الخميس، 27 فبراير 2025

المنفلوطي... الرجل والأثر

 

 

المنفلوطي... الرجل والأثر

 

في عام ١٨٧٦استقبلت بلدة منفلوط الشهيرة بزراعة الرمان،الواقعة علي الشاطئ الغربي لنهر النيل بمحافظة أسيوط،ابنها الأشهر الذي سيرتبط اسمه بها مصطفي لطفي المنفلوطي،وسيقام له عند مدخلها تمثالاً يقف ليذكر الداخل والخارج أنه هنا ولد وعاش صاحب النظرات والعبرات،فخر بلدته وناسه،عائلته تنتسب للسبط الحسين بن علي بن أبي طالب حفيد رسول الله،ويبدو أن الأصل رسم مستقبل العائلة فعمل أكثر أفرادها كنقباء للأشراف وقضاة شرعيين،والده محمد لطفي قاضي منفلوط الشرعي،أما والدته اسمها هانم حسين تركية من أسرة الجوربجي،طلقها أبوه وتزوجت من رجل آخر.

كعادة أهل مصر في تلك الفترة دخل الصبي مصطفي الكتاب،ليبدأ منه أولي خطوات حياته العلمية،وتخرج منه حافظاً لكتاب الله الكريم،ثم التحق بعد ذلك بالأزهر الشريف ومكث فيه عشر سنوات،ولم يقف اهتمامه العلمي علي مايتلقاه من دروس في الأزهر،بل كان شغفه بالمطالعة والقراءة أوسع من المناهج وأقوال المشايخ،وهناك تتلمذ علي يد الشيخ محمد عبده منذ عام ١٨٩٥وأصبح من المقربين له،لم يستكمل المنفلوطي دراسته الأزهرية ولم يحصل علي شهادة العالمية،بخلاف استاذه الذي تحدي جمود الدراسة الأزهرية ليحصل علي شهادته،بينما المنفلوطي انغمس في القراءة الحرة في التراث العربي القديم والترجمات من الأدب العالمي  والاطلاع علي الكتابات الصادرة من أدباء الشام في المجهر،والتي مثلت روحاً جديدة علي الأدب العربي.

اتسم المنفلوطي بحساسية شديدة لكل موقف يمر به،أو صفحة من كتاب يقرؤه،ورغم تدفق قلمه السيال،لم يكن طلقاً في الكلام،لسانه ثقيل في الحروف حين يتحدث،كأن الطبيعة سلبت من لسانه البيان وأودعته في سن قلمه،وبفعل الموجات المتحررة القادمة من الغرب وتأثره بالثقافة الأوروبية،علم بناته في المدارس الأجنبية،وفي سنواته الأخيرة حاول إتقان الفرنسية فلم يتمكن من ذلك،ورفض أن يستبدل زيه العربي بالزي الإفرنجي،وإن كان تعلق بالملابس الداخلية الأوروبية.

عام ١٨٩٧تعرض للمحاكمة بسبب قصيدة هجا فيها الخديوي عباس حلمي لدي عودته من تركيا،نشرها في مجلة الصاعقة ثارت لها غضبة القصر الحاكم،واتهمه بالعيب في الذات الملكية،وكاد يتعرض لخطر السجن،لولا توسط أصدقاؤه وعلي رأسهم محمد عبده،يقول في مقدمتها:

قدوم ولكن لا أقول سعيد     وملك وإن طال المدي سيبيد

رحلت ووجه الناس بالبشر باسم     وعدت وحزن في القلوب شديد

حين توفي الإمام محمد عبده١٩٠٥عاد لبلدته يكسوه الحزن،ويفضي بمكنون قلبه علي صفحات الجرائد، كجريدة الصاعقة والمؤيد،ومن الثانية سينطلق المنفلوطي بالنظرات والعبرات،ليكون أشهر كاتب مقال في زمنه،مما يؤهله ليعينه سعد زغلول وهو وزير للمعارف ١٩٠٩ في وظيفة المحرر العربي للوزارة،ويظل يرعاه حتي وفاته ١٩٢٤بسبب تسمم الدم"البولينا"،ودفن وشيع يوم ١٢يوليو دون أن يشعر به أحد إلا قلة كانت حوله،بعدما شغل أذهان المتعلمين والعامة بكلماته وكتاباته،لأن ذلك اليوم كانت مصر كلها في شغل عنه،بعد محاولة الاعتداء علي سعد زغلول في محطة القاهرة،فأصيب برصاصة في ذراعه الأيمن،وأخري أعلي الثدي الأيمن،حين كان في طريقه ليهنئ الملك فؤاد بقدوم عيد الأضحي،فهاجت البلاد كلها خوفاً علي زعيمها الذي أشعل ثورتها الكبري قبل خمس سنوات،وفي خضم ذلك ذلك الاضطراب العاصف فاضت روح مصطفي لطفي المنفلوطي في عيد الأضحي،متألماً من المرض كما عاش يتألم لأوجاع وأحزان نفسه،ويتوجع لمصائب الناس من حوله يلقي عليهم نظراته ويسكب لأجلهم عبراته،وكما عاش متأوهاً مع أبطال قصصه ورواياته،مات وهو يصيح بلهجة الصعيد"آه... آه... يابوي!".

