السبت، 15 فبراير، 2014

امرؤ القيس عاشقاً...وهاملت عربياً



إجابة سؤال يوسف زيدان:" ما الذى نستدلُّ عليه من قول امرئ القيس فى معلّقته : ألاَ رُبَّ يَوْمٍ لَكَ مِنْهُنَّ صَالِـحٍ ، وَلاَ سِيَّمَا يَوْمٍ بِدَارَةِ جُلْجُـلِ . ويَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذَارَي مَطِيَّتِـي ، فَيَا عَجَباً مِنْ كُوْرِهَا المُتَحَمَّـلِ"

تعرضت لتجربة منذ عدة سنوات:مجموعة من الطلبة,في صف واحد,أولهم سيؤلف قصة يحكيها لمن بجواره وهكذا حتي تصل للأخير فيخرج ليكتبها و كنت أنا الأخير,لما خرجت لكتابة ما وصل لي,ضج الكل بالضحك ولاحظت أن الضحك تدرج في الشدة والصخب,لم يتمالك مؤلف القصة نفسه!...وهكذا حتي خفت في نهاية الصف,وبمراجعة القصة الأولي من مؤلفها وجدت الشخصيات زادت ونقصت,والأحداث اختلفت وتغيرت والأسماء اختلطت وتشابهت,كان لكل راو قصته التي نقلها عنه من يليه وفي النهاية كان هناك عشرات القصص والحواديت!
وتجربة أخري أجراها متخصصين بعد مرور أسبوعين من عرض فيلم سينمائي,سألوا المشاهدين عن السيارة الزرقاء في الفيلم,الكثيرون حكوا عن السيارة وما فعلته...ولم تكن هناك أي سيارة زرقاء في الفيلم.
الحياة-كما يقول ماركيز-ليست ما يعيشه أحدنا بل هي ما يتذكره وكيف يتذكره ليرويه.
حكاية امرئ القيس كما وصلتنا عن طريق الرواة تبدو كأنها هاربة من ألف ليلة وليلة,دراما عظيمة لأي سيناريست,ومادة خصبة للتأليف وضرب الأمثال,الفتي المنعم الشاعر,يطرده أبوه من القبيلة فيسير مع الصعاليك ثم يأتيه نبأ موته في مشهد تشويقي وبردة فعل مكتوبة بحرفية,فيحرم الطيبات علي نفسه ويستعد للثأر وفي النهاية يموت بحلة مسمومة بيد قيصر الروم بعد وشاية وعشق مع ابنة القيصر! من المؤسف غفلان شعراء السير الشعبية ورواتها عن سيرة الملك الضليل,من المبهج تخيلها علي الربابة منافسة لأبي زيد الهلالي وعنترة!
أستدعي هاملت في مقابل امرئ القيس,نفس التيمة الدرامية"الانتقام",الأب المقتول والابن الباحث عن ثأره وبين حدثي الذروة صراعات وحوادث مؤثرة خالدة تلهب الوجدان وتثير الخيال,ويزيد في عظمتها النهاية التراجيدية-المتشابهة عند هاملت وامرئ القيس-الموت بالسم!
هل كان امرؤ القيس شخصاً حقيقياً وُجد فعلاً؟
أجل كان موجوداً مع الأخذ في الاعتبار أنه:كان هناك 16 شخصاً سموا "امرؤ القيس",ويعني رجل الشدائد, أن الرواة اختلفوا في أحداث حياته أشهرها أشهرها رواية هشام بن الكلبي,رواية بن الكلبي مشهورة وضعيفة,وأن رواة شعره اشتهروا بالتلفيق! الأقرب للمنطق رواية الهيثم بن عدي,ونختصرها فيما يهمنا هنا أن امرأ القيس كان موجوداً مع أبيه حين قتل وفر لما هزمت كندة وقتل أبيه,يُستدل علي ذلك بخطاب عبيد بن الأبرص له:"
وركضك لولاه لقيت الذي لقوا        فذاك أنجاك مما هنالكا
ثم سخريته منه:
يا ذا المخوفنا بقتل               أبيه إذلالاً وحينا
أزعمت أنك قتلت                سراتنا كذباً ومينا
هلا علي حجر ابن أم            قطاب تبكي لا علينا
هلا سألت جموع كندة            يوم ولوا أين أينا
أيام نضرب هامهم                ببواتر حتي حينا
سيكون من الصعب أن نصدق القصة القائلة أن أباه قتل غدراً وتخاذلت قبيلته عن الأخذ بثأره,وأخذ الابن حندج-اسم امرئ القيس-الأصغر علي عاتقه وحده الثأر.لا بطل في القصة غير امرئ القيس,ولكل شاعر عند العرب قصة تصلنا عن طريق رواية الأحداث أو رواية الشعر,ولامرئ القيس معلقته الأشهر واسمه المتفرد في الشعر حتي قالوا عنه أنه أبو الشعراء"قفا نبك"أشهر ما (يُنسب) لامرئ القيس,وما يُنسب لامرئ القيس يتعدي مسألة الانتحال؛ليطعن في القرآن بشعر امرئ القيس كما يطعنه بشعر أمية بن أبي الصلت؛لذلك ولأسباب أخري-لا مناسبة لها الآن-لابد من الإقرار أن الشعر الجاهلي منه المنحول والمكذوب والموضوع....وإعادة قراءة طه حسين مرة أخري في فهم وأناة حتي نخلص إلي حل مناسب لتلك الأزمة (الجديدة-القديمة),لكن ما يهمنا في السؤال بيتين من المعلقة الشهيرة,فتم تحديد الهدف وسد كل المنافذ الأخري المفضية لمتاهات من القول لا مكان لها هنا.
