الجمعة، 18 يوليو 2014

دائرة الولاية والنبوة



لكل مذهب في دنيا البشر تفسير خاص للوجود,المتدينون يعتنقون التفسير السماوي لوجودهم وحياتهم,وخاصة الخاصة منهم يربطون وجودهم بوجود الله ذاته,فالعالم وحدة واحدة ليس فيه إلا التجلي الإلهي.
التصوف الديني في عقيدة الإسلام يُحيل الوجود كله لعالم ما قبل الوجود حيث نجد هناك عالم الذر,الحقيقة المحمدية,النور السرمدي..........وكل الاصطلاحات التي تعبر عن العالم السماوي حيث كان الله ولا شئ معه....
من أبرز المصطلحات الإسلامية"أولياء"وردت في التنزيل علي النبي فهم"لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" لقربهم من الله فـ"ولي "من الولاء,وللشيطان أولياء أيضاً يأمر القرآن بقتالهم,فنحن هنا أمام نوعين من الولاء مجموعة الله مولاهم والأخري يوالون الشيطان,وهنا نقطة البداية الأولي....
انقسمت السماء يوم خلق آدم وأمر الله الكل بالسجود له لقسمين,قسم قدر قربه من الروح الإلهي"ولايته" فسجد وأطاع,و قسم تزعمهم إبليس رفض أمر الله؛ربما لأن ولايته لله كانت أقرب من الآخرين فلم يفهم كيف لمخلوق من طين يتفوق عليه,ويقربه الله أكثر منه.
هنا بدأت حكاية الولاية التي سيؤسس لها الحكيم الترمذي ويدفع ثمناً لذلك اتهامات وصراعات ونفي,وسيصوغها في قالبها الأخير ابن عربي,الذي سيجيب عن أسئلة الحكيم الترمذي التي انتظرت زمناً طويلا دون أن يستطيع أحد الإجابة عليها...حوالي أربعة قرون!!
الولاية هي أمر باطني ربما يعود توزيعه علي بني آدم من عالم الذر,حيث أشهدهم الرب علي ربوبيته,أما النبوة في أمر ظاهري يختص به الله من يشاء...وتنقسم لنبوة تشريع ونبوة عامة,نبوة التشريع انقطعت بانقطاع"التنزيل"علي الأنبياء,أما النبوة العامة فلا تنقطع,فالله يوحي ويُلهم الكل,كما أوحي لأم موسي,وحتي الحشرات كالنحل.
فكل نبي بالبديهة الدينية ولي,وليس كل ولي نبي بالمعني الخاص التشريعي,فدائرة الولاية دائرة كبري,تدخل فيها دائرة النبوة الصغري,فتنتسب الصغري للكبري ولا تتصل الصغري بالكبري.

الخميس، 10 يوليو 2014

حكايتان




الحكاية علي لسان ناقد فني يُغضِب منه الكل....
"...إنني لا أجد نفسي حقيقة إلا في صحبة الممثلين"
عبارة دالة وردت في إحدي مقالات السادات في جريدة الجمهورية,أسهب فيها عن شغفه بفن التمثيل ذاكراً فيها مفتاح من مفاتيح شخصيته كمديوكر أصيل ضرب حظه للسماء,ثم سقط من علي المنصة في النهاية,يتبعها ما هو أكثر دلالة:"وهنا كان عليّ فعلاً أن أمثل أدواراً حقيقة علي مسرح الحياة"!!
يكرهنني المخرجون,الفنانون,كتاب السيناريو المطربون,الملحنون...لا أحد في مجال الفن في مصر يذكرني بكلمة طيبة,لا يهم كلهم أوغاد إلا من نجا من وباء الإسفاف وقدم فناً حقيقياً يجعل قلبي يرتعش إعجاباً,لكن يعز علي جداً مكالمة من الممثلة الرقيقة"......"بكت فيها من قسوة الهجوم عليها,وأغلقت الهاتف! لم أنم ليلتين حتي قبلت اعتذار الوسطاء,وانحنيت علي يديها أقبلهما لعلها تسامحني علي جرح مشاعرها,من بعدها لم أكتب.
كانت أمي تقول لي دوماً:"لسانك يا ولد لسان أفعي مسموم...لكنك يا سامي صريح صراحة الحمار لما ينهق كلما رأي شيطاناً"رحمها الله ورحم أوهامها التي زرعتها فينا,وخيالاتها التي ربتنا عليها,قبل أن يظهر وحش العلم ليلتهم كل ماعندنا ويبقينا عرايا أمام الغرب.
ما اضطرني لمعاودة الكتابة,مرور عشرون عاماً علي وفاة"الساداتي",أو المعروف بعد تغيير اسمه ليزيف أصله"السادات"...محمد أنور السادات,الممثل الذي ظهر علي مسرح السياسة في مصر,السادات لم أره يوماً سياسياً,بل مؤد فاشل,وهذه شهادتي علي الممثل الذي أحب الكاميرا والظهور والخطب حتي انشغل بها عن كل شئ,وظل يتصاعد بدراما الأداء الكوميدي حتي لحظة المأساة التي أتعاطف معه فيها بكليتي,ولولا نهايته المحزنة لكان كتاب"البحث عن الذات"الذي كُتب له-موسي صبري ربما؟!-قطعة كوميدية تنتمي لما أسميه"أدب المهزلة السياسي"!...ما أقسي الكذب علي الذات.
