو احمد بن ماجد المولود في جلفار"رأس الخيمة" في الإمارات، وفيه جزء من سيرة البحار النابغة ده لسه محتارين فيه، هل هو اللي دل فاسكو دي جاما البرتغالي علي طريق الوصول للهند ولا لأ، شخصيته مالهاش وجود في أدبيات المعاصرين للحدث ده، لكن مؤرخين عرب كتير بيأكدوا عالموقف ده في مقابل مؤرخين تانيين رافضينه باعتبار إنه كده هايبقي مسئول غير مباشر عن المدابح اللي هاتحصل علي إيد دي جاما بعد كده، ووراه السكة اللي هايضعف بيها القوة البحرية العربية ومركزها الممتاز في مناطق زي عمان وحضر موت والتجارة العربية، بسبب إن الهند تعتبر أرض الكنوز، كنوز غريبة شوية عن تصوراتنا، عبارة عن توابل، وكانت حاجة مش متاحة في الزمن ده في أي مكان، والطلب عليها زايد من الناس بصورة كبيرة بعد ما عرفوا اللذة اللي بتديها لأي أكلة والعرب اتعودوا عالمتاجرة السلمية مع الهنود واتعاملوا بوفاق بمبدأ عيش وسيبني أعيش علي نقيض البرتغاليين اللي بهدلوا الدنيا هناك، عن نفسي ميال إنه يكون ساعد دي جاما لأنه مستحيل بخرايطه الغلط وأدواته البدائية يوصل في المحيط المجهول ده من ماليندي علي شط القارة الأفريقية، لكالكوتا علي الشط الغربي لشبه جزيرة الهند، إلا بخبرة واحد زي ابن ماجد، ودي الرحلة البحرية اللي حولته لواحد من أبطال الملاحم في البرتغال ولو فشل فيها كان تاه ولا غرق في البحر زي كتير سبقوه في المحاولة.

 عارف الواقعية السحرية بتاعت أدباء أمريكا اللاتينية؟ أهي المؤلفات البحرية للرحالة والمؤرخين العرب فب القرون الوسطي شبهها كده، خليط من الخيال والواقعية، حواديت فيها حقايق جغرافية اختلطت بأوهام بصرية وقصص سمعوها ونقلوها ودي ظاهرة عامة في التاريخ القديم كله مانجاش منها حد من ساعة هيرودوت ما فكر في كتابة التاريخ، من الحكايات دي بيصوغ الراوي العبقري المجهول لألف ليلة وليلة حكايات السندباد البري، وبالبحث في التراث البحري العربي هنلاقي تشابهات كتير دايبة في تفاصيل السرد الممتع للرحلات الخالدة في ضمير كل اللي قراها، وسمع السندباد البحري بيحكي للسندباد البري عن اللي عاناه في البحر قبل ما يبقي غني وعنده قصور سمع السندباد البري بيحسده عليها، من عظمة قصص ألف ليلة وليلة إنها ماتتحكيش لازم تتسمع من بق شهر زاد شخصياً فممكن تقراها، وتقرا عن القصص البحرية عموماً، وصدقني مش هاتندم وهاتشوف البحر بعيون جديدة تماماً.

 الحقيقة في كتير نفسي أتكلم عنه زي رواية موبي ديك لهيرمان ميلفيل، وروبنسون كروزو ورحلة كريستوفر كولومبس اللي هايكتشف فيها أمريكا وينزل علي شواطئها مفكر نفسه وصل الهند! وبعدها التاريخ هياخد مساره اللي حاسينه بوضوح في زمننا ده، وألف حاجة وحاجة في دماغي تخص البحر، بس الكتابة عن البحر زي العوم فيه ممكن التيار يسحبنا ونغرق ونقعد سنين نجيب سيرة البحر وبرضه الكلام مش هايخلص، فنختم بقي مع المصايف والحاجات الحلوة دي ونقول إزاي فكرة إن حد ياخد بعضه ويروح راكب أي مواصلة واللي يسأله رايح فين يا فلان؟ يقوله: رايح المصيف يومين مع العيال، ونجاوب عالسؤال اللي طرحناه في البداية.

 في أساطير وقصص الشعوب بتتكرر معاناة الإنسان مع امواج البحر، لغاية الحقبة الكلاسيكية بيفضل البحر كيان غامض وغاضب ومخيف زي ما بيحس بيه شكسبير في مسرحية العاصفة، لحد القرن التسعتاشر بياخد البحر صورة جديدة بنشوفها في رسومات الرسام الروسي- الأوكراني إيفان إيفازوفسكي وهو واحد من أجمل رسامين البحر، بنشوفه هادي دافي مغري ملهم مكان يتمني أي إنسان يزوره مش يهرب منه كالعادة، طبعاً الثورة الصناعية اللي بدأت في إنجلترا كان ليها دور، العلم اتقدم والإنسان المذعور قدام الطبيعة بقي يقدر يسيطر عليها لحد ما، والبحر مابقاش له نفس الرهبة القديمة، والناس بقت بتروح البحر مش عشان تغامر زي السندباد، ولا عشان تصطاد وتاكل وتروح مرضية، بقت بتروح عشان تريح أعصابها!!! دنيا غريبة فعلاً....البحر بقي مكان للاستحمام وتقضية اوقات مرحة، بعد الهوا ما اتلوث بدخان المصانع الإنجليزية والمدن اتزحمت، لوردات بريطانيا لقوا إن صحتهم وصحة ولادهم نتيجة للرفاهية اللي عايشين فيها بقت ضعيفة وواهنة، في مقابل خشونة وقوة في عمال المصانع محدش بياخد كل حاجة فعلاً، كان من ضمن الأفكار الجديدة إن هوا البحر الطبيعي ليه مميزات في الشفاء وانتعاش الروح والجسم، وبدأت تتكون المنتجعات السياحية عشان تخدم وتلبي طلبات السادة اللي جايين يفرفشوا، الفكرة دي خدتها أوروبا والعالم كله، ومع الوقت بقي كل الناس نفسها تروح تصيف، وفيه اللي بيروح وفيه اللي بيفضل نفسه بس. 

اتبقت ملاحظة أخيرة شخصية تخصني... دي أول مرة أكتب فيها بالعامية، لما وزيز دعت للكتابة عن البحر، اتملا وجداني بذكريات المصيف والحاجات اللي قريتها عن البحر، والدافع اللي جاني رغبة في الفضفضة والدردشة، اتخيلت إني قاعد علي شط المعمورة مع صديق أو صديقة ليا عالبحر وبتكلم معاه، الصديق أو الصديقة ده إنت ياللي بتقرا الصفحات دي،لو كنت بتقرا الكتاب ده عالبحر أو في الشاليه خليك عارف إن الكيان الرهيب اللي قدامك ده مليان أسرار وألغاز لسه بتتحدي العقل البشري، ولو كنت بعيد عن البحر أو ماشوفتهوش فاتمني في يوم من الأيام تستمتع بنسمات البحر وتبلبط، وفي الحالتين نفسي تكون قضيت معايا وقت مفيد وظريف... عن نفسي قضيت معاك وقت جميل مش هنساه أبداُ.

الأحد، 23 أبريل 2023

حكاية سالم وسليم

 حكاية سالم وسليم في قديم الزمان عاش فلاح في إحدي القري، مع زوجته وولديه سالم وسليم، وحين مات الفلاح تولي سالم مسئولية زراعة الأرض والعناية بها، بينما سليم ملأت رأسه الشائعات التي انتشرت مؤخراً حول وجود كنز مدفون بين الجبال البعيدة، كان سالم ينهض في الصباح يحمل فأسه ويمضي نحو الأرض يوليها كل طاقته وعنايته، ويظل يعمل بإخلاص حتي الغروب، أما سليم فكان يستيقظ متأخراً ويقضي وقته مع العاطلين في القرية يتتبع أخبار الكنز ويحلم به، تاركاً أمر العمل وإطعام الأسرة لأخيه سالم، وكان سالم يحتمل راضياً دون أن يشتكي، وفي أحد الأيام قرر سليم الرحيل بحثاً عن الكنز، حاول سالم إقناعه بالبقاء معهم قائلاً: 

-الكنز الحقيقي يا أخي ليس هو ما يجده الإنسان دون تعب أو كفاح، بل هو ما يحققه في حياته بالعمل والاجتهاد. لكن سليم صمم علي تحقيق رغبته في البحث عن الكنز، غير مهتم بنصائح أخيه وتوسلات أمه كي لا يرحل عن قريته وأرضه ويعرض نفسه للهلاك في سبيل وهم، بينما أرض أبيه في حاجة إليه، وفي صباح يوم شتوي بارد خرج سليم من القرية سراً وذهب نحو الجبال البعيدة يحلم بالكنز المدفون الذي سيغير له حياته ويجعله سعيداً وفي أثناء سفره قابل رجل عجوز عند الطريق المؤدي إلي الجبال يسأله

: -إلي أين تتجه أيها الشاب؟ خشي سليم أن يخبره عن وجهته لأنه كان يريد الكنز لنفسه فقط، فأجاب في وقاحة

: -لا شأن لك بي أيها العجوز. 

