الجمعة، 24 يوليو 2026

البيروني... عقل متشعب ورؤية إنسانية

 

التراث العربي بحر عميق متخم بالجواهر والدرر، درسه المستشرقون بشغف فامتلأوا إعجاباً بهم، ومن ضمن هؤلاء المستشرق الألماني إدوارد سخاو الذي وصف البيروني بأنه أكبر عقلية ظهرت في التاريخ ويعتبره أكبر ظاهرة علمية ظهرت في الحضارة الإسلامية، وفي قوله هذا مبالغة، فلا يمكن أن نصف عالماً بأنه هو الأعظم علي الإطلاق، ولكن سخاو له العذر لأنه سلخ من عمره سنوات طوال يدرس أعمال البيروني وتعلق به، والبيروني لا يحتاج شهادة للتدليل علي سعة علمه وتأثيره المدوي في مسار العلم، فاسمه سبظل باقياً علي لائحة أكابر العلماء في التاريخ.

علي أرض خوارزم وتحديداً في قرية قرب مدينة كاث، ولد أبي الريحان البيروني ٩٧٣م، في تلك المنطقة الواقعة حالياً في أوزبكستان وسط آسيا، حضارتها كان لها صيتاً واسعا، وكانت نقطة تلاق للحضارات اليونانية والفارسية والهندية والصينية، هناك أمراً غامضاً في حياة البيروني يخص أسرته حسبما قال في قصيدة شعرية سجلها ياقوت الحموي:

وذاكراً في قوافي الشعر حسبي ولست والله عارفاً نسبي

إذ لست أعرف جدي حق معرفة وكيف أعرف جدي إذ جهلت أبي

إني أبو لهب شيخ بلا أدب نعم ووالدتي حمالة الحطب

فهل لم يكن البيروني حقاً يعرف نسبه، أم أنت تلك الأبيات لها معني فلسفي، قصده الاستهزاء بالأنساب والألقاب؟! المؤكد أن راعيه ومربيه هو أبو نصر المنصور علي بن عراق، أحد أفراد الأسرة الحاكمة في خوارزم، وكان عالماً في الرياضيات والفلك، تعرف من خلاله عالمنا علي هندسة إقليدس ونظريات بطليموس الفلكية، ما أعده للأعمال الكبري التي قام بها في مستقبل أيامه، وظل البيروني وفياً لفضل المنصور عليه معبراً عن سعادته بين أفراد هذه الأسرة، وقبل أن ينهل من علم المنصور في بداية حياته، تعرف علي عالم نبات يونانياً، ساعده البيروني في جمع البذور والأزهار والفاكهة، فاشتعل شغفه بالعلوم الطبيعية، وهكذا كانت طفولة البيروني مع علم النباتات والفلك والرياضيات، وأصبح ما في جوف الأرض وما علي سطحها وما يعلوها من كواكب ونجوم، هو شاغل البيروني طوال حياته، لقد أراد ذلك العلامة أن يشحن عقله بالدنيا وما فيها فترك آثاراً علمية خالدة تتباهي بها الثقافة العربية.

فما الذي فعله بالضبط ليستحق مكانته ؟

لم يكن لشخص مثل هذا أن يضيع عمره فيما لا نفع منه، في سن السابعة عشر استخدم حلقة مدرجة لرصد ارتفاع الشمس عند خط زوال مدينة كاث، وبذلك استطاع حساب عرض المدينة، ولما كان في الرابعة والعشرين تراسل مع ابن سينا الذي كان يصغره بسبع سنوات، فتناقشا في كتابي السماء والطبيعة لأرسطو، وبنية الكون والقوانين الفيزيائية المؤثرة في حركة الأجسام، والجسيمات الغير قابلة للانقسام(الذرات)، وطبيعة الحرارة وكيفية انتقال الضوء، وبعد ذلك بعامين يكتب "الآثار الباقية عن القرون الخالية"، ليتدارس تاريخ البشرية منذ أصوله الأولي، شارحاً نظام التقاويم المختلفة عند العرب واليونان والفرس، كما يشير للأحداث التي جرتومع الملوك، وعادات ومعتقدات الأمم السابقة، وقد وضع تلك الأمم تحت عينه الفاحصة الدقيقة شديدة الملاحظة والذكاء، وليس من المستبعد أن تكون فكرة هذا الكتاب نبتت في عقل البيروني، بسبب تلك الاضطرابات السياسية العاتية التي عاني منها، فأراد فهم كيفية تطور المجتمعات وتتبدل الأيام، فلقد تغيرت حياة البيروني بعدما احتلت جيوش محمود الغزنوي خوارزم ١٠١٧،وارتحل مع بقية علماء البلاط لغزنة عاصمة حكمه، تلك الفترة كانت صعبة عليه فتحداها بالعمل والاجتهاد، فوضع فيها عمله الشهير" تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة" وانغمس لسنوات في دراسة بلاد الهند وأتقن لغتهم السنسكريتية، فأضاف وهو في الأربعينيات لغة جديدة للغات التي يتقنها وهي الفارسية والعربية والسريانية واليونانية، وهذا الكتاب مصدراً أساسياً لدراسة الهند، فلم يترك فيها شيئاً لم يسجله بأمانة كالعلوم والمعتقدات والقوانين وأنظمة القياس والوزن والأساطير واللغة والجغرافيا، مقتبساً أربع وعشرون عملاً لأربعة عشر كاتباً يونانياً، وأربعين مصدرا سنسكريتياً، لم يكن العالم قبل البيروني يعرف شيئاً ذا بال عن الهند، فهبط أرضها كي يسجل للبشرية جزء مجهولاً من ثقافتها، يمثل تحقيق ما للهند مع الآثار الباقية سلماً ارتقي به البيروني ليصبح من رواد علم التاريخ والإثنوغرافيا(علم وصف الشعوب)، ومن بديع صفاته أنه لما تعلم الكثير من الهند، ربما نازعته نفسه لرد جزء من ذلك الجميل فترجم كتاب العناصر لإقليدس وكتاب المجسطي لبطليموس للسنسكريتية، ونلمس في كتاباته عرفاناً للحضارة اليونانية وتقديراً لفلاسفتها وأدبائها، ذلك التعامل الراقي مع الحضارات المختلفة، يجعل البيروني من أوائل الدعاة لاكتشاف وحدة الأصول الإنسانية بين شعوب الأرض، فهو مؤمن بالوحدة والتعاون الشامل، عن طريق فهم الآخر واحترامه، فتمتد جسور التواصل بين الحضارات، ولم لا والأصل واحد وإن اختلفت الفروع؟!

كذلك كان من أساطين علم الفلك، فقد قال بإمكانية دوران الأرض حول الشمس، وبأن للأرض جاذبية تشد الأجسام حول مركزها، واستدل علي كروية الأرض، وبحث في تأثير القمر علي المد والجزر، وكتابه" القانون المسعودي" موسوعة فلكية يتجول فيها القارئ علي صفحة السماء، بل وابتكر أيضاً عدداً من آلات القياس الفلكية، وفي الجغرافيا تمكن من قياس محيط الأرض، بنسبة تختلف حوالي١١٠كم فقط عما جاءت به الدراسات الحديثة، وفي الجيولوجيا ذكر النظرية التي تشير لتعاقب العصور في دورات متتابعة، ومع مرور الزمن يصبح البحر يابساً واليابس بحراً، وفي آخر حياته يقتحم علمي المعادن والصدلة، فيكتب "الجماهر في معرفة الجواهر" يحدد فيه الأوزان النوعية للأحجار الكريمة، " الصيدنة" وهو معجم طبي يحتوي علي أسماء الأدوية والعقاقير وتأثيراتها، وفي يوم وفاته عام ١٠٤٨م يأبي وهو في النزع الأخير، مفارقة الدنيا إلا وهو يستفهم عن مسألة في علم المواريث كما يحدثنا الفقيه أبو الحسن علي بن عيسي قائلاً" أودع الدنيا وأنا عالم بها خير لي من أن أخليها وأنا جاهل بها".

أدرك البيروني قيمة الحياة فلم ينتهك أيامه في الفراغ، فأمد العالم بذخيرة علمية مازالت تحتفظ حتي اليوم بقيمتها، ومبادئ وروح علمية تحتذي من أهم عناصرها أصالة التفكير، الشمولية الموسوعية، موهبة أدبية، منهج علمي دقيق، ورغبة في التوحيد بين البشر رغم ما تظن كل أمة عن الآخري، فتنازعت عليه عدة قوميات هي العربية والإيرانية والتركية والروسية، وإذا سألنا عالمنا العبقري إلي من تنتمي بين كل هؤلاء؟ لأجاب بحسب ما تعلمناه منه: أنتمي للإنسانية بكل أممها وعصورها التي تتعاقب بحركة الأفلاك.


الخميس، 23 يوليو 2026

فلاسفة حول الدائرة

 فلاسفة حول الدائرة

لا يمكن فض ألغاز هذا العالم البتة، كل لحظة مثيرة للدهشة والغرابة، ومن الصعب الجزم بصحة أي فكرة ولدت من العقل البشري، كأني أسير مع الاتجاه القائل بأن كل المعارف البشرية محض سذاجة وتخييل، وأتنهد مع المعري بلوعة:

نفارق العيش لم نظفر بمعرفة وإنما نحن في ضلال وتعليل

يرد علي خاطري تلك الأفكار المخيفة، وأنا أتأمل فلسفة العود الأبدي، تلك الفكرة الرهيبة الغامضة عن تكرار الأحداث في العالم مراراً بتعاقب الحياة في الكون بصورة متكررة، فالحياة في ذلك النسق الفكري لا تفني إلا تعود من جديد، هل هذا ما نعنيه نحن بقولنا"دارت الأيام"،وبأن الدائرة التي بدون بداية ولا نهاية هي أكمل الأشكال الهندسية، حيث البداية هي النهاية والنهاية هي البداية؟....إن مجرد التفكير في مفهوم الأبدي يصيب الدماغ بالدوار، إن نيتشة كان علي حق حين سردها علي لسان شيطان في ذلك المقطع من كتاب العلم المرح:" ماذا عساك تقول لو أن شيطاناً تسلل يوماً أو ليلة داخل وحدتك الأكثر انزواء، وقال لك" هاته الحياة، مثلما تحياها الآن، ومثلما حييتها، سيلزمك أن تحياها مرة أخري ومرات لا حصر لها، ولن يكون فيها شئ جديد، سوي أن كل ألم وكل متعة، كل فكرة وكل تأوه وكل ما هو متناه في الصغر والكبر في حياتك لابد أن يعود إليك، والكل في نفس النظام ونفس التتابع، تلك الرتيلاء(العنكبوت) أيضاً، وضوء القمر هذا بين الأشجار، وهاته اللحظة وأنا نفسي. إن ساعة الوجود الرملية الخالدة لا تفتأ تعكس من جديد وأنت معها يا ذرة غبار من الغبار" ألن تلقي بنفسك أرضاً، تصر أسنانك وتلعن الشيطان الذي يكلمك بهذا الشكل؟ أم سيحدث أن تعيش لحظة رائعة قد يمكنك فيها أن تجيبه" أنت إله فما سمعت أشياء أروع من هاته قط"لو سيطرت عليك هاته الفكرة فستحولك، جاعلة منك مثلما أنت شخصاً آخر، ربما طاحنة إياك:والسؤال المطروح بخصوص كل شئ:"هل تريد هذا مرة أخري ومرات لا حصر لها" سيهبط بثقله علي تصرفك كأثقل وزن! أو كم سيلزمك من إظهار الإحسان تجاه نفسك وتجاه الحياة حتي لا ترغب في شئ غير هاته الأخيرة التي هي إثبات أبدي، هاته الأخيرة التي هي عقاب أبدي! " ما أن نيتشه يطرح إلتزاماً أخلاقياً، فكيف تبغي أن تعيش حياتك لو قيض لك أن تعيدها مرات لا حصر لها! لو أن كل لحظة ستعاد إلي مالا نهاية، وترمي في وجدانك ضحكات الفرح أو صراخ لهيب الألم، وبالتالي سنندم علي كل لحظة مرت لم نكن علي مستوي الأخلاق المطلوبة، فلا أحد يريد أن تعاد مساوئ حياته، وستتيقظ عندما نفهم ذلك حواسنا للمستقبل، ونستعد دوماً للتعامل مع اللحظة القادمة، وأن نتشبع بكل ما في الحياة، وفي النهاية نحب القدر ونتماهي معه.

فكرة التكرار الزمني للأحداث من عمر الحضارات الأولي للبشرية، وعرفتها كل الثقافات، ففي مدونة هرمس المصرية المنسوبة للإله تحوت"يتغير كل شئ في الزمن أبداً، تولد الكائنات ثم تفني ثم تعود للوجود من جديد" وعرف السومريون والبابليون الدورة الزمنية، التي سموها "السار" ونقلها الإغريق وحرفوها للساروس أي الدائرة، والساروس البابلية هي دورة كونية تدوم لـ ٣٦٠٠عام،أي أن الكون يخلق ثم يستمر لمدة ٣٦٠٠عام ثم يفني بالطوفان أو الحريق، وكان لمفهوم تكرار الزمن أهمية كبيرة في الفلسفة اليونانية، وضحت في فلسفة أنكسمندر الملطي عندما ذكر وجود عدد لا متناه من العوالم واعتقد بالفناء الكوني، أما هيراقليطس فعرف الساروس بالسنة الكبري، فالنار في فلسفته أحد عناصر الكون الرئيسية تلتهم العالم بين مدة وأخري، ثم يعود من جديد لما كان عليه سابقاً، وهيراقليطس هذا أحد أهم فلاسفة اليونان الذين أثروا في عقل الحضارة الغربية، فهيجل يقول عنه"ما من قضية لهيراقليطس لم أكن قد احتضنتها في منطقي"، ونيتشه يضع له مكاناً فريداً في روحه"وظل يساورني شك فيما يتصل بهيراقليطس الذي يبعث اتصالي به الدفء في نفسي ويجعلني أكثر رشاقة مما يفعل اتصالي بغيره أياً كان" بل لقد اعتبر أحد الشراح أن فلسفة نيتشه يرجع لهيراقليطس، والحق أن هيراقليطس وإن لم يكن من نجوم الفلسفة الإغريقية إلا أن تأثيره تفرع وامتد لكل مكان في العالم، فأفكاره كامنة في الرواقية، والأفلاطونية المحدثة، أما المسيحيون الأوائل عاملوه كأول المبشرين بديانتهم، بسبب نظريته في اللوجوس، ولما انتقل للعالم الإسلامي، أثرت فكرته في تعاقب الإكوان في نظريات إخوان الصفا، وقوله بأن النار أصل الوجود كان له عواقب حاسمة في اتجاه الفيلسوف الصوفي الغنوصي الحلاج لتقديس النار، وذلك الفيلسوف المولود في إفسوس غرب الاناضول عام ٥٣٥ق.م من عائلة عريقة تتسم بالنبالة، عرف بغرابة سلوكه وحزنه الدائم، حتي عرف بالفيلسوف الباكي، ويصفه ديوجنيس"كارهاً للبشرية، اختار العزلة والبعد عن المناصب، وما بقي من مؤلفاته عبارات ملؤها الألغاز، واتبع الفيثاغوريون فلسفته وآمنوا بوجود عوالم كثيرة في عدد محدود، وبأن الحوادث ستتكرر والدورات الزمنية تحدث لما لا نهاية، وحول هذا الموضوع خاطب ديموس تلميذ أرسطو أتباعه قائلاً"إن صدقنا الفيثاغوريون فسيجئ يوم نجتمع فيه ثانية في هذا المكان، فتجلسون كما أنتم تسمعون إلي، وأتحدث أنا إليكم كما أفعل الآن" واعتقد أفلاطون وزينون بتلك السيرورة الكونية، ومع انتشار المسيحية تعرضت لنقد شديد من مفكريها، مثل القديس أوغسطين علي اعتبار أنها تنكر الإرادة الحرة وفرصة الخلاص،ومع الوقت تلاشت من الأذهان.

في القرن التاسع عشر أعاد نيتشه العملاق من جديد إحياء نظرية العود الأبدي، كأحد أهم المرتكزات التي بنيت عليها فلسفته المثيرة للجدل، ورغم كونه دارساً متعمقاً للفلسفة اليونانية-أو ربما بسبب ذلك- ينسب فضل صياغة العود الأبدي لنفسه، فيحكي أنه في أحد أيام شهر أغسطس من عام ١٨٨١كان يتنزه في إيطاليا"في ذلك اليوم كنت أجتاز الغابة علي طول بحيرة سلفا بلانا، وبالقرب من كتلة صخرية هائلة برزت علي شكل هرمي، وعلي مقربة من سورلي، وقفت، وهناك خطرت لي الفكرة" تلك الفكرة ظنها نبعت من أعماقه لفرط ما تشبع بالفلسفة اليونانية حتي غدت لا تنفصل عن وعيه، ومنذ تلك اللحظة بجوار الصخرة الهرمية، ونيتشه يتغني بالعود الأبدي في أعماله، خاصة عمله الأشهر" هكذا تكلم زرادشت"فيجعل النبي الفارسي زرادتشت يترنم بالآراء العاتية والصادمة، حول القوة والإنسان الأعلي اللذين أساء فهمهما التيار النازي في ألمانيا وانحرف هتلر عن المضمون العميق لرؤية نيتشه، وها نحن نسمع من نيتشه علي لسان زرادشت همسات شعرية" سأعود مع هذه الشمس، وهذه الأرض، وهذا النسر، وهذا الثعبان، لا إلي حياة جديدة أو حياة أفضل، أو حياة تقرب من هذه، سأعود أبداً إلي نفس هذه الحياة، في كل صغيرة وكبيرة منها، لكي أدعو مرة أخري إلي العود الأبدي لكل الأشياء".