ونعاه أمير الشعراء أحمد شوقي،منوهاً بيوم وفاته الذي صادف الحدث الجلل،فصرف عنه الأنظار وهو يلفظ آخر أنفاسه ويواري التراب،وقد عاش في بؤرة الاهتمام،ومحطاً لأنظار كل ناطقي العربية:

اخترت يوم الهول يوم وداع    ونعاك في عصف الرياح الناعي

هتف النعاة ضحي فأوصد دونهم     جرح الرئيس منافذ الأسماع

من مات في فزع القيامة لم يجد     قدماً تشيع أو حفاوة ساع

لا يمكن لكاتب أو فنان أن يبزغ من فراغ،أو يظهر من تربة فارغة،بل لابد من عملية تجهيز طويلة وتدريب ذهني حقيقي،تتألف فيها القراءات والتجارب حتي تضع البذرة الأولي التي ستثمر في أوانها حدائق فكرية وقصور فنية بهيجة يترنم بخلودها الزمن،والمنفلوطي كاتب تراثي من الطراز الأول،تشرب التراث العربي شعره ونثره،وهضمه وصاغ من ذلك تياراً تجديداً رومانتيكياً في الأدب،فما فعله أستاذه محمد عبده من تجديد للفكر الديني،كرره المنفلوطي في عالم الأدب،وكيف للمنفلوطي أن يخفق في التجديد كمعلمه وقد قيل أنه كان يلازمه ملازمة الولد للأب،فتحرر من"قيود التمثل والاحتذاء"علي حد قوله في مقدمة الجزء الأول من كتاب النظرات حيث جمع بين دفتيه مقالاته في المؤيد،ولم يكن ذلك يجدي شيئاً لولا أن المنفلوطي صاحب نفس فنية حساسة وعقل واع ومدرك يحسن التدبر والتفكير،تشبع الرجل من أدب الجاحظ وابن العميد وابن المقفع وابن عبد ربه والأصفهاني والجرجاني،ودواوين المتنبي والبحتري وأبي تمام والمعري،وتنسم ريح عصره بكتابات جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة،فكتب بالعربية أعمالاً مزج فيها اللغة العربية الصرفة بديعة النغم والمعني بالروح الأوروبية،كما قام بتعريب نماذج من الأدب الفرنسي بصورة بليغة محملة بالمشاعر والأفكار أكسبتها شهرة ضخمة ربما فاقت شهرتها في بلاد السين نفسها.

انتهج المنفلوطي في أعماله المنهج الرومانسي وقد جاءت راياته تخفق من أوروبا في القرن التاسع عشر،بعد زوال سلطان العقل وانطلاق الوجدان والقلب،وهو ما عبر عنه الشاعر ألفريد دي موسيه"أول مسألة هي ألا تلقي بالاً إلي العقل... بل اقرع باب القلب ففيه وحده العبقرية وفيه الرحمة والعذاب والحب". يعتبر جان جاك روسو هو الرومانسي النموذجي الأول الذي شق طريقاً للرومانسية،وقد عرفت مدام دي ستال الرومانسية في فجر مولدها بكونها تعني"الحس المرهف،الحزن المبهم،التطلع إلي الله وحب الطبيعة"-إنه أدب المنفلوطي دون زيادة-من أبرز روادها فيكتور هوجو الذي سيطر علي أدب القرن التاسع عشر حتي سماه بعض النقاد"عصر فيكتور هوجو". وكما نري في تلك الإشارة السريعة أن المذهب الرومانسي نبع من الأراضي الفرنسية لذلك يقال"الرومانسية هي الثورة الفرنسية ممثلة في الأدب".لاءمت تلك المدرسة وجدان المنفلوطي،وأظن أنه همس لنفسه في ليلة هادئة بكلمات فيكتور هوجو في ديوان التأملات وهو يستدعي شجونه التي لامست وجدان الجميع وتولهوا بها كأنها مرآة لوجدانهم هم"عندما أكلمك عن نفسي فإنما أكلمك عن نفسك،آه كم أنت مجنون لو ظننت إنني لست أنت". لقد مهد التراث العربي كما عايشه المنفلوطي لدخوله باب المدرسة الرومانسية واعتماده رسولاً لها بين أهل عصره الذين عشقوا كتاباته من أصغر القراء شأناً حتي قمم الأدب المصري كنجيب محفوظ ويحيي حقي،تلك المدرسة التي تعني بالقلب والقلب وحده،وتدور أعمالها في جو من المشاعر والأحاسيس،في مدتئم القلوب وشوارع الخطرات الشاعرية،فعاش يبكي للمنكوبين البائسين،ويرقق القلوب علي الضعفاء العاجزين،وعن منهجه الأدبي يقول"ولقد قرأت ماشئت من منثور العرب ومنظومها،قراءة المتثبت المستبصر،فرأيت أن الأحاديث ثلاثة:حديث اللسان،وحديث العقل وحديث القلب"،ويؤكد أنه لم يحفل سوي بحديث القلب أي إنه رومانسي بالسليقة و إن لم تكن الكلمة طرقت سمعه بعد،نبت في تربة عربية مترعة بالرومانسية يفوح من بلاغتها رائحة القلوب،فقرر استكمال مسيرة أجداده ويؤسس للرومانسية مدرستها في الأدب العربي المعاصر،وأن يكون هو ناظرها الأول وأن يعرف في مقالاته التي كان يتخاطفها القراء المحبون له،وبعضهم يحفظها عن ظهر قلب من فرط هيامه بها،فيثني علي كتاب بلاغة الغرب لكامل حجاج اذي جمع فيه مختارات من الأدب الأوروبي،ويترجم قصيدة الدعاء لفيكتور هوجو مبدع رواية البؤساء درس الإنسانية الخالد،ويخط رسالة لتولستوي الذي هجر أملاكه الشاسعة ومات في محطة قطار بعدما حاول منح ثروته للفلاحين الروس الفقراء،وينعي فولتير المدافع عن الحرية وكرامة الإنسان،ويحلل معني البلاغة متخذاً خطبة أنطونيو بعد مقتل القيصر مثالاً لذلك كما وردت في مسرحية يوليوس قيصر لشكسبير.