ضحك العجوز وقال: 

-انتظر قليلاً... ألست ذاهباً للبحث عن الكنز؟ 

بدت الدهشة في ملامح سليم فأكمل الرجل:

 -إني رجل عجوز رأيت الكثير في حياتي، وكل من مر في ذلك الطريق يقصد الكنز المدفون بين الجبال... إني أستطيع أن أدلك عليه. 

فرح سليم واتجه نحو العجوز الذي قال في حزم:

 -بشرط واحد. قال سليم بحماس ممزوج بالسرور: 

-كل ما تبتغيه أيها الرجل الطيب مجاب، قل مرادك. 

-أن تتزوج ابنتي. بدا الشرط غريباً ومفاجئاً، لقد توقع سليم أن يشترط عليه العجوز نسبة في الكنز، أو أن يؤدي له عملاً ما لكنه لم يرد علي ذهنه أن يتزوج، وقبل أن يجيب سليم، نادي العجوز ابنته:

 -يا زعانف ظهرت زعانف من أحد الكهوف أمام عيني سليم، فوجد صورتها منفرة وفي نظرتها قسوة واضحة، لكنه لما تذكر الجواهر والذهب والأموال التي ستصبح في حوزته زينها له الطمع، ووافق علي الزواج دون تردد، وبعد مكوثه في الكهف عدة أيام، أنهي العجوز رسم خريطة تفصيلية لمكان الكنز وقال: 

-أخبرنا أجدادنا أن في ذلك الطريق جبل قمته صفراء كالذهب وسفحه أسود كالقطران تحته صندوق كبير فيه ما يسعد من يجده. وبما أن زعانف كسولة جداً استغرقت رحلتهم شهور طويلة كي يصلا إلي الجبل ذو القمة الصفراء كالذهب والسفح الأسود كالقطران، ولما وصلا بقي سليم يحفر وحده لأيام طويلة حتي عثر أخيراً علي صندوق فولاذي ضخم حاول فتح قفله الضخم بكل الحيل الممكنة لكنه لم يفلح ، فظل بجواره ليل نهار متألماً لعجزه عن فتح الصندوق بعد إيجاده، ومن طباع زوجته السيئة ومضايقاتها المستمرة له، وذات ليلة اكتمل فيها البدر ظهر بسبب ضوئه الفضي عبارة منقوشة علي الجانب الأيمن من الصندوق نصها " المحظوظ هو من يكتشف علي ما أحتويه، إذا أردت الحصول علي ما بداخلي اذهب إلي النهر الكبير واجعل السمكة في منقار الديك، فذلك هو مفتاح الققل " اصطحب معه ديكاً وانطلق إلي النهر الكبير، ثم اصطاد سمكة وجعلها في منقار الديك وحاول أن يفتح بها القفل وظل يحاول طوال الليل، وعند الفجر مر به صياد ولما رآه علي هذه الحال ضحك وقال ساخراً:

 -يا للعجوز الماكر لقد أفلحت حيلته حقاً!

 لكن سليم لم يهتم البتة بما قاله، وفي اليوم الثاني مر عليه نفس الصياد وقال مرة أخري:

 -يا للعجوز الماكر لقد أفلحت حيلته!

 وفي اليوم الثالث كرر:

 -يا للعجوز الماكر لقد أفلحت حيلته! حينها استوقفه سليم وسأله مغتاظاً: 

-ما معني كلامك أيها الرجل؟

 -لن تفهم كلامي لأنك أحمق. 

غضب سليم وهجم علي الصياد، قهقه الصياد وهو يدفعه عنه بيده: 

-ألم أقل لك أنك أحمق؟!... وهل يوجد في الدنيا من يصدق أنه يمكن فتح صندوق فارغ، بمنقار ديك فيه سمكة؟ صاح سليم:

 -فارغ؟

 -سأثبت لك. 

حمل الصياد الصندوق وخلع جانبه بسهولة شديدة وقال:

 -إنه مجرد صندوق خشبي ردئ الصنع!

 نظر سليم داخله فوجده فارغاً إلا من ورقة مكتوب فيها" كنزك الحقيقي هو ما تنجزه فوق الأرض، فاترك باطنها وعد لتجده" جلس منهاراً منهكاً علي ضفة النهر وحكي له الصياد عن حقيقة والد زوجته:

 -ذلك العجوز أخبرني حكايته في جلسة جمعتني به في أحد الخانات علي طرق السفر، كان له ثلاث بنات قبيحات شريرات، فاحتار في أمر زواجهن كي يرتاح من مشاكلهن وإزعاجهن المتواصل له، فابتدع حكاية الكنز، وأخذ يقف في الطريق المؤدي للجبال كي يلتقي بالحمقي الباحثين عن الثراء السريع بدون عمل، فيخدعهم ويدلهم علي مكان صناديق وضعها بيده ويحتارون في فتحها علي شرط أن يقبلوا الزواج ببناته، وبالفعل نجحت حيلته بتزويجك آخر بناته، ولما تمت خطته أصبح يحكيها علي سبيل المزاح، للسخرية من أمثالك...فوداعاً يا من تحاول فتح قفل وهمي بمفتاح سحري!

 قهقه الصياد من جديد وراح ليصطاد رزقه من النهر، تاركاً سليم في قبضة الحزن والندم. استغرقت رحلة العودة سنوات عديدة، كان سليم خلالها يعمل عند الناس أجيراً كي يوفر تكاليف السفر، وأحياناً يسمعه الناس يبكي وهو يقول" ليتني لم أترك أرض أبي، وبقيت في بلادي أعمل مع أخي" ولما تقدم به العمر عاد أخيراً مع زوجته التي تسبب له الإزعاج والمشكلات إلي قريته، وبجوار منزله القديم رأي طفلاً يشبه أخيه تماماً حتي خيل له أنهما عادا طفلان يلعبان في الحقول، أفاق من تصوراته علي صوت الطفل يصيح:

 -يا أبي هناك غريب في أرضنا.

 تأثر سليم لكلمة غريب، وفاضت عيناه بالدموع، خرج سالم علي صوت ابنه وتعانق الشقيقان شوقاً بعد غياب طويل، واحتضن سليم أمه والحزن يعتصرهما، وحكي لهما ما لقيه من متاعب وآلام فأشفق عليه أخيه وقال: 

-مازالت أرضنا بخير يا أخي، لقد تضاعفت مساحتها ونصيبك فيها محفوظ. 

عاش سليم بقية حياته مع زوجته المزعجة وحيدين يملأ حياتهما الشجار والتلاسن اليومي، وكان كلما رأي أسرة أخيه السعيد والأرض التي أثمرت بعرق جبينه وكفاحه علي مدار السنوات الفائتة يردد لنفسه همساً" حقاً إن الكنز هو ما يحققه الإنسان بعمله وصبره"

الاثنين، 10 أبريل 2023

نداء عند المنعطف

                        نداء عند المنعطف

 انتظرت نهال وأمها في الشارع المزدحم يرقبان المارة، حتي ظهرت امرأة في الخمسينيات من العمر تلهث من الحر، وعندها أكدت الأم علي ابنتها للمرة المائة منذ صباح ذلك اليوم: 

-كوني صبورة معها، إنها طيبة ولكنها ثرثارة!