نجد فلسفة العود الأبدي يتردد صداها في العلوم، بحسب نظرية الانفجار الكبير للعالم البلجيكي جورج لوميتر، سيظل الكون يتمدد حتي يصل إلي أقصي مداه، وسينكمش من جديد ماراً بنفس مراحل تطوره عكسياً إلي أن يختفي كلياً، ومن المنتظر حينها أن يعود من جديد ماراً بنفس مراحل تكوينه السابق. يؤيد عدد كبير من العلماء هذه النظرية التي استطاع الأولون من الحكماء إدراكها بأسلوبهم، وصاغها نيتشه بمقهومه الخاص وجعل منها أحد النظريات المؤثرة في الثقافة المعاصرة... من يدري ربما نحن أيضاً نعرف ذلك في أعماقنا وإلا لماذا نصاب كثيراً بالديجافو ونشعر أننا مررنا بنفس المواقف ذاتها من قبل، كأن الحجاب يرفع عنا ونشعر أننا عشنا هذه الحياة من قبل ولكننا نسينا، وما أكثر ما ينسي أبناء آدم.


الخميس، 29 يناير 2026

عمر ياغي... فصل جديد للعرب مع الكيمياء


عمر ياغي... فصل جديد للعرب مع الكيمياء



عندما حصل العالم عمر ياغي علي جائزة نوبل في الكيمياء عام ٢٠٢٥، أطل علي العالم بوجهه الطفولي ونظارته الطبية، لتسافر عبر وكالات الأنباء وشاشات الأخبار أنباء إنجاز تاريخي في مجال الكيمياء، خرج من المعامل والمختبرات والحيز الأكاديمي المختص، ليعلن عن نفسه أمام البشرية فيهبها الآمال والأحلام في غد أفضل، وأن شئنا الدقة والاختصار فقد ولد علم جديد اسمه"الكيمياء الشبكية"، وزارت الفرحة قلوب العرب... فرحة خامرها حيرة واضطراب في تحديد ماهية الدولة التي ينتمي لها ياغي الذي ولد في الأردن ١٩٦٥ لأبوين فلسطينيين هاجرا بعد نكبة ١٩٤٨،ثم سافر للولايات المتحدة في عمر الخامسة عشر، وفي ٢٠٢١ منح الجنسية السعودية، مما تسبب في حالة اختلاف أدي لخلاف بين العرب- كما هي العادة للأسف- لكن فرحتي الغامرة لم تتأثر، فكل ما يهمني أنه عربي ينتمي لثقافتي ويعرف لساني، وفوزه انتصار لكل العرب يمنحهم دفعة نحو أبواب المستقبل، وفي نفس الوقت يذكرهم بتاريخهم المجيد في العلوم ودورهم في صنع الحضارة الإنسانية، عندما كان العالم غارقاً في ظلمات العصور الوسطي.

عمر ياغي فصل جديد من قصة العرب مع الكيمياء التي عرفت في فترة ما بـ"صنعة جابر" نسبة إلي جابر بن حيان، المستحق لوصف الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس باكون" أول من علم الكيمياء للعالم، فهو أبو الكيمياء"، واستمر نبوغ العرب في الكيمياء في العصر الحديث، بينما كان القرن العشرين يطوي أوراقه ويرحل حصل العالم أحمد زويل علي نوبل للكيمياء عام ١٩٩٩،وبعد ٢٦ عاماً، يقتنصها ياغي بدأبه العلمي وكفاحه بين جدران الجامعة في الولايات المتحدة، حيث نشر قبل الجائزة أكثر من ٣٠٠بحث علمي، وحظيت أعماله بأكثر من ٢٥٠ألف استشهاد علمي.

ميلاد علم جديد أمر بستحق التأمل، وقصته حين تروي تلهم الملايين حول العالم، وبتأسيسه لعلم الكيمياء الشبكية منح ياغي رؤية جديدة ومبتكرة جعلتنا نري العالم من منظور جديد تماماً، وهي سمة الاكتشافات العظيمة والاختراعات المذهلة، فقد قرر ياغي أن يجعل الكيميائي يتوقف عن السعي لإيجاد المواد، ويبدأ في تصميمها بدلاً من بقاؤه تحت رحمة التفاعلات ، وأثبت أن ندرة المواد أو وفرتها ليس قانوناً علي البشر اتباعه، بل تكوين يمكن بنائه من الصفر وعبر عن ذلك لجنة نوبل في تقريرها بقولها أن منجز عمر ياغي بمثابة"تحولاً من كيمياء الاكتشاف إلي كيمياء البناء". 

الأطر الفلزية العضوية MOFsالتي ابتكرها ياغي أشبه بإسفنجات متناهية الصغر بإمكانها تغيير واقعنا، فهي عبارة عن هياكل صغيرة جداً، وفيها مسام عديدة ومساحة سطح داخلية ضخمة للغاية بالنسبة للجزيئات، تتميز بروابط كيميائية قوية، مثل بناء من قطع الليجو لكن علي مستوي مجهري، ومثال آخر لتقريب الفكرة أكثر يمكن اعتبارها بناء معماري علي مستوي الذرة لهندسة الفراغ، أي غرفة ذرية لتخزين المياه والغازات كالهيدورجين وقود المستقبل، وتخزينه يمثل عقبة لأنه غاز خفيف للغاية من الصعب ضغطته أو تسييله، وثاني أكسيد الكربون لتنقية الهواء، وفي مسيرة مكافحة الإنسان للمرض الخبيث، فالمسامات النانوية داخل MOFsيمكنها حمل جزيئات الدواء، وتنقلها بدقة وأمان داخل الجسم، وتلك طريقة مثالية لتوصيل الأدوية المعالجة للسرطان، التي تستهدف الوصول إلي خلايا معينة دون التعامل مع الخلايا السليمة، وعندما تمت تجربة عقارات محمولة بالإطارات الفلزية مثل الدوكسوروبيسين، علي الحيوانات جاءت النتائج مبهرة، وكان تعليق العلماء" مركبات ذكية تعرف أين تذهب ومتي تعمل".

حين اقترحت فكرة مماثلة قبل عدة عقود رد العلماء "مستحيل" لاعتقادهم أن الروابط الكيميائية، سينتج عنها مواد لا بلورية في حالة فوضي وعدم استقرار، ولأن عمر ياغي رباه والده علي الاستقلال الفكري وإتقان العمل، استمر في تجاربه الناجحة في سبيل تحقيق المستحيل، حتي نجح عام ١٩٩٥ بإنتاج هياكل بلورية ، وكانت قفزة كبيرة في مشروعه العلمي، حيث استخدم روابط قوية لربط الأيونات المعدنية والموصلات العضوية، وذلك جعل الهياكل صلبة ومستقلة، ثم صنع وحدات بنائية خاصة أقامت هياكل قوية ومفرغة، تأكد العلماء من فراغها الداخلي عن طريق اختبار كمية الغاز التي يمكنها تخزينها عام ١٩٩٨.

أثبتت MOFs أنها مجرد بداية لعالم جديد يتشكل، تصبح فيه المادة تحت طاعة الإنسان يصوغها حسب حاجته، خاصة الشح المائي الذي يعاني منه ثلث سكان العالم، فلطالما كان نقص المياه وجعاً لم يبارح قلب عمر ياغي، منذ كان طفلاً يسكن مع والديه اللاجئين وأشقائه، في حجرة واحدة يتقاسمونها مع قطيع من الماشية، في منزل بلا كهرباء ولا تتوفر له الماء سوي ٤ساعات كل إسبوعين، فهو يعرف جيداً الأثر السلبي المريع لمجتمع يعاني من نقص المياه، ويحاول بكل طاقته تجنيب الأجيال المقبلة المعاناة التي مر بها كواحد من ملايين كانت المياه بالنسبة لهم حلماً، سبيله في ذلك العلم الذي ارتبط به منذ طفولته، حتي أن صورته الوحيدة التي التقطها في صغره يظهر وفي يده كتاباً، رفض أن يضعه جانباً ليلتقط صورة وظل ممسكاً به ويعلق علي ذلك" لقد حملته معي لأنني أدركت أن هذا هو أهم شئ سأفعله".

فاز ياغي بنوبل والعرب حصلوا علي حصة مستحقة وشحيحة من الأمل، ودافع جديد للعمل والانطلاق في ميادين العلم، أما العالم فقد تخطي عتبة جديدة وضعته علي آفاق علمية ستغير من مساراته للأبد، وربما عن قريب يحل اليوم السعيد الذي يحصل فيه كل العطاشي علي المياه من الهواء المحيط بهم، فتصير المياه متوفرة كالهواء، وأن تتخفف آلام مرضي السرطان بعدم الإضرار بخلاياهم السليمة أثناء العلاج، ويكتشف الإنسان جمال الطبيعة حين يقل ثاني أكسيد الكربون في الجو ونعتمد علي الهيدروجين  لإنتاج الطاقة النظيفة، ومئات الأحلام أراها الآن في طريقها للتحقيق...كل ذلك لأن هناك لاجئاً من حرب مدمرة لم يحظ ألا بقليل من التعليم، آمن بابنه وعلمه حرية التفكير، وأصر علي سفره لأمريكا رغم رفض الابن في البداية، وهذا الابن شق طريقه بذكاؤه ومهارته وجهده، ليتحول من الفتي الفقير الباحث عن المياه لأسرته، إلي نجماً لامعاً متوجاً علي عرش الكيمياء في ٢٠٢٥،وصانعاً لعالم جديد سيجعل فيه حياة الملايين حول العالم أكثر إنسانية وسعادة، وهذا الشخص فلسطيني+أردني+سعودي... ومع أني لم أحظ بنصيب عمر ياغي من العلم ولا سافرت لأمريكا لدراسة الكيمياء، لكن تلك المعادلة حلها سهل هو إذن عربي، هو إذن يشبهني، هو إذن يشرفني.

ليس ابتكار ياغي العلمي وحده هو ما يستحق التأمل والإعجاب، تجربته الحياتية أيضاً ملهمة، وأحاديثه تمتاز بالذكاء والتواضع، وربما أهم ما سمعته في الفترة الأخيرة قوله" بينما أتأمل رحلتي، أتذكر أن الحياة نادراً ما توفر ظروفاً مثالية، كثيراً ما نجد أنفسنا ننتظر اللحظة المناسبة، أو الموارد المناسبة، أو الظروف المناسبة لنبدأ السعي وراء أحلامنا، لكن هناك شئ واحد علمتني إياه الحياة، هو أن انتظار الظروف المثالية قد يعني في كثير من الأحيان الانتظار إلي الأبد، يكمن السر في أن تبدأ من حيث أنت وبأي شئ لديك، وأن تثق بأنه بالتفكير السليم ستتشكل الرحلة من تلقاء نفسها وأنت تمضي قدماً".تلك العبارات ليست من غث التنمية البشرية وأكوام هرائها المتناثر في كل مكان، ولا قالها أحد الفاشلين الذين لا هم لهم سوي إبداء النصائح للنجاح، إنما درس تعلمه أحد أهم علماء عصرنا، وطبقه علي نفسه فصعد من القاع للقمة، قد تبدو كلماته سهلة، ومع ذلك تنفيذها قد يستغرق عمراً بأكمله. 




الأربعاء، 28 يناير 2026

سندباد مصري يتجول بين شطآن التاريخ

 


سندباد مصري يتجول بين شطآن التاريخ



حسين فوزي أحد أعلام الثقافة العربية في القرن العشرين، ولد وفي بدايته وتوفي عام ١٩٨٨،بمهارته كعالم بحار استطاع التجول بين شطآن التاريخ المصري وصيد لآلئه في كتابه"سندباد مصري"، تلك الأنشودة المنطلقة من قلب عاشق لوطنه، تختلف مع بعض رؤاه وآراؤه، لكنك لا تمتلك سوي الإعجاب بذلك العقل الكبير وتفكيره المنطقي المرتب في كل ما يكتب، وربما سر الكتابة يكمن في الإستجابات المتباينة وردود الفعل المختلفة للأفكار التي تحملها.

في ذلك الكتاب يسير حسين فوزي في موكب التاريخ بصورة عكسية، فقد قسمه لثلاث فصول: "الظلام" وفيه مظالم وآلام الشعب المصري تحت الحكم العثماني، بعدما غزا السلطان سليم الأول مصر عام ١٥١٧،مطيحاً بحكم المماليك وشانقاً سلطانهم الاخير طومان باي أمام باب زويلة، واستبداد باشاواته بالشعب، ثم حكم محمد علي باشا وتعسفه في الكثير من أحكامه، "الخيط الأبيض والخيط الأسود" حال الشعب أثناء العصور الفارسية واليونانية والعربية، وبداية الانفصال عن لغة وتراث مصر القديمة، "الضياء" عن بداية انبثاق فجر مصر المنير في عهد قدماء المصريين... يبدأ التدوين التاريخي من مرارة التسلط العثماني وينتهي بحضارة مصر المشرقة، غير عابئ كثيراً بالحكام، فالمتن الحقيقي هو الشعب الذي نسج حياته علي ضفاف النيل، منشئاً للمباني ومطوراً للصناعات وحارساً للثمار والزرع، قابضاً علي الحكمة التي علمها له تاريخه الطويل، علاقته بحكامه علي اختلاف جنسياتهم منذ الغزو الفارسي يلخصها في عبارة يجريها علي لسانه" لا أطلب منك إلا أن تجري في أحكامك بين الناس بالعدل، وأن ترعي شئونهم بالرفق: ثم افعل ما بدا لك بعد ذلك، مادمت تتركني أعمل في وادي الخصيب" ويري في ذلك المنهج النفسي خلاصة تاريخ مصر بالكامل.

يعالج حسين فوزي فكرة الانتماء التي تحير الشباب اليوم، دون أن يعلن ذلك مباشرة، استمع بقلبك جيداً وتأمل كيف احتضن أجيال التاريخ، باراً بكل أجداده وأبائه الأقدمين" أنظرني حتي تتبين حاضري، وستعرف أن حرفاً واحداً لم أنسه مما بقي من تاريخي الوثني، والمسيحي، والإسلامي، فليس من طبيعة المصري أن يتخلي عن تراثه، تالده وطريفه، كراكيبه وتحفه الغالية، عظيمه وحقيره.

في قلبي الفسيح مكان لكل أسلافي، عاقلهم وأحمقهم، غنيهم وفقيرهم.

"بهو الأجداد" في بيتي لا يعني بأسماء يتردد صداها في رحاب التاريخ وقاعاته، بقدر ما يعني بالمجهولين المغمورين منهم، ذلك الجبار المصري الذي رمي وراء ستين قرناً من الزمان، مكلل الجبين بكل ذلك المجد، مثقل الكاهل بكل ذلك العذاب والقهر".

نلحظ من رؤيته للتاريخ المصري أننا لا ننتمي إلي مرحلة دون أخري، ولا تصنيف دفع الآخر من حلبة التاريخ، إننا كمصريين ننتمي لوادي النيل الذي صهره التاريخ بالتحالف مع الجغرافيا في بوتقة فريدة، شملت عناصر متعددة شكلت الوجدان المصري، وجعلتنا علي ما نحن عليه بعيوبنا ومميزاتنا، إن الدراسة المتأنية لذلك الكتاب أشبه بخريطة ذهنية تهب وعياً حقيقياً- بعيداً عن سخافات وحماقات الإنترنت والصفحات الإلكترونية- لكل من يعاني لعدم قدرته استيعاب الهوية المصرية، وله العذر في ذلك، فبلد يربو تاريخها علي سبعة آلاف عام، من الصعب تحديد هويتها إلا بدراسة تاريخية متعمقة تبدأ من الجذور الأولي، وهذا ما يقدمه حسين فوزي في سياحته وهو الرحالة بين المدن والأمكنة، عندما يحمل عصا تجواله ويدور في أزمنة ووقائع التاريخ المصري، حيث يعترف في البداية" لا فضل لي في هذا الكتاب إلا أني رسمت خطته ونظمت فصوله، تبعاً لانفعالاتي الشخصية بتاريخ بلادي". 


لغة هذا الكتاب وحدها تعبير عن الهوية المصرية، فلحسين فوزي لغة لها طابعها الخاص، شكلها عشقه للموسيقي ودراسته لها نظرياً وفلسفياً، وما تزال تسجيلاته بصوته القوي الواثق يشرح الموسيقي العالمية في إذاعة البرنامج الثقافي ويحللها بشغف شديد، متنقلاً بين سيمفونيات بيتهوفن وباخ وموتسارت وشوبان وغيرهم من فطاحل الموسيقي، وأيضاً لنشأته الشعبية بجوار مسجد الحسين شكلت له لغة جمعت بين الفصحي والعامية في تناغم فريد، لا يضاهيه فيها إلا يحيي حقي وخيري شلبي، فضلاً عن معيشته في أوروبا واطلاعه علي علومها و فنونها وآدابها. 

يؤخذ علي حسين فوزي تجاهل انتماء مصر العربي مفضلاً عليه الانتماء للحضارة الغربية ومنجزاتها وقوانينها ونمط حياتها، وهو ما نلمسه في هذا الكتاب المنشور في الستينيات في أوج انتماء مصر القومي للعروبة، لم يخف ذلك فقد كان النموذج الغربي هو النموذج المنشود لطبقة لا يستهان بها من مثقفي مصر ومفكريها في القرن العشرين وخصوصاً في النصف الأول منه، وهذا ليس بعيب علي الإطلاق ولا مادة للتندر والسخرية كما نلحظ في كتابات من يهاجمون ذلك الاتجاه الفكري، فالكاتب عندما يطرح فكرة ما لا يظن في نفسه أنه صولون أو حمورابي وقد أصدر مرسوماً يجب طاعته واتباعه، بل هي رؤية نابعة من تجربته وثقافته يقدمها للنقد والتمحيص، لتخضع للنقاش الحر والمنطق المسلح بالمعرفة والثقافة كي تنضج ثمراته وتفيد المجتمع، وكل القضايا الجدلية في التاريخ أو حتي العلم لا يمكن البت فيها نهائياً، بل تحتاج لمجهودات أجيال متتابعة لتغطي جوانبها وتشرحها بوضوح واقتدار، وقد أسهم حسين فوزي بنصيبه في الأمور التاريخية والثقافية.

كتب حسين فوزي مؤلفه هذا في" بحبوحة الأدب والفن: حرية في الفكر وتحرر في الأسلوب" فترك بصمة واضحة في العقلية العربية الحديثة، ومعلماً هاماً في المكتبة العربية المعاصرة، تزداد قيمتها كلما مر عليها الزمن وتعاقبت الأجيال المصرية، لتنطق بسؤالها الخالد الأبدي" إلي أين نتجه؟". 