بمزيج من الترجمة والتأليف يكتب قصص العبرات التراجيدية،كإرهاص لما سيترجم بعد ذلك من روايات بدأ في تعريبها ١٩١٧بعمله الأشهر ماجدولين لألفونس كار،وقد عربها عن ترجمة صديق له يدعي محمد كاما فؤاد،كعادة المنفلوطي في إعادة صياغة الأعمال الأصلية عن طريق شخص آخر يعرف الفرنسية،فيضيف ويحذف حسب هواه ويعيد ترتيب الأحداث كما يراها هو لما كما دونت ويستفيض في الدروس والمواعظ... وبعد أن يتساءل الناقد عبد الفتاح كيليطو في كتاب"لن تتكلم لغتي"سؤالاً استنكارياً"من هو القارئ العربي الذي لم يتأثر في فترة من حياته بالمنفلوطي،ولم يفتتن بأدبه،ولم يذرف الدموع الغزيرة عند قراءته؟"يلاحظ أن المنفلوطي تشبع بالمؤلفين الفرنسيين الذين ترجم لهم،لدرجة أنهم صاروا جزء من كيانه وروحه لدرجة عدم كتابة اسمائهم علي أغلفة الروايات،فتحت عباءته الأزهرية اللباس الداخلي الأوروبي الذي زلع به،فالمنفلوطي بداخل أعماقه روح أوروبية سترها بالملابس الأزهرية،كما ستر أسماء المؤلفين تحت اسمه العربي الفصيح.

يتذكر الناقد عباس حضر في إحدي مقالاته جزء من حالة الهيام بالمنفلوطي،انهمكت في قراءة المنفلوطي بكل مشاعري وفتنت بعباراته وجمله الموسيقية،حتي إنني كنت أكتب ما يطربني منها في مذكرة جيب أضعها في جيبي كأنها محفظة نقود أنفق منها"لقد أثر المنفلوطي بكتاباته المقالية في النظرات والقصصية في العبرات والأعمال المعربة بروحه ووجدانه الشخصي،في رواد أدبنا الحديث الذين نفتخر بمنجزهم في معترك الحياة الأدبية،نجيب محفوظ أول محطاته الحقيقية بدنيا الأدب في صباه كانت بين يدي المنفلوطي"بدأت أقرأ المنفلوطي حتي تشبعت منه تماماً،وعندما فرغت وبدأت اسأل عنه وجدته قد مات منذ ٢٧عاماً فبدأت أبكيه"ماجدولين هو الكتاب الوحيد الذي أعاد قراءته لأكثر من عشرين مرة!... في ماجدولين شحنة عاطفية لا تفني،مصدرها حرارة عواطف المنفلوطي نفسه وشاعرية بطلها استيفن وروحه العامرة بالحب ومالاقاه من خطوب وتضحيات جسيمة في سبيل حبيبته،ورقة وجمال ماجدولين ومأساتها التي أدت لانتحارها بعد الزواج من ادوار صديق استيفن الثري،مع الجو الأوروبي الذي يغلف صفحاتها،والعبارات النثرية الممتعة،وظل محفوظ يذكر المنفلوطي في أعماله،في رواية بداية ونهاية نسمع حسن يقول لخطيبته"من يقول أن القبلة استهتار؟ألم تقرأي ما قاله المنفلوطي في القبلة وهو الشيخ المعمم؟"أما كمال عبد الجواد المعادل الروائي لشخصية محفوظ فيناجي نفسه في الثلاثية"موت المنفلوطي وضياع السودان ووفاة سيد درويش أحداث كللت زمننا بالسواد"،العميد طه حسين كان من المتولهين بالمنفلوطي قبل محفوظ بزمن،يلتهم مقالاته بأذنه،وتأثر بها من حيث إيقاع النثر وسبك المعاني،ويتجلي ذلك في مقالاته القصصية مثل جنة الشوك والمعذبون في الأرض،وكذلك إبراهيم المازني في صندوق الدنيا وقبض الريح،ولم يفلت من تأثيره كتاب الرومانسية كمحمد عبد الحليم عبد الله ويوسف السباعي،بل ورواد الاتجاه الواقعي كعبد الرحمن الشرقاوي،ويعبر يحيي حقي بكلماته التي تعرف علي الدوام هدفها،بتشكيل فكرة كاملة واضحة بعبارات رشيقة في ذهن القارئ في كتاب"خليها علي الله"عن مكانة المنفلوطي بين أبناء جيله وينسحب ذلك علي الأجيال التالية له"كان المنفلوطي أعز الناس لدي الجيل الذي أنا منه،مصطفي لطفي المنفلوطي.أسال من صخرة الفصحي عيناً سلسبيلاً كم نهلنا منها وارتوينا،إن سحره لا يقاوم وفضله علينا عظيم،ولو أنه رحمه الله أكبر مسئول عن دموع مآقينا وزفرات صدورنا،وخفقات قلوبنا ونحن نقرأ له" العبرات"و"ماجدولين-أو تحت ظلال الزيزفون"".