 وعندما اقتربت المرأة رسمت نهال ابتسامة باهتة مقلدة الأم، التي ابتسمت بحرارة وهي تحتضن المرأة حتي نفدت رائحة عرقها إلي أنفها:

 -إننا نسبب لك المتاعب يا ست أماني... يعلم الله أنني أتمني لك الصحة والعافية وطول العمر. مدت نهال يدها بالسلام، فتلقتها أماني بين أصابعها ببرود، وسرعان ما كان الثلاثة يشقون زحام الشارع، حتي وصلوا لمحل أدوات منزلية علي درجة من الفخامة، قام صاحب المحل لملاقاتهم وفرجهم علي كل ما عنده، اختارت نهال وأمها طاقم كئوس، وجلس الرجل إلي مكتبه كي يكتب لهم فاتورة البيع، وجاء دور أماني في الفصال، تعنت الرجل في البداية، فصرفت نهال وأمها إلي آخر المحل، فوقفت كلاً منهما تحدق في الأرض منكسة الرأس في جمود، كأنها تلميذة خائبة لا تجرؤ علي النظر لزملائها، وقالت للرجل بلهجة لم تخل من فخر وتباهٍ: 

-إنني أشتري لتلك العروس الغلبانة بعضاً من جهازها، لقد كانوا أسرة من الأثرياء يعيشون في بحبوحة ورغد، لكن جار عليهم الزمان وجري عليهم تبديل الحال الذي لا يفلت منه حي في هذه الدنيا، فساعدها معي وستدعو لك. كان الرجل رقيق القلب يخشي تقلب الأحوال، ويري بعينيه حال الأسر الفقيرة بحكم مهنته التي تعرضه للعديد من القصص المشابهة، ولديه ابنة في مثل سن نهال، فهاودها إلي أقصي درجة، ولاحت منه نظرة لنهال وأمها، رأي البنت فارعة القوام جميلة الوجه نضرة البشرة ترتدي ثياباً أنيقة، فتشكك للحظة، فطنت أماني لما يدور في رأسه فقالت:

 -لا تجعل المظاهر تخدعك، إنها بقية من العز الغابر. كانت نهال وأمها تستمعان إلي كلام المرأة بقلب كسير، ولم يلحظ الرجل وهو يتأملها، أن البنت وجهها تضرج بحمرة منبعها الإحراج الشديد، والذل الذي تشعر به يسري في عروقها، في موقف تتعرض له لأول مرة، اعتادت في حياة والدها أن تشتري مسلتزماتها من أرقي المحال في المدينة، ولم يخطر لها علي بال أن تتحول إلي فرجة تقتحمها عيون الناس لتكتشف مدي فقرها وإن كانت تستحق الصدقة أم لا، أما الأم فكتمت أحزانها الملتاعة في قلبها ولم تفرج عنها بأي تعبير، بل ظلت في جمودها يظن من رآها أنها شاردة الذهن، فقد اعتادت ألا تبدي أوجاعها المرضية أو النفسية بأي شكل حتي لا تزيد من هموم ابنتها، وفي سرها تلعن الساعة التي وافقت فيها أماني علي عرضها بمساعدتها في جهاز ابنتها انتظاراً لعريس قد لا يجئ أبداً وهم أسرة تصارع الجوع ولم تعد تأمل سوي في لقمة العيش، ظنت أن الأمر سيتم دون حاجة لتعريتهما أمام رجل غريب. تمتم الرجل متنهداً في أسي وهو يدون نسبة الخصم في الفاتورة:

 -ربنا يسترها... إن دوام الحال من المحال. اخترقت تنهداته سمعها، ورأت أماني تدس يدها في حقيبتها وتخرج النقود، ونظرة الاستعلاء والرياء ترقص علي وجهها المتجعد، فصاحت نهال بصوت جاهدت لتتحكم فيه لكنها أخفقت، فخرج شرساً محشرجاً يملؤه الغضب والعنف:

 -لتوفري نقودك، ولتوفر بضاعتك لزبون أفضل لم يسقط من عز الثراء إلي مهانة الحاجة، إني لا أريد شيئاً من أحد. هرعت إلي الخارج عائدة للشارع المزدحم من جديد، ومضت في تيار السائرين وهي تمسح دمعة ساخنة انحدرت علي وجنتيها، وأسرعت في سيرها مهتاجة المشاعر حتي غابت عند المنعطف، دون أن تلتفت ولو مرة لنداء أمها المتواصل بصوتها المفطور من البكاء.   

الخميس، 23 فبراير 2023

قصص قصيرة جداً

 -هل ستعود من الحرب يا أبي؟

طمأنه الأب مؤكدا وهو يربت علي رأسه بحنان: -حتما،وسنحتفل ليلتها حتي الصباح. ابتسم الطفل مبتهجا وتقافز مرحا في الحجرة،بينما أمه ترقبه دامعة في أحد الأركان...مايزال ابنها يتكلم مع الأشباح.
.................
 هربت العيون في اللقاء الأول بعد الفراق، رأيتها تسير بمحاذاة الرصيف في ليلة شتوية باردة خلت فيها الشوارع لتستضيف الأمطار والدموع، ليلة غريبة عن ليلتنا الأخيرة معاً بين دفء الجدران والأحاديث المرحة، والقلب المشحون بالأمل في عالم جديد رأيناه بخيالنا يزدهر بين ضفاف دخان الكراهية وعتمة الأحزان، لما التقت عيوننا عصرنا الخجل ولطمتنا الخيبة، وانبثقت متاريس طروادة التي أعيت أخيل في الأمتار القليلة بينا، وفي لحظة واحدة سقط وجهانا إلي الأرض، كأننا ندفن في جوفها حلماً داعبنا ذات مساء وجعلناه وليدنا الصغير، وتحولت دقات قلبينا إلي معاول حفر أهالت علي الحلم التراب، وحين عدت لوحدتي لاحقني صوت أنينه المكتوم" أخرجوني من الحفرة إني لكما سفينة وسط المحيط الغاضب...المحيط سيبتلعكما! "،لكنني دسست رأسي بين الوسائد وأسلمت نفسي لكوابيس اعتادت العبث بي، حتي نبهتني أشعة شمس باهتة رسمت بقعة صفراء علي الحائط تعدني بكوابيس جديدة بعد الغروب.
............
  - كلفني أحد أعيان المدينة برسالة أسلمها إلي الملك القابع خلف أسوار القصر، بعدما أصابه اليأس من العثور علي شخص يقبل بهذه المهمة الخطيرة، ولما كنت الأحمق الوحيد فقد تطوعت وذهبت إليه ذات ليلة وقلت بشجاعة لا أعلم كيف غزت قلبي الجبان: - أعطني الرسالة...فأنا وحدي القادر علي تحقيق مرادك. رأيت ابتسامته علي نور السراج الخافت الذي يشع من الحجرة، ثم مد لي الرسالة المختومة بإحكام وسمعت صوته خافتاً:
 -خذها أيها البطل، وحين تعود سأقيم لك احتفالاً سيؤرخ به الناس لأعمارهم. سكت الرجل الذي أنصت له الجميع، فسأله أحد الموجودين:
 -وما الذي جري بعد ذلك أيها العجوز الطيب؟
 -وبعد طريق شاق حافل بالمخاطر، كدت أخسر حياتي فيه أكثر من مرة وأفنيت بيت شعابي شبابي، وصلت أخيراً إلي القصر ممنياً نفسي بالإنعام والتكريم...ومازلت أحلم ومازال باب القصر مغلقاً حتي اليوم.  

الأربعاء، 30 نوفمبر 2022

اللوحة البيضاء

 

اللوحة البيضاء

وقف في الشرفة يتآكله القلق ويحس بثقل الانتظار يلهب أعصابه ويكبت شوقه, من وقت الحادثة التي تسببت في كسر يده اليمني لم تخالجه تلك اللهفة علي شئ, لكن منذ رأي صورتها مصادفة علي الإنترنت و هو يحاول إقناعها بالمجئ إلي منزله, إنها الموديل التي عاش عمره يحلم بها, تتراءي له في اليقظة والمنام,هي القادرة علي جعل يده تغرد بالفرشاة من جديد علي أفق اللوحة الأبيض, بعد شهور طويلة من الخرس الكلي, لم تتخشب فيها يده فحسب بل هجم الجمود والبلادة إلي روحه أيضاً, فلم يعد يحفزه منظر جميل أو توحي له نفسه بخلق فني جديد,فقط الفراغ المحيي للذكريات القديمة الأليمة, والصباحات المتشابهة تتبعها أمسيات كئيبة يشعر فيها بخدر قوي يسري في أوصاله ورغبة عارمة في البكاء, بالإضافة للوسواس القهري الذي يحيل لياليه لسواد أحلك مما هوعليه في الواقع, مطلقاً عنان الرغبات اللامعقولة والأفكار المعذبة التي تضعضع الارتكاز النفسي, انطفأت كل القناديل المضيئة في حياته وغابت النجوم الهادية تحت غلالة داكنة من الهموم والاضطراب, وترك في العتمة يصارع الأوهام والأشباح وحيداً أعزلاً يشعر بالضعة والهوان أمام نفسه بعدما توقف عن إنتاج الشئ الوحيد الذي كان يمنح لوجوده قيمة ما, الرسم الذي جعله معروفاً في الأوساط الفنية, ألم تغط الصحف أنباء أحد معارضه منذ سنوات وقبيل الحادث نشر له العديد من الحوارات عبر فيها عن رؤيته للفن والحياة, ولاقت صدي واسعاً لدي المهتمين بالفن التشكيلي, ولمع اسمه في المنتديات, وانضم اسمه لموسوعة ويكيبيديا"أحمد مُنجي"مع قائمة بأعماله والجوائز التي حصل عليها.