صباح6أكتوبر 2001,الكل يومها يحتفل بالنصر,القليل من يتذكر بائع النصر المقتول يومها!
أوبريتات لا لزوم لها تظهر فيها صفاء أبو السعود كأنها مدرسة حضانة تخاطب حفنة من البلهاء:"إحنا ولاد مصر العظيمة يا شعبنا...يا شعبنا...بنحب مصر وحبنا من قلبنا...من قلبنا" فيدير مبارك إبهامي يديه المشبوكتين ملولاً...أصبحت أشفق عليه بسبب اضطراره لسماع الهراء السنوي,مع انحدار الكلمة واللحن والأداء أسفل سافلين.
ولطيفة:"من قلبي جاية أهنيكوا وأشارك فرحة لياليكوا وأغني لمصر"
نحن تحت حذاء العالم ونغني لمصر!استنزف جهدنا الغناء (علي)مصر بدلا من محاولة إنهاضها من كبوتها التاريخية...مساكين الألمان والأمريكان واليابانين,لا تغني لهم لطيفة.
والقائمة طويلة,ليس مكانها هنا.
بم يحتفلون ويغنون؟! إننا فهمنا النصر فهماً خاطئاً كما نفهم كل شئ من الانفتاح الكبير في عهد السادات؛لتشاهد كل الدنيا عرضه البهلواني,ومشيه علي الحبل بين القاهرة وتل أبيب.
"وكان السادات يذكرني بفيلم شاهدته منذ زمن طويل اسمه"حياة والتر ميتي السرية,وقام بتمثيله داني كاي وكان دوره بائع لبن ينتقل بسيارته علي منازل زبائنه,وفي الطريق من منزل إلي آخر كانت تنتابه أحلام اليقظة,فمرة يتخيل نفسه نبيلاً من نبلاء القرن الثامن عشر من أجل حب حسناء جميلة فيصرعه ويفوز بها,ومرة يتخيل أنه مغن أوبرا ذائع الصيت لا مثيل له يطيح بصواب مستمعيه,ومرة أنه طيار في الحرب العالمية الأولي,كلما طلع يسقط طائرات الألمان واحدة بعد الأخري كالذباب ويعود سالماً إلي هتاف الجماهير"
محمد إبراهيم كامل وزير خارجية السادات من كتاب"السلام الضائع في كامب ديفيد".
يبدو أن كامل لا يذكر الفيلم جيداً,فوالتر ميتي لم يكن بائع لبن بل كان يعمل في إحدي المجلات,وتخيل نفسه طياراً في الحرب العالمية الثانية,حيث كان يلصق علي جانب طائرته وهو في الهواء علامة النازية ببلها بريقه كلما أسقط طائرة!
لكن المقارنة في غاية الذكاء...
كلنا والتر ميتي بدرجات مختلفة,أما السادات فقد غلب والتر ميتي,ميتي كان يكبت خيالاته وحين يعود منها متأثراً بها يصطدم بالواقع,يعود ميتي الساذج,السادات قام بالعكس كبت حقيقته في مقابل إعلان وجهه البطولي المضحك!
يذكر كامل نكتة في سياق تلك الفكرة متسائلاً إذا ما كان الشعب هو أيضاً شعر بأداء السادات التمثيلي المفتعل,تقول النكتة أنه في أثناء انتفاضة 77التي هرب منها السادات وكاد يقلع بطائرته لولا حظه السعيد الذي يدين له,حدث حريق كبير,وكان السادات يهوي ارتداء الملابس الرسمية,مرة كقائد للجيش ومرة للطيران ومرة للبحرية,فاستدعي السادات وزير الداخلية وسأله عن مكان الحريق,فقال له الوزير:اطمئن سيادتك يا ريس رجالنا اطفأوا الحريق,فصاح متحسراً السادات: يا خسارة!! كانت فرصة لأرتدي زي القائد العام لقوات المطافي!!
المحزن أن مقارنة داي كاي بالسادات فيه ظلم لكاي,كاي فنان أضحك الجمهور بموهبته,أما السادات أضحكهم بأداء overوfakeإلي أبعد الحدود,الفنان هو المحبوب دوماً,الخالد بفنه لا يمكن مقارنته بشخص عادي أو أقل من عادي,إلا علي سبيل التندر.كفي بكاي تفوقاً ظهوره مع الجميلة فيرجينيا مايو في نفس الفيلم-هل أنا وحدي من يظن أنها تشبه برلنتي عبد الحميد بصورة مدهشة؟ّ!-,مع من ظهر السادات,مع "صديقي بيجن".
عرض الفيلم عام 1947,حينها كان السادات في السجن متهماً في قضية مقتل أمين عثمان,عملية قام بها ونجحت عكس محاولته الفاشلة لقتل مصطفي النحاس!!"عجبت لك يا زمن" علي رأي محمد رضا,لنفس الأسباب التي اتخذها السادات مبرراً لسلوكياته العنيفة,كانت نفسها مبررات قاتليه لقتله.
نحن هنا أمام شخصين,البطل العاقل الذكي الوطني المصلح الفيلسوف المثقف الأمين الزاهد......كما أظهر نفسه في "البحث عن الذات" والهجوم علي عبد الناصر!والسادات الباهت المشكوك في أمره المهزوز كما تقول حقائق التاريخ.