لقد شق المنفلوطي بقلمه مجري جديداً للأدب العربي المعاصر،وحرك المشاعر فظهر من يكتبون بعد أن أحسوا بلذة الأدب تأثراً به.... وما يزال تأثيره مستمراً حتي اليوم رغم ما يتعرض له علي الدوام من نقد أو بالأحري"نقض"وتجريح،منذ هجوم المازني عليه في العاصفة التي أقامها مع العقاد في كتاب الديوان،ليشتهرا علي حساب كبار من حملوا القلم مع بداية النهضة المصرية،حتي زمن الإنترنت والكلام حق فيه لمن يعلم ومن لايعلم،من يقرأ بتمحيص ومن سمع ويردد دون فهم،يكفي أن كل من يدرك قيمة المنفلوطي ويحمل روحاً شاعرية مهمومة بآلام البشر وأوجاعهم،سيظل يأتنس في لياليه مع النظرات والعبرات،يري كيف تلضم كل عبارة رهيفة حساسة مع أختها لتنتج صفحات تقرأ بالقلب قبل العين والعقل،ويحيا ساعات غير محسوبة من العمر،يعيش فيها مع ماجدولين واستيفن وقد سمت مشاعره،وتعلم أن يفتح قلبه للحب تاركاً الحقد وسخائمه كي لا يتلطخ بالوحل،معرضاً عن الصغائر متعالياً عن الغريزة في سبيل الروح،ويتحمس للوطن هاتفاُ لحياته من أعماقه مع رواية في سبيل التاج،المهداة منه لزعيم الأمة سعد زغلول،ويشهد فيها كيف تغلبت عاطفة الوطنية قسطنطين ابن القائد برانكومير علي كل عاطفة أخري حتي حبه لأبيه الذي يكتشف خيانته لبلاد البلقان،فيفضل حرية شعبه واستقرار بلده علي حياته وحياة أبيه مضحياً في سبيل الوطن بكل ما يملك دون تردد أو ندم...أثر أعمال المنفلوطي في الزمن الحالي ليست في الأسلوب والألفاظ،التي طرب لها أجدادنا في عصره وحفظوها إعجاباً بمقدرته اللغوية التي بجلوها فيه،بل في الروح العذبة والصدق الذي يكسو كلماته،ولأنها خرجت من القلب فتسري للقلب،سواء كان ينتظرها تصدر في جريدة تأتي من مكان بعيد،أو يقرأها علي شاشة هاتف أو كمبيوتر بين أصابعه يفتحها في أي وقت كحالنا اليوم... إنها مؤثرة حقاً لا أحد ينكر وحتي أكثر كارهيها،لا يعترض علي كونها تلامس الروح الساذجة الطيبة الكامنة داخل كل فرد فينا،وتتواري مع كل تجربة مريرة حتي تكاد تتلاشي من الكمد والضربات القاسية!وبمثل تلك الأعمال يمكننا الحفاظ علي جانبنا الخير،في زحام ملابسات حياتية وتعقيدات اجتماعية تهدد باغتياله في كل ساعة،مع المنفلوطي نحتال لأخذ هدنة من ضجيج الترندات والكلام الفارغ والأحداث المخزية،والكتب الرديئة وأدعياء الكتابة والثقافة،ونخلو نتصفح خطرات قلب ذاك الرجل البليغ ومعانيه الحلوة،وننطلق مع شخصياته ذوات المبادئ الثابتة كي لا تذبل فينا الفضائل.

ومع كل معركة أدبية تافهة،أو ضجة من شبه أديب أو مدع ثقافة متضخم الذات،أتذكر ابن منفلوط الذي ترك أثره ورحل،والرجال الحقيقيون هم من تتكلم عنهم أعمالهم لا ثرثراتهم،أتذكره وابتسم قائلاً"سلام عليك يا منفلوطي،يا من جعلت من الأدب ملجأ أهرع إليه في وحدتي فأشارك بوجداني شقاء إخوتي في البشرية،فيرق قلبي ويهتف بحب الإنسانية".


 

 

الجمعة، 31 يناير 2025

الخطط 36

 


اشتهرت الصين بالحكمة التي غطت كل جوانب معيشتها، فكما نتعلم فن الحياة من لاوتزو وفن السياسة والمعاملات من كونفوشيوس، من كتاب الخطط الست والثلاثين نستقي فن إدارة المعارك، ليست الحربية فحسب بل المعارك الاقتصادية والسياسية والإعلامية، لأن ذلك الكتاب كاشف للطبيعة البشرية، ونوازع وأهواء النفس الإنسانية رغم صفحاته المحدودة، ويعرض بالتلميح والإشارة لمواطن ضعفها وكيفية استغلالها لاقتحام أسوار الأعداء مهما تسلحت بالدفاعات لكتابة النصر النهائي أو الانسحاب دون خسائر، لقد ظهرت تلك الخطط خلال عصر الممالك المتحاربة، قبل ظهور قادة روما العسكريين، لتلخص خبرات طويلة في الصراعات بين جيش وجيش وعقل وعقل، إنها الخطط التي طبقها أفذاذ الحياة العسكرية كالإسكندر ونابليون، فلم تكن حروبهم مقتصرة علي السيف فقط، بل جاء السيف في مرحلة متأخرة بعد استخدام الحيل والمهارات والتكتيكات الحربية للتغلب علي الخصم وكشف معسكره وطريقة تفكير قواده... إنك بين صفحات هذا الكتاب ستتغلغل في رقعة شطرنج كبري، وتكتشف مفاتيح الفوز في معارك كثيرة إذا استوعبت كيف تلعب دورك جيداً، وماذا تحرك من قطعك وكيف تتفادي أفخاخ خصمك للإيقاع بك. 