وفي عز اقبال الدنيا عليه انقلبت سيارته علي الطريق السريع, أثناء عودته من أجازة الصيف مُحملاً بالرؤي والطموحات الكبري, تملؤه الآمال ويبتسم باطنه للمستقبل الذي يتمخض عن وعود المجد والترقي, لحظة واحدة بدلت كل الخطط, انفصل عن الدنيا بعدها, ولما فتح جفنيه الثقيلين كأنهما اكتسيا بغطاء غليظ من الرصاص وجد نفسه راقداً علي أحد الأسرة البيضاء, عاجز عن تحريك اصبعاً واحداً, حين استعاد بعض وعيه همست له الممرضة السمراء النحيلة ذات الوجه الطفولي:

- أنجاك الله من موت محقق, إن معجزة كتلك لا أراها كل يوم.

احتاج لدقائق كي يستوعب الأمر, في معياره الزمني مرت ساعات معدودة منذ كان في سيارته يستمع لنغمات فرانز ليست علي البيانو, ويتخيل لوحته الجديدة, التي ستمتلئ بفيض روحي جياش, سيظهر في مزيج الألون والزوايا, وخاصة في حركة الطيور المحلقة فوق البحر متلاطم الأمواج, وعلي سطحه يحوم الزبد الأبيض رافضاً أن يتسامي علي الماء أو يسقط عند قاعه, سيظل عالقاً فيه للأبد,وحوله الحركة في كل مكان, وها هي الممرضة تخبره بعدها أنه كان علي وشك الموت, وما مزق قلبه حقاً سوي رؤية يده اليمني حتي الكتف مقيدة في الجبس, فاق فزعه لكسر قدميه منظر يده المحطم, وسالت دمعتين ساخنتين علي خده, غسلا ألوان اللوحة فما عاد الزبد أبيضاً ولا البحر باللون الأزرق, أما الطيور فأصبحت بلا أجنحة وسالت رأسها نازفة,وحدها العتمة احتلت وجدانه.

لما رآها انبعثت في روحه النشوة القديمة, عرف أنها الأخري فنانة تشكيلية لم تصب النجاح في عالم الفن, بعث لها بالرسائل وكلمها علي الهاتف يلح عليها لتكون هي الموديل للوحة التي يعتزم العمل عليها, في البداية عارضت فهي لا تريد أن تكون الموديل بل الصانعة, ولما عرفت من أصدقائها بالحادثة وتهشم يده واكتئابه وحيداً في عزلته لانت في النهاية وقبلت.

أشعل سيجارة خامسة وهو يتململ خلف السور, يغيم عقله في الأحلام ثم يفيق علي ضجيج الشارع, كان ميدان عابدين مكتظاً بالسيارات والمارة, رآها من بعيد تخطو بجوار القصر فزاد ارتباكه, إن جمالها حقيقي فعلاً, لم تزينه الكاميرات ولا خدعته الصور, كلما اقتربت علا وجيب قلبه كمراهق ينتظر حبيبته خلف سور المدرسة, وليس رجلاً اكتهل وتجاوز الخامسة والثلاثين, عبرت حديقة القصر واقتربت من المنزل, تتلفت حولها تتفحص الشرفات فرأته يلوح لها كي تستدل علي المنزل بالضبط, رأت بيتاً بني عندما كان الناس يعرفون فن العمارة والبناء, يمتاز بالقدم والعتاقة وتشيع حوله روح فنان صممه ونفذه, وراق لها تماثيل الملائكة المحفورة في الواجهة تمثل ثلاثة منهم ينظرون للسماء في ضراعة صامتة كأنهم يدعونها لترحم أهل الأرض, وكتب تحتها "errare humanum est" عبارة لاتينية تعني "كل ابن آدم خطاء", اقتربت من الباب الخشبي الضخم المزخرف بنقوش دقيقة, ولاح لها المعني الحقيقي للبيوت, ليس ذلك المكان المخصص للنوم والأكل بل هو ذلك الإحساس بالانتماء, المكان الذي يخاطب فيك الوجدان فيضيف لأيامك معني, صعدت السلالم الرخامية فوجدته واقفاً علي عتبة باب الشقة المفتوح, ابتسم لها في لهفة:

- نسرين!...تفضلي أشكرك علي الحضور.

مد لها يده ,فتلقتها بين أصابعها,وجذبها برفق إلي الصالون, جاست عينيها في الشقة من الداخل, فوجدتها كما توقعت فوضوية إلي أقصي حد, تليق بأحمد منجي البوهيمي الكبير, ذو الشخصية المتحررة كما ظهر في لوحاته التي تأثرت بها كثيراً وأعجبتها, دعاها للجلوس علي الأريكة وغاب في الداخل لدقيقة, وعاد حاملاً صينية نحاسية عليها كوبين من عصير البرتقال.

وضع الصينية علي الطاولة وقدم لها أحد الكوبين معتذراً:

- اعذريني علي حال الشقة, إني لست في أحسن أحوالي.

قبضت علي الكوب, وهي تبتسم شاكرة:

- لا تهتم, إنها تحتاج للمسة أنثوية لتغدو في غاية الأناقة.

تأمل عينيها الزرقاوتين, متذكراً البحر ذي الأمواج :

- أشكرك علي المجئ وتلبية دعوتي للمرة الثانية.

ثم نظر إلي يديه المرتعشتين لحظة غاب فيها عن الوجود, ثم أكمل وهو يخفيها خلفه:

-إن اللوحة كما أتخيلها ستصير حديث الساعة في المنتديات الفنية, وأنا متأكد أنك لن تندمي علي حضورك هنا, حين ترينها حقيقة انتقلت من خيالي لعالمنا, كما أخبرتك إنك الوحيدة القادرة علي جعل هذه اليد تتحرر من قيودها, لقد انحل الجبس الطبي ومع ذلك مازلت أشعر به يخنق يدي.

ترددت الكلمات علي شفتيها لكنها قالت أخيراً وعينيها تشعان عطفاً صادقاً:

-أستاذ أحمد... لا تفهمني بصورة خاطئة...  منذ الحادثة وأنت لا تستطيع التحكم كلياً في يدك كلياً,لا أريدك أن تفعم قلبك بالآمال حتي لا ينكسر بعد ذلك, لنعتبر الأمر تمرين علي الأقل في البداية.

تمتم وفي صوته رنة خزي:

- طبعاً... إن الثوب في الداخل أتمني أن يعجبك, يمكنك الدخول وارتدائه إذا أردتِ.

قامت فرأي قدها الرشيق كله يتحرك, أشار لها ناحية الغرفة, وراقبها وهي تتمايل أمامه حتي غابت عن عينيه, وسمع تكة قفل الباب تصك أذنيه, وبدأ يجول في الحجرة مهتاجاً, أي شيطان صور له تلك الفكرة, بالتأكيد رأت يديه تهتز, إنها تشفق عليه لا أكثر "الرسام الذي تحطمت أصابعه...ياحرام" بعد فترة وجيزة عادت كأنها خرجت من لوحته المتخيلة, تتهادي في ثوب أرجواني عاري الذراعين, مفتوح عند الركبة, واستلقت أمامه علي الأريكة توجه له نظرات غامضة بعيون ناعسة, وقف لثوان يحاول ضبط رعشته المتزايدة, حمل الفرشاة ببطء شديد, كاد أن يلمس قماش اللوحة, لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة, طال الوقت وهو لا يجسر علي مس اللوحة, ستظهر خطوطه متعرجة ساذجة كطفل صغير يلهو علي ورقة, وستسخر منه بلا هوادة, لو كانت ظهرت مبكراً في حياته لرسم ما يأسر خياله بسهولة كسابق عهده ولأبهرها بإمكانياته, لو رآها قبل الحادث لأصبحت بطلة ملهمة لدرة أعماله... اجتاحته موجة الشعور بالهوان من جديد, وسرت قشعريرة في ظهره,وهيأت الأوهام له أنها ستقوم تصفعه وهي تصرخ:

-إذا كنت عاجزاً عن مس اللوحة, فلماذا ألححت علي ترجوني المجئ إليك, هل أنت أحمق؟

تنبه علي صوتها الدافئ:

- أحمد... هل هناك مشكلة ما؟!

أشرق وجهها بنور ضحكتها:

-هل يمكنني مناداتك أحمد؟

- بالتأكيد كما يحلو لك...لا تقلقي فقط اثبتي ولا تتحركي.

مضت الدقائق والصمت يخيم عليهما, وفجأة تهاوي علي المقعد دافناً وجهه بين يديه في يأس حاد, خصلات شعره الثائرة تشي بما يحمله ذلك الرأس من أفكار مشتعلة, لمعت عيناها في فضول شديد وقامت من علي الأريكة وجلست في الكرسي المجاور له, أشعلت سيجارة ومالت برأسها للخلف تسند رأسها بيدها, وعطر الجاذبية يفوح منها, وقد رسم القميص منحنيات جسدها, و زاد شعرها المنسدل علي مسند المقعد سحرها الفتان, سمعها ضحكتها الرقيقة وأردفت:

-أتدري... إن جلستنا تلك في حاجة لمن يرسمها.