ألاَ رُبَّ يَوْمٍ لَكَ مِنْهُنَّ صَالِـحٍ ، وَلاَ سِيَّمَا يَوْمٍ بِدَارَةِ جُلْجُـلِ . ويَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذَارَي مَطِيَّتِـي ، فَيَا عَجَباً مِنْ كُوْرِهَا المُتَحَمَّـلِ
السهل الممتنع في السؤال أنه أراد بيتين فقط!
البيتان لا يستقيما إلا بأبيات أخري وكلام في السيرة القيسية
الغالب أن معلقة امرئ القيس,كُتبت في أيام لهوه قبل أن تحدث له الحادثة الشهيرة...لن يشغلنا الانتحال وكذب الرواة وسنسير وراء المعلقة كما وصلتنا في النهاية وما فيها!
مكانة امرؤ القيس عند الشعراء كمكانة السومريين والفراعنة في الحضارات,فهو أول من قال كل شئ في شعره فاعتُبر أبيهم كلهم,وغفلوا عن كونه بهذا المنهج أول من أدخل الأيروتيك في الشعر العربي بقوله "
فمثلك حبلي قد طرقت ومرضع    فألهيتها عن ذي تمائم محول
إذا ما بكي من خلفها انصرفت له    بشق وتحتي شقها لايحول
في البداية وقف وبكي واستبكي,وذكر الأطلال وأماكن ذكرياته وأخرج علي مسرح القصيدة بكثافة شعرية المشهد كله وتفاصيله,بدأ امرؤ القيس القصيدة بالغياب والذكريات,ثم يستمر في السرد والقول عن كل ما انتهي من حياته,كأنه يقف علي طلل ذاته هو أولاً,طلله الذي جعل دموع عينيه تفيض علي نحره حتي بل دمعه محمله في النهاية لتحدث له عملية التطهير بعد أن استعاد ذاته المفقودة ثم يورد البيتين بعد ذلك في البيت العاشر والحادي عشر:
ألا رب يوم لك منهن صالح      ولا سيما يوم بدار جلجل
رواه أبو زيد القرشي:"ألا يوم لي من البيض صالح,ورواه أبو جعفر النحاس"ألا رب يوم لك صالح منهما" وقيل"ألا رب يوم لك صالح منهم"!
"ألا "بدُء بها في كل الحالات وفي روايتنا موجودة,وألا مفتتح للكلام من جديد,كأنه يبدأ قصيدة جديدة يبثها ما يعتلج في ذاته"منهن",ونؤكد علي "منهن"! لم يكن لامرئ القيس حبيبة يقترن معها في الذهن العربي كعنترة مثلاً أو كابن الملوح وكثير,عُرف عن امرئ القيس عشقه وولهه بالنساء فهو يذكر في معلقته"فاطمة وعنيزة وقد يكون لقب لفاطمة,وأم الحويرث وأم الرباب "والمرضعة والحبلة اللواتي يشتهينه,لم يعرف له حبيبة يبثها ما يكنه لها من عشق وغرام,هو يحبهـ"ن",ويريد يوماً "منهن" أي أن قلبه محروم من الحب الحقيقي فهو لا يميز بين واحدة وأخري,يفتخر بغزواته الجنسية مستخدماً في وصفها ألفاظ ومعاني تصورها علي أنها معركة حربية,يفتخر بنصره فيها ونوله ما أراد رغم الحراس والرقباء,مستمتعاً بحريته الجنسية بلا أي حد ولم يستثن منها حتي المرضعة والحامل!
"لاسيما"قد تفسر علي أنه ضرب مثال أو للتخصيص,فيومه الصالح يومه بدارة جلجل,موقع القصة الشهيرة عن ملابس الفتيات والاستحمام وعقر المطية,كما يرويها الفرزدق في حادثة شبيهة,الفرزدق من أشهر رواة شعر امرئ القيس وأشد معجبيه..كأن امرؤ القيس في هذا البيت يخاطب أطلاله النفسية وذكرياته,يتحدث لنفسه بأثر رجعي مستعيداً ما حدث وممنياً نفسه بيوم آخر مع عنيزة والفتيات,يحادث غيابه وفراغه المُبكي المنعكس علي الأطلال التي وقف يبكي عليها ويستبكي ويريق عبراته عند رسم دارس يعول عليه! الأفعال وردت في المعلقة بصيغة الماضي,والماضي هو الأصل في الكلمات العربية,وهو أصل ذات الشاعر وحياته الأولي وما يستذكره من ذكريات مبهجة بعد تطهره بالبكاء,ذكري الحب والغزل.
ويوم عقرت للعذاري مطيتي         فيا عجباً من كورها المتحمل
تروي في بعض الروايات"رحلها"بدلاً من كورها
مرة أخري لا يحدد امرؤ القيس امرأة ويتجه بذاكرته للنساء,فهو ذبح مطيته للعذاري ويستعجب...أو يندم! من حملهن رحله وأدواته بعدما كان محمولاً هو عليها...هذه هي الحياة! فلو كان البيتين يعبران عن عاطفة صادقة لامرأة ربما ما استعجب ولا ندم,بل سعد لأطعامها من أغلي ما يملكه.
المرأة والحرب هما مفتاح امرئ القيس وهو دائم الافتخار بما فعل مع الأولي وما فعل في الثانية فيذكر يوماً صالحاً آخر:
ألا رب يوم صالح قد شهدته       بتأذف التل من فوق طرطرا
ولا مثل يوم قدران ظلته            كأني وأصحابي علي قرن أعفرا