ديوان المتنبي

 


صدق ابن الرشيق القيرواني عندما قال"ثم جاء المتنبي فملأ الدنيا وشغل الناس" وديوانه الذي حققه عبد الوهاب عزام-الذي قضي شطراً كبيراً من عمره في صحبة المتنبي- بتدقيق شديد مع الإشارة لما نسب للمتنبي أو ما غيره الشاعر نفسه فيما بعد، واختلاف نسخ المخطوطات فيما بينها، يملأ وجدان القارئ حتي اليوم وسيظل قابعاً في الثقافة العربية مادامت قائمة ثروة للاقتباس والقياس والعظة، نري فيه تطور الشاعر منذ صباه لأنه قد رتب القصائد تاريخياً من أول بيت قاله حتي ختام آخر قصيدة له، نسير مع قصائده لنهاية حياته، ويالها من حياة فريدة وشخصية نادرة، اصطدمت بالدنيا والناس ومع كل ارتطام نسمع دويه شعراً يتفجر من قريحته الملهمة من موهبة سماوية، ستقرأ هنا أحد روائع وآيات الأدب العربي القديم، تتعلم اللغة والحكمة وفن البياز ويدق قلبك في مواطن كثيرة وستتأمل وتفكر في الدنيا والناس في مواطن أكثر، فمن بين أبيات المديح والرثاء والهجاء والغزل، يعصر المتنبي من حشاشة نفسه ويصفي قطرات من روحه مثقلة بالحكم مواعظ التجارب مع الناس ودنياهم، ولا تندهش لو وجدت نفسك وعواطفك تتجلي في مرآة قصائده، فقد صدق أيضاً القاضي الفاضل أيضاً حين قال"إن أبا الطيب ينطق عن خواطر الناس". 


التعريف بشكسبير

 


حينما يكتب العقاد في السير والتراجم، تفيض الأفكار والمعلومات من قلمه السيال، جامعاً كل الخيوط الذاتية والموضوعية لرسم صورة صادقة عن المترجم له، وهكذا فعل وهو يعرف بشكسبير فيدون للقارئ بطاقة شخصية مطولة عنه، يسطر فيها روح عصر شكسبير وخصوصية انجلترا في ذلك الوقت لعزلتها بين أمواج البحر، ويبين دور الأسرة والفارق بين تطلعاتها المحدودة وطموح أعظم شخص ولد فيها، بل أحد أعظم الأسماء في التاريخ، ويبرئه من تهمة الانتحال التي اتهم بها زوراً أو جهلاً، ويصور طبيعة شكسبير الكاتب المسرحي وشكسبير الشاعر، مسجلاً آراء الأدباء فيه كفولتير وتولستوي،وكيف يتم تطبيق النظريات النفسية الحديثة علي أبطاله، ولماذا تحول لأيقونة عالمية في مختلف الدول، حتي ولو كانت تعادي إنجلترا إلا أن أعمال شكسبير برونقها اللامع طغت علي أي خلاف سياسي أو عسكري، وكيف تلقفته الثقافة الشرقية، الكتاب يجيب علي العديد من الأسئلة حول واحد من أعظم أدباء بني البشر، الرجل الذي أدخل في اللغة الإنجليزية كلمات صكها وختم عليها لم تكن تعرفها من قبل، والعبقري الذي صور شخصيات حية أكثر من الأحياء أنفسهم كهاملت وعطيل والملك لير... إنه خير استفتاح لمن يقبل علي خشبة المسرح الشكسبيري لأول مرة ولا غني عنه للمهتمين بأعمال شكسبير وحياته، لأنه يلقي الضوء علي الكثير من الألغاز والمشكلات التي أحاطت بشخصيته، فلا تضيع الوقت واجلس مع العقاد ليقدم لك شكسبير الرجل والفنان. 


كتاب أبو نواس قصة حياته

 


رحلة في الزمان والمكان يصطحبنا فيها عبد الرحمن صدقي باقتدار، لنشاهد حياة أبو نواس، وترحاله من البصرة إلي الكوفة ثم لبغداد ومصر، ونري أثر من حوله فيه بدء من أمه التي تزوجت بعد أبيه وساءت سيرتها فقطع علاقته بها حتي مات، ووالبة بن الحباب الخليع أستاذه في التهتك والمجون، والبوابة التي دخل منها أبو نواس إلي عالم الشهوات بلا حد ثم حبيبته جنان وأثر فراقها عليه، واتصاله بهارون الرشيد وحبسه له ثم منادمة ابنه الأمين ثم وفاته في زمن مضطرب لم ينشغل بشئ فيه عن ملذاته وكأسه، حياة كاملة يصفها لنا المؤلف فيها المضحك وفيها المبكي، نستشف من سيرته صورة للحياة العربية الإسلامية في ختام العصر الأموي وبداية العصر العباسي، نمشي في ركاب أيامه ونسمع خطرات روح تمرغت في المجون والفسق ثم اعتصمت بالتقوي والزهد، ونتساءل ونحن نقرأ سيرة أبي نواس عن لغز النفس الإنسانية وما تحويه من عقد وخفايا لا يعلمها إلا خالقها... في ذلك الكتاب تاريخ وشعر ودراسة نفسية لشاعر بليغ قضي حياته بين الكأس والنغم وقضي نحبه طامعاً في عفو الكريم ورحمة خالقه رغم كل شئ. 


بيت بجوار المقابر

 بيت بجوار المقابر



سكن زحام النهار في رأسه ولم يعد هناك سوي صدي يدوي مثل دق ناقوس بعيد، يردد "علي أن أجده"... لم يمر من هذا المزلقان منذ فترة، لقد اعتاد في الآونة الأخيرة صعود الكوبري والتفرج علي شرفات المنازل الموازية له والمارة في الأسفل، وربما التقي بالقطار وهو يمر تحته كوحش حديدي يجري مصدراً أصواتاً محذرة وكأنه يقول"من يقف في طريقي فسآكله"، فيبتعد الجميع عنه في وجل وتقبض الأمهات بقوة علي أيدي صغارهن، وما أكثر تعساء الحظ الذين أكلهم الوحش في ذلك المكان.