أخفض كفيه وابتسم بمرارة:

- ستكون لوحة مدهشة.

- مارأيك لو نرسمها معاً؟

ألقي عليها نظرة بعيون ذابلة.

-أجل نرسمها سوياً سأمسك يدك أنسيت أنني الأخري فنانة, وسأمتثل لكافة تعليماتك...أيوجد هنا مرآة؟

حملا سوياً المرآة ووضعاها أمام الأريكة, وعادا لوضعيهما السابق, يشهدان صورتيهما في المرآة, حتي ملأت كيانهما, ثبتت نظراته علي المشهد المنعكس أمامه وعلق أخيراً:

- موافق... ولم لا؟

وقفت خلفه تمسك يده المرتعشة وقد غزا قلبها حنان جارف تجاهه, اعتبرته وليدها الصغير المحتاج للتشجيع والأمان, وطفت السعادة علي روحها لأول مرة بعد سنوات طويلة من الأحزان, لإحساسها بمساعدة إنسان دون انتظار لمقابل من أي نوع, استدار لها فرأي نظرة مشجعة ممتزجة بابتسامة حنون وبرفق مسا اللوحة وهمس بصوت بالكاد مسموع من فرط تهدج أنفاسه:

- سنبدأ بك أنتِ.

ربتت علي كتفه بامتنان, مضت ساعتان كانت في معظمها بالكاد تلمسه, بينما استغرق تماماً في العمل,لم تثبت يديه بعد, علي الأقل كان قادراً علي الاتزان بصورة معقولة, فوق اللون الأبيض الذي التهم كل تركيزه, طالما شكل له اللون الأبيض عداوة دائمة, فالفنان لا يؤلمه سوي ذلك اللون وقد فارقته الخطوط والألوان, يواجه اللوحة بغيظ مرة, وباستسلام مرة, وبتوهج جارف مرة أخري... وهكذا,دوماً يفجر اللون الأبيض بداخله مشاعر مختلفة تنتهي بسعادة الانتصار عليه, لا يهم إذا ما كان العمل جيداً أو سيئاً مادام البياض تناثر وتشبع بألوان أخري... مرت الساعتان وهو لا يشعر بنفسه, ولما انتهي من تصوير وجهها, عاوده الإحساس بالزمان والمكان, واندهش حين أدرك أنها الآن تقف خلفه فحسب لا تساعده في شئ, انزاح خلالهما من تفكيره المجهد كل الشياطين السوداء التي ظلت تتلاعب به في شهور وحدته وانكساره, وسري صفاء غريب في روحه, التفت ناحيتها فوجدها ترمقه في صمت بمودة رائقة, مسحت عن ذهنه التشرد الفكري في غيابات أرض اليأس والضياع وعلت ضحكته المجلجة:

- نسرين! إنني أولد من جديد.

اتجهت نحو صورة وجهها المرسوم بيده, ومالت عليها وصوتها يحمل توقداً لا تعرف من أين خرج:

- عظيم, لكنني لن أعترف بالنجاح سوي إلا بعد انتهاء اللوحة.

تبدلت الصباحات المملة والمساءات الكئيبة, وتوقف استجلاب النوم عن إرهاقه وتقليب المواجع عليه حتي يبتلعه وحش الظلام في جوفه ويطلق عليه كوابيسه المروعة, امتلأت حياته بهدف سخر له كل طاقته, تكررت الزيارات لأيام عديدة, استعاد فيها ثقته بنفسه وبإمكانياته الإبداعية, صحيح أنها فرضت رؤيتها الفنية في أكثر من موضع ,وذلك ما زاد الصورة جمالاً وألقاً,ويكفيه أنه بات يسيطر الآن علي حركة يده, العائق النفسي تلاشي بعدما كان يراها في أغلال برومثيوس تتلوي طلباً للحرية.

توثق بينهما رابط شعوري متين, كلما تقدم العمل انكشفا لبعضهما, غيرت نسرين من تصميم الشقة, وحافظت علي اتساقها ونظافتها طوال فترة وجودها, وفي أحد الأيام دخلت حاملة أصائص زرعت فيها زهور ملونة وحملتها للشرفة منبهة:

- حافظ عليها جيداً لو أردت لها الحياة, إنها تحتاج للاهتمام والرعاية, النباتات لها مشاعر وأحاسيس...إنها حقيقة علمية.

أجاب وهو يعجل وضع الأصيص الأوسط:

- في رأيي أن كل ما علي الأرض له مشاعر وأحاسيس وتلك حقيقة تخصني وحدي, أحياناً أشفق علي كافة الموجودات في الكون, يخيل لي أن للجماد روح كامنة فيه, تلك السيارة القديمة الواقفة أسفل البيت مثلاً, تمتلك تاريخاً حافلاً, بالتأكيد أحبت راكباً وأعطته من ذاتها, واشمأزت من آخر وحرمته من الارتياح فيها, والطاولة في الداخل, ورثتها عن أبي الذي ورثها بدوره عن أبيه, لابد أنها شهدت أياماً حافلة لأسرتنا منها المجيد السعيد, ومنها الوضيع البائس, في الماضي عرفت الشباب والفتوة, والآن يبدو عليها علامات الشيخوخة, تآكلت وتهالكت كأنها سئمت الحياة وأحوالها المتقلبة...هل تظنينني معتوهاً؟!

- أبداً... من معرفتي بك أري أنك تحمل روحاً أكبر وأكثر حساسية مما تحتمل الحياة, بل ومما تحتمله أنت نفسك ,وذلك سبب آلامك وقلقك المرضي الذي يكبلك, تتقبل أن تذوب فيك الحياة, وفي نفس الوقت ترفض أن تذوب فيها أنت أو علي الأقل تتقبلها, خوفاً منها ورعباً من الصدمات التي تنتظرها منها.

- بالضبط... إنني أعشقها مادمت بعيداً عنها, تعزف داخلي سيمفونية توائم روحية مع أشقائي البشر, أحبابي الذين يثيرون عطفي ومصائبهم تبكيني في الحروب والفقر والجوع, أتمني لو تفتت قلبي لميارات الأجزاء أهدي لكل واحد منهم جزءً, لعله يهبه السلوي في دربه الوعر الشاق, فإذا نزلت إلي الشارع واحتككت بهم ورأيت ما يفعلونه لبعضهم, وشهدت الغش والخداع والظلم المحيق بهم بأيدي بعضهم, لعنتهم أجمعين وعدت إلي بيتي ألملم ذاتي المنهوكة وأسقط علي سريري والأرض تميد بي.

تراجعت إلي الداخل وهي تختتم الموضوع:

-علي كل نفوس الفنانين الحقيقين غاية في التعقيد وآرائهم في الحياة استثنائية.

مع انكشاف صورتها علي القماش, كشفت له مكنونها بالكلام الصادر من القلب, دون خوف من الأحكام, غير عابئة بتزيين صورتها, فالكل حين يحكي يحكي عن صورة ذاتية متخيلة يحلم أن يري نفسه عليها ,لا أحد يعترف بالحقيقة, الكل يعلن المميزات الحقيقية منها والمخترعة, ويخفي العيوب والمشكلات, وليس حقيقة الإنسان ما يعلنه ويتفاخر به,بل  ما يخفيه ويسعي لخنقه ويحجبه بأسوار الصمت والإنكار ,حدثته عن زوجها الأول, وكيف كان يعتدي عليها باسم الحق الشرعي للزوج:

- تربي علي أن العنف والإساءة للآخر وخاصة المرأة من علامات الرجولة, غير واع أن الرجولة تختلف عن الذكورة, أعرف في حياتي نساء يتحلين بكافة صفات الرجولة الحقة, كالأمانة وتحمل المسئولية والصدق والصبر والقدرة علي المواجهة وعدم الهرب تحت أي ظرف, أما الذكورة فمرتبطة بعضو لا حيلة للإنسان في وجوده أو عدمه, فهو لم يختره...كم أمقت من يتفاخر بشئ لم يكن له فيه حق الاختيار, ولد فوجد نفسه علي ذلك الحال, وأنا أيضاً لم أكن في الواقع زوجة مثالية, لا أدري هل بسبب ذلك أم نتيجة لذلك, تمنعت عنه كثيراً وهو في عنفوان شهوته, كنت أتقزز من ملامحه الحيوانية حين يسثار, قبلاته بالنسبة لي أنياب تنغرس في جسدي,  كان الحال مختلف أيام خطوبتنا, لقد خدعني بالكلام, وما أسهل الكذب والتزييف! رسم لنفسه صورة مغايرة تماماً عما اكتشفته بعد ذلك في العشرة, وصدقت المثل السائر أن العشرة هي دليل المعرفة, والتجربة خير من السماع, ذقت في العامين اللذين قضيتهما معه أبشع أوقات في حياتي, وفي النهاية انفصلت عن ذلك السافل, خلعته كما أخلع حذائي بعد يوم شاق, ملقية به في ركن الحجرة وقد تحررت أخيراً من الألم الممض الذي يضنيني...أبي كان عكس ذلك الرجل تماماً, عهدته عطوفاً علي أمي يساندها وتسانده في مطبات الحياة, وهما الآن كل حياتي لا أتخيل نفسي أعيش بدونهما, حين أعود للمنزل تستقبلني قطتي كاتيا تتقافز في مرح عند رؤيتي ,تحاول أن تتسلق ساقي, معبرة عن شوقها لي,تلك القطة تعوضني بطريقة ما عن الأمومة المفقودة, المرأة حين تحرم من الإنجاب, أن يكون لها طفل خاص بها يخرج من بين أحشائها للحياة يكون مسئولاً منها, يمكنها أن تتبني أي مخلوق بنفس راضية ولو كان فرانكشتاين نفسه الذي نفرت منه كل الناس, مرت علي فترة كان ثدياي يفيضان تلقائياً كلما رأيت طفلاً, معلنان عن أمومة مكبوتة...وبصورة ما أمارس تلك الأمومة معك, إنك طفل في ثياب رجل ناضج تحتاج إلي العناية الكاملة ,وقد كنت طفلاً وحيداً لوالديك أي أنك عرفت من الرفاهية والراحة ما أخر نموك الاجتماعي والنفسي.

ضحك مداعباً ليزيل حالة الشجن التي اعترتها:

- لست طفلاً تماماً...علي الأقل أدخل الحمام لوحدي دون الحاجة إليكِ.

اهتزت ضاحكة وأشارت له مهددة بسبابتها في حركة مسرحية:

- طيب...اعمل الآن بجد أيها الطفل الكبير بجد وإلا حرمتك من لعب البلايستيشن والخروج مع أصدقائك.

قرب انتهاء اللوحة شعرا أنهما لن يقويا علي العيش منفردين بعد الآن, وقرر التقدم لخطبتها.

عقب وفاة والديه بقي وحيداً دون أقارب, مع اشتعال معركة الميراث بينه وبين عمه وأولاده الذين استولوا علي أربعة محلات في وسط البلد, كان أبوه يتشاركها مع شقيقه, وعاونهم المتزلفون من عائلته طمعاً في خيرات العم الثري, فانقطعت روابطه مع عائلته حتي أنه نسي وجووههم, لو قابلهم في الشارع مصادفة فلن يعرفهم, لجأ إلي صديقته الشاعرة الشهيرة منيرة عبد الكريم لترافقه لمنزل نسرين لطلب يدها, وقد حددت الأسرة الموعد في ليلة خريفية تكاثفت فيها السحب فوق القاهرة.

استأحر سيارة,ولأول مرة بعد الحادث يجلس خلف عجلة قيادة, في اللحظات الأولي كادت تعاوده الرعشة, فتذكر انتظار نسيرين له فطارت الرعشة وحملتها الرياح الباردة إلي كهف مهجور شق في قلب جبل أصم, وأغلقت عليها صخرة هائلة للأبد, استعاد صلابته وسار في الشوارع المزدانة بالأضواء الكثيفة, حتي وصل أمام فيللا منيرة, وجدها أمام الباب في انتظاره أنيقة للغاية كما تعود أن يراها, كلما ازداد عمرها ازدادت براءتها, احتفلت في العام الماضي بعيد ميلادها الخمسين في حفل بسيط بإحدي الجاليريهات الشغوفة بها كواحدة من رعاة الفن التشكيلي في مصر, أنفقت من ثروتها علي الفنانيين ,تبتاع لوحات من تؤمن بهم بمبالغ باهظة تفوق قيمتها الحقيقية, ولو كانوا مغمورين في بداية طريقهم, كي يقدروا أنفسهم ويقبلوا علي الإنتاج الفني بحماس, لا ينسي أنها دعمته في أولي تجاربته ودفعته بتشجيعها وعلاقاتها للمكانة التي وصل إليها اليوم, جمعت في الحفل شباب المبدعين من شعراء وفنانين وأدباء وصناع سينما, بعض الحضور ما يزال في سن الخامسة عشر تصادقهم وتنفخ فيهم من روحها بتشجيعها الدائم الغير قابل للنضوب, فتيات وفتيان يتحلقن حولها في محبة, تلوح عليهم أمارات النجابة متعلقون بها بشدة, ذكرته لحظتها بربات الخصب والنماء في الحضارات القديمة, إنها الأنثي التي تلد الحب والاستقرار في القلوب,فتبادلها القلوب محبة واحتراماً, والاحترام عملة نادرة اليوم بعدما أطاح النفاق بكل المعاني الراقية, إلا أنها من القلائل الذين عرفهم في حياته تستحق الاحترام.

رأته فركضت نحوه تثب في سعادة وضحكتها الصادقة تشع بهاء في وجهها المستدير الطيب, قبلته علي وجنته وسمع رنين السعادة في صوتها:

- مبروك يا أحمد...راودني الخوف مؤخراً عليك, خشيت أنك ستقضي حياتك أعزباً وحيداً...العمر يجري بك ولم أرد أن تصاب بالندم بعد فوات الأوان, فمن يحيا وحيداً يموت وليس بجواره أحد يؤنسه.

عرجا علي محل حلويات فاختارت تشكيلة خاصة ذات أسماء غريبة, لم يهتم بذلك, مادامت منيرة اختارتها فهي بالتأكيد فاخرة, لبثا في مدخل عمارة نسرين لبرهة تعدل له ملابسه, اطمأنت علي هندامه, صارحها وهي تعدل جاكتته:

- لو أنجبت بنتاً فسأسميها منيرة.

- منيرة اسم انقرض و خرج من عمليات تداول السجل المدني رغم شاعريته, ككل ما كان جميلاً انقضي زمنه...اليوم يسمون أسماء غريبة تحتاج جوجل ليفسرها لك...لا تستبق الأحداث, الحكمة تقول"لا تعد بصندوق إلا إذا حصلت علي الخشب"لم يوافق والدها عليك بعد.

احمر وجهه فأسرعت:

-لا تقلق سيوافق بالتأكيد.

رن جرس الباب ودقات قلبه تتعالي, فتحت نسيرين الباب ورحبت بهما, هذه المرة هو ضيفها, دلف إلي داخل الشقة ذات الجدران المزدحمة باللوحات والصور, الموناليزا تبتسم بغموض والجورنيكا تنتظر فك شفراتها, أضواء وظلال رامبرانت تحيط به من كل جانب, وقع بصره علي أبيها في كرسيه المتحرك جالس أمام رقعة الشطرنج, تقدم منه وسلم عليه بأدب, بعدها دخلت الأم وحيته, جلس بعدها الجميع في سكون بددته منيرة بقولها:

- في جلسات كتلك تهرب الكلمات دوماً من الناس, حين تقدم لي زوجي لم يفتح الله عليه بكلمة, بعدها أغرق أذني في أحاديث لا نهاية لها.

ضحك الجميع في ارتياح لهزيمة الصمت فتابعت:

- أحمد كما تعرفون فنان كبير ورجل أشهد له بالقيمة والفضل والاستقامة, لا أزكيه ولا أمدحه بما ليس فيه, مسائل النسب أمانة, اعتدت القول وأنا بنت قبل زواجي لقريباتي ورفيقاتي"من يسألكن عني وأنتن تعرفن أن بي عيب ما فصارحوه لن أغضب".

هز الأب رأسه في استحسان:

- إنك شخصية معروفة يا سيد منيرة ذات سمعة حسنة, وكلامك له اعتباره ووزنه.

تدخلت نسرين:

-أحمد يا أبي لا ينقصه شئ من الماديات.

أكدت أمها علي كلامها,لاوكانا اتفقا علي الانضمام لجبهة أحمد, فقال الأب:

-سمعنا من الجميع و صاحب الشأن معتصم بالصمت:

تحشرج صوت أحمد من الخجل ولم يجد ما يجيب به,لم تخطر له سوي عبارة:

- صاحب الشأن يطلب يد ابنتك يا سيد عماد, فما رأيك؟

- رأيي هو اتراه ابنتي,ؤومع ذلك خذ في اعتبارك تجربتها السابقة في الزواج, لا أريد أن تصيبها الخيبة مرتين...فهل أنت واثق من شعورك تجاهها؟

- كل الثقة.

- لماذا تأخرت في الزواج حتي تلك السن المتقدمة؟ لقد تزوجت وأنا في العشرين.