ليلة مقتله كان يعرض فيلم "حكمت المحكمة" للمخرج أحمد يحيي وبطولة فريد شوقي ويسرا,وكأن السينما تخبره أن المحكمة التي صنع قضاتها بيديه وقواهم وساندهم حكمت بإعدامه رمياً بالرصاص وسط يوم يسميه البعض"انتصار".
السينما المصرية,مفتاح فهم التاريخ المصري المعاصر لو أردنا الخروج من كهف السلطة المظلم المحدود لبراح الخيال والإبداع,وللأسف كان عصر السادات قليل الخيال,ضنين بالإبداع,فظهرت أفلام لا تعرف لم صنعت,ولا ماذا تقول,وبالمصادفة كانت السبعينيات عصر الأفلام الإباحية الذهبي كما يصفها إخواننا المخضرمون في هذا المجال,وكما ظهرت في فيلم حكمت المحكمة لما طلب يوسف شعبان من ماجدة الخطيب التي تقوم بدور زوجته أن تطلب من أبيها جهاز فيديو,وفي مشهد لاحق نجده مستغرقاً في مشاهدة ما نستشف أنه فيلم إباحي وبجواره ماجدة متفاجئة بما تراه...مفاجأة سعيدة! فكانت أفلام السبعينيات في معظمها فاترينات لأجساد النساء الجميلات,كأن شعار السينمائيون:مادمت وقفتِ أمام الكاميرا فلابد أن تري الكامير ما تشتهيه من جسدك"ليس عندي كناقد أي معارضة لأي شئ مادام يخدم العمل الدرامي...أيها التعري لأجل التعري,كم ابتذلتك باسمك معاني النقد!
العارية هي البطلة,والبطل شخص عبيط لا يفعل شئ إلا ليضحك عليه الجمهور,لكن لا يهم فقد ضحك عليهم قبلاً وأخذ المال مقاولة عالساهل,ولا عزاء لمجد السينما القديم,وآلتها الجبارة في بلورة مفاهيم ونشر قيم,ومتعتها الفنية والفكرية التي يمتصها العاشقون لها الفاهمون لمعناها, مع ذلك نفتقد جميلات السبعينيات بملامحهن وأنوثتهن,ونفتقدهم أكثر كلما شاهدنا تلك الملامح السوقية والأجساد الضخمة المنفوخة تطل من الشاشة!
هناك استثناءات بالطبع...لكن كما قال الرجل المجهول المخطئ وتعمم خطأه حتي أصبح قاعدة أنا نفسي لم أنج منها هذه المرة:"السيئة تعم والحسنة تخص"
عام المنصة المشهود ظهر أول فيلم للمخرج محمد شبل الذي رحل مبكراً بعد عدة أفلام غرائبية,كان فيلمه الأول"أنياب"أفضلها بالنسبة لي,فشل الفيلم جماهيرياً في رأيي يعود أولاً إلي أن جمهور الانفتاح هؤلاء السادة "المنفتحين!!" لا يعرفون معني التجريب السينمائي,وقد أشار الفيلم لذلك في مشهد داركيولا وهو يهاجم أحد أفلام يوسف شاهين,وقام بدور دراكيولا نجم الانفتاح الأول"أحمد عدوية"!!
علي الحجار ومني جبر-لهما نفس الأسماء الأولي في الفيلم-خطيبان في طريقهما لحفلة عند أحد الأصدقاء بمناسبة رأس السنة,تتعطل بهما السيارة فيلجآن لبيت الكونت...الكونت دراكيولا!
الأداء غاية في السذاجة من الجميع ,فمني جبر مذيعة بالأساس والحجار مطرب وعدوية هو عدوية, وظهور حسن الأمام الباهت عدمه كان أفضل,تقريباً لم يكن هناك ممثلين بالمعني الطبيعي! لم يفلت من هذا الحكم سوي عهدي الصادق في دور الخادم الأحدب.
دراكيولا في كل نواحي الحياة الانفتاحية كما عبر عنها الفيلم,فهو السباك,المدرس,الميكانيكي,سائق التاكسي....,هو بحق"كله علي كله وأما تشوفه قوله هو فاكرنا إيه؟مش ماليين عينيه,هو!"الأهم أنه سيد القصر وحاكم البيت وفي النهاية بمعاونة الخادم ومني وعلي يحرقونه ويحرقون أتباعه ليبدآ من جديد.
كأن لا خلاص من الفساد ومصاصي الدماء إلا بالقتل...والقتل وحده,الدم كان علي لسان الجميع كمنظف وحيد لقذارات المدينة.
قبل فيلم أنياب بست سنوات,تظهر الفاتنة سعاد حسني التي تتقاسم لقب "الفاتنة"مع سلسلة طويلة من نجمات الزمن الماضي,ابتعدوا عن الشاشة فأظلمت,في فيلم من تأليف رأفت الميهي وكمال الشيخ"علي من نطلق الرصاص.."عنوان الفيلم في اللأفيش الرسمي متبوع بنقطتين,العنوان كأنه فكرة طرأت في ذهن شخص,ليس سؤالاً كما يبدو لأول وهلة,بل ترتيب لا ينقصه سوي الخطة النهائية,الفيلم أحد أفضل 100فيلم مصري,علي عكس أنياب,كل الممثلون ظهروا في أوج تألقهم وأروع أدائهم الفني,بدءً من سعاد حسني حتي علي الشريف الذي ظهر في مشاهد قليلة في آخر الفيلم وفردوس عبد الحميد التي تظهر لأول مرة علي الشاشة,السيناريو محبوك والحوار يشد الأعصاب,خاصة عندما يتحدث ياسين عن الأحوال العفنة المقرفة للبلد,لم يخفف من إيقاع الفيلم الحاد إلا صوت سعاد الهادئ كأنها تدرك أنها هي أنظف الشخصيات في فيلم تعري,لكن من نوع آخر,استربتيز سياسي,يخلع عند كل ذروة قطعة من كسوة السلطة الساداتية.