يُطارد هو الذاكرة كي لا تفلت منه,مناجياً أطلالها مستحضراً إياها كأيام صالحة يتمني أن تعود,نوستاليجيا عاطفية,وامرؤ القيس لم يحب امرأة لكنه أحب الجمال,المرأة هي أجمل كائن علي وجه الأرض,وفي الصحراء القاحلة يزداد جمالها جمالاً,والشاعر لم يحب امرأة بل أحب النساء,قلبه لم تملؤه امرأة بل ملأه جمال المرأة ووصالها العاطفي والجنسي,متحدياً بذلك قوانين القبيلة وعاداتها معرضاً نفسه للخطر كأنه في حرب أخري.
طبيعة الكلام -أي كلام -أنه يحتمل ما لايحصي من التفسيرات,والشعر أهم أنواع الكلام,يفسره القارئ كما يشعر به,ولكل قارئ لأي نص تفسيره الخاص به,الشعر يخاطب الشعور الجمعي للبشر,يصفه العبقري المهدور نجيب سرور"الشعر مش بس شعر لو كان مقفي وفصيح,الشعر لو هز قلبك وقلبي...شعر بصحيح"
تتعدد المستويات للفهم في هذين البيتين,التكثيف والرمزية فيهما متصلان بالشعور الجمعي للبشر...الزمن,تقلبات الدنيا,النساء,الحب,المال الضائع,الأمل المؤجل,ثمن الرغبة,ذكري المكان,الذكريات,وبين كل ذلك يبرز ألم الذكري مهما كانت الذكري لايهم حلوة أو سيئة,التذكر في العادة أداة تعذيب لمن يتأمل في الزمن ويري فيلم الحياة بالتتابع حتي مشهده الحالي,تصيبه الذكري الحلوة بالألم والندم علي فواتها ويتألم لها بنفس درجة ألمه عند مرور ذكري سيئة.يترجم الأبنودي نفس المعني في أغنية "كل الحاجات":"تمر صورتك أتبسم الابتسامة تعذبني".
فنحن أمام ذكري يستعذبها الشاعر ويتعذب لفواتها عليه ومضي زمنها,وتمني تكرارها ليعاوده ذات شعوره عند الغدير,من هذا البيت تبدأ لوحة جديدة من لوحات المعلقة ...في كل ذلك نتعامل مع القصة علي أنها حقيقة وقعت وهذا أمر بعيد جداً ويثير أسئلة كثيرة لا إجابة عليها إلا أنها خيالية!
يترجم البيت الأول في إحدي الترجمات للإنجليزية: Behold how many pleasant days have I spent with fair women;
Especially do I remember the day at the pool of Darat-i-Juljul
المترجم هنا شعر بالذكري واستخدم لفظ لا وجود لمعناه العربي الصريح في النص" remember",مما يدل علي هيمنة الذكري علي هذا للبيت حتي للسان غير العربي,مما أنتج نصاً تتم قراءته وتفسيره علي مستوي الوعي الجمعي لا علي مستوي اللغة فقط.
وفي ترجمة أخري:" Look how many good times I’ve spent with beautiful girls;
I especially remember the day at the oasis of Darat-i-Juljul.
مرة أخري ترد نفس الكلمة في النص الإنجليزي,مقرونة بأيام سعيدة انقضت للمرة الثانية.
تكثيف شعري للذكري وتبدل الزمن من حال إلي حال,واستدعاؤه وتمثيله شعرياً؛نزوعاً للمرأة التي تتوالد منها الحياة,كما توالدت الحركة والنشاط في الأبيات التالية مباشرة من هذين البيتين مردداً لفظ العذاري مرة ثانية مباشرة مستخدماً فعل مضارع"يرتمين"!....كأنه عاد بالزمان معهن,مستعيداً الغياب مرة بصورة جديدة,امرؤ القيس عاشق...عاشق بلا عشيقة!

هناك تعليق واحد:

  1. مر زمن طويل لم أقرأ بمثل روعة هذا الكلام أي فيض وأي غيث ....مدونة طالت حدود السماء في الابداع والامتاع...

    ردحذف