- الزمن يختلف كلياً عن زمنكم ,مجريات الحياة الآن في سيرها العشوائي المجنون جعلت الشباب بين خائف من الزواج, أو غير قادر علي تحمل مسئولياته.

- ومن أي الفريقين أنت؟

- كنت خائفاً من الزواج حتي أنارت نسرين حياتي.

- طوال عمري أعطيت لابنتي حريتها الكاملة ثقة في تربيتها وأخلاقها, غير عابئ بأفكار مجتمعنا المتردية في الحضيض, حتي بعد الطلاق لم أضيق عليها في أمر اعتزمته, لكني لن أسمح أن تضار من جديد في مشاعرها...سأسأل عنك بنفسي, فهل هناك ما تريد إخباري به؟

- تقصي ما شئت فليس في سيرتي ما يشين.

خيم جو من التحدي الخفي بين الأب والعريس, مرت لحظة ثقيلة أزاحتها منيرة عن الصدور:

- بالطبع لديك الحق في ذلك, ككل أب يهمه سعادة ابنته.

مرجع اللهجة الحادة في كلام الأب قرصته المميتة في الزوج السابق, ومعاملته القاسية لابنته التي أدمت فؤاده, أومأ بتؤدة ثم التفت إليه:

- أتعلب الشطرنج؟

باغت السؤال أحمد,توقع كل الأسئلة عدا مهارته في الشطرنج:

- أحياناً.

- الشطرنج تسليتي الوحيدة اليوم بعد أن أقعدني المرض وبهت نور عيني فحرمني من متعة القراءة والاطلاع...هل تعرف رواية"لاعب الشطرنج"لستيفان زفايج, أديب نمساوي انتحر في مستهل أربعينيات القرن الماضي؟

- سمعت بها, لست متخصصاً في دراسة الأدب.

- ليس بالضروري أن تتخصص فيه لتدخل عالم القصص الإنساني الرحيب, من فاته دون كيشوت لا يعرف سجن الوهم وسخرية الحياة اللاذعة, ومن يجهل وجود الكابتن إيهاب وملاحقته للحوت العملاق موبي ديك لا يدرك معني الهوس حين يتسيد علي عقول البشر, ومن صاحب هاملت فقد عرف الدنيا والناس...إنها الرواية التي جعلتني أعشق هذه اللعبة, القصة كما أتذكر تدور حول خصمين متباينين في كل شئ الرابط الوحيد بينهما براعة فائقة في الشطرنج, أحدهما ريفي بسيط لا موهبة له في الحياة سوي إدارة مربعات الشطرنج وماعليها, حتي نجح نجاحاُ فائقاً وتحول إلي بطل وظل محتفظاً بجلافته الأولي, والثاني رجل مثقف سجن في غرفة إبان الغزو النازي لأوروبا, وتمكن من سرقة كتاب عن الشطرنج من معطف أحد المحققين كرابط من العالم الخارجي ينجيه من عذاب السجن المنفرد دون اتصال بلمحة خارج غرفته ,فتعلم منه الكتاب اللعبة وطفق يلعبها في ذهنه كالمحموم, كي يخفف آلام العزلة وقلق الانتظار لنتائج المحاكمة, بلغ تولهه لها حد إصابته بانهيار عصبي حاد, اجتمعا ذات يوم علي ظهر إحدي السفن المسافرة من نيويورك إلي بيونيس أيريس, ودار بينهما صراع لا ينسي فوق رقعة الشطرنج...من تتوقع له الفوز؟

- الرجل المثقف؟

- كاد بالفعل أن يحرز الانتصار لولا أن خصمه اللئيم عرف نقطة ضعفه, وكانت تكمن في طبيعته ورتبها قدره كالأبطال التراجيديين"أعصابه",عذبه بالانتظار حتي تلفت وكاد الانهيار العصبي الحاد يعاوده من جديد فاضطر للانسحاب نادماً علي عودته للعب الشطرنج بعد أعوام طويلة تحاشاها خوفاً من موقف مماثل, والمغزي في تلك القصة له علاقة بموضوعك في الزواج, فأنت تعاني من نفس مشكلة الأعصاب تلك بعد صدمة الحادثة, ويالخوفي أن تنتكس مرة أخري لأي سبب فيفسد كل شئ.

تابع النساء الثلاثة حديث الأب بشغف, وتساءلت منيرة:

- كيف؟

- الزواج جزء من الحياة, ويمكنكم القول أنه الجزء الأساسي منها عند الرجال, فالرجل أولي اهتماماته منذ القدم يتمثل في الحصول علي أنثي ويفوق ذلك المطلب أي مطلب آخر, من خلال تجربتي وتأملاتي لاحظت أت كل المشكلات والصراعات والاضطرابات النفسية التي يمر بها الرجل منذ أن يفتح عينيه علي الدنيا سببها المرأة, إما يسعي إليها أو يهرب منها أو يحلم بها, وتؤثر علي طريقة تفكيره وتصرفاته بدء من المشكلات الكبري في العالم إلي الخلاف علي أولوية المرور في الطريق...الشطرنج يشبه الحياة فهو فن حل المعضلات الناجمة عن الصراع بين الأبيض والأسود بين الأنا والآخر, الأنا والمجتمع, الأنا والمرأة, الأنا والعالم كله,مناورات وخطط وتكتيكات كالحياة بالضبط, لا يمكن لعبها بأعصاب مرتجفة, لقد خسر صاحبنا في الرواية رغم عبقريه الفذة أمام خصمه بليد التفكير مقارنة به, لأنه تمكن من إثارة أعصابه كي ينهار ونجح في ذلك...هل تلعب معي دوراً؟

كالمنوم من انكب أحمد علي الرقعة مشتت التركيز منفلت الأعصاب من كلام الرجل وعاودته الرعشة والاضطراب بعدما ظن أنه قضي عليهما للأبد, وفي دقائق صاح الأب:

- كش ملك.

وعلت وجهه نظرة"أرأيت إنك علي الحافة مضطرب لا يأمن لك قرار,لن تفوز وأنت علي هذه الحال التعسة."

خففت نسرين ومنيرة من الاهتياج الذي بدأ يبدو عليه, فأخذا يحكيان ويدوان حول موضوعات مختلفة, وعقل أحمد يسبح في تيار أفكاره البعيدة, وودعهم غائب الذهب كشخص أصيب بالذهان فجأة.

في النهار التالي خرج الأب في صحبة صديق له علي المعاش, ليبدأ تحقيقاته حول العريس الراغب في الاقتران, فعلاً لم يجد فيه ما يشين إلا إذا كان اعتزال صخب الحياة ودناءتها, وعدم الخوض في تفاهات القول والبعد عن أحقاد الناس وأمنياتهم بالخراب لبعضهم البعض, اعتقاداً منهم أن سقوط ودمار الآخرين يعني انتصاراً ورفعة لهم, أصبح عيباً يلام عليه صاحبه في ذلك الزمن.

رجع إلي المنزل فاستقبلته زوجته متساءلة:

- ما الأخبار يا أبا نسرين؟

- الرجل لا عيب فيه, سوي ما عاني منه من انهيار نفسي عقب الحادث.

- إذن أجعلها تبلغه بالموافقة؟

- لا تغفلي مشكلة أعصابه.

-أكدت لي نسيرين أنها شفيت, وللحق أعصابنا كلنا تالفة حتي ولو بدا عكس ذلك, يكفينا صدمة واحدة لنبدو علي حقيقتنا ثائرين مهتاجين نسعي لإطفاء غلنا بأذي بعضنا, التجارب وحدها كفيلة بكشف حقيقة كل إنسان, وليس في هذه الدنيا شخص خال من العيوب...

صمتت للحظة تحسبن في سرها, وقالت بلهجة ذات مغزي قاصدة الزوج السابق:

- علي الأقل هذا نعرف عيوبه ولا يخفيها.