مضي عامر يسير حتي اقترب من المزلقان، وحين لاحت منه التفاتة جانبية لمكان الكشك، توقف بغتة، إذ لم يره! لم يعد موجوداً اقتلع من الأرض وبقي مكانه خالياً، تجمد الزمن للحظات ورجع به عشر سنوات، حين كان شابا" في مقتبل الحياة يري الدنيا صغيرة في عينيه، وسهلة في وجدانه لا تقتات روحه علي شئ إلا الأمل، يتشرب الأدب والفن من كل مصدر يجده، ويردد لأصدقائه-حين كان يمتلك أصدقاء- غير عابئ بسخريتهم وضحكاتهم المستهزئة" أنا إسفنجة أتشرب كل الأشياء وأخلقها من جديد بصورة فنية"، وبقي ذلك الكشك تحت الكوبري من المصادر الأساسية للمعرفة، من خلاله كون قسماً كبيراً من مكتبته واشتري العديد من الصحف والمجلات، قبل أن يتوقف تماماً عن التعامل معه منذ مايقرب من خمس سنوات، حين فرمه وحش آخر اسمه واقع الحياة وتشظت روحه تحت شفرات متطلبات الدنيا، فتخلي عن أحلامه الأدبية وأهمل القراءة وتوقف عن الكتابة، وبدت أمانيه القديمة وإيمانه بها نكتة تثير الضحك حتي البكاء، في العشر سنوات انقلب فيهم العالم كله رأساً علي عقب، وهو أيضاً تبدل تماماً، كغدير ماء امتلأ يوماً بماء المطر، ولمعت علي صفحته أشعة الشمس الذهبية في منظر يبهج القلوب، ثم أصابه الجفاف فأصبح خراباً ومصب للقاذورات ومأوي ترتع فيه الحشرات والزواحف، وحده الكشك ظل قائماً كذكري تؤنسه، وتؤكد له أنه عاش تلك الحياة حقاً ولم تكن وهماً ولا خيالاً، صحيح أنه يتقادم ويتآكل حتي أغلق تماماً قبل عامين إلا أنه ظل موجوداً علامة علي سنوات خصبة ممتلئة بالأمل والطهارة، في زمن لم يعرف فيه كمائن الحياة الغادرة، أو يتعثر في الاحقاد والصراعات فتدمي عينيه من أشواكها ويفقد البوصلة وتتوه منه الطمأنينة.

صمم علي إيجاد عم كريم صاحب الكشك فتوجه للمقهي المجاور المزدحم بالجالسين، وسأل الصبي الذي هرول أمامه مسرعاً وهو يسخن حجر الشيشة لأحد الزبائن، وسأله علي أمل أن يكون الرجل مايزال علي قيد الحياة:

-إلي أين ذهب عم كريم؟

بدون أن ينظر له أجابه:

-عم كريم صاحب كشك الكتب والجرائد المقتلع من مكانه.

ألقي عليه الصبي نظرة سريعة:

-ما أعرفه عنه أنه لم يعد يغادر منزله.

-وأين يسكن؟

اتجه عامر إلي العنوان كما وصفه له صبي المقهي، فشاهد منزلاً متهالكاً امتلأت واجهته بالشقوق بجوار المقابر، وعلي طرفي بابه الحديدي الصدئ ربطت بنتاً صغيرة حبلاً ووضعت عليه مخدة حال لونها للسواد، صانعة بذلك أرجوحة تلهو بها، ولما شعرت به ورفعت وجهه له، وجدها آية للجمال والحسن، صبت في قالب ملائكي التكوين، ملاك صغير أبيض، فحنّ قلبه لمرآها، وسألها وقد ابتسم بصدق لأول مرة منذ عهد طويل جداً:

-هل عم كريم موجود؟

ابتسمت البنت، فأشرق وجهها وازدادت جمالاً وروعة:

-هل تريد جدي؟

أومأ برأسه، فجرت علي السلم يتبعها حتي وقف علي البسطة، كي لا يجرح من يفتح الباب لو كانت امرأة ودقت البنت الجرس، فتحت الباب امرأة عجوز علي وجهها نظارة سميكة تكاد تحجب عينيها، وسمعها تقول:

-ماذا تريدين يا سناء؟

فأشارت البنت نحوه:

-رجل يريد جدي.

أطلت العجوز من الباب فبادر:

-السلام عليكم يا حاجة، أنا آسف لإزعاجكم، ولكني جئت لزيارة عم كريم.

-أهلاً وسهلاً يا بني... ومن أنت كي أخبره؟

ارتبك عامر، وشك أن الرجل سيذكره:

-قولي له عامر، الشاب الذي كان يجيئك باستمرار ليشتري منك الكتب.

بدا علي العجوز أن كلامه لا يشير لشخصيته، فتجنبت إحراجه بسؤال جديد وهمت بالدخول:

-بعد إذنك سأدخل لأخبره. 

غابت في الداخل لفترة وجيزة، ثم عادت لتأذن له في الدخول، فوجد علي الأريكة عم كريم يبتسم له وقد عرفه، فمد يده وسلم عليه، فوجد الرجل لم يفتح فمه أو يمد يده، اكتفي أن يطأطئ في انهزام، فتدخلت زوجته العجوز بسرعة قائلة بصوت باكٍ:

-أصيب بجلطة أفقدته الحركة والنطق! 