الخميس، 15 يناير 2026

ومضات تاريخية

 



١-عين حورس


همس لنفسه "ضاعت ولم يعد لها وجود"... تحسس مكان عينه المفقودة علي يد عمه ست، ولما رأي أتباعه مدي حزنه، فقاموا برسمها علي الجدران وورق البردي، حتي أصبحت أشهر عين في التاريخ، ومنذ ذلك اليوم تحدق فينا عين حورس  المنطفئة في كل مكان



٢- أحزان خيتي


الملك خيتي رابع من حمل اسمه قابع في قصره، لا يأكل ولا يتكلم، يفكر في حربه مع أنتف العظيم، حاكم مدينة طيبة المتمرد، يأكله الندم علي تدميره للعديد من المعابد المقدسة وضياع آلاف الأرواح، فنادي علي ابنه وطلب منه أن يسجل وصاياه الخاصة بتقوي الآلهة وتجنب الحروب.


٣- التاجان


في كل عام يتذكر الملك مينا الهتاف الذي اخترق سمعه وملأ روحه "عاش مينا موحد القطرين" ليس بوسعه فصم وجهي البلاد وإعادة كفاح الوحدة من جديد، كان يكتفي بفصل تاج الشمال الأحمر عن تاج الجنوب الأبيض، ويعيد تركيبهما معاً، ثم يتوج نفسه من جديد.


٤-نبيذ لأجل سخمت


أخيراً استلقت سخمت سكرانة من شراب النبيذ الإلهي الذي وضعه لها رع كي تتوقف عن سفك دماء البشر، نظرت إلي البحيرة الحمراء التي عبت منها في جوفها، ففهمت كل شئ، غضبت علي خداع أبيها لها، لكن غضبها ذاب في جوفها وهي تستمع لضحكات الصغار الذين يمرون من أمامها.


٥- أري أشياء رائعة


تصبب العرق من اللورد كارنافون، رغم برد نوفمبر القارص عام ١٩٢٢،وتمني لو وهب عيناً تخترق سماكة الحجر، جفف جبينه بمنديل وهو يري علي ضوء المصباح الخافت، هيوارد كارتر يقترب من فتحة المقبرة وبين يديه شمعة ضئيلة، شمعة أضاءت وهجاً أعمي عينيه لما انعكس علي مئات القطع الذهبية للملك توت عنخ آمون، ارتعشت يداه بشدة وهو يتأمل الروعة المتجسدة حوله، وهتف كارنافون  بصبر نافد:

- ماذا تري؟

فأجاب بما سيدور في خلد كل إنسان سيشاهد محتويات المقبرة إلي الأبد:

- أري.... أري أشياء رائعة".




الأحد، 4 يناير 2026

دار دون....أو المدينة كما رأيتها


دار دون....أو المدينة كما رأيتها


ترجع بداية اكتشافي لدار دون منذ بداية ظهورها عام ٢٠٠٨،كنت أشاهد أغلفة إصداراتها المميزة في الصحف، ولطالما أعجبت بتصاميمها الملفتة للنظر في ذلك الوقت لم يكن الإنترنت متوفراً كاليوم، ولكن كان هناك شغفاً حقيقياً بالمعرفة، فظللت أتتبع أخبارها في الصفحات المختصة بالثقافة وعروض الكتب في الصحف والمجلات... الاسم نفسه كان جذاباً فقد كانت حركة التدوين والمدونات الإلكترونية في مجدها، ومنذ تلك الآونة تحتل دار دون مركزاً متقدماً في القائمة المفضلة لدي، لأن كل كتاب تنشره إما يمس شيئاً في وجداني أو عقلي، وهكذا اعتبرت تلك الدار بمثابة مدينة خيالية، أنسلخ من مشاكلي وآلامي وأهادن الأيام القاسية بالهرب ناحيتها، لأبتهج وأستفيد، ولأن المجال لا يسمح بالإطالة-وأنا من عشاق الإطالة والاستطراد- فسأكتفي بما جري لي في شوارع مدينة/دار دون في العام الماضي فحسب.

شوارع تلك المدينة ملأي بالمشاهدات والتأملات، ففي شارع التاريخ يقف شريف سامي يحكي ماجري لبني البشر منذ زمن آدم، ويسرد ماجري لذريته التي توزعت بين الخير والشر حتي طوفان نوح، ومآل البشرية بعد الطوفان الذي تردد صداه في كل الحضارات القديمة كالحضارة المصرية القديمة والبابلية  واليونانية، متنقلاً من الكتب المقدسة للأنثروبولوجيا للجغرافيا للأساطير وأقوال المؤرخين ذاكراً لكافة وجهات النظر، وفي النهاية يحكم العقل والمنطق كي يفصل بينهم، وأيضاً يجلي حقيقة خطيرة ألا وهي استخدام القصص الدينية وشروحاتها لأغراض سياسية تخدم فئة ما علي حساب الأخري، ويختتم كتابه" الأرض بعد طوفان نوح" بالخلاصة الحقيقية والصادقة لذلك المشوار الطويل" يجب أن نعلم أننا جميعاً خليط واحد، وأن رب السماء لم يحلل العنصرية في أي كتاب"، و يستعرض تاريخ أوروبا المتشابك في"مختصر تاريخ أوروبا" منذ أقدم العصور حتي عصرنا الحالي، لنري كيف تشكلت القارة العجوز، وأحوالها في الحرب والسلم، وتلك الضريبة الباهظة التي دفعتها كي تتقدم إلي ماهي عليه الآن وهو في حد ذاته درساً تاريخياً ملئ بالعبر، وفي كتاب"٢٦ساعة في حياة هتلر" أدركت بصورة غير مباشرة أن عمر الإنسان لا يقاس بالسنوات، فالسنين طويلة، معظم أيامها غث لا معني له، بل بالساعات الحاسمة التي ينتج عنها قرارات مصيرية، فبين ساعة تمرد الصغير أدولف علي أبيه القاسي حتي هزيمته وهو الفوهرر في الحرب العالمية الثانية، تظهر مع تقدم الساعات تلك الشخصية الأكثر جدلاً في التاريخ الحديث  بالتدريج حتي تكتمل صورتها النهائية من جوانب عدة، ما يجعل ذلك الكتاي تعريفاً وافياً لسيرة الرجل الذي قلب العالم.

وفي شارع آخر ألتقي برجل طالما أحببت لقائه منذ سلسلة الرجل المستحيل... نبيل فاروق يؤدي دوره لآخر عمره ليزيد من الوعي الوطني في كتاب "حروب" الذي حدثنا فيه عن تاريخ الحروب منذ زمن السيوف والرماح حتي حروب الجيل الرابع الخبيثة المعتمدة علي وسائل الإعلام والإشاعات والألاعيب النفسية، وفي الكتاب فصلين دسمين الأول عن رفعت الجمال الشهير برأفت الهجان، يجيب فيه عن أسئلة حول تلك الشخصية الغامضة طالما سببت لي الحيرة، والثاني عن جماعة الحشاشين وقائدها حسن الصباح، ومقره في قلعة ألموت... وسيصحبنا نبيل فاروق لشارع آخر كان بالنسبة لي مفاجئة وهو شارع السينما والدراما "شغف السينما" وسأري له وجهاً لم أعرفه من قبل، فهو مشاهد عتيد تنقل بين الأعمال السينمائية والدرامية في مصر وخارجها، فاستعادت ذاكرتي أوقاتاً جميلة قضيتها علي شاشة الفرجة، وزاد تأكدي أن باب السينما والدراما واحد من أكثر أبواب المعرفة ثراء، حين تدرس موضوعاتها بجدية.

وفي ختام العام كام كتاب" ميت مطلوب للشهادة" وفيه جمعت سمر عبد العظيم بين الفن القصصي ووقائع الطب الشرعي المثيرة، أثناء اكتشاف الحقائق خلف حالات الانتحار والقتل والحوادث، وتبين الواقع من الزيف، ولقد تلفت حولي طويلاً فيه متوجساً، فلا أعرف ماذا يمكن أن أسمي هذا الشارع فكل أبطاله يتحدثون من العالم الآخر. 


الاثنين، 8 ديسمبر 2025

السبع دوخات

 





السبع دوخات

عن قصة زعبلاوي لنجيب محفوظ

سيناريو وحوار: محمود قدري























م/١               عيادة طبيب نفسي               ن/د


ضياء رجل في الأربعين يجلس علي مقعد أمام طبيب نفسي، يناوله الطبيب روشتة دواء

ضياء يسخط ولا يأخذها منه

ضياء: مش عايز دوا! علاجي مش برشامة أزحلقها بشوية ميه في زوري. 

الطبيب(مهدئاً): الدكتور النفسي مش ساحر، والاكتئاب وحش بيكبر كل دقيقة، لازم نواجهه بكل الأسباب الممكنة... وجع الفقدان مش سهل. 

يقبض ضياء بأصابعه علي الروشتة ويضعها في جيبه، ويخرج متضايق من الباب. 

ينظر له الطبيب في أسي وعجز. 


قطع























م/٢               شقة ضياء(الصالون)                ل/د


الإضاءة كابية... نور باهت وحيد منبعث من أباجورة صغيرة موضوعة علي طاولة مستديرة. 

ضياء ممدد علي الأريكة، يقلب في صور هاتفه، فنري صورة زفافه مع زوجته الراحلة، ينظر لها بتأثر شديد ويتكلم معها. 

ضياء: سنة يا سلمي من غيرك... سنة مرت عليا كأنها قطر هرس جوايا كل حاجة. 

يرن هاتفه، يرد ولا نسمع ما يقوله الطرف الآخر لكن ندركه من كلام ضياء. 

ضياء(ساخراً بمرارة) ماتقلقش لسه عايش، الانتحار عايز شجاعة مش عندي

ثوان يستمع فيها لمحدثه. 

ضياء: حاول تمد لي الأجازة أكتر معلش، مش قادر آجي الشركة

يغلق الخط، ويستمر في تقليب الصور، نري صورة له مع والده وهما في غاية السعادة، ويسرح فجأة متذكراً شئ ما. 

ص. ضياء في صغره: هو مين بابا زعبلاوي ده اللي كل ماترجع من عنده، تبقي فرحان قوي كده وتشتري لي كل الحلويات اللي بحبها. 

ص. الأب: الزعبلاوي ده يا ابني راجل زي الملايكة كده، تقعد معاه تحكي له همومك ترتاح كأنه شالها عنك، حلال المشاكل والعقد، حاكم فيه ناس كده يا ضياء يا حبيبي، ربنا يخلقها عشان الدنيا تتوزن بين الوحش والحلو. 

ص. ضياء في صغره: طب ليه الناس بيغنوا له(يغني) الدنيا مالها يا زعبلاوي    شقلبوا حالها وخلوها ماوي؟ 

ص. الأب: بيشكوا له حالهم واللي جرالهم. 

ص. ضياء في صغره: بابا...يعني إيه ماوي؟ 

ص. الأب: يعني اللي كان فوق بقي تحت، واللي بات الضحكة علي وشه صبح دموعه علي خده(يتنهد) دنيا! 


قطع









م/٣               إشارة شارع مزدحم          ن/خ


ضياء يقود سيارته في زحام خانق. 

يري امرأة شوهاء تحمل علي كتفيها طفل رضيع تتسول به. 

زوجان في السيارة التي بجواره يتشاجران. 

فتاة تبكي وبحوارها أخري تربت عليها. 

تفتح الإشارة وينطلق بطيئاً وسط زحام البشر والسيارات. 


قطع

















م/٤               مكتب الأستاذ قمر(صالة الاستقبال)    ن/د


يجلس ضياء في مكتب بالغ الفخامة، وسط مجموعة كبيرة من الناس الذين يحملون أوراقاً عديدة، وملفات كثيرة ينتظرون دورهم في الدخول. 

ينظر للوحة شكر كبيرة معلقة علي الجدار تقديراً للأستاذ قمر المحامي في حل مشكلات الموكلين. 

تخرج من حجرة قمر امرأة فاتنة الجمال ترتدي ملابس مثيرة، تضحك وتقف عند الباب تودعه بتلويحة رقيقة من يدها. 

من فرجة الباب نري قمر متهلل الوجه يحيها برفع يده

تشير السكرتيرة لضياء بالدخول. 

السكرتيرة: اتفضل دور حضرتك


قطع




















م/٥               حجرة قمر               ن/د


يدخل ضياء يتعثر في خجله، فيقابله قمر مبتسماً بترحيب حار، مشيراً له بالجلوس وبين أصابعه سيجاراً فاخراً،وعلي المكتب الانيق لوحة باسم"الأستاذ قمر بهجت المحامي". 

قمر:شرفت مكتبنا

يجلس ضياء أمامه يمسح وجهه بمنديل، تمر لحظات صمت يقطعها قمر ليدفعه للكلام. 

قمر: خير إن شاء الله؟ قولي مشكلتك وماتقلقش ولا تحب تشرب حاجة الأول. 

ضياء: لا مالهوش لزوم، أنا ابن علي التطاوي زميلك في الأزهر

تتلاشي ابتسامة قمر لحد ما

قمر: الله يرحمه

يتغلب ضياء علي خجله، فلم يعد هناك مجالاً للصمت. 

ضياء: الحقيقة أنا جاي اسأل عن الزعبلاوي، أبويا كان قايل إنك اللي عرفتهم علي بعض. 

يرجع قمر بظهره للمكتب وقد تلاشت ابتسامته تماماً

قمر:ده كان زمان، أنا بقالي ٣٠سنة ماشوفتهوش. 

ضياء: كان فعلاً زي مابيقولوا عليه؟ 

قمر: وأكتر.

يتشاغل قمر ببضعة أوراق علي مكتبه. 

يقوم ضياء ويخاطبه بينما يتراجع للخلف نحو الباب. 

ضياء: ماتعرفش ممكن ألاقيه فين؟ 

قمر(بصرامة من ينهي حديثاً لا يعجبه) : بقولك بقالي ٣٠سنة ماشوفتهوش. 

يخرج ضياء شاعراً بالإحراج الشديد. 

يسهم قمر للحظات وكأنه يتذكر شيئاً ما يسيطر علي كيانه. 

يدخل  رجل يبدو عليه الثراء الشديد، فيفيق لنفسه ويرحب به بحرارة. 


قطع





م/٦               معرض سيارات               ل/د

يقف ضياء مع الحاج علي، وهو رجل وقور يرتدي عباءة، ويخاطب عامل عنده يمسح واجهة المعرض الزجاجية. 

الحاج علي:اتكي شوية عالإزاز يا مسعود الله يكرمك، ولما تخلص خد حسين وطوقوا العربيات تطويقة حلوة كده. 

العامل: أوامرك يا حج علي. 

الحاج علي(لضياء) :متآخذتيش يا أستاذ معلش، قطعت كلامنا، بس لازم تبقي عيني علي كل حاجة، انت سيد العارفين، حاكم محدش بيشتغل بضمير إلا لما يحس إن العين عليه. 

ضياء: الله يكون في عونك يا حاج

الحاج علي: زي ما كنت بقولك كده الزعبلاوي مالهوش مطرح معين، صحيح أنا أقدم واحد في المنطقة، أقدر أدلك علي الكبير والصغير، اللي حاضر واللي غايب، بس الزعبلاوي مش معني إنه بيته هنا يبقي عايش هنا. 

ضياء: يعني إيه؟

الحاج علي: يعني ده راجل سواح هايم في أرض الله، ممكن يقعد شهور في بيته مايعتبش براه، ويقعد سنين مايهوبش ناحيته. 


يحني ضياء رأسه بيأس. 

ينظر له الحاج علي بعطف

الحاج علي: ياه ده انت باين عليك حالتك صعبة قوي... طب اسمع. 

ينتبه له ضياء بكل حواسه. 

الحاج علي: أنا سامع كده، مجرد سماع يعني والعلم عند الله إنه بقاله فترة بيروح عند حسين الخطاط

ضياء: عنوانه اعمل معروف. 



قطع









م/٧               دكان حسين الخطاط               ن/خ


يقترب ضياء فنري حسين من ظهره.

يكتب حسين بالخط العربي الآية الكريمة "فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور"،ثم يلتفت خلفه فيجد ضياء.

ضياء(في حزن) :زعبلاوي! 

ينظر له حسين في دهشة


قطع





















م/٨               حارة قديمة               ل/د


حارة شعبية تختلط فيها أصوات الباعة مع النداء مع شجار النساء.....القمامة في كل مكان


قطع


























م/٩               بيت الملحن جاد (صالة)             ل/د


المنزل في فوضي، خمسة أطفال منهم من يبكي ويركض ويتشاجر، يرن الجرس تظهر فتفتح زوجة جاد وهي امرأة بدينة يبدو عليها سمات التفاني الذي تخلفه الأمومة في نفس المرأة، فتجد ضياء عند الباب. 


ضياء:الأستاذ جاد موجود؟ 

المرأة(مرحبة) :اتفضل موجود

يهدأ الأطفال وينظرون له في فضول. 

تقوده المرأة إلي حجرة مغلقة وتفتح الباب، تغيب لحظة وتعود. 

المرأة: اتفضل بيتك ومطرحك


قطع

















م/١٠                 بيت الملحن جاد(حجرة الجلوس)                   ل/د


يدخل ضياء الحجرة فيجد جاد هو رجل خفيف الدم يتسم بالبساطة، يدندن علي العود لحن"مدام تحب بتنكر ليه"، يشعر به جاد فيقف محيياً

جاد:أهلاً وسهلاً، اقعد ياراجل واقف ليه!

يجلس ضياء علي إحدي الشلت.

جاد: شاي ولا قهوة؟ ولا تحب الست أم إبراهيم تعمل لك شوية رز بلبن؟

يبتسم ضياء لبساطة الرجل.

ضياء: لا ولا أي حاجة.

جاد( ينادي) :يا أم أبراهيم اتنين شاي. 

جاد يلعب بأوتار العود وكأنه نسي وجود ضياء.

ضياء: اسمي ضياء وجاي لك من طرف حسين الخطاط، قالي إن الزعبلاوي عندك.

جاد:الزعبلاوي ياالله... ده لسه كان عندي الشهر اللي فات.

ضياء(بأمل) :وهو بيجي هنا كل شهر؟

جاد:مالهوش مواعيد، ممكن يخش علينا دلوقت، وممكن ماشوفهوش لحد ما ربنا يفتكرني.

ضياء: يا خسارة المشوار!

جاد: الله يسامحك بقي تقول كده علي زيارة عرفتنا ببعض؟!

ضياء:آسف قصدي....

جاد: ولا يهمك الله يعينك، محدش بيحتاج الزعبلاوي غير اللي شايل هموم طابقة علي صدره وكاتمة علي نفسه، ممكن تلاقيه عند رجل الأعمال المشهور ونس الدمنهوري، بيقعدوا لا مؤاخذة في بار النجمة.... حاكم الزعبلاوي كده تلاقيه في أماكن ماتخطرش علي بال، ولو حد عاتبه يقول: كلهم عباد الله وياعالم مين فيهم اقرب له. 

هذه المرة لا يبدو ضياء متحمساً للخبر، لقد تسلل إليه اليأس

يدندن من جديد

جاد: تحب تسمع حاجة موسيقية.

ضياء: طبعاً

جاد: هاسمعك لحن ألفته والزعبلاوي قاعد عندي، يلاعب الإولاد كأنه عيل زيهم، وكل ما أتعب يخش عليا بنغمة ولا بمقام ألاقي ربنا فتح عليا، لحد ما خلصت اللحن في ليلة واحدة. 

ضياء(مندهشاً) :ليه في الطرب كمان زي ماطلع ليه في الخط؟ 

جاد: ده أبو الطرب نفسه... ياسلام علي صوته كده لما يغني ويلعلع، تقولش ربنا خلق فيه عبد الوهاب وعبد الحليم مع بعض. 

يغني جاد مطلع قصيدة ابن الفارض

جاد:أدر ذكر من أهوي ولو بلام

فإن أحاديث الحبيب مدامي

ليشهد سمعي من أحب وأن نأي

بطيف ملام لا بطيف منام


قطع
























م/١١              حانة النجمة               ل/د


الحانة راقية وروادها غير مبتذلين، ونس الدمنهوري له يرتدي بذلة فاخرة، ويجلس وحيداً علي إحدي الطاولات، يشرب وهو بستمع لمغنية تغني أغنيةmalade je suis. 

يدخل ضياء، ويقترب منه. 

ضياء: لو سمحت يا ونس باشا ممكن دقيقة؟

ينظر له بلا مبالاة

ونس(بصوت سكران) :اقعد واشرب.

ضياء: مابشربش.

ونس: مابتكلمش مع حد غير وهو بيشرب، غير كده مع السلامة.

يضطر ضياء للجلوس، يصب له ونس كأساً يشربه ضياء باشمئزاز، وحين تهدأ حرارة الكأس يهم بالكلام.

ضياء: أنا.... 

ونس (مقاطعاً): مابكلمش حد فايق! 

يشرب ضياء عدة كئوس ثم... يغيب في حلم. 



قطع












م/١٢               حديقة(حلم)               ن/خ


حديقة في غاية الجمال. 

ضياء وزوجته يقفان علي حافة بحيرة، يضحكان في سعادة، يقطف ضياء الزهور وينثرها علي قدميها. 

فجأة ينزلق في البحيرة ويختفي داخلها. 


قطع























م/١٣               عودة إلي الحانة               ل/د


يفيق ضياء مفزوعاً، ويتلفت حوله فيجد البار فارغاً ولا يوجد سوي عدة زبائن. 

يضع يده علي رأسه متوجعاً فيجدها مبللة بالماء. 

ضياء:إيه الميه دي؟ 

ونس:واحد حبيبي حاول يفوقك كتير وفي الآخر طبطب عليك وقام. 

ضياء:حد شافني عالحال ده؟ 

ونس(ضاحكاً) :ما تقلقش ده مش أي ده الزعبلاوي! ماسمعتش عنه؟

ينتفض ضياء واقفاً. 

ضياء:الزعبلاوي؟ 

ونس: آه مالك؟ 

ضياء: ده أنا دايخ عليه السبع دوخات. 

يركض للخارج محاولاً اللحاق به. 


قطع















م/١٤               شوارع               ل/خ

يركض ضياء متلفتاً حوله في كل ركن. 

يتوقف فجأة يبتسم بمرارة وقد طرأ علي ذهنه شئ ما. 

ضياء(لنفسه) :حتي لو شوفته مش هاعرفه



قطع





















م/١٥              البار               ل/د



يعود ليجلس بجوار ونس متهالكاً. 

ونس علي وجه أسف حقيقي. 

ونس: سامحني ماكنتش عارف إنك محتاجه. 

ضياء: هو انت خليتني أقول حاجة! 

ونس: أنا غلطان حقك عليا... لو مشكلتك فلوس ولا يهمك أنا سداد

ضياء: مشكلتي نفسي... معاك تمنها؟ 

ينظر له ونس بإشفاق

ونس: تعالي بكرة أكيد هاييجي تاني. 



قطع

















م/١٥               فوتومونتاج              ل/د



١-ورقة خريف صفراء تقع علي أرضية شارع موحل بماء المطر، وتدوس عليها قدم قاسية.

2-ونس وضيلء يسيران مع بعضهما يتحدثان، وقد نمت بينهما صداقة.

٣-ونس وضياء يشربان وكل منهما سارح في أحواله.


قطع

























م/١٦               أمام الحانة               ل/خ

يخرج ضياء من الحانة، ينظر للسماء.

ضياء(منادياً) :يازعبلاوي!

تنظر له امرأة تمر به في سخرية.

يسير في الشارع حتي يبتلعه الظلام كأنه يدخل للمجهول.


النهاية


الخميس، 9 أكتوبر 2025

فيلم umbrella... البناء النموذجي والمعني المؤثر

 فيلم umbrella... البناء النموذجي والمعني المؤثر



ولد فن السينما صامتاً وقصيراً جداً، وكانت الأفلام الاولي يتراوح منها بين أقل من دقيقة وأزيد من عشر دقائق، وفتحت تلك الدقائق القليلة للمشاهدين الاوائل لهذا الاختراع الجديد، عالماً سحرياً مذهلاً، اختلط فيه الخيال بالواقع، ومن خلال الكاميرا التي حلم بها العلماء وأصبحت واقعاً ملموساً، حتي توج الفكرة الاخوين لوميير باختراع السينما أواخر القرن التاسع عشر، صنع السينمائي الفرنسي جورج ميليس رائد الخدع السينمائية مجده التاريخي بأفلام كـ A trip to the Moonو The House of the Devil  ، وعرف العالم لأول مرة شارلي شابلن أو آدم السينما عندما ظهر لأول مرة في فيلمMaking Living عام ١٩١٤،ورأت العين شخصيات أدبية سكنت عالم الورق كفاوست وشارلوك هولمز، ومايزال الفيلم الصامت يحتفظ بسحره الفني، ويعيدنا للمنبع الصافي لفن السينما، حيث الصورة هي سيدة العمل السينمائي، فإذا كان تعريف السيناريو هو قصة تروي بالصور، فالفيلم الصامت مدرسة لتعلم تقنيات البناء الفني، ولو كان بالإمكان تعريف الفن السردي بكلمات قليلة-تجاوزاً-فهو بناء قصصي محكم يجيد السارد فهم مفاتيحه، سواء عن طريق الموهبة والسليقة أو الدراسة والتجربة.

صحيح أن الفيلم الطويل هو المسيطر علي الذائقة الجماهيرية منذ عرض الفيلم الإيطالي Quo Vadis ١٩١٣، للمخرج إنريكو جوازوني، حيث كان له تأثيراً محورياً علي صناع السينما في ذلك الوقت، وخاصة المخرج الأمريكي ديفيد جريفيث، أحد أبرز رواد السينما علي مر التاريخ، الذي تأثر بهذا الفيلم وغيره من الملاحم الإيطالية الطويلة ذات الميزانية الهائلة، والديكورات الفخمة، وكانت مصدر إلهام له.

الفيلم القصير يحكي قصة، والطويل أيضاً يحكي قصة، كلاهما قائم علي أسس الدراما المعروفة، شخصية تسعي لتحقيق هدف ما، تواجهها عوائق تصنع صراعاً، مما يؤدي إلي ذروة يتبعها حل، ومع ذلك يفصل بينهما مساحة شاسعة، تجعل للفيلم القصير طابعها ولونه المميز عن الطويل، إنه يشبه كلمة همسة نابعة من قلب الفنان لتستقر في قلب شخص آخر، أما الطويل فخطاب مشحون بالتفاصيل، ولكل منهما جماله الخاص، يعبر عن الفرق بينهما الكاتب والسيناريست البريطاني إليوت جروف عندما يعتبر الأفلام القصيرة بمثابة قصائد هايكو(أحد أنواع الشعر الياباني، يتميز بقصره الشديد فيكتب في ثلاثة أسطر، ويحمل شحنة شعورية وتأملية عميقة للغاية)، أما الأفلام الطويلة تشبه الروايات.

فيلم الانيميشن القصير جداً umbrella عام 2019من إخراج المخرجة والكاتبة البرازيلية هيلينا هيلاريو وزوجها ماريو بيس، أحد القصائد المرئية المؤثرة التي نبتت في حديقة الفيلم القصير، ٨دقائق وعدد قليل من الشخصيات يحملون رسائل إنسانية راقية، تشيد من جديد حصن إنسانيتنا الذي هتكته الحياة من حولنا، وسيحعلوننا نفكر كثيراً قبل أن نصدر الأحكام السريعة البلهاء ضد أي شخص، فلا يوجد أسهل ولا أرضي للغرور البشري من إطلاق الأحكام علي الآخرين، الصعب حقاً فهمهم واكتشافهم والتعاطف معهم، حينها سيولد التسامح بين جميع أبناء آدم، وسيتغير وجه العالم القبيح الممتلئ بالكراهية والمقت والحروب. 

كل ما في العالم مائدة حافلة بالإلهام للكاتب السيناريو، تجربة مر بها، خبر قرأه في جريدة، قصيدة اطلع عليها، عمل أدبي لمس فيه وتراً شعورياً، بل تجارب الآخرين كثيراً ما تكون حافزاً للعمل، وقد استلهمت المخرجة فكرة الفيلم من موقف حدث لشقيقتها، في مدينة بالماس بالبرازيل، عندما كانت في زيارة تطوعية لإحدي دور الأيتام في ديسمبر ٢٠١١ قبيل حلول عيد الميلاد المجيد، دخلت حاملة صندوقاً مليئاً بالألعاب مما أثار البهجة والسعادة في نفوس الأطفال اليتامي، عدا طفل واحد لم يهتم بالألعاب الكثيرة، ولم وبدأ يبحث عن شئ ما، ولما خاب أمله في إيجاده ذهب ليجلس وحيداً بجوار النافذة، اقتربت منه شقيقة المخرجة واستفسرت منه عما به، فأخبرها قصة ستتحول لفيلمنا الذي سيحصد الجوائز والإعجاب. 

يدور الفيلم حول ولد صغير تعيس، يجلس أمام النافذة فيري امرأة وابنتها، يدخلان لدار الأيتام الذي يقيم فيه، وعندما يلمح مظلة صفراء في يد البنت يبتهج، ويهبط للأسفل غير عابئ بالألعاب التي حملاها معهما للأطفال، كل تفكيره ينحصر في المظلة الصفراء، كأن كيانه تجمع فيها، يأخذ المظلة ويخبئها في أحد الدواليب، وسرعان ماتكتشف البنت الأمر وتغضب منه المشرفة والأم، لكن الثلاثة ترق قلوبهم حين يكتشفون قصته المحزنة، فتلك المظلة توأم لمظلة والده التي كان يحملها معه، وكان يتجول معه في الشوارع يعانيان البؤس والتشرد والحرمان، وفي النهاية يستحيل علي والده العناية به، مشفقاً عليه من العذاب يودعه دار الأيتام، كي يجد الطفل لنفسه لقمة تشبعه وسقفاً يؤويه ويقيه الحر والبرد، إنها تذكره والده الذي حرم منه، فتمنح البنت المظلة للولد، وتمر السنوات ونري الولد أضحي عجوزاً  متعلقاً بالمظلات  حتي أنه يمتلك محل لبيعها، ومايزال شبح أبيه بالمظلة الصفراء يخايله ويتراءي له، يشاهده من داخل المحل بهيئته كما رآه آخر مرة، فيهرع نحوه كطفل ويتعثر ثم يقع علي الأرض، ويتلاشي شبح الأب العائش في وجدان الطفل، وتساعده علي النهوض زوجته المحبة ونعرف فيها نفس البنت التي زارته يوماً مع والدتها في دار الأيتام، ومنحته عن طيب خاطر مظلتها. 

اختار صناع العمل سرد القصة بدون حوار، لأنها بذلك ستكون أكثر عالمية وانتشاراً وسيفهمها الناس في كل مكان، خاصة أن الإنتاج برازيلي، وبالتالي سيحتاج إلي ترجمة بلغة مختلفة كلما عرض في دولة ما، وتلك النقطة هي سحر السينما الصامتة، فإذا كانت بلبلة الألسن تقوم كعائق كبير بين الشعوب، فالصورة وما تحمله من مشاعر فياضة، وهي تروي حكايات تمس القلوب أينما كانت، ومهما كانت اختلفت الثقافات والتجارب، توحد أبناء آدم من شتي الأصقاع والاتجاهات والأيدولوجيات، كلهم يتأثرون بتفس المعاني ويحملون نفس الآلام والآمال التي يرونها بأرواحهم قبل عيونهم، وبالاستعانة بموسيقي غابرييل ديب تتعمق المشاعر التي يثيرها الفيلم، وتبدو الأنغام لها شخصيتها المستقلة المشاركة في الأحداث، فلا يمكن تخيل فيلماً صامتاً أو ناطقاً بلا موسيقي، وقد صاحبت النغمة الصورة منذ العهد الأول للسينما، فعلي جناح الموسيقي عشنا مشاهد الرومانسية والخوف والأمل والحزن، وتسللت لنفوسنا حكايات موازية نسجتها الآلات الموسيقية وهي تتحاور فيما بينها. 

المظلة انتقلت من الحكاية الأصلية للطفل البرازيلي إلي رمز إنساني، عندما عرضت في فيلم قصير جداً... رمز للفقدان الذي يعذب كل واحد منا، ويحيا ويتحرك وجزء من وجدانه غائب، ربما حياتنا كلنا عبارة عن محاولات لملء الفراغ الذي خلفه الفقدان، لكن لا شئ يستطيع ولو ظل محاطاً طوال الوقت بأشباه الشئ الذي فقده! والفيلم يعرض بدقة ردود الفعل تجاه الفقدان، فعلي المستوي العاطفي نري الطفل غارقاً في الحزن الشديد والشعور بالوحدة، وعلي المستوي السلوكي يتجنب فهو منعزل يتجنب الأنشطة الاجتماعية، كما أشار الفيلم أيضاً لما يفعله الفقر والحاجة في الأفراد، يباعد بين الابن وأبيه، ويهجر الأب مسئولياته تجاه ابنه لعدم قدرته علي توليها، ويظل الأب هو الغائب الحاضر طوال حياة الابن، يحتل خياله حتي وهو بعد أن يطعن في السن، الأب المفقود هو السعي لما لا يدرك، ورغم أن العجوز يري أباه في هيئة الشباب إلا أنه يركض محاولاً اللحاق به، لأن العاطفة نحو ما فقده هي التي تسيره، ففي داخله يقبع الطفل الصغير المحروم من عطف والده وحمايته، وكم سيكون تأثير ذلك المشهد مضاعفاً لو نطق العجوز بكلمة" papai" أي بابا في اللغة البرازيلية، هنا سيتجلي سلطان الكلمة علي النفوس، لفظة بسيطة ستحدث تأثيراً كبيراً عندما تسمع في لحظة مشحونة كتلك، مع التصميم الرائع للشخصيات بإحساس المصمم  فيكتور هوجو المعروف بأعماله مع شركات كبري في عالم السينما كديزني ومارفل.

عبقرية الفيلم القصير جداً تكمن في قدرته علي معالجة موقفاً سريعاً أو حياة بأكلمها، عن طريق التكثيف الشديد الذي يتميز به، مما يعطينا وجهة نظر تأملية، فقلما نشاهد فيلماً قصيراً جداً ولا نفكر بعده في أبعاد طرحه للموضوع، فهو بارقة فكرية وعاطفية تجعلنا نعيد النظر في الأشياء العادية والمستهلكة في الحياة اليومية، لأنه يكشف عن جوهر أمور كثيرة تمر بنا ولا نتوقف عندها بينما يجب أو نتوقف عندها كثيراً، لأنها حياتنا التي غامت معانيها في خضم الاعتياد و المادية... الفن بصفة عامة يشبه القبعة السحرية في مسرحية"الطائر الأزرق لموريس ماترلينك، التي منحتها الجنية بريليون، للطفلين تيلتيل وميتيل لتفتح عيونهما علي حقيقة الأشياء التي تشكل ماهية العالم الذي يعيشان فيه.

التأثير القوي لفن الفيلم القصير جداً يستدعي بناء خاصاً، والبناء الفني لفيلم umbrella نموذجاً لفهم ماهية هذا الفن المراوغ. الإطار الزمني المحدود يحتم الاقتصاد في العناصر الدرامية الشخصيات، التفاصيل الزائدة كلها يجب بترها، والفكرة لابد أن تكون جلية ومركزة، فالأفلام القصيرة جداً لها قاعدة أساسية" الأقل هو الأكثر"، وقد عمل المعماري الألماني الشهير لودفيغ ميس فان وفق تلك القاعدة، والسيناريو السينمائي يشبه فن العمارة لحد كبير أو هو "فن معماري أكثر منه أدبي" علي حد تعبير المخرج إيليا كازان، هذه السمات نجدها حاضرة في الفيلم الذي لا عدد الشخصيات القليلة التي لا تتجاوز الطفل والطفلة والأم والمشرفة والأب وبضعة اطفال، وعبر فوتومونتاج سريع يكشف لنا ما يقتضي لفهم مدي بؤس حياة الطفل وأبيه، وحرمانهما من أبسط الملذات التي تتمتع بها الأسر العادية، والفكرة في مجملها تكمن في التعاطف مع الآخرين، وقدرة أي واحد منا أن يكون فارقاً بتفهمه وحنانه في مستقبل الآخرين، وعدم التسرع في الحكم علي الأفعال لأننا لا ندرك أبداً الدوافع الحقيقية وما يعانيه الآخرون ويؤثر في سلوكياتهم، كما أن الآخرين لا يعرفون دوافعنا الحقيقية، بل إننا أنفسنا في أحيان كثيرة لا نفهم ذواتنا وأسباب تصرفاتنا!

أما علي مستوي الحبكة فالحدث المحفز يحدث في الفيلم القصير جداً، بدء من اللقطات الأولي، وربما قبل بداية أحداث الفيلم، لأن الوقت المحدود لا يسمح بالإسهاب، ولقد ظهر الحدث المحفز المتمثل في المظلة منذ الثواني الأولي للفيلم، هذا الإيجاز السردي أهم ملمح علي الإطلاق، فهو عندما يثير في نفس المتلقي مشاعر صادقة بأقل الإمكانيات السردية وفي وقت قصير للغاية، فيجب علينا تقدير هذا الفن والاهتمام بصناعه، فالفيلم القصير جداً يتتبع شخصية واحدة، يتوحد معها المتفرج، فلا مفر من بنائها بتركيز شديد ليتعلق بها المشاهد في وقت محدود.

استخدم فيلم umbrella  تلك السمات المميزة للفيلم القصير جداً بحرفية مذهلة، وبني بها قصة مؤثرة وإنسانية لأبعد مدي، تعلق المشاهدون بها في كل مكان، فتمكن أن يبرز كأحد الأفلام الناجحة...كل موقف نمر به وكل شخصية نقابلها تصلح لتكون فيلماً قصيراً جداً يحمل بصمة فنية وإنسانية، إذا تمت معالجة فكرته مهما بدت بسيطة-بل كلما كانت بسيطة غدت أجمل- بصورة فنية صادقة ورؤية عميقة للنفس البشرية ومكان الفرد وسط عالم ممتلئ بالأحداث والشخصيات والمشاعر، تنتظر من يكشف عن عن جوهرها الخفي.




السبت، 13 سبتمبر 2025

دماء علي الوردة الصغيرة


دماء علي الوردة الصغيرة
مست أشعة الشمس الحانية وجه الجنرال ويكوب، في صباح يوم الثلاثاء ٣١مارس ١٨٠٧،لقد بدأت بشائر الربيع تهل وصفا الجو وسري النسيم محملاً بروائح الزهور، ركب جواده بصحبة العميد ميد ليلقي نظرة أخيرة من فوق تل أبو مندور علي مدينة رشيد النائمة في حضن النيل المتدفق في نعومة، تأملها وملأ صدره بالهواء وتنهد قائلاً لميد:
-يا لها من مدينة جميلة إنها حقاً روزيتا...وردة صغيرة.
ابتسم ميد:
-بعد ساعات قليلة ستكون تلك الوردة في عروة سترتك سيدي القائد، تزين بها تاريخك العسكري المجيد.
أعجبت كلمات المديح تلك ويكوب، فضحك ليداري قلقاً اعتمل في نفسه وهو علي التل ينظر للمدينة:
-لكن ألا تري إنها هادئة... هادئة أكثر من اللازم؟
بعد دقائق تقدم الجنرال صوب البوابة الغربية للمدينة، مرتدياً سترته العسكرية الحمراء وسرواله الرمادي، وجواده يصهل بتحد كأنه يعرف من هو فارسه، يحيط بع قواده وجنوده وعلي يساره النقيب بروس ينتفش غروراً، ففي سن صغيره تطأ أقدامه أرض مصر، وربما يعين قائداً للقوات الإنجليزية في يوم ما ومن يدري ليس بعيداً أن يدرس التلامذة في لندن سيرته الحربية في كتبهم المدرسية، ويتقدم الجميع جندياً أشقر الشعر قوي البنية يحمل بين يديه علم بريطانيا، وسار الموكب يقطع شارع دهليز الملك، وكلما تقدم في سيره يزداد الجنرال ويكوب قلقاً، وهو ينظر للقصور العملاقة والمنازل الضخمة ترتفع عالياً في شموخ، هنا يسكن علي بك السلانكلي حاكم المدينة وعثمان أغا قائد الحامية التركية مع أهالي المدينة، لم يكن ويكوب ببصيرته العسكرية يراها منازل سكنية، بل قلاع حربية ترتفع نحو السماء منذرة ومتوعدة، أبوابها مصنوعة من خشب سميك قوي، صهرت بداخله قطع من الحديد الصلب يزيدها مناعة واستحكام، ونوافذ الطوابق الأرضية مسيجة بأسياخ حديدية، أما النوافذ العليا فضيقة يستحيل اقتحامها من الخارج، وتلك المشربيات الجميلة المزينة بقطع الأرابيسك متقنة الصنع، في أسفلها فتحات تكشف من تحتها وتجعله هدفاً سهلاً... ومن جديد يلتفت فيري وجه بروس المغرور، وملامح بتروتشي القنصل الإنجليزي المتعالية، فوقف وأمر باستبقاء ٢٠٠جندي في عند مدخل المدينة، ولم يتحرك إلا عندما تأكد أنهم أخذوا مواقعهم، ورفع الجندي جون رأسه للنوافذ لعله يري امرأة حسناء تطل منها.
كلما توغل في المدينة نشر عدداً من الجنود، وكاد يسأل عن موعد استيقاظ أهل المدينة القنصل اللاهي بحديث ضاحك مع أحد الضباط سمعه يقول فيه:
-ألا يشبه ذلك نزهه علي ظهور الخيال في يوم ربيعي دافئ، داخل مزارعنا في إنحلترا؟!
لكن سرعان ما جاءه الجواب وهو يري عدداً من السقائين يملأون قربهم من مياه النيل، كي يبدأوا بتوزيعها علي المنازل، رجال نحيفة أحسادهم تنوء كواهلهم بالقرب الثقيلة، لكن في وجوههم السمراء صلابة غريبة، صلابة من صهرته الدنيا في نارها الموقدة فخرج يحمل في ضلوعه لهباً محرقاً مكبوتاً بين جوانحه، يحملون أثقالهم ويتغنون بصوت أجش منهوك من التعب، فأعاد له ذلك الصوت الممتزج بزقزقة العصافير بعضاً من الطمأنينة، وقال:
-إنها ليست إلا بلدة وادعة... أليس كذلك أيها الجنرال ميد؟
ضحك ميد وأجاب:
-أجل يا سيدي القائد، ولابد أن حاميتها قد فرت، إنني من الآن أتخيل احتفالات المساء الصاخبة.
كان الموكب العسكري قد مر علي جامع زغلول وكنيسة مار مرقص ووضع عندهما جنوداً للمراقبة والحماية، لم يستثن ركناً من المدينة الصغيرة فداست الأقدام علي كل شبر، فانتشر الجنود المدججين بالسلاح في دور العبادة والبوابة والبساتين ومبني الشرطة وقصر الحاكم والذروب الضيقة والشوارع المتعرجة، وسرح ويكوب في تلك المدينة الجميلة، التي تزوج منها الجنرال مينو أحد قواد حملة نابليون الذي سبقه في احتلال مصر، واختار زبيدة البواب لتكون قرينته، فهل يمكن أن يتزوج مصرية، ولاحت علي شفتيه ابتسامة حين مر به ذلك الخاطر.
قضت أوامر الجنرال ماكينزي فريزر باحتلال رشيد لتدعيم مركزه في الأسكندرية، ولضمان موارد الغذاء لسد أفواه الجند المفتوحة، ففصل ١٤٠٠جندياً عن قوة الحملة الكلية التي تفوق ٦٠٠٠آلاف احتلوا الأسكندرية دون قتال، بعد مفاوضات صورية مع حاكمها أمين أغا، بينما محمد علي والي مصر مشغول في الصعيد بمطاردة المماليك.
مع مرور الوقت وارتفاع الشمس في السماء، استنام الجند للراحة وتلهي البعض في الاستمتاع بجمال البساتين، ودون إنذار شق الصمت صوت قادم من مسجد زغلول ينادي" الله أكبر" فجفل الجنود وتأهبوا وارتجف بتروتشي، فهو يعرف أن ذلك ليس وقت صلاة، ولا يخرج النداء من المسجد ألا لأمر خطير، وبعد لحظات بدأت طلقات النيران تنهمر من النوافذ والأسطح، وانفتحت أبواب المنازل الصامتة فخرج منها الأهالي علي رأسهم حاكم المدينة علي السلانكلي المشهور بشجاعته يدافعون عن أرضهم بأي سلاح متاح لهم، فثخنت أجساد الإنجليز بالسيوف والحجارة والشوم، وبدأت معركة الشوارع، ركض إسماعيل الجزار حاملاً ساطوره وانقض به علي ملازم فقطع رأسه، وظهر من خلفه الفلاح القراري عبد الصمد يقبض علي منجله باحترافية يمزق جندياً يصرخ من الألم، والسلانكلي وبجواره عثمان أغا يصوبون نيران بنادقهم علي الجنود المنتشرة في المدينة، ورأي الجنرال ويكوب المدهوش العجوز جرجس خادم الكنيسة يخرج منها ويهجم علي النقيب بروس الذي قطع خده وينزف بغزارة، فعاجله بطلقة من مسدسه ارتمي جرجس علي إثرها جثة لا حياة فيها، وعرفت طلقة طريقها نحو الجنرال ويكوب، فسقط علي فرسه وهو يهمس"روزيتا... وردتي الصغيرة"، وطارت خوذة العميد ميد، ورفع مسدسه صوب امرأة تصب الزيت المغلي علي الجنود فأصابها وسقط من سطح المنزل فتكسرت عظامها، ثم أصيب بطلقة فكانت آخر كلماته قبل أن يسلم روحه صراخه في الجنود:
-أسكتوا صوت الطلقات... اقتلوهم جميعاً!
وحصدت حامية رشيد عساكر الإنجليز، لم يعد أمامها إلا القتال بعد أن أبعد صاحب خطة الهجوم وقائدها علي بك السلانكلي المراكب من علي الضفة، كي لا يجدوا منفذاً للهروب، وظل السلانكلي لساعات يقاتل ويدافع عن المدينة يؤجج الحماسة ويوقد النفوس حماسة وغيرة علي الأرض والمال والعرض حتي تقهقرت الحملة عائدة للإسكندرية عن طريق أبي قير وقد خسرت ١٧٠قتيلاً و٢٥٠جريحاً وأسر منها ١٢٠.
عند الظهيرة لم يبق من أثر المعركة إلا أنات الجرحي وبكاء النسوة والصغار من الفزع والخوف، والدماء تجري في الدروب وعلي أعتاب الدور، وبجوار البوابة وقف السلانكلي تومض في ذاكرته أحداث الليلة السابقة... التجهيز للمعركة... الاتفاق مع السقائيين علي التمويه... التحصن في البيوت... مراقبة معسكر الإنجليز... عرس أبو اليزيد الذي تأجل وقبل دقائق شاهد جثة العريس الشاب غارقة في الدم تبكي عليها عروسه العذراء... الطفل محمود هرست جثته سنابك الخيول الإنجليزية، وفي الأمس تردد غناؤه البهيج" ياعمي علي يا حاكمنا، بكرة تخرج الإنجليز من حتتنا" غمره التأثر وكادت دمعة تفر من عينه، فكبحها وتوجه نحو البوابة فأغلقها من الجديد، مرة أخري وللأبد.

الخميس، 11 سبتمبر 2025

الباقي من الحساب

 الباقي من الحساب

لم يمض عليه في العمل إلا أسبوعاً واحداً، وأصبح يشك أن في إمكانه الاحتمال إسبوعاً آخر، تعلم كريم من خبرته الضئيلة في الحياة كشاب لم يتخط العشرين، أن الأماكن في حد ذاتها متساوية... جدران وأركان وأسقف لا يتمايز مكان عن غيره، أما ما يجعلها مريحة أو قاسية فهم ساكنوها، ابتسامة دافئة تذيب الأوجاع في كوخ حقير تجعلك سعيداً كملك، ونظرة حقد في قصر فخم تكسر قلبك كعبد تلهبه السياط، وأخدت رأسه تدور بعشرات الأفكار المضطربة، لم يشوش عليها الضجيج المتواصل طوال النهار، في الشارع الذي يقع فيه محل عمله كبائع في أحد الحوانيت المكتظة بكل ما يخص الاحتفال بسبوع المواليد، لكنه تنبه أخيراً علي صوت صاحب المحل الخشن صائحاً:

ـكريم... لأ... اصح لحالك أناديك وأنت في عالم آخر، هل جئت لتسرح في الملكوت أم لتجري علي أكل عيشك؟!

مد خطاه ناحيته وقال بلهجة اعتذار مبطنة بخضوع، أتقنها من كثرة تنقله بين الأعمال المختلفة، ورغبته في التشبث بها:

-سامحني يا أستاذ علي... أوامرك.

-هات لي علبة حمص مقشر من الرف الأعلي.

ـحاضر.

أدرك منذ زمن أن الجميع يحبون من يخضع لسلطتهم، وبما أنه ليس له سلطان علي أحد فعليه أداء دور الخاضع.

سحب السلم الخشبي الثقيل، وصعد بجسده النحيل، وناوله ما أراد، ثم قفز علي الأرض، وانشغلا بوزن الحمص علي الميزان، حتي مرت بهما امرأة مسنة يغطي العرق وجهها، وطلبت بصوت متهدج ولسان ثقيل السماح بجلوسها علي الرصيف أمامهما لإرهاقها من مشوار طويل، مست كلماتها قلب كريم، إنها خاضعة مثله تعتمد حياتها علي ما يجود به من حولها من عطف، تجاهلها علي ولم يرد عليها، لكن كريم تاملها فوجدها متعبة حقاً، تنتظر كلمة وبعدها ستستريح وتتأوه من آلام جسدها المتعددة، ووعي أن عليه أن يفعل شيئاً سيسير علي منواله في حياته للأبد، نظر لعي فوجده استدار بجسده كله وتشاغل في شئ ما، ووجد المرأة مازالت عينيها الغائرة من بين التجاعيد معلقة به، قال وهو يعلم جيداً ما ستترتب عليه كلماته:

-اجلسي يا حاجة فالرصيف ملكاً للجميع... حمداً لله لم يشتره أحد.

استطار الغضب من عين علي وبدت عينيه الخصراءـ التي يفتخر بهاـ مخيفة وقبل أن يتكلم، خلع كريم قميص المحل الأخضر، وارتدي قميصه، بينما المرأة تجلس كما تخيلها تماماً، هبطت بثقلها علي الرصيف وللحظة استرد أنفاسها المسروقة من صهد الحرارة واللهاث من أجل بضعة مئات من الجنيهات، ولسانها لا يتوقف عن الدعاء له، اقترب كريم منه في ثبات وقال بصوت واثق:

-حقي أجرة أسبوع.

مد علي يده في الدرج وأخرج له ٥٠٠جنيه، وزعق بشراسة:

-لن تفلح في أي مكان، ولو عدت مرة أخري هنا معتذراً، لن تدخل هذا المحل حتي ولو قبلت قدمي.

أولاه كريم ظهره وهو ينظر له بجرأة أخرسته عن الاسترسال، واتجه ناحية الباب، شاعراً أنه تخلص من عبء ثقيل تآكل تحته قلبه قبل كتفيه، وخرج للشارع المزدحم بعشرات المتعبين والمتعبات الساعين علي رزقهم بكل السبل المقبولة والمنفرة، وهو عازم أن يبدأ مشروعه الخاص وألا يعمل عند أياً كان بعد اليوم، وسرعان ما غاب عند أول معطف.


الخميس، 4 سبتمبر 2025

كتاب حتشبسوت المرأة الفرعون... التاريخ والأسطورة

 


كتاب حتشبسوت المرأة الفرعون... التاريخ والأسطورة



عنوان الكتاب: حتشبسوت المرأة الفرعون

اسم المؤلفة: فوزية أسعد

اسم المترجم: ماهر جويجاتي

سنة النشر: ٢٠٠٣

عدد الصفحات: ٢٥٧

فوزية أسعد إحدي الكاتبات اللواتي سبحن في عوالم لغات أخري ليكتبوا بمدادها، ومع ذلك لم يتخلين عن جذورهن الممتدة في أرض وادي النيل، فجاءت كتاباتهن مزيج من دقة المنهجية العلمية الغربية، والقضايا المصرية حول الذات والهوية، صديقتها الكاتبة هالة البدري تحدثنا عنها في مقالة بعنوان" عن فوزية أسعد أكتب؛ رحلة صداقة وحوار وفكر وقراءة" منشورة في مجلة"أفكار" الصادرة عن وزارة الثقافة الأردنية، عدد ٤٢٠،فتعطينا خلفية وافية عن تلك مؤلفة هذا الكتاب، فنعرف منها أن فوزية أسعد مصرية تفكر بالعربية وتكتب بالفرنسية، ولدت بمدينة القاهرة في شهر يوليو عام ١٩٢٩،لأسرة إقطاعية مسيحية وشغل جدها منصب رئيس الوزراء، درست الفلسفة في جامعة القاهرة، ثم سافرت عقب الحرب العالمية الثانية لتحصل علي الماجستير والدكتوراة من جامعة السوربون الفرنسية في الفلسفة الغربية، نشرت بالعربية كتاباً واحداً عن فيلسوف الوجودية كيرجارد، ترجمته هي بنفسها بعد ذلك إلي الفرنسية، واشتغلت علي أعمال نيتشه بعد ملاحظة ذكية، إذ رأت أن من يكتب عن ذلك الفيلسوف الألماني الكبير يفسر فلسفته بحسب مرجعياته الثقافية، فقرت أن تقيس فلسفة نيتشه بنفس الميزان، فماذا وجدت وجعلها تنتقل إلي دراسة علم المصريات؟ وجدت نيتشه الذي تأثر به فلاسفة القرن العشرين متأثر بفلسفة مصر القديمة.

وكتابنا الذي نحن بصدده نتاج لتجربة أدبية خاضتها المؤلفة، في رواية"بيت الأقصر الكبير" التي نشرها المركز القومي للترجمة عام ٢٠٠٤،فبطلتها سوسن"اسم عربي جميل سشن بلغة قدماء المصريين هذا اللوتس الذي يتفتح عند طلوع النهار، كما لو كان يشارك في ولادة الشمس" هي نسخة معاصرة لحتشبسوت، فأثناء بحثها الروائي عن شخصية الملكة حتشبسوت تراكمت المادة العلمية، إلي درجة دفعتها لاستغلالها في عمل كتاب عن تلك المرأة الشهيرة في تاريخ مصر.

الكتاب من ترجمة ماهر جويجاتي أحد المترجمين الذين نقلوا للسان العربية أعمالاً ممتعة ومفيدة عن تاريخ الحضارة المصرية القديمة، قدم له أديبان رائعان أحدهما مصري والآخر فرنسي، أما المصري هو بهاء طاهر، وقلمه ليس غريباً عن عالم مصر القديمة، فقصة "محاكمة الكاهن كاي" في مجموعة "أنا الملك جئت، تستعرض مرحلة إخناتون الملتبسة، وفي تلك المقدمة التي افتتح بها الكتاب وعداً ضمنياً بقراءة عملاً ممتعاً، وتحفيزاً للقارئ علي الاطلاع عليه، فيقدم لنا الكاتبة علي أنها روائية ذات موهبة، وأستاذة فلسفة لها باع في مجالها، ويصف الكتاب بأنه عصي علي التصنيف، ويطلق طاهر اسئلته الخاصة التي أثارها الكتاب، رابطاً بين حتشبسوت ونفرتيتي لاشتراكهما في نهاية غامضة، إذ يسقطان من قمة المجد للاختفاء المريب، ولا جواب علي كل التساؤلات سوي بالظن والتخمين، فلا يوجد إجابة قاطعة تقدمها أوراق البردي أو نقوش الجدران، تهمس لأسماع التاريخ عن حقيقة ما جري للملكة التي حكمت مصر لأكثر من ٢٠عاماً، ويتمني أن تقوم الدكتورة فوزية باستخدام منهجها في الكشف عن دراما نفرتيتي التي حدثت بعد حتشبسوت، وستنفذ ذلك فعلاً في كتابها"الفراعنة المارقون" وسينشره المركز القومي للترجمة علي يد ماهر جويجاتي مترجمنا الذي يثني عليه بهاء طاهر، في ختام مقدمته.

النص الاصلية بالفرنسية قدمه الأديل ميشيل بوتور، بعين علي الدقة التاريخية وأخري علي الروح الفنية، عندما يستعير لسان حتتشبسوت من العالم الآخر من خلال تماثيلها المكتشفة بعد رحلة طويلة، لمعرفة الشخص الغامض علي نقوش الجدران المشار إليه بأفعال وأسماء مؤنثة.

الكتاب مقسم لتسعة عشر فصلاً، تتعدد فيه مستويات الكتابة-وذلك سبب استعصائه علي التصنيف في خانة محددة-فأحياناً نقرأ عن الأساطير المصرية المؤسسة لوعي المصري القديم، وتبحث الكاتبة عن السيرة الأسطورية لحتشبسوت، كما سجلتها في معبد الدير البحري أو جسر جسرو(قدس الأقداس) وارتباط تلك السيرة الأسطورية التي رسمتها حتشبسوت لشعبها وللأجيال القادمة، بطبيعة العقيدة الدينية للمصريين القدماء، الذين آمنوا بقيم حاكمة وأحداث تفسر طبيعة العالم وسلوكيات الحكم، سعت حتشبسوت للاندماج فيها، فهي ابنة الإله آمون ذاته كما تسرد قصة ولادتها الإلهية بعد تتويجها، واضعة نصب عينيها الرموز التي تشكل رؤية المصري القديم للعالم، وصاغت لنفسها حياة أخري علوية تتآلف فيها مع عالم الآلهة، وخاصة الأسطورة المصرية الكبري بأبطالها إيزيس وأوزوريس وحورس، التي تمثلها كل حكام مصر، فهو يمثل حورس المنتصر علي ست الشرير ليتربع علي عرش البلاد، وبذكاء شديد استغلت حتشبسوت ذلك لتصيغ لنفسها صورة الحاكم الفرعون، بعيدة عن كونها امرأة.

وعلي مستوي آخر نجد أنفسنا نتابع حتشبسوت الإنسانة، المنتمية لأسرة الملك أحمس العظيم، محرر البلاد من الهكسوس، جدتها الكبري تيتي شيري والدة سقنن رع تاعا الثاني الملقب بالشجاع الجسور، وقد حكمت البلاد بعد وفاة سقنن رع وكاموس أثناء كفاحهما ضد الهكسوس الغاصبين، ثم جاءت اعح حوتب اللاولي والدة أحمس، مارست سلطة الحكم وكان لها تقديرها الكبير في قلب ابنها والشعب المصري، تدلنا لوحة من عصر أحمس دون عليها قصيدة يلقيها أحمس البطل القومي العظيم، لتمجيد تلك الملكة المبجلة ويستحث الشعب لتمجيدها، لذلك ليس من المستغرب أن تكون نتيجة تلك السلالة ملكة حكمت البلاد بكفاءة لأكثر من عقدين كحتشبسوت:

"ارفعوا من شأن سيدة البلاد. سلطانة شطآن الـ"حاو نبوت".

التي ارتفع اسمها فوق جميع البلدان الجبلية(أو الأجنبية) 

التي تتخذ القرارات من أجل الشعب

زوجة الملك، أخت الملك، له الحياة والصحة والقوة

ابنة الملك، والدة الملك المبجلة

التي علي دراية بكل شئون البلد، التي توحد مصر.

لقد جمعت الوجهاء والأعيان وكفلت تماسكهم وترابطهم

لقد أعادت الهاربين وجمعت المنشقين.

لقد أشاعت السلام في الوجه القبلي ودحرت المتمردين

زوجة الملك،"إعح حوتب" لها الحياة".

طبيعة تلك الفترة تدفع النساء إلي مجابهة صعاب الحكم، فالرجال في معمعة القتال ضد الهكسوس الغاصبين، فعلي النساء أن يتولين مقاليد السلطة، ثم جدتها المباشرة أحمس نفرتاري التي تزوجت أحمس محرر مصر، وشاركته في الحكم لربع قرن، وشغلت أيضاً منصب الكاهنة الثانية لآمون ثم والدة حتشبسوت أحمس-اسم أحمس أطلق علي الرجال والنساء ومعناه"ولد القمر".... وكان ينبغي علي المؤلفة ذكر أخريات حكمن مصر في سلام ولم يكن هدفاً لمطاردة ذكراهن، هن الملكة نيت إيفرت في نهاية الأسرة السادسة، والملكة سوبك نفرو آخر حكام الأسرة الثانية عشر، وملكة أخري حكايتها تكاد تتطابق مع حتشبسوت هي الملكة سات رع في نهاية الأسرة التاسعة عشر، والتي طوردت ذكراها علي يد ست نخت مؤسس الأسرة العشرين المولود من زوجة غير شرعية كتحتمس الثالث. 

إنها الملكة التي ذكرها مانيتون (٤٨٤-٤٢٤ق.م) في سجلاته التاريخية عن مصر القديمة بطلب من بطليموس الثاني فيلادلفيوس، ورغم أن مدونانه لم يبق منها سوي شذرات متفرقة، إلا أنها مصدراً أساسياً لتاريخ مصر، وندين له بتحديد تتابع زمني وزع علي ٣١أسرة بشرية حكمت مصر، جاءت بعد حكم الآلهة للأرض، أشار لها مانيتون باسم" أمسيسيس" التي حكمت البلاد ٢١سنة وتسعة أشهر مع بداية الأسرة الثامنة عشر أولي أسرات الدولة الحديثة، حكمت مع أخيها تحتمس الثاني البلاد وكان ضعيفاً ومريضاً، مات وتركها وصية علي تحتمس الثالث الابن غير الشرعي للملك المتوفي، والذي سيصير أحد أعظم الملوك المحاربين في تاريخ العالم.

يقدر مانيتون حكم تحتمس الثاني بثلاثة عشر عاماً، وعلماء آخرون يراوحون بين سنتين أو ثلاثة، تولي الحكم وهو "صقر في العش" ذلك التعبير أطلقه المصريون علي الفرعون الذي يتولي مقاليد السلطة في سن صغيرة، وقام بثلاث حملات عسكرية الأولي في بلاد كوش(النوبة) عندما بلغه نبأ تمردهم، والثانية ضد بدو آسيا، والثالثة في سوريا. 

الفصل الثاني من حياتها بطله بلا منازع هو سنن موت الذي كان قبل تتويج حتشبسوت رجلاً صاحب كفاءة رفيعة، انخرط في الجيش قبل توليها الحكم بفترة طويلة ومن ألقابه قبل حتشبسوت:أمير، نبيل، خازن ملك الوجه القبلي وسميره، مدير القصر والبيت الكبير وأهراء آمون، والمشرف علي كافة الشعائر الإلهية، منحدر من أسرة متواضعة تننمي لمدينة أرمنت القريبة من طيبة تقدس الإله مونتو وربما كان له زوجتين ولم يرزق بولد، لأننا نري أخويه يتصدران النقوش، أحدهما مين حوتب يقوم بدور الابن علي مقبرته الأولي والثاني إمن إم حات يؤدي الشعائر الجنائزية. 

التصق سنن موت بحتشبسوت فكان بمثابة الرجل الثاني في المملكة ولم يتركان بعضهما حتي النهاية، بل وفي الحياة الأخري ظلا مع بعضهما، فقد ارتبط بحتشبسوت ومعبدها عن طريق مقبرته الثانية في الحرم المقدس لمعبد الدير البحري، حيث كان تخطيط مقبرتها ومقبرته واحد، يربطهما سرداب خفي تتقاطع حجرات ذات أربع زوايا، واسم حتشبسوت مذكور علي جميع جداران مقبرته، كما يظهر اسمه بحوار حتشبسوت أمام الإله، كل ذلك أشعل خيال الأجيال حول علاقة حتشبسوت بذلك الرجل العصامي الفريد، وللأسف لم تستفيض تلك المؤلفة في تحليل تلك العلاقة ولو فعلت لكان للكتاب وزن أكبر ذلك، إن تلك العلاقة هي المدخل لحكم وزمن حتشبسوت.

يعطينا الكتاب أيضاً لمحة عن دور حتشبسوت في إعلاء كهنة آمون، الذين ستتضخم ثروتهم وسلطتهم حتي زمن إخناتون الفرعون المارق، حين يحاربهم بكل أسلحته ويمحو كل ذكر لآمون لحساب إلهه الجديد آتون الذي جعله منفرداً بالعبادة، وعند وفاته سيعودون من جديد ويسترد الإله آمون مكانته والكهنة سلطتهم، فقد منحت الثروات والأراضي لكهنة آمون، ليساعدونها في الاستقرار علي العرش، ويرجع العلماء صعود كبير كهنة آمون لمكانته العالية في الحياة السياسية إلي عهد حتشبسوت فهي تصرح علانية" إنها تحب أباها آمون أكثر من سائر الآلهة إنها ابنته المولودة من صلبه، إن آمون يمنحها سنوات  حكم مديدة".

وتتساءل المؤلفة سؤالاً هاماً، هل كان عهد حتشبسوت حقاً عهد مسالم لم تنجر فيه لمعركة؟ وتتبين وجود معارك وردت في تقوش ومخربشات( المخربشات مدونات محفورة أو مرسومة علي صخور الجبال أو شقف الفخار)، وربما أزال تحتمس الثالث تلك المعارك من الذاكرة حتي لا تنافسه  الملكة المرأة في شهرته العسكرية الطاغية.

تستشف الكاتبة نهاية حتشبسوت الغامضة، فتؤكد أن الجيش قد فضل تحتمس الثالث عليها كما أن كهنة آمون لم يعودوا يساندونها، وبدأوا سياسة التقرب من تحتمس في الخفاء، والكاهن الثاني لآمون  بو إم رع يمثل ذلك الاتجاه السري، والآراء المتناقضة حول ما إذا كان لتحتمس الثالث يداً في وفاتها أم لا، والشائعات الدائرة حول تدبيره لثورة في القصر ضدها أة دفعها للانتحار، لكن هناك حقيقة واحدة في علاقتها بتحتمس الثالث، رغبته المحمومة لمحو اسمها من ذاكرة البشر وسجلات الأحياء، وتقول" يمكن صياغة أسبابها السيكولوجية أو السياسية بأسلوب روائي. ولكن النصوص لا توفرها لنا" وهكذا يحرمنا تدمير الآثار بالسلب أو السرقة أو التدمير المتعمد أو بأي طريقة كانت من المعرفة والبناء الجديد علي تلك المعرفة،  وتشير إلي حقيقة أن سلطان الكلمة في مصر القديمة كان عظيماً، ومن بين كل الكلمات يبقي للاسم قدرة البعث والإحياء، ولقد تضافرت كل الظروف لمحو اسم حتشبسوت وضياعه وبالتالي ضياع شخصيتها في تلك الحياة والحياة الآخرة، فما سلم من هجمة تحتمس الثاني علي تماثيلها، استخدمه الفلاحون كحجارة للرحي! وكان ذلك أيضاً نصيب سنن موت حيث لم ترحمه ضربات المطارق، والأيادي الممتدة للتشويه، وفي نفس تلك الرحلة التدميرية نصل إلي مخطة إخناتون المارق، عندما شن هجمته التاريخية علي معابد آتون بالمحو والتدمير، فاعتدي لي ذكري حتشبسوت معها كراعية للديانة وكهنتها.

وأحياناً نرتحل إلي الماضي القريب، نتتبع الأيادي  التي ساهمت في بعث اسم حتشبسوت من جديد، رغم كل ما حدث ليتوه اسمها في الضياع الأبدي، بدءً من عام ١٨٢٨لما اكتشف العالم الفرنسي شامبليون، اسم حتشبسوت خلف آثار تم تهشيمها، وحيرته وبلبته الكبيرة أمام ذلك الاسم المشار له بالضمائر المؤنثة، وحكاية أسرة عبد الرسول الشهيرة الذين اكتشفوا خبيئة الدير البحري، علي عمق ١١متراً حيث تراصت توابيت لأشهر فراعنة الأسرة الثامنة عشر والتاسعة عشر، بالإضافة لتوابيت أحمس والتحامسة من الأول إلي الثالث، وسيتي الأول وإعح حوتب نفرتاري وملكتنا التي ندور حولها حتشبسوت، وأشادت المؤلفة بفيلم المومياء للفنان شادي عبد السلام، ولها الحق في ذكره والإشادة به فلا يمكن فصل هذه التحفة السينمائية عن الحادثة الأصلية لاكتشاف خبيئة الدير البحري، التي تعتبر فتحاً في علم الآثار، وتوالت إسهامات علماء الآثار، فمارييت باشا أزاح الركام من علي معبد الدير البحري، ثم واصل نافيل عمل مارييت بإعادة تشكيل أحد جدران المعبد، وفي الكرنك اكتشفت بعثة أثرية مسلتين تختبئان عن العيون خلف أحد الجدران عليهما اسم حتشبسوت، ومع بداية القرن الماضي ظهرت أحجار مقصورة استراحة المركب المقدس التي بنتها حتشبسوت لأجل مركب الإله آمون رع، وعندما حل شتاء ١٩٢٢-١٩٢٣أزال ويلتوك النفايات في منخفض طبيعي إلي الجنوب الصاعد للمعبد، وناحية الشمال من نفس الطريق وجد المقبرة الثانية لسنن موت، وفي شتاء آخر ١٩٣٦-١٩٣٧عثر ويلتوك علي تماثيل متنوعة الأحجام بدت فيها حتشبسوت بابتسامة دافئة"تبعث الحياة في البدن".

تتمثل لنا حتشبسوت من خلال تلك الأبعاد الثلاثة، فنراها بصورة بانورامية، ونكتشف مع فوزية أسعد جزء من التاريخ المصري القديم، تاريخنا الحي والنابض في الوجدان رغم آلاف السنين التي تفصلنا عنه، وأحد الأدلة ذلك الكتاب المدون باحترافية علمية ومشاعر فياضة، من امرأة مصرية معاصرة تجاه جدتها الملكة الفرعونية.... لقد استطاعت فوزية أسعد أن تقطع تذكرة في قارب التاريخ، وتصحبنا معها لنتجول بين المعابد المحطمة والتماثيل المهشمة، والنصوص القليلة الباقية، ومع ذلك شاهدنا الكثير في كتابها هذا، وتعلمنا الكثير عن الحضارة المصرية القديمة، وكنا شهوداً  علي حكاية من أشهر وأخطر حكايات مصر التاريخية، حكاية ملكة اسمها حتشبسوت آمنت بنفسها وبقدرتها علي تولي حكم للإمراطورية المصرية في عالم يسوده الرجال، ومع ذلك استطاعت المكوث في الحكم لفترة طويلة، وحين أراد تحتمس محو ذكراها، انبعث  من جديد أقوي وأظهر مما كان، واقترن اسماهما للأبد! بل أصبحت الذاكرة الشعبية المعاصرة تحفظ اسمها  أكثر مما تحفظ اسمه، لقد سمعناها في أغنية شهيرة علي شاشة السينما المصرية، ويضرب بها المثل في القدم والعراقة...إنه كتاب ضروري لكل من يريد الاقتراب من الحضارة المصرية وهواة القصص التاريخية وكل من تهفو نفسه للعيش بعض الوقت مع أجدادنا القدماء.... يتأمل ويتعلم.











الأحد، 31 أغسطس 2025

آخر حاجة لبعض

 










آخر حاجة لبعض

سيناريو وحوار: محمود قدري



























الملخص: في خضم مشكلات وباء كورونا يستعيد زوجان شابان عاطفتيهما المفقودة رغم الضغوط المادية والنفسية


م/١          شقة أحمد  (الصالون)        ن/د


ـ شقة بسيطة صغيرة الحجم، ولكنها نظيفة ومرتبة تنم عن ذوق في الألوان والاثاث، جهاز مفتوح علي نشرة أخبار تتلو أخبار وتحذيرات مرض كورونا، علي خلفية الصورة الشهيرة لعداد الضحايا والمصابين المتزايد... أحد أيام الصيف الحارة. 

-أحمد(٣٠عاماً)يجلس علي أريكة يتكلم في الموبايل. 


أحمد( ملهوفاً) :آلو... أيوة ياحسين، عملت إيه؟ 

ص. حسين :كلمتلك المدير وقالي الدنيا مزنوقة معاه(معتذراً) معلش يا أحمد الشغل واقع والله أنا خايف يمشوني أنا كمان. 

أحمد(مايزال متعلقاً بالأمل) :والنبي يا حسين تشوف لي أي شغل معاك، أنا بقالي اسبوع قاعد من ساعة المحل اللي كنت فيه ماصفي وصاحبه قفله. 

ص. حسين: أنا مش عايز وصاية يا أحمد...هاتفرج بعون الله وتتعدل.

أحمد: كله علي الله... روح انت بقي مش عايز اعطلك، سلام. 

-يفتح علبة السجائر فيجدها خالية، يسحقها بقبضته ويلقيها علي الأرض في غيظ. 

ـ تخرج منة(٢٥عاماً) من ناحية المطبخ، وتتوجه لحجرة أخري، وهو يرمقها بنظرة جامدة، يكتم صوت التلفاز. 


قطع












م/٢          المطبخ         ن/د


ـالطعام المكون من أرز وخضار بدون لحم  يشيط. 





قطع























م/٣          الصالة          ن/د


-أحمد يتمدد علي الأريكة في إحباط يمسح جبينه المتعرق من الحر، يتشمم الهواء ويقوم مفزوعاً ناحية المطبخ. 






قطع




















م/٤          حجرة النوم          ن/د



     ـ طفل رضيع ممدد علي السرير، وعلي الحائط صورة زفاف أحمد ومنة وهي تشع بنظرات الحب الصادق، منة بجوار الطفل نعد عدد الحفاضات القليلة المتبقية، ثم تفتح حقيبتها فلا تجد فيها سوي ٥٠جنيهاً،تمسكها بين أصابعها في هم وقلق، ثم تسمع صوت أحمد يصرخ في غضب.


ص. أحمد:منة! حرقتي الأكل!







قطع














م/٥          الصالة          ن/د


ـأحمد يقف متحفزاً وسط الصالة، في غاية العصبية الغضب، لقد قرر أن يخرج غضبه من نفسه ومن الدنيا في منة.

أحمد:سيبتي الاكل عالنار وروحتي فين؟

منة:كنت بغير لآدم وسهيت جوه في الاوضة.

أحمد: يا سلام سهيتي؟! سهيتي يبقي يتحرق البيت، عايزة تولعي فينا؟!

منة: إيه الكلام ده يا أحمد!وإيه الطريقة دي!

أحمد: مش ده اللي حصل؟! مش شامة ريحة الشياط؟ (بغرور الضعيف) لولايا كان زمانا ضعنا.

منة(تنهار باكية) :وأنا اللي هاتضيعك مش كده! شايلة البيت كله علي دماغي، وبغزل برجل حمار عشان نعيش، حتي حزني علي أمي اللي لسه ميتة بقي لها تلات شهور كاتماه عشان مازودتش المواجع، تعبت، مابقاش عندي طاقة والله العظيم.

أحمد(ثائراً) :قصدك أني خلاص بقيت عبء عليكي!

منة: أناني... مش بتشوف غير نفسك وبس، أنا اشيلك فوق دماغي العمر كله، وماقولش الآه حتي بيني وبين نفسي، وانت عارف كده.

احمد يبدو عليه التأثر، ويحاول قول شئ ما لكن لا يجد ما يقوله. 

منة(تضع وجهها بين كفيها) :كابوس... أنا حاسة أني في كابوس، مش عارفة هاصحي منه امتي؟

-نسمع صراخ الطفل الرضيع آدم، تقوم منة متحاملة علي نفسها، ينظر احمد لها نظرة حانية. 

أحمد : رايحة فين؟ 

منة: هارضع الولد. 

تذهب منة وتترك أحمد يقف وحيداً. 



قطع







م/٦          المطبخ          ن/د


-يزيح أحمد الطعام المحترق، ويبدأ في إعداد وجبة أخري، بحركات خرقاء لرجل لم يتعود التواجد في المطبخ كثيراً، يبحث عن الطعام في الأدراج، ويمسك الادوات بطريقة خاطئة، تدخل منة فتفاجأ بقيامه بإعداد الغداء، تبتسم ابتسامة خفيفة تغير من ملامح وجهها، يراها أحمد فيبتسم هو الآخر، ويكاد يوقع حلة بيده وهو يضعها علي الرف. 

أحمد: قولت أخف أنانية شوية

منة: مكانش قصدي أنا

ـيقاطعها وقد عاد ألي رشده. 

أحمد: منة أنا عارف أن الدنيا مهدودة كأننا بقينا عايشين في عالم تاني مختلف، ظروفنا متلغبطة وأيامنا بايظة، مفيش فلوس ولا شغل ولا طمأنينة، ولا عارفين بكرة هانصحي علي ايه....بس احنا آخر حاجة باقية ومش هاسمح إني أخسرك أو إنك تخسريني. 

ـتحتضنه منة ويحيطها بذراعيه بحنان.... يرن جرس موبايل أحمد. 



















م/٧         الصالة          ن/د


-أحمد يرد علي الموبايل. 

أحمد: أيوة يا ابراهيم... بجد؟ 

-يشرق وجه أحمد. 

أحمد(مناديا) :منة


ـتظهر منة وفي يدها كبشة غرف الطعام. 


أحمد: لقيت شغل، إبراهيم جارنا لسه مكلمني. 

منة(منة غير مصدقة من فرط الابتهاج) :بجد يا أحمد؟! 

أحمد: أيوة ونازل له دلوقت قبل الحظر ما يبدأ. 

-يتجه أحمد للباب ويفتحه، بلتفت لها باسماً. 

أحمد(مازحا) : اوعي الاكل يتحرق! 

منة: متخافش مش هاسهي عليه تاني

-يلوحان لبعضهما ويتبادلان الابتسام، يخرج أحمد ويغلق الباب خلفه، وتتجه منة للمطبخ في سرور وحماس، وتنتقل الكاميرا للتلفزيون ذو الصوت المكتوم لنراه يعرض مشاهد أنور وجدي وفيروز وهما يتجولان في الشوارع في استعراض معانا ريال. 



النهاية




السبت، 10 مايو 2025

آدم حنين سؤال وجواب

 1-ما هو الحي الذي نشأ فيه آدم حنين؟

حي باب الشعرية. 

2-ما الذي تعلمه آدم حنين من زيارة المتحف المصري؟

تعلم النظر إلي الأشياء، ووجدت عينه طريق الرؤية. 

٣- كم عام عاش آدم حنين في قرية القرنة بالأقصر؟

عامين. 

4- ما الذي ألهم آدم حنين لوحة البشارة؟

منزل ريفي بسيط رآه في قرية القرنة بالأقصر، علي واجهته غزالة معلقة.

٥-ماذا قالته الرسامة غابرييل مونتر، لآدم حنين، أثناء زيارتها للمعرض الذي أقامه في ميونيخ؟

إنه لن يجد في بيئة الغرب مايغني تجربته، وأنه من الأفضل ألا يتأثر بأعمال الأوروبيين.

٦- اذكر واحداً من الأعمال التي أنجزها آدم حنين أثناء تواجده في جزيرة "الفنتين"؟

رجل يشرب من القلة.

٧- ما هي أهم أعمال آدم حنين مع الشاعر صلاح جاهين؟

رسومات لمرافقة "رباعيات صلاح جاهين" في مجلة" صباح الخير".

8-من هو المهندس المعماري الذي صمم منزل آدم حنين بالحرانية؟

رمسيس ويصا واصف.

٩-في أي عام أقام آدم حنين معرضه في بيت السناري؟

عام ١٩٦٦.

١٠- ما هي أسباب سفر آدم حنين إلي باريس؟ 

نكسة ١٩٦٧،حينها كانت الأجواء مشحونة والناس كانت معبأة باليأس والهزيمة، فلم يستطع الاستمرار في هذا المناخ. 

١١- كم عام مكث آدم حنين بفرنسا؟ 

٢٥عاماً. 

١٢-في عام أنشئ سمبوزيوم أسوان الدولي للنحت؟ 

١٩٩٦.

١٣- متي بدأ ترميم تمثال أبو الهول؟ 

١٩٨٩.

١٤-متي بدأ تأسيس سمبزيوم أسوان الدولي لفن النحت؟ 

١٩٩٦.

١٥-متي بدأ آدم حنين في إنجاز مشروعه الشهير"السفينة"؟ 

٢٠٠٠.

١٦-متي بدأ إطلاق الدورة الأولي من جائزة آدم حنين لفن النحت؟

٢٠١٦

١٧- أي خامة يفضل آدم حنين استخدامها؟ 

الفحم والنسيج

١٨- هل يختار آدم حنين موضوعات أعماله بناء علي تأثير الفن المصري أم أن هذا التأثير يظهر بشكل غير مقصود؟ 

حضور الفن المصري في أعماله يأتي دون قصد، وبغير افتعال، لأن هذا الفن صار جزءً من تركيبته النفسية والشخصية. 

١٩-كيف تؤثر الثقافة والخبرة الحياتية في رؤية الأشكال والتفاعل معها وفقاً لآدم حنين؟ 

يري آدم حنين أن الأشكال ترتبط في أذهاننا بكثير من الانفعالات الني نحس بها وتذكرنا بلحظة الرؤية، فكل إنسان يتذكر شيئاً مختلفاً عن الآخر، وكل شخص لديه تصوراته ورؤيته حسب ثقافته وخبرته. 

٢٠- ما هو العمل الفني الناجح من وجهة نظر آدم حنين؟ 

العمل الذي يشبه لقاء جديداً بالجمال والإدراك الذي يثير الدهشة والرغبة في التأمل العميق. 

٢١- ما هي الخصائص التي تجعل البومة كائناً منفرداً في نظر آدم حنين؟ 

يري آدم حنين البومة كائناً غريباً ومثيراً جداً، فرغم ما تثيره في نفس البعض من شعور بالتشاؤم إلا أنها شديدة التفرد، تظهر ليلاً وتختفي نهاراً ومعبرة عن العزلة بشكل ما. 

٢٢- ما هما القطبان المتناقضان في جوهر الفن المصري؟ 

هما الكتلة والخفة، إن جوهر النحت المصري القديم هو المهابة والرقي وصلابة وخفة التمثال أو المنحوتة، وهاتان الصفتان هما اللتان أعطتا الفن المصري شكله الذي يبدو بسيطاً إنما سحيق وعميق الأغوار. 

٢٣-ماذا كان دور صلاح مرعي في سمبوزيوم أسوان؟ 

كان مسئولاً عن ترتيب المنحوتات الجرانيتية المعاصرة المعروضة بالمتحف المفتوح بأسوان، وحافظ علي الطبيعة الجبلية للأماكن، مفضلاً جمال المناظر الطبيعية. 

٢٤-ما الذي يجعل تجربة آدم مع البردي مثمرة؟ 

ورق البردي مادة مدهشة، مادة تجمع بين الحجر والخشب، فيها نوع من الدفء جعله مرتبطاً بها ارتباطاً عضوياً، كانت علاقته بمادة البردي مثمرة للغاية، لأنها كشفت عنده مخزون ثقافي وروابط ماض مازال يتحرك في داخله. 

٢٥-في أي عام افتتح متحف آدم حنين؟

٢٠١٤ 

٢٦- في أي مجلة كانت تنشر رباعيات جاهين ولوحات حنين؟

مجلة روز اليوسف. 

٢٧- من الذي نظم عرض أعمال آدم حنين بقاعة العرض الدائمة بمكتبة الأسكندرية؟ 

 صلاح مرعي. 

٢٨- ما الذي دفع آدم حنين لإطلاق مسابقة" آدم حنين لمراحل التعليم ما قبل الجامعي"؟ 

إيماناً منه بأهمية دعم وتشجيع النشء علي ممارسة الفن التشكيلي كوسيلة للتعبير عن النفس. 

٢٩- في أي عام أطلقت مؤسسة آدم حنين مسابقة قريتي؟ 

٢٠٢٢


٣٠ – ما الذي يميز فن النحت من وجهة نظر آدم حنين؟ 

يري أن فن النحت أكثر ارتباطاً بالطبيعة، كما أن له علاقة مباشرة مع المتلقي، عكس الرسم أو التصوير، لكنه فن يحتاج إلي الصبر والتأني، فهو يجلس أمام العمل لساعات طويلة

 




أوبنهايمر... برومثيوس أم فرانكشتاين؟

 


أوبنهايمر... برومثيوس أم فرانكشتاين؟ 

كل فيلم لكريستوفر نولان بمثابة بئر عميق للأفكار الفلسفية المثيرة للنقاش، وتحفيز العقل علي التأمل، منذ انطلاقته الأولي بفيلم Follwing  ذو الميزانية المنخفضة للغاية(٦٠٠٠دولار)1998،، حتي فيلم أوبنهايمر ٢٠٢٣ الذي تكلفت صناعته ١٠٠مليون دولار ومثلهم للتسويق والدعاية، إن رحلته السينمائية عبارة عن اسكتشاف للحياة والنفس، البحث عن نغمة الزمن الغامضة، في سيمفونية الكون العظمي.

في عام ٢٠٢٤فاز نولان لأول مرة بجائزة أوسكار أفضل مخرج عن فيلم أوبنهايمر، الذي توج بست جوائز إضافية من إجمالي ١٣جائزة رشح لها، نال منها جائزة أفضل فيلم وأفضل ممثل دور رئيسي لكيليان مورفي، عن أدائه لشخصية أوبنهايمر ليصبح أول أيرلندي يفوز بتلك الجائزة، وأفضل ممثل مساعد لروبرت داوني جونيور عن دور لويس شتراوس رئيس لجنة الطاقة الذرية الأمريكية بين عامي ١٩٥٣و١٩٥٨، وأيضاً أفضل مونتاج، أفضل تصوير سينمائي وأفضل موسيقي تصويرية.

قبل ذلك بأربع سنوات وتحديداً في شهر ديسمبر من عام ٢٠٢٠أعلنت شركة وارنر برذرز للإنتاج السينمائي، عن خطة لإصدار أفلامها في دور السينما وعلي منصة HBO بشكل متزامن، وكان نولان يتعاون مع تلك الشركة العريقة منذ فيلمه Insomina ٢٠٠٢،فانزعج بشدة من هذا القرار، لأنه من أكبر المدافعين عن السينما بشكلها التقليدي التاريخي، حيث يجلس المشاهد في دور العرض يكتنفه الظلام، وأمامه الشاشة العملاقة ليبدأ سفره الروحي في عالم الفن والأحلام، وأدي ذلك القرار لهجرته لشركة يونيفرسال لإنتاج وتوزيع الفيلم، بشروط خاصة فرضها نولان، فبالإضافة لبند الميزانية الضخم طلب عدم عرض أي فيلم جديد للشركة المنتجة لمدة ثلاث أسابيع قبل وبعد صدور الفيلم،وتم الموافقة علي كافة طلباته مما يعكس مدي أهمية نولان في صناعة السينما الأمريكية، بل أن بعض الممثلين الذين ظهروا في الفيلم خفضوا من أجورهم للعمل في الفيلم كروبرت داوني جونيور ومات ديمون وإيملي بلانت، فحصل كل منهم علي٤ملايين دولار، مقابل أجورهم المعهودة التي تترواح بين ١٠ و٢٠مليون دولار، والأغرب إن عملية اختيارهم كانت سرية للغاية، لدرجة أن منهم من لم يعرف أي دور سيؤديه بعدما وافقوا علي عقد الفيلم، لثقتهم الكاملة بمهارات وكفاءة كريستوفر نولان، الفنان القادر علي الانتصار لماهية السينما الحقيقية، في ظل مخاطر تكنولوجية رهيبة تقدم الزيف بدلاً من الصدق الفني، وآمن بالجمهور العاشق لذلك الفن، فلم يخذله وتوافد من كل أنحاء العالم علي قاعات العرض السينمائي مخصصاً جزء من يومه وروحه ووجدانه ليهبه للشاشة الفضية، لأن السينما كما يفهمها نولان وهو محق مائة بالمائة، تجربة سمعية وبصرية يتشربها وعي المشاهد ولا مكان لهذه التجربة سوي دور العرض وإمكانياتها المجهزة لذلك، وبعد وقت قصير أصبح أوبنهايمر جزء من الثقافة الشعبية في العالم

بدأ نولان كتابة الفيلم في بضعة أشهر، عقب انتهائه من العمل علي فيلمTenet ولم يكن ذلك الوقت القياسي مفاجئاً، فنولان يفكر في عمل فيلم عن أوبنهايمر منذ سنوات طويلة، فعندما كان في الحادية عشرة اندلعت احتجاجات ضد الأسلحة النووية، فعرف منذ طفولته خطورة السلاح النووي، وامتلأ قلبه بالخوف من احتمال نشوب حرب نووية تفني الجميع، وفي شبابه أصدر المغني البريطاني ستينغ أغنية عام ١٩٨٥تنتقد الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، ظلت كلماتها عالقة في ذهنه خاصة عبارة"كيف أنقذ ابني الصغير من لعبة أوبنهايمر المميتة؟!" ظلت تلك الأفكار تموج في طيات وعيه وبين تلافيف دماغه لعهد طويل من الزمن حتي ربطها بفيلمه الأخير، ويري نولان أن طببعة تتصورنا للسلاح النووي تغيرت مع مرور الوقت، لكن من المستحيل ألا نتوقف عن الخوف منها، واعتبر أن الغزو الروسي لأوكرانيا عام ٢٠٢٢جرس إنذار مخيف أعاد للبشرية الرعب من التهديدات النووية.

منذ المشاهد الأولي يجد المشاهد نفسه في خضم فوران حياة أوبنهايمر العاصفة، إنه يحاكم بطريقة ما وإن بدا الأمر غير ذلك، هو نفسه يحاكم نفسه كما تعبر عينا مورفي بعمق، يحاكم ذاته، ماضيه، علاقاته، ذنوبه، أو علي الأقل يبرر حياته كلها علي حد قول شتراوس، غريمه الذي أوقع به كي يتم سحب تصريحه الأمني بسبب ميوله الشيوعية، يشرح مونتاج رشيق ومباغت يعتمد علي تركيز المشاهد حياة أوبنهايمر، وبطريقة نولان في السرد غير الخطي الذي تميز بها، يستعرض عبر ٣ساعات ظروف مشروع مانهاتن الحاضن للقنبلة الذرية، وما جري بعده، بين وجهتي نظر أوبنهايمر-شتراوس،، الأمر الذي سيجعلنا نطرح أسئلة عديدة طوال الفيلم، كما يبتغي نولان بالضبط من أعماله"أنا لا أصنع أفلاماً لأبدي وجهة نظر، أصنعها لأطرح الأسئلة المثيرة وأقدم تجربة مشوقة للجمهور أتمني أن تبقي في ذاكراتهم" من تلك الأسئلة المطروحة وتاهت في خضم جدل جناية أوبنهايمر علي البشرية أو إنقاذها من مجازر قاسية كانت ستحدث لولا سلاحه الرادع، سؤال ماهي الحقيقة؟ إن شتراوس أبغض أوبنهايمر وسعي في النكاية به، لأنه" ظن"قيام أوبنهايمر بتأليب العلماء عليه، بدليل تجاهل أينشتاين له بعد لقاؤه بخصمه، وهو ما أثر في نفسيته بعمق، فشتراوس في المقام الأول مجرد موظف بيروقراطي يحيا بين ألمع عقول علم الفيزياء، وزاد من حقده غرور أوبنهايمر في حديثه معه، وسيتجلي في الختام أي وهم بني عليه شتراوس موقفه-ثنائية الخيال والحقيقة أحد عناصر فن نولان خاصة في فيلم prestige – فأينشتاين وأوبنهايمر أثناء وقفتهما بجانب البحيرة، لم يذكرا شتراوس قط، بل كان حديثهما حول الدمار والخراب المهيمن علي العالم بفعل السلاح الذري، ما جعل أينشتاين يغوص في أفكاره الداخلية، دون إحساس بوجود شتراوس، وقد ترك أوبنهايمر وحيداً حيراناً لا يدرك هو الآخر ماهي الحقيقة، هل ساهم في إنقاذ ملايين الأرواح أم رسم لها طريق الهلاك؟!

العلاقة بين أوبنهايمر وشتراوس استلهمها نولان، من علاقة موتسارت وسالييري كما صورها فيلم أماديوس للمخرج ميلوش فورمان ١٩٨٤، وتبين حقد الرجل المديوكر علي عملاق منحه الله موهبة لا تجاري، فيجد نفسه ازدادت صغراً ووضاعة، وتولدت فيها جراثيم الحقد والبغضاء، فتنسج  السوداوية الحيل والمكائد للنيل من الرجل العظيم، الذي صفع كبرياؤه كاشفاً له عن حجمه الحقيقي، وهو يلقي بظله الممتد علي روحه فتتسسمم للأبد، ويسعي للانتقام المدمر كي يرضي روحه المنكسىة دون قصد علي الإطلاق، إلا مواجهتها بالحقيقة المريرة، وأي الرجال في عالمنا يحتمل لذعة مرارة الحقيقة؟!

يبدو أوبنهايمر في ذلك العمل شبيهاً بالطبيب فيكتور فرانكشتاين، خالق الوحش الذي يطارده طوال الرواية التي ألفتها ماري شيلي في القرن التاسع عشر، ويناديه"أبي" ويوصف أوبنهايمر أيضاً بأبو القنبلة الذرية، التي أصبحت هي الأخري وحشاً يطارده نفسياً، منذ بداية انطلاقها في رؤي من وحي خياله، من ضمنها المشهد المخيف لفتاة ينسلخ وجهها وهي تصفق له، هذه الفتاة هي فلورا ابنة كريستوفر نولان، في تلك اللقطة تداخلت الحياة الشخصية لنولان برؤيته الفنية، كأنه يريد القول أن خطر السلاح النووي يتهدد أبنائنا وكل ماهو عزيز علي قلوبنا.

لقد ارتبطت قوة أوبنهايمر في الفيلم بمنحني صناعة القنبلة، كي تصل أمريكا لصناعة القنبلة النووية قبل ألمانيا النازية بزعامة هتلر، وعند اكتمال جاهزيتها، تتلاشي قوته بالتدريج، بعد أن كان قائداً تكفي إشارة منه، الأكثر من ذلك أنه يصبح محل شك من قبل السلطات، وغير مرحب به علي الإطلاق في أروقتها، لدرجة أن الرئيس الأمريكي هاري ترومان كما جسده جاري أولدمان في مشهد واحد مؤثر وحقيقي لأبعد مدي، يمنع دخوله لمكتبه مرة أخري ويطلق عليه"البكّاء" بعدما تحكمت فيه عقدة الذنب ورأي الدماء تلطخ يده... الوحش يعذبه ويطارده، ويبلغ ذروة رعبه حين يري في المشهد الأخير كابوس تعرض الأرض لخراب نووي شامل، انفجارات في كل مكان ووهج القنابل يخفي تحته نهاية العالم.

الرغبة في تجربة القنبلة التي دافع عنها أوبنهايمر، إحدي مواقفه المتهورة كما أوضح الفيلم طبيعة سلوكه، عندما حاول تسميم أحد أساتذته، أم رغبة في إثبات الذات، أم فعلاً محاولة لدفع شر أكبر كان ليحدث لولاه؟... الأكيد أن في تلك اللحظة ساطعة البياض أثناء تجريب القنبلة في لوس ألاموس، أدرك أوبنهايمر أن سلاحه الجديد  سيغير من شكل العالم للأبد، فكان أول ما طفي علي وعيه عبارة من كتاب الباهاغافاد غيتا الهندوسي"الآن أصبحت أنا الموت مدمر العوالم. لم يعرض نولان شخصية بطله بعين أحادية إما أبيض أو أسود بل فتح جراحه ليري مدي تعقد صراعه الداخلي، محاصراً بخيارات صعبة، ويتردد من جديد تساؤل شتراوس عن طبيعة أوبنهايمر كرجل وكعالم" العبقرية ليست ضماناً للحكمة، كيف يمكن لرجل عرف الكثير أن يكون أعمي لهذا الحد؟"، يعترف نولان"إن فكرت في أكثر الشخصيات غموضاً التي قدمتها، فبالتأكيد أوبنهايمر هو الأكثر غموضاً وازدواجية، ومع الأخذ في الاعتبار إنني مخرج ثلاثية باتمان فهذا يعني الكثير".

الملمح البارز للفيلم تركيزه علي الوجه البشري، فنحن لا نري معظم الوقت سوي وجوه ترتسم عليها مشاعر، وشفاه يخرج منها حوارات تشكل الركيزة الأساسية للبناء الدرامي كله، مما يعيد للأذهان تحفة سينمائية أخري بنيت علي الحوار بعنوان  12 angry menيطالعنا دوماً الوجه للبشري في كل مشهد، علماء وعسكريون وسياسيون، يعلق علي ذلك مدير تصوير الفيلم هويت فان هويتما"منذ البداية أدركت أن ذلك الفيلم سيكون عبارة عن وجوه، وذلك تحد كبير بالنسبة لنا، في الأفلام الأخري كنا نعتمد علي اللقطات الكبيرة، أما هذا الفيلم فهو يغوص للداخل حول المشاعر والتعبيرات والوجوه والذاتية" من بين تلك الوجوه والتعبيرات تتشكل مرحلة مصيرية من تاريخ البشرية، استغلها نولان جاعلاً من كل مشهد ذروة في حد ذاته، عن صراعات نفسية وعلمية وسياسية وأخلاقية صهرت مواقف ومصير أوبنهايمر.

سواء كان سليل برومثيوس سارق النار من الآلهة ليهبها لبني البشر كي تقوم عليها حضارتهم الجديدة وعاني من انتقامهم حيث وكل به نسر يأكل كبده، ثم ينبت له كبد جديد وهكذا، كما في الأسطورة اليونانية، ومعني اسمه"الفكر المتقدم" كما أشار الفيلم لذلك، أو فيكتور فرانكشتاين الهارب من وحش صنعه، يظل فيلم نولان عملاً إبداعياً يستحق التتويج بالجوائز، وأغلب الظن إنه سيصبح عتبة لهوليوود كي تقدم سير العلماء وما في حياتهم من دراما بطريقة مبتكرة، بعدما رأينا في فيلم أوبنهايمر ساحق النجاح حشد ضخم من علماء الفيزياء جذبوا جمهور السينما يتصدرهم أوبنهايمر ولعبته المميتة. 


الأحد، 27 أبريل 2025

رمضان بالصوت والصورة

 رمضان بالصوت والصورة


لهلال هذا الشهر هيئة مختلفة، إنه يبزغ في السماء كعلامة علي بداية أجواء جديدة، تقطع التسلسل العادي للحياة، وتدب في القري والمدن روح جديدة غير معهوده، إنه الزائر السنوي الذي يمد يده بالرحمة والبركات والبهجة، وسرعان ما يحمل عصاه ويرحل علي وعد بزيارة قادمة بعد ١٢ شهر بالتمام والكمال.

تتسامي الروح في ذلك الشهر الكريم ويبدو باب السماء قريباً للغاية من العالم الأرضي، ربما لأننا ننسي الدنيا إلي حد ما وننهمك في العبادات، فتمتلأ المساجد بالكبار والصغار، وتكثر الصدقات ويهنئ الكل بعضهم بحلول رمضان، وتبدأ تجربة بصرية-سمعية في غاية السرور والإمتاع، تشحن ساعات النهار أغنيات رمضان المعتقة بروح الماضي والفن الأصيل،وكلما بعد بها الزمن نكتشف كم هي رائعة، ومن المستحيل مجاراتها في إمكانياتها الإبداعية أو بما تثيره من شجون وذكريات، فأغنية"رمضان جانا" من ألحان محمود الشريف وكلمات الشاعر الغنائي حسين الطنطاوي وغناء محمد عبد المطلب المذاعة في عام ١٩٤٣،بمثابة البيان الشعبي لاستطلاع هلال رمضان وإشارة البدء بطقوس رمضان بمقدمتها الموسيقية العبقرية، والأداء الغنائي المتمكن، وكلماتها السهلة الممتنعة، فحين تسمع في البيوت والدروب، فالوقت قد حان لتعليق الزينة وشراء اللازم من خزين رمضان وحلوياته، وتستنير الشوارع بالأشرطة الملونة والأضواء، ويدعو الجو الكرنفالي الحميع للسعادة، وتكتمل المرحلة الغنائية بـ"وحوي يا وحوي" للمطرب أحمد عبد القادر، المقتبسة من التراث المصري القديم، وكما يتم استقبال رمضان بالغناء نودعه أيضاً بالغناء، عندما تعلن شريفة فاضل اقتراب عيد الفطر حين تشدو "تم البدر بدري والأيام بتجري" ثم تؤكد علي مفارقة يختص بها شهر رمضان ألا وهي كونه"هالل بفرحة ومفارق بفرحة" ولا أعرف شهر سواه يهب الفرحة في  عند قبوله وإدباره إلا رمضان.

ونفس الشوارع التي كان يعمها الضجيج وتمتلأ بالزحام في النهار، تكاد تخلو مع أذان المغرب من الحركة، فالناس في بيوتهم يتهيأون لصلاة المغرب وتناول إفطارهم الذي يكون عادة دسماً يحوي من نعم الله الكثير، ومن لا يتسني له الإفطار في منزله وسط أهله لظروف عمل أو سفر، يحاول المحيطون به مساعدته وإكرامه، وبعد وهلة يعود الزحام وربما أكثر، فتمتلئ المتاجر والمقاهي، ويمرح الأطفال خارج البيوت حتي وقت متأخر من الليل لاطمئنان الأهالي ببركة رمضان وونسه، ومع لحظات الفجر الندية يسعي المصلون للمساجد بين الصحو واليقظة، يرجون رحمة ربهم لاجئين لحماه، ويملأون بيوته التي تبقي رحبة رغم امتلاء الناس بها، تختلط الأنفاس بالدعوات بالهمهمات، بصوت قراء القرآن كلاً منهم علي نغمة وآية مختلفة، كأن الشهوات خمدت وصفت الصدور والقلوب.

ويمتاز رمضان بموسم فني زاخر وفاخر، وتظل الأعمال القديمة في الإذاعة والتلفزيون لها رونقها ومتعتها التي لا تضاهي، رغم التطور التكنولوجي الفائق في صناعة الصوت والصورة، مازالت الأذن والعين تحن للأصوات المعبرة و الوجوه الأليفة القريبة من القلب لفنانين مصر الحقيقيين، الأذن ترقص طرباً حين تسمع ملكة الميكروفون زوزو نبيل وهي تهمس" بلغني أيها الملك السعيد ذو الرأي الرشيد...." هنا نعيش بالوجدان في عالم من الخيال الجميل المستوحي من قصص ألف ليلة وليلة، كتبه للإذاعة طاهر أبوفاشا وأخرجه محمد محمود شعبان عام ١٩٥٥،مع أن ألف ليلة وليلة قدمت للدراما التليفزيونية مراراً إلا أن الأصل الإذاعي يمتاز ببصمة سحرية علي الوجدان لا تمحي، ويحتل مكان الصداراة في الأعمال المقتبسة عن ألف ليلة وليلة، فنحن نركب علي بصوت فناني ذلك الزمن علي بساط علاء الدين، ونطير بين الممالك والقصور نشارك أبطال القصص مغامراتهم، ولما ينطلق سيد مكاوي في "المسحراتي" يلهج بكلمات فؤاد حداد المقطرة بحب مصر والإنسانية والحياة، فالسحور قد حان وضوء الفجر يبحث عن طريقه، ومع الإقبال علي طعام السحور تتشبع قلوبنا بالأشعار والغناء مع اثنين من أجمل أبناء مصر ارتبطا بالشهر الكريم، يدعوان كل ليلة ليقظة الضمير والهمة كما يدعو مسحراتي الشارع ليقظة العيون" وأنا صنعتي مسحراتي في البلد جوال، حبيت ودبيت كما العاشق ليالي طوال، وكل شبر حتة من بلدي حتة من كبدي حتة من موال"، وسيد آخر هو سيد الملاح مع المبدعة سهير البابلي  كونا ثنائياُ إذاعياً في منتصف السبعينيات ارتبط برمضان  عن طريق مسلسل"سيد مع حرمه في رمضان" يقدمانه بأسمائهما الحقيقية، ويغنيان في بدايته أغنية في منتهي الظرف، ومن مشكلات سيد وحرمه لمشكلات أخري يواجهها" موهوب وسلامة" كما قدمهما فؤاد المهندس وعبد المنعم إبراهيم، ومع كل أمسية نستمع لرجاء موهوب بمنحه فرصة أخري ليبين قدراته التي يؤمن بها وحده، وهو يردد" ده أنا موهوب والله العظيم موهوب" فننتظر للغد لسماع موقف مضحك جديد، ومع صوت قراء القرآن الكريم نحلق في سماوات الله العلي القدير ونسمع كلماته بحناجر ازدانت بآيات كتاب الله، ونسمع بخشوع وطرب عمالقة مدرسة التلاوة المصرية وبخاصة الحصري والمنشاوي وعبد الباسط عبد الصمد ومصطفي إسماعيل، وكيف ينقلون معاني الكلمات بأدائهم الصوتي وإحساسهم العميق بالقرآن الكريم، ومع الابتهالات نخشع وندعو الله بقلوب رقت من فرط حلاوة الأصوات وصدقها، مستقبلين أيام الرحمات بابتهال النقشبندي"رمضان أهلاً مرحباً رمضان، الذكر فيك يطيب والقرآن" .... إن أثير الإذاعة سري في أيام وليالي رمضان، لينشر فيها ذكريات عصية علي السقوط في بحر النسيان.

 ولم يختلف الأمر بالنسبة للتلفزيون بفوازير رمضان التي قدمها صلاح جاهين وفهمي عبد الحميد، فملآ الدنيا وشغلا الناس، وعلي الشاشة تألقت نيللي وشريهان بتلك النوعية من الأعمال، بينما اكتسح المواسم الرمضانية" ليالي الحلمية" بأجزائه الخمس  من تأليف أسامة أنور عكاشة وإخراج إسماعيل عبد الحافظ ، فتابعهما الجمهور بشغف وتعلق وهما يرويان مع ما يقرب من ٣٠٠فنان حكاية مصر الحديثة، مجسدة في الصراع بين الباشا سليم البدري والعمدة سليمان غانم، علي مدار عشرات الحلقات دمجت المتعة بالتفكير، وبأسلوب طريف وراقي حاور فنان الكاريكاتير رمسيس زخاري نجوم مصر في الثمانينيات والتسعينيات خلال برنامج"يا تليفزيون يا" فاقتربنا من مبدعي مصر بشياكة وخفة علي القلب، وحين نتذكر هذا البرنامج وأمثاله نرثي لحالة الزعيق والكلام بـ"العين والحاجب" في البرامج الثرثارة المتسابقة نحو افتعال الجدال التافه، وحين يتربع الشعراوي علي كرسيه نجلس أمام لسان لبق يفسر الآيات القرآنية بأسلوب مبسط جعلته قريباً من رجل الشارع.

رمضان في مصر له خصوصية لا تجدها في أي مدينة في العالم، فذلك الشهر طوفان من المشاعر يتم التعبير عنها بطرق شتي، سواء في الروحانيات أو فرحة الاستقبال أو تزجية أوقات الصيام بمتابعة الأعمال الفنية، ولكل طريقة صوتها وصورتها، فيبدو رمضان كعالم خاص وجميل، ولكن ياللخسارة فهو كلل شئ بهيج يتلاشي سريعاً ويذوب في تتابع الليل والنهار، ولا يبقي منه سوي الذكري تؤنسنا حتي يعود من جديد.... وهكذا تمضي الأعوام.