أشاح الأب ببصره عنها وقال وبصره معلق برقعة الشطرنج:

-موافق

غرست تلك المقابلة في أحمد ألم جديد, فأصبح يقضي معظم وقته في الحديقة الجديدة أمام قصر عابدين, كي لا ينفرد بأحزانه, ومع أن الأم كتمت الحوار الذي دار مع زوجها عن الجميع, اتفق مع رأيها وفكر في نفسه"إذا أراد ضمان سعادة ابنته, فليصنع لها روبوت يناسب مقاييسه ويبرمجه بكل ما تهفو له نفسه, اليوم يتحقق الخيال العلمي, وتلامست الآلات مع شكل البشر وعما قريب سيتشاركون نفس المضمون, إني علي ما أنا عليه لا أنقص ولا أزيد"جاء مجلسه في هذه الساعة من النهار في الحديقة بجوار سيارات الأطفال الصغيرة التي يأجرونها ليمرحوا في الأركان, ورأي طفلة تقود سيارة زرقاء تلوح له كلما مرت به, فضحك من قلبه ولوح لها مسروراً بها,وتخيل نفسه بجوار نسرين مع طفلهما المأمول يتنزهان في الأرجاء ويدخلان السينما مستمتعين قدر الإمكان بوقتهم ,كأسرة مصرية ترجو في غد أفضل وتعيش أيامها في الرخاء والعسر, علي غير انتظار رن هاتفه فأضاء وجهها الشاشة, أخبرته لاهثة من الانفعال بموافقة أبيها علي الزواج, شعر بالهدوء يحتويه ويهدهده من قدمه إلي رأسه, صمت الميدان حوله والطفلة تدور وتلوح له بسعادة, قام وقبل يدها الصغير, ثم عاد لمنزله يستكمل الرتوش الأخيرة للوحة, ظهر في الصورة عاقد الذراعين في حزم, ولو تكلمت يديه الثابتتين وهو يلونهما لقالتا"الكون يدور وكل شئ يدور معه, فلا مفر من وجود نقطة ارتكاز ثابتة كي لا يقع كل شئ في الفوضي والاضطراب, لو لم نجد ذلك الشئ علينا خلقه".

استعدت منيرة لترتيبات الخطوبة, طلب منها أن يحتفلا في جاليري السلام بجوار الأوبرا, إنه يريد نفس المجموعة التي وجدت في عيد ميلادها, ليحتفلوا كلهم بحياة جديدة...عالم جديد,في ليلة الخميس الأخير من ديسمبر أضاءت جاليري السلام أنواراً أكثر من المعتاد,ا لبلد كلها أنوارها مشعشعة, احتفالاً بالكريسماس وتحية للعام الجديد, لعله يجئ خالياً من الأمراض والحروب والمجاعات ليزيل الرعب والذعر من أرواح البشر الذين يخشون أن يقوموا في الصباح ليجدوا الأرض أصبحت خراباُ من فرط التهديدات بالدمار من كل جانب, في تلك الليلة اختار أحمد ونسرين اقامة حفل خطوبتهما.

البساطة سمة الجمال, وهكذا رسمت منيرة الليلة, رصت علي المائدة قطع الجاتوه والمياه الغازية, وكالعادة هي في المنتصف تحدب علي الجميع, وتبحث عمن لم يأخذ نصيبه من الحلوي, تساعدها راما الوجه الجديد في المجموعة, أحدث من وجد في منيرة الدعم والحنان, سرعان ماتقربت من منيرة وجعلتها معاونتها في مبادراتها الثقافية, طغت الهمهمات والأحاديث علي صوت عازف العود يدندن لحن"لسه فاكر", لم يمنعه ذلك من الاستمرار حتي وقفت أمامه راما تمد يدها بقطعة جاتوه:

-أنت لم تأخذ نصيبك من الحلوي, أتحب الشيكولاتة أم الكريمة؟

فقال ملحناً كلامه علي نفس رتم الأغنية:

- أني أحب الشيكولاتة, لكن كل ما سيأتي منك سأحبه.

وارتجا ضاحكين وبدآ يتهامسان...

ارتدت نسرين فستاناً أسود يتماشي مع خصلات شعرها الناعم, جاعلاً بياض بشرتها أشد وضوحاً, وجلس الأب والأم في الركن يرجوان لها في قلبيهما حظاً أسعد,و لم تخل نظرات الأب من رسائل خفية يبثها له طوال الوقت, في خضم الحفل والكل مشغول بأمر ما, أمسك أحمد يد خطيبته بهدوء وأشار علي شفتيها بالصمت, وانسل إلي الشرفة فلفحتهما برودة الهواء, نظر أحمد للتناقض بين الشارع المكتظ بالسيارات المتسابقة والبشر الغفير الخارج للاحتفال بالعام الجديد يتحدون الصقيع القارص, وبدت له قباعات سانتا كلوز تحتل الرؤوس و تضئ نجومها الحمراء,وبين السكون الجامد المخيف علي صفحة السماء, حيث أشعة القمر تتسلل بين الغيوم الداكنة, بلون فضي رائع يبث جواً من السحر, لمس خديها بأصابعه فمالت كي تحتضنها برأسها:

- إنك حولت مسار حياتي في أشد أوقاتها صعوبة, لقد ظنتت أن الوقت غير مناسب لأي شئ, لا للعمل ولا للحب, حتي وجدت صورتك تهزني من أعماقي, وحين عرفتك أصبحت أشباح الماضي هباء, ودعت الذكريات وانشغلت بالمستقبل, إن الواحد منا يستغرق في ماضيه إذا انعدم الأمل في المستقبل, ينقض الأمس علي اليوم فيهدمه ويبرز أنيابه السامة للغد فيأتي الغد ثقيلاً يخشي من شرور الماضي, أما إذا استنار المستقبل فالماضي يتواري في زمنه ليفسح الطريق الملكي لمرور الغد.

- وأنا المثل تماماً,تجربتي المريرة في الزواج أصابتني بكراهية للرجال,لكن في وجودك انتثر الجدار الذي كان يحجب عني نور الحياة والأمل إلي شظايا.

ضحكت بدلال:

- وكل ذلك علي شرف لوحة بيضاء.

أجاب وهو يدق الأرض بقدميه مرحاً:

- إنها اللوحة التي رسمتنا نحن قبل أن نرسمها هي!

توالت زخات المطر في الانهمار فمدا أيديهما للخارج يحسان بتدفق حبات الماء علي جلدها, وبيبتسمان لأمل يداعب باطن كلاً منها,انتبها علي صوت دقات الزجاج, فرأيا منيرة تشير لهما بالدخول وقاية من البرودة والمطر,فدخلا متشابكي الأيدي يشقان طريقهما وسط المدعوين.

في اليوم التالي ازدهرت الأرض بغذاء الشمس لها من حليبها الدافئ, غسل مطر الليلة السابقة الشجر والطرقات, فاكتسيت الدنيا بثوب جديد طاهر غسل عنها أدران عام كامل لم يعرف العالم فيه جديد ,ماحدث يحدث منذ آلاف السنين بصور مختلفة, يغالب الخير الشر فيثار غبار مؤذ يعمي الجميع, ويعيشون أيامهم تتناوشهم لمسة حانية أو قرصة سامة, تحدوهم رغبة في التغيير لا تجد لها متنفساً علي أرض الواقع, خرج أحمد في يده اللوحة مغلفة بإحكام وانطلق ناحية بيت نسيرين, فتح له الأب الباب وذهل لوجوده أمامه في هذه الساعة وقال متعجباً:

- استيقظت مبكراً بعد سهرة الأمس.

- لم أنم من الأساس.

هز الأب كتفيه:

-تفضل.

أفسح له كرسيه فدخل وأغلق الباب خلفه, ولما استقر في الصالون, فتح الغلاف وأخرج اللوحة بحرص, فلمع أطارها الذهبي الفخم:

- هذه نتيجة علاقتي بنسرين, أو ثمرة للقنديل الذي طرد العتمة من أيامي, تلك العتمة التي كادت تقضي علي وتخمد أنفاسي.

نظر له الأب في صمت بارد فلم يهتز:

- أهم لوحاتي, ليست لأنها الأعظم أو الأفضل,رإنما لكونها شاركتني فيها, كان من الممكن أن تظل صفحة بيضاء فارغة لا قيمة لها, كروحي قبل لقياها, لولا هاتين اليدين اللتين بثت فيهما ابنتك الحياة من جديد وأشعلت في عروقي التمسك بالحياة والعمل, وأذابت وقر أذني فسمعت الآمال تنادي والأحلام تناجي, وانتشلت قلبي من أعماق الضياع لينبض من جديد بالحب والسعادة, إني أهديها إليك كي تضعها نصب عينيك علي الدوام وتطمئن علي ابنتك معي, إني بدونها كلوحة بيضاء فارغة لا وجود لي, ولا يمكن لإنسان عرف طعم الألوان والحركة والمعاني الحلوة أن يحرم نفسه منها ويعود للفراغ.

انشرح صدر الأب وأشار لمسمار معلق نحو الحائط:

- البيت بيتك ولوحتك في الحفظ والصون.

علقها أحمد وعاد لجوار الأب, ومضت وهلة يتأملان اللوحة, وأخيراً سمع عماد نبرة أبوية تقول:

- هل نلعب دور شطرنج آخر أم نتناول طعام الإفطار أولاً؟

أجاب وبصره مايزال معلقاً باللوحة:

- كما تحب أنت.

في الداخل وقفت نسرين علي أطراف أصابعها مستندة بظهرها إلي الحائط, بهيئة حالمة وأشعة الشمس تضفي عليها لمعة ذهبية براقة تتبادل النظرات مع صورتها الجديدة بيدي أحمد.