تمتم عامر بألم:

-لا حول ولا قوة إلا بالله. 

وفهم سبب إزالة الكشك، ورنا بعينيه لسناء وهي مستندة علي الباب، فأكملت الزوجة وقد زادت نبرتها الباكية:

-إنها حفيدتنا، توفي أبوها وتزوجت أمها وليس لها أحد سوانا، عجوزان علي شفا الموت. 

تأثر عامر بما سمع، وشعر أن هناك باب جديد يفتح له، إن تلك البنت هي الناقوس الذي ناداه ليجد عم كريم، لطالما تاق لابنة يرعاها تعوض آلامه وانفصال زوجته عنه بسبب عقمه وعدم قدرته علي الإنجاب، ونظر ملياً للشقة، فرآها خالية مسوسة الأثاث تساقط الطلاء عن جدرانها، والمطبخ لا تنبعث منه أي رائحة كأنه لم يوقد فيه النار منذ وقت طويل، وقال لعم كريم:

-إنك رجل صاحب فضل...لطالما عاملتني بحنان، ووافقت علي تقسيط ثمن الكتب والمجلات بسرور، ولا أنس إني رأيت عندك اسمي مطبوعاً في صحيفة لأول مرة عندك، لقد قفزت في الهواء فرحاً وتلقتني بين ذراعيك، وكنت أشد سعادة من مني وفرحاً لفرحتي البريئة. 

فضحك عم كريم وزوجته وسناء لأن عامر مثل ما حكاه بدقة. 

من ذلك اليوم لم تنقطع زياراته المتكررة لذلك المنزل، وفي كل مرة يجلب معه الهدايا والمأكولات ويملأ يد المرأة بالمال، حتي أصبح يوم زيارته تحسب لها الأيام، وتغيرت حياتهم كلهم، رأي فيهم عامر الأسرة والصحب وأغدق حنانه علي سناء كأب رؤوف بل وبدأ يكتب روايته الأولي، ووجدوا فيه الأمل والسند أمام مصاعب الحياة، وفي مدخل البيت تقف أرجوحة حقيقية جميلة مزدانة بالرسوم تلهو بها سناء طوال النهار... يراها كل من يتجه للمقابر مشيعاً أو زائراً. 


 


الاثنين، 27 يناير 2025

البحث عن الطريق الأخضر

 


البحث عن الطريق الأخضر


للتقدم الصناعي وجوه سلبية متعددة أثرت علي النظام البيئي،و أوجبت علي المجتمع البشري المعاصر التفكير في سبل تفاديها قدر الإمكان، كي يقدر علي الاستمتاع بالرفاهية والراحة اللتين تقدمهما له الآلة، وفي نفس الوقت ليحافظ علي بيئته من الفساد. بعد الثورة الصناعية في بلاد الإنجليز في القرن الثامن عشر طنّت الماكينات في كل مكان، وذابت الأيدي العاملة وسط ذلك الطنين، مما أدي لظهور تحولات علمية وتقنية، وبدأت البيئة تتشكي من التلوث وإهدار مواردها وصمّ الإنسان أذنه عن شكواها، حتي جأرت بها عقب الحرب العالمية الثانية، ومع ازدياد المشكلات البيئية، التي واكبت سعي الإنسان لبناء الحضارة الحديثة، أصبحت أمراضها لا غني عن معالجتها بعدما شعر العالم في ثمانينيات القرن الماضي، يشعر بوجود خطر مصيري يتهدده لم تعرفه الأجيال السابقة، عندئذ ظهر مفهوم"التنمية المستدامة" لأول مرة في تقرير اللجنة العالمية للبيئة والتنمية برئاسة رئيسة الوزراء النرويجية في ذلك الحين جرو هارلم برونتلاند وقد حمل هذا التقرير المنشور عام ١٩٨٧ عنوان"مستقبلنا المشترك"، لتصبح التنمية مدرسة للتفكير والإدارة خاصة مع عقد قمة الأرض في البرازيل عام ١٩٩٢ بمشاركة ١٧٢دولة وحوالي ٢٤٠٠شخص يمثل منظمات غير حكومية.

مفهوم التنمية المستدامة وليد علمان هما الاقتصاد economy  والبيئة ecology ، العلمان مشتقان من نفس الأصل في اللغة اليونانية حيث يبدأ كلاً منهما بـeco  أي البيت فالـ economy  يعني إدارة مكونات البيت أما الـ ecology  دراسة مكونات البيت، وفي لغتنا العربية (استدام) من جذر (دوم) ومعناه طلب الدوام والتأني فيه مع المواظبة عليه انتظاراً لما يكون منه، ذلك المعني اللغوي مرتبط بالمعني الاصطلاحي، لأن عملية التنمية تحتاج لاستمرارية وديمومة مع الدأب والصبر كي تتجلي نتائجها البراقة.

للتنمية المستدامة عشرات التعريفات أبرزها ما أوردته اللجنة العالمية للبيئة والتنمية عام ١٩٨٧بأنها"التنمية التي تلبي حاجات الحاضر دون التضحية أو الإضرار بقدرة الأجيال المقبلة في تلبية احتياجاتهم" وعرفها قاموس وبيستر علي أنها"التنمية التي تستخدم الموارد الطبيعية دون أن تسمح باستنزافها أو تدميرها جزئياً أو كلياً" أما وليام رولكز هاوس مدير حماية البيئة الأمريكية قال عنها" العملية التي تقر بضرورة تحقيق نمو اقتصادي يتلاءم مع قدرات البيئة".

