الثلاثاء، 24 مارس، 2015

روح( الجزء الأول)


إليها...
إلي نظرة من عينيها...
إلي لمسة من يديها...
الحبيبة الوطن
الوطن الحبيبة


روح
(الجزء الأول)
1

"إن مجيئنا إلي هذا العالم لم يكن باختيارنا وإرادتنا ولكن جئنا بالقهر,وبالقهر نمكث وبالقهر نخرج"
الشيخ الرئيس ابن سينا

ليل الأسكندرية يغمر قلبه قبل أن يلُف المدينة حاجباً عنها النورالرباني,مُظهراً تصميم الإنسان الأبدي علي معاندة الطبيعة,تُستضاء الطرقات والمحلات بأنوار تزغلل عينيه الضيقتين,فيهرب لحجرته مسرعاً,يدفن رأسه بين وسادتين يتساقط بينهما شعره,مُستجلباً بذلك نوماً كالأرق,أو أرق يزداد عذابه بالنوم.حتي تدور الأرض دورانها ويستقبل الشمس المؤذنة بنهار جديد.
-في عام 2100 سيركبون المشروع وهم يتشاحنون علي النصف جنيه الزيادة,سنكون وحدنا هنا بعد أن يتركنا الغرب للكواكب الأخري,وسيطالب أنصار حقوق"أشباه الإنسان" لنا بمعونات أكثر لتستمر الحياة علي الأرض,سينطلق المستر جون والمسيو جان والسيد لي بصاروخهم الفضائي متنقلين بين الكواكب,وسيظل حمدي وزة في ميكروباصه المُقسط ضابطاً موشر الراديو علي إذاعة القرآن الكريم مُنادياً للرزق ,وبعد أول مشوار سيصم آذان الناس بمهرجانات شعبية.
قال لصديقه علي وهما يرفعان كتبهما فوق رأسيهما اتقاءً لشمس شتوية حامية.
ضحك علي بهدوء مستفز,لامس بأنامله لحيته القصيرة:
-لو لم نأمل في غدٍ أفضل,فلننتحر إكراماً لإنسانيتنا,فما بعد الهوان لا يمكن تصوره.
جذب نفساً طويلاً من سيجارته المشتعلة:
-صدقني هذا ما أفكر فيه كل يوم.
تحركا خطوتين مللاً من الوقوف في انتظار مواصلة,علي يعتبر نفسه المالك الوحيد للحقيقة علي الأرض,مطمئن لنفسه ولرؤيته للحياة,فيبدو كتلة لزجة تثير الغيظ لما يُلقي أسئلته الغبية في هدوء واطمئنان الغافل.
-لماذا اخترت كلية الهندسة يا سامح؟
-لن تصدقني...لم أعد أذكر!
منعهما من الحديث طوال الطريق للكلية صوت الشيخ عبد الباسط مجوداً بطلاوة آيات القرآن الكريم سارداً جانباً من قصة النبي موسي.مدفوعاً بحب الجدل الفكري المفطور عليه,ومستسلماً لإغراء استفزاز علي.تساءل بمكر كأنه يحدث نفسه بمجرد أن لمس أرض الشارع الصاخب في جنون لم يلفت انتباه العقلاء السائرين فيه.
-من يشهد علي وجود موسي سوي أهل الأديان؟َ!
رد علي بحدة:
-لا تعد لهذا الحديث مجدداً ونحن في بداية النهار ما زلنا!
أطلق ضحكة فجة تبعها صوت سوقي لفت انتباه فتاة تستند علي مقدمة سيارة سوداء فاحمر خدها وأشاحت عنهما وجههاً المكسو بالخجل:
-النهار الوحيد الذي أعرفه,قناة تعرض لشعبك المحروم لحوم نسائية محروم منها,وبذخ دوخه لما رآه.
أمام البوابة تراجع عن الدخول.سيخوض وسط مظاهرات وهتافات,ومن سينادي مستصرخاً لرابعة ومن يهتف باسم السيسي,ليصل في النهاية لشخص معُقد يعتقد أن الفيات أفضل من البي إم دبليو,وأخري تُوقفه عبارتها عن لعبة subway من وراء كتاب يُخفي الموبايل "هذا Long long long wire,ولما يستفسر منها عن الـ"long long long " "يعني سلك طويل خالص...ولا تقاطعني مجدداً".
تبدت له الكلية كمجرور عفن مسدود ممتلئة للحافة بمخلفات آدمية مُدودة؛لعطل في صندوق الطرد الوطني في كافة أنحاء الجمهورية,عليه أن يغوص فيه ليحصل علي شهادة زور تكفل له دخول حظيرة العمل كثور جديد يجر الساقية بعيون مغماة,مع رفاقه القدامي في انتظار القادمين الجدد.
-إذا أردت أنت الذهاب لتهتف باسم رابعة وتبتلع القاذورات الداراسية فهنيئاً لك بما تبتلعه,أنا سأجلس علي المقهي حفظاً لكرامتي...القليل المتبقي منها.
-لا فائدة...بعد صلاة الظهر سألحق بك.
مضي نافضاً رغبة جامحة في النوم كادت تطيح به علي أقرب رصيف متمدداً,قطع الشارع بقامته المستقيمة ووجهه العابس,يداه تتحركان بآلية علي جانبي جسده.ماجت به الأفكار وعصفت وهو يتأمل وجوه المصريين حوله