يقول الميهي علي لسان مجدي وهبة في دور سامي عبد الرؤوف,قبل أن يموت مسموماً علي أيدي الفاسدين حتي يغطوا علي عملية قذرة تسببت في وفاة الكثيرين:"واحد بس ينضرب بالرصاص والباقي كلهم هايبقوا كلاب".
يطرح نجيب محفوظ ذات الفكرة الهاجس عند الكل,تعبيراً عن الوعي العام في المرحلة الانفتاحية التي سحقت في طريقها كل قيمة ومعني وأسست لقيم المال والاستهلاك,في حوار قصير كاشف في رواية"يوم قتل الزعيم":
-فلنتسل بحصر أعدائنا
فدخلت اللعبة قائلة:
-غول الانفتاح واللصوص الأماثل....
-هل ينفعنا قتل مليون؟
فقالت ضاحكة:
-قد ينفعنا قتل واحد فقط"
في النهاية ويشهد الله علي ما في قلبي,إني رغم كل خلافي مع السادات وأمنيتي المستحيلة أن يعود الزمن للخلف فيرحمنا منه ومما صنعه في مصر والشخصية المصرية,وكل ما ورثناه من عصر هو الخطوة الأولي إلي مانحن ساقطين فيه اليوم,إلا أنني أتعاطف معه من كل قلبي,و لازلت حتي اليوم أشعر بمرارة ما حدث له وهو علي المنصة وسط جيش مكلف بحفظ أمن البلاد فما قدر علي حمايته شخصياً,خاصة مع ما يروي عن رفضه ارتداء الزي الواقي لشعوره بالأمان والعزوة وسط الجيش الذي ينتمي له,أو الغرور أعماه وصدق نفسه وذاته الكذابة,وزين له من حوله حسن عمله فماتت بداخله غريزة استشعار الخطر كرجل عسكري,
روح كل كائن حي في العالم غالية,ولما يحين أجل خروجها من جسده,لابد من اعتبارها لحظة مهيبة يسقط فيها كل شئ,ولا يبقي في قلوب من ظلوا أحياء إلا الشعور بجلال الموت...وجلال الحياة!

الحكاية علي لسان كاتب قصة لم تنشر له أي قصة!...
...وراح يأكل نفسه!
قال متحرقاً لفتح موضوع للكلام يستعرض فيه مهاراته الثرثارية فارغة المعني:
-محمد الحلو مات...الأسد قتله!
-لا ياشيخ؟! لا حول ولا قوة إلا بالله!كان صوته جميلاً والله.
ضجت شلة الأصدقاء الجالسين علي كورنيش الأسكندرية بضحك من القلب,القلوب تجمعها الأحزان ويفرقها الضحك. وحده كان بجانبي ظهر عليه الخجل من ردة الفعل العجيبة.
-ألم تقل أنه مات؟!
-وسط ضحكات متقطعة فهم أنه ليس الحلو المغني,الحلو مدرب الأسود.
عاد الحديث لمبدؤه علي يد بادئه,أصلع الشعر:
-دنيا يا إخوانا...دنيا لا أمان لها,ربيب يديه ورفيق عمله,يعضه وسط الجمهور في الحلبة في يوم مجده.
رد الجالس في آخر الطرف الأيمن من المجلس بطريقة ذات مغزي:
-يقولون أن السبب لبؤة...أسد ابن لبؤة صحيح...
خجلت فتاتين من الشلة,فانتبه لما قاله وأراد أن يشوش عليه فقال محاولاً أن يبدو ظريفاً:
-الحب يا ميرفت تبدو من خلاله الجرائم هي مفتاح الوصول لقلب المحبوب...أليس كذلك يا إلهام؟
كان زمن الأنثي المتحررة الواثقة من نفسها,المدركة لقيمة ذاتها ولي بعد الهجمة الوهابية,وحل محلها نموذج الأنثي الواهنة الخجلة من كونها أنثي في الأساس.
همهمتا بكلام غير مفهوم وانصرفتا لسبب تافه.
أخذ الباقي راحتهم في الكلام بلا حرج:
-يبدو أنه شعر أنها تخونه مع المدرب,فانتقم من المدرب.
امتلأت الأفواه بضحك صاخب تبعتها أصوات حلقية سوقية,لما قاله القصير أبو نظارة.
همس من كان بجانبي الذي أضحكهم من قبل:
-ما الحكاية بالضبط؟
-أسد اسمه سلطان تهجم علي مدربه وقتله؛يقول البعض أن ذلك بسبب لبؤة وقع في حبها وظن أن المدرب سيحرمها منه ويعطيها لأسد آخر.
-تفسير ساذج...أليس كذلك؟
-من يدري؟ ما نعرف حتي اليوم ما بداخل نفوسنا,فكيف نعرف ما في نفوس الحيوانات؟
انفض الجمع كل لما رتبت له أقداره....
بعد أيام زرت حديقة الحيوان,فلفت انتباهي تزاحم الزوار علي قفص أحد الأسود,كان ساكناً كميت ساهماً بلا حركة,فهمت من همهماتهم أنه سلطان القاتل النادم علي قتل مدربه.
لبثت وحدي بعد حتي خلت الحديقة من الناس,اضطربت لما نظر لي مباشرة في عيني,خيل إليّ أني رأيت دمعة من عينيه...وضع ذراعه في فمه...وراح يأكل نفسه.

الخميس، 3 يوليو 2014

إلي أين يمضي المشاءون؟!



إلي أين يمضي المشاءون؟!
سؤال يوسف زيدان عن المشائية الإسلامية
 

بدأت الفلسفة لما توّج سلم التطور الإنساني بالعقل,فكان الجد العاقل الأول أول فيلسوف,تساءل عما حوله ما هو,فتفكر في الماهية التي لا زلنا نتفكر فيها حتي اليوم,ثم تأمل في ذاته ومازلنا نتأمل لليوم,ثم ارتقي ببصره بعيداً عن عالم الهيولي المحيط وأراد عالم المُثل والسلام,وحتي اليوم لا يزال سعي كل إنسان منا هو الانعتاق نحو ما وراء المادة.
فمن العاقل الأول حتي العاقل الأخير-العالم علي كف عفريت ومنذ بدأ وهو يحمل في داخله بذور فناؤه-تمشي العقل البشري في أسئلة نتجت عنها مقدمات ابتدعها عقل شخص مجهول ليصل كل واحد ممن وصلت لنا أسمائهم فيما بعد مدونة إلي نتيجة تخصه,أراحت له نفسيته وهدأت ثوران أفكاره,وأظهرت صورة الدنيا كما تصورها فتأثر بها من تأثر ونقدها أو نقضها من لم يجد في نفسه لها هوي.....لكن هناك عقل جبار تجسد في شخص واحد فارق الدنيا قبل الميلاد بأكثر من ثلاثة قرون لم يفلت من تأثيره البشر حتي اليوم! هذا العقل الجبار اسمه...أرسطو.وكأي إنسان وقع أرسطو في أخطاء وتخيل خيالات ساذجة وله عذره في ذلك فاليونان لم يكن عندهم آلات لأنهم يحتقرون العمل اليدوي وكان علم الأحياء مثلا هو أول البارزين فيه,ورغم أن هذا الرجل أعلي من شأن العقل الإنساني والتفكير فقد حولته أوروبا لعقبة لمدة 15 عشر قرناً بسبب عبارة لاتينية تقول:"هكذا قال أرسطو,فإذا وجدت هذه العبارة فتوقف تماماً عن التفكير,وأن أي محاولة لتخطيها,وهو تجاوز لقدارات أرسطو وامتهان قداسته"!!!
المشائية التي تعني المشي والترقي بالعقل لمحاولة الوصول للحقيقة بدايتها مع الإنسان ونهايتها نهايته,أما المشائية اللوقيونية التي تزعمها أرسطو وتبعه فيها الفلاسفة الآخرون فتلك لها خط يمكن تتبعه,وقد حصرها السؤال في الفلسفة المشائية الإسلامية.
رغم أن اسمها مشائية,إلا أنها وصلت لبلاد المسلمين سابحة عن طريق البحر المتوسط الذي فصل اليونان عن العراق التي يخربها اليوم المجانين مع الشام مفسدين في الأرض,تلعنهم حضارة سومر وبابل وآشور والفينيقيون,وينظر إليهم جلجامش القوي مغتاظاً يتمني أن يعود مع إنكيدو ليخلص بلاده من شرورهم السرطانية,قبل قرون طويلة لم تكن بغداد كبغداد,بل كانت ببساطة كما يناديها عبد الرحمن الأبنودي بعاميته العظيمة
"بغداد...يا أم التاريخ والحكمة والأشعار
بغداد يا أم القصور والنخل والأنهار"
لكن"لكل شئ إذا ما تم نقصان   فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأيام كما شاهدتها دولاً     من سره زمن ساءته أزمان
وهذه الدار لا تبقي علي أحد    ولا يدوم علي حال لها شان"
كما نعي أبو البقاء الرندي الأندلس وهي يري تلك البقعة الكوزموبوليتانية تذوب من الأرض كما يذوب الملح في الماء.
فحدث ما قال به أحمد رامي :
"إيه بغداد والليالي وكتاب
ضم أفراحنا وضم المآسي
عبث الدهر في بساتينك الغناء
والدهر حين يعبث قاس
فتصديت للغزاة وجابهت
إذا هم مثل الجبال الرواسي"
الدم والدمع لا يكفيان ما يحدث في العراق وسوريا, ليس للمساكين مثلي إلا ترديد أبيات الرثاء.
إييييه....
بغداد "من أسكن الشاعر الولهان موطنه.. بغداد أنت نجوم الليل والظلمِ
بغداد أنت شفاء العين من رمدٍ.. بغداد أنت لقاء الله بالأممِ
طردت منك لكن لا أودعك.. بغداد أنت انبراء الروح من سقمِ
الشمس أنت فضاء الدوح مبتهجٌ.. أو جنة الجنات أرضها علمى
بغداد أنت دواء القلب من عجزٍ.. بغداد أنت هلال الأشهر الحرمِ
بغداد أنت هوى العصفور مهجته.. كالريح تعزف ألواناً من الحلمِ
شتان أنت سوى حلمٍ شغفت به.. ذا الحلم كالموت مريحٌ بعضه يلمِ
بغداد كونى للحوادث ضيغماً.. للموت بعد حياةٍ فيه منتقمِ
قد كان ما أصبو بالله لى هدفاً.. شتان ما أصبو والله أن يسمِ
أصبو الحياة بعيداً عن مساوئها.. إنّ الحياة خمارٌ برقعٌ دلمِ
بغداد تصرخ والأعراب يشغلها.. حكم العبيد بعيد العزّ والكرمِ
يا روح دجلة للأرواح مالكةٌ.. تبكى عليك عيونٌ قلّ ما تنمِ
تبكى عليك عيونٌ غاب بؤبؤها.. وذى سيوفٌ لطعم الطعن تلتهمِ
تبكى عليك عيونٌ ذبن من أرقٍ.. وبى عذابٌ بريح الغدر من دَلَمِ "
وصدق المتنبي...!
في بغداد ظهر من سيُحتار فيه وستتبلبل الأقول والآراء في وصفه,الأكيد أنه هو أول فيلسوف ظهر في تلك المنطقة,لكن سيقولون مرة أنه أول فيلسوف مسلم ومرة أنه أول فيلسوف عربي,وهما لقبان يجمعهما الكثير نعم ويفرقهما أيضاً الكثير,فهل تنسب فلسفته للعرب أم للمسلمين,العرب معروفة أنسابهم وقد كان الكندي عريق النسب فهو من قبيلة كندة المعروفة,ومع ذلك لا نستطيع تحديد سنة وفاته ولا ميلاده بالضبط وهذا ماسيحدث مع الفارابي زيادة علي ذلك لن نعرف نسبه ولا مكان ميلاده!! أما المسلمون فهم أنساب شتي وثقافات متعددة انصهرت كلها في دين محمد.
تعرض كل من الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد,لاتهامات ومحن وطعن,حتي من قبل حملة الغزالي علي المشائية وتكفيرهم ,والفلسفة بوجه عام,فكما كانت للفلسفة مقدمات سابقة علي ظهورها كان لرفضها أيضاً مقدمات مضادة,فلم ينشأ أول فيلسوف أو أبو الفلسفة العربية الكندي من الخواء,ففي الشعر الجاهلي الكثير من الفلسفة وفي القرآن والحديث وخطب المتكلمين في الجاهلية وشعائر الحنفاء,فكانت الأرض محروثة لا ستنبات الفلسفة العربية...
الكندي حكايات بخله وجهله!!-الموضوعة- مازلت مقرونة برجل وصفه ابن نباتة"كانت دولة المعتصم تتجمل به وبمصنفاته"ومع ذلك لم يسلم من اتهامات ابن نباتة وتشويه صورته علي يديه,لكن يتلقفه الغرب كما كما يهوي تلقف كل ما يقع تحت يديه ويفحصه ويدرسه ويتعلم منه,فيقول عنه كوردان أحد فلاسفة عصر النهضة الأوروبية :"يعد الكندي واحداً من اثني عشر هم أنفذ الناس عقلاً,وأنه كان في ان في القرون الوسطي يعد واحداً من ثمانية هم أئمة علوم الفلك",ويؤكد ماسنيون"إمام أول مذهب فلسفي إسلامي في بغداد"
لكن ماذا فعل الكندي ليكون أول فيلسوف-عربي أم مسلم؟!-
تعود أهمية الكندي إلي اعتناؤه بترجمة أعمال المعلم الأول أرسطو,وصبغها بالصبغة الإسلامية فهو لم يفارق التفكير الذي صاغه الإسلام ولا فارق منطق أرسطو,فنقل أرسطو وأدخل التفكير الإسلامي فيما يقول,لكن أفسد كتاباته عدم عنايته بالعبارة وإلغاز المعني حتي أن القارئ العادي يجد صعوبة بالغة في المشي مع الكندي,وسواء كان الأمر خارج عن إرادته لصعوبة المادة العلمية ذاتها ومشاق الترجمة مع عدم الإخلال بالأصل,أو كان متعمداً كي لا يطلع عليه إلا صفوة العقول وأن تمتاز الفلسفة عن سواها من العلوم بتلك الهالة التي تحجبهاعن العامة فسنجد نفس الأزمة عند الفارابي رغم  أن كليهما أديب قال الشعر!! وهذا يمكن يرجح كفة التعمد!
في رسالته للمعتصم بالله بعنوان"في الفلسفة الأولي"يعبر الكندي عن إخلاصه وتقديره للفكر الفلسفي؛ولم يبخل عليه الفكر الفلسفي فقدره هو الآخر,يقول:" إن أعلي الصناعات الفلسفية منزلة وأشرفها مرتبة صناعة الفلسفة,التي حدها علم الأشياء بحقائقها بقدر طاقة الإنسان,لأن غرض الفيلسوف في علمه إصابة الحق وفي عمله العمل بالحق,لا الفعل سرمداً,لإنا نمسك,ويتصرم الفعل إذا انتهينا إلي الحق.
ولسنا نجد مطلوباتنا من الحق من غير علة,وعلة وجود كل شئ وثباته الحق لأن كل ما له إنية له حقيقة,فالحق إضطرار موجود إذن لإنيات موجودة.
وأشرف الفلسفة وأعلاها مرتبة الفلسفة الأولي,أعني علم الحق الأول الذي هو علة كل حق ,ولذلك يجب أن يكون الفيلسوف التام الأشرف هو المرء المحيط بهذا العلم الأشرف,لأن علم العلة أشرف من علم المعلول؛لأنا إنما نعلم كل واحد من المعلولات علماً تاماً,إذا نحن أحطنا بعلم علته...."

كان الناس قبل اكتشاف المخطوطات القديمة يبدأون الفلسفة المشائية بابن سينا,ثم ظهرت أعمال الفارابي فبدأوا بالفارابي,ثم جاءت مخطوطات الكندي فانقلب الترتيب رأساً علي عقب!!
وقد أراد الفارابي الجمع بين الحكيمين أفلاطون وأرسطو وتقريب آرئهما,وقد كان عصامياً مكافحاً,محباً للعلم زاهداً في الدنيا,لُقب بالمعلم الثاني بعد أرسطو,قالوا أنه يعرف أكثر من سبعين لغة! ورووا الأعاجيب عن صناعته الموسيقية وينسبون له آلة القانون,ولو كان الكندي صبغ المنطق اليوناني بالفكر الإسلامي فالفارابي مزج الفلسفة بالدعاء في مناجاة فلسفية لله"العلة الأولي"...اللهم ألبسني حلل البهاء وكرامات الأنبياء,وسعادة الأغنياء وعلوم الحكماء وخشوع الأتقياء.اللهم أنقذني من عالم الشقاء والفناء واجعلني من إخوان الصفاءو أصحاب الوفاء وسكان السماء مع الصديقين والشهداء,أنت الله الذي لا إله إلا أنت,علة الأشياء ونور الأرض والسماء,امنحني فيضاً من العقل الفعال يا ذا الجلال والإفضال,هذب نفسي بأنوار الحكمة وأوزعني شكر ما أوليته من نعمة أرني الحق حقاً وألهمني اتباعه,والباطل باطلاً واحرمني اعتقاده واستماعه,هذب نفسي من طينة الهيولي إنك أنت العلة الأولي"
ويموت في دمشق التي يموت فيها اليوم الآلاف في مشهد عبثي قاس يذكرني بحرب لبنان الأهلية المجنونة التي لا يعرف فيها المقتول لمّ مات؟قالوا حينها قتل علي الهوية...أي كلام وأي هجص, كما يحدث اليوم في سوريا كأن حرب لبنان الوحشية الهيستيرية كمنت سنوات طوال لتعود في سوريا ولا أمل إلا أن يذبحها بيديه دمشقي كنزار قباني:"
هذي دمشقُ.. وهذي الكأسُ والرّاحُ إنّي أحبُّ... وبعـضُ الحـبِّ ذبّاحُ
أنا الدمشقيُّ.. لو شرحتمُ جسدي لسـالَ منهُ عناقيـدٌ.. وتفـّاحُ
و لو فتحـتُم شراييني بمديتكـم سمعتمُ في دمي أصواتَ من راحوا
زراعةُ القلبِ.. تشفي بعضَ من عشقوا وما لقلـبي إذا أحببـتُ- جـرّاحُ
مآذنُ الشّـامِ تبكـي إذ تعانقـني و للمـآذنِ.. كالأشجارِ.. أرواحُ
للياسمـينِ حقـوقٌ في منازلنـا.. وقطّةُ البيتِ تغفو حيثُ ترتـاحُ
طاحونةُ البنِّ جزءٌ من طفولتنـا فكيفَ أنسى؟ وعطرُ الهيلِ فوّاحُ
هذا مكانُ "أبي المعتزِّ".. منتظرٌ ووجهُ "فائزةٍ" حلوٌ و لمـاحُ
هنا جذوري.. هنا قلبي... هنا لغـتي فكيفَ أوضحُ؟ هل في العشقِ إيضاحُ؟
كم من دمشقيةٍ باعـت أسـاورَها حتّى أغازلها... والشعـرُ مفتـاحُ
أتيتُ يا شجرَ الصفصافِ معتذراً فهل تسامحُ هيفاءٌ ..ووضّـاحُ؟
خمسونَ عاماً.. وأجزائي مبعثرةٌ.. فوقَ المحيطِ.. وما في الأفقِ مصباحُ
تقاذفتني بحـارٌ لا ضفـافَ لها.. وطاردتني شيـاطينٌ وأشبـاحُ
أقاتلُ القبحَ في شعري وفي أدبي حتى يفتّـحَ نوّارٌ... وقـدّاحُ
ما للعروبـةِ تبدو مثلَ أرملةٍ؟ أليسَ في كتبِ التاريخِ أفراحُ؟
والشعرُ.. ماذا سيبقى من أصالتهِ؟ إذا تولاهُ نصَّـابٌ ... ومـدّاحُ؟
وكيفَ نكتبُ والأقفالُ في فمنا؟ وكلُّ ثانيـةٍ يأتيـك سـفّاحُ؟
حملت شعري على ظهري فأتعبني ماذا من الشعرِ يبقى حينَ يرتاحُ؟
اليوم يوم أحمد شوقي:"
 سَلامٌ  مِن   صَبا   بَرَدى   أَرَقُّ        وَدَمعٌ  لا  يُكَفكَفُ   يا دمشقُ   
بعد أكثر من ألف عام وثلاثمائة عام من ميلاد المعلم الأول يولد هناك بالقرب من بخاري الشيخ الرئيس ابن سينا,فيضع للطب"القانون"ويضع للفلسفة" الشفاء",كأنه أدرك أن النفس والعقل علتهما أخطر من علة الجسد وهو القائل"الوهم نصف الداء والاطمئنان نصف الدواء".
 يقول حكيم المعرة"-الشامي الذي خرب المجانين تمثاله كما فعلوا في كل ذي قيمة!!!-:
أولو الفضل في أوطانهم غرباء     تشذ وتنأي عنهم القرباء
لا يعرف من كتب لهم بالعربية وهو فارسي الأصل من هو ابن سينا,الذين ترُجم لهم عرفوه وقدروه وبنوا عليه,حتي كاد أن يقدس عندهم كأرسطو!!فسمي كتاب القانون"الإنجيل الطبي" ظهر نبوغه مبكراً قارئاً ودارساً ومعالجاً.ورغم تأثيره علي الناس في كل الدنيا إلأ أن عصره سيطر عليه وتلاعب به,وشهواته جرته لحتفه وكان غلمانه السارقين أحد أسباب وفاته بزيادة جرعة الأفيون في مرضه الأخير حتي يموت ولا يسائلهم عن السرقة!!
بن كيسنغلي واحد من أفضل ممثلين هوليوود ولو كان يصلح لأداء الأدوار الأولي في الأفلام لعد من أساطيرها,من طينة أحمد زكي المصري,يستحضر روح الشخصية ولا يمثل يتسدعيها ثم يطلقها علي الشاشة حرة صادقة لا يُنسي دوره في فيلم قائمة تشاندلر الذي يحتل المركز السابع في قائمة أفضل الأفلام,ولا دوره كوالد لآن فرانك في فيلم عن قصة حياته وتجربتها الشنيعة مع الاحتلال النازي,قام منذ عام تقريباً بدور ابن سينا في فيلم الطبيب,وليته ما قام به,ففي الفيلم يموت ابن سينا منتحراً عقب حرق المدرسة الطبية!!!! وفي مشهد فانتازي يعمل هو مساعداً للطبيب الانجليزي الشاب الذي جاء ليتعلم الطب بعد أن غير ديانته لأن المدرسة لا تقبل المسيحيين فيصبح يهودي!!!! لكن يبقي الفيلم بكل أخطاؤه ممتع من الناحية الفنية,يبرز كيف سقطت حضارة في الخلافات والصراعات وكيف ظهرت أخري لما قاتلت وتحملت من أجل أن تتعلم علي أيدي"الحكيم" بعد أن كان ممثلها في الفيلم يعمل عن حلاق ساذج يدعي معرفة الطب,ليعود من عند ابن سينا طبيباً حقيقياً يتحدث عنه الناس.
لهم كل الحق!! فما دمنا لا نحترم تراثنا ولا نعرفه,ولا نصوغه فناً يراه الكل,فما لنا نحن وما يفعل به الغرب.
هذا هو الفكر المدرسي العقيم-أي فكر يتحول للمدرسية عقيم بالضرورة,لا يلد لكنه يتوالد ويسنتسخ نفسه حتي القرف-في ترتيبهم حسب الظهور الزمني,قبل أن يأتي الفيلسوف ناكر الفلسفة وعدوها,من ضرب الفلسفة بالفلسفة ليبرز أن الفلاسفة أغبياء ضعاف العقل,مضحوك عليهم واقعين في أخطاء لا يقع فيها العوام...أجل جاء الغزالي بتهافته الفلسفي الذي أبرز من الفلسفة ما عجز عنه الفلاسفة أنفسهم بعبارة واضحة بليغة فلسفية,قادرة علي الشرح والتفنيد,مستخدماً العقل لإبراز عجز العقل,الحق أنه لولا خوفي أن يغضب مني الغزالي لوصفته بأنه أحد المشائين,لكنه مضي في طريق معاكس وحده,غاضباً علي أرسطو ساخراً منه ومن أفلاطون...ربما هذا الرجل أكثرهم ذكاء,فما مشي إلا وراء عقله ساعياً لانتصار النص الديني علي العقل...بالعقل!
ثم جاء ابن رشد الشهير بشروحه لمنطق أرسطو وهجومه علي الغزالي,يتبناه الغرب كما تبني كل ذي عقل وجده,ونحن لم نرث من كل هذه الدنيا الصاخبة عقلياً إلا كراهية الغزالي للفلسفة وتكفير الفلاسفة دون أن يكون لدينا منهجاً علمياً ودلائل عقلية كالتي توفرت للغزالي الجبار الغريب,الذي مهما اختلفنا معه ومع آراؤه لابد أن نعترف أن الفلسفة خسرت مواهبه الفلسفية ولم يكن لها حظ منها إلا ما نالته من الهجوم عليها.
فتح أرسطو باب اللا النهائية المشائية بقوله:"فلنتفلسف إذا اقتضي الأمر أن نتفلسف,فإذا لم يقتض الأمر التفلسف ,وجب علينا أن نتفلسف لنثبت أن التفلسف لا ضرورة له"!!!
المشائية لا تعني المفهوم الحرفي للحركة علي قدمين,هي حركة عقلية مستمرة نحو المحاولة للوصول إلي الحقيقة عن طريق مقدمات يتبعها نتائج يُستخلص منها حقيقة الدنيا,وهذا سعي الإنسان المفكر أبداً.