يمكن إجمال أهداف التنمية المستدامة في النقاط التالية:

1-تحقيق حياة أفضل لسكان دول العالم.

٢-احترام الطبيعة كحاضنة لكافة أشكال الحياة.

٣-رفع وعي الجماهير بالمشكلات البيئية المعاصرة وتقديم المعلومات الكافية له.

٤-الاستغلال العقلاني للموارد، دون إفراط أو تفريط.

5-استخدام ما أفرزه عالم التكنولوجيا لحماية البيئة وتحقيق أهداف المجتمع، وقد تنبه لتلك الإمكانيات التكنولوجية الحالية الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بتأكيده أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة تاريخية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، معلناً أن الأبحاث أثبتت أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في تسريع تحقيق ما يقرب من 8٠٪منها. 

رغم أن التنمية المستدامة حلم لكل شعوب العالم، إلا أن الدول الكبري تسعي لتحقيق حاجيات شعبها علي حساب الشعوب النامية ما يخل بالتوازن العالمي، فالبيئة تجمع كل البشر لكن الأرض والحدود تفرقهم، فمع ازدياد الرقي والتقدم التكنولوجي المهول الذي دفع الإنسان لحلم السكن في الفضاء، ومحاولات تحقيق الخلود بالشباب الدائم والقفزة التاريخية لإمكانيات الذكاء الاصطناعي، مايزال عليه محاربة الجوع والاستغلال المريع والظلم الفاحش الواقع علي الضعفاء، وهكذا تغدو التنمية المستدامة ضرورة وسلاحاً في مواجهة نقص الموارد وتعميم الفائدة والخير علي كافة أهل الأرض.

للتنمية المستدامة ثلاث ركائز أساسية تمثل جوهر الحياة الفردية والاجتماعية هي الماء، الغذاء، الطاقة، أوجه الترابط بين تلك الركائز الثلاثة متداخلة وديناميكية، المياه والطاقة مدخلات أساسية لإنتاج الغذاء، ومن ناحية أخري يمكن استخدام المياه لإنتاج الطاقة الكهرومغناطيسية كما تعد الطاقة ضرورة لضخ المياه ومعالجتها، والغذاء ما يمد الجسد البشري بالقوة لاستخراج الطاقة، أي أن كل ركيزة منهما تعتمد علي الأخري.

تم صياغة مصطلح ترابط المياه والطاقة والغذاء من قبل منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة(الفاو)، في إطار ما أثير من جدل حول التنمية المستدامة التي تعترف بتضارب الأهداف والمصالح بين الجماهير والبيئة، وتسعي لتحقيق حل متوازن يساعد الإنسانية لتحقيق مراميها وفي نفس الوقت لا يخل بالتزاماتها حول البيئة.

كان لمصر سبق الريادة في مشاريع التنمية المستدامة في المنطقة، بالإعلان عن برنامج لمشروعات الترابط بين الماء والغذاء والطاقة(نوفي) عندما استضافت مصر مؤتمر المناخ co27  عام ٢٠٢٢، بمدينة شرم الشيخ لمواجهة التغيرات المناخية وما تتسبب فيه من عواقب وخيمة، يهدف البرنامج لتحسين مرونة الإنتاج الزراعي بتحديث الممارسات الزراعية ونظم الري، ونقل التجربة المصرية للدول النامية وتسهيل المشروعات والاستشارات الفنية، بالإضافة لما تتخذه مصر من إجراءات حثيثة في مجال التنمية المستدامة منذ سنوات،وفي منطقتنا أيضاً مشروعات كبري كمشروع نور للطاقة الشمسية في المغرب، أحد أكبر المحطات للطاقة الشمسية في العالم بعد المحطات الأمريكية الخمس ومحطة سولابين الأسبانية، حيث يساهم في إنتاج الكهرباء النظيفة والتقليل من الاعتماد علي الوقود الأحفوري، وذلك ضمن مشروع مجمع ورزازات للطاقة الشمسية المتجددة الذي يهدف أن يكون حديقة للطاقة الشمسية تنتج ٥٠٠ميجاوات،ومشروع نيوم في السعودية الذي يعد نموذجاً للمدن المستدامة فهو يعتمد بالكامل علي الطاقة المتجددة، ويقوم علي خمس محاور:التقنية، الطبيعة، المجتمع، الاستدامة، العيش الرغيد، تلك المشاريع تتضح أهميتها البالغة بالعلم أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تعتبر من أكثر المناطق التي تعاني من الشح المائي في العالم، 5٠مليون شخص في البلاد العربية محرومون من إمدادات الطاقة، وحوالي ٧٣٣مليون شخص في العالم واجهوا الجوع عام ٢٠٢٤. 

الأرقام والإحصائيات المحزنة عن مدي البؤس الذي يقبع فيه ملايين البشر حول العالم، يجعل التنمية المستدامة ضرورة لا غني عنها للأجيال الحالية والمقبلة، فهي الطريق الأخطر الذي سينقذ الملايين مما يعانوه من فقر وجفاف وشح في الماء وندرة في الغذاء، عن طريق تدبير حكيم لبيتنا الكبير الذي نسكن فيه جميعاً أياً كان موقعنا علي الخريطة أو لون جلودنا أو لغات ألسنتنا، فما يحدث في أي مكان علي كوكبنا يتردد صداه في كل النواحي، وبالتنمية المستدامة ننهض سوياً لنلامس حياة أرقي وأكثر عدلاً وإنتاجية، وتتزايد المشروعات المبدعة المفيدة في كافة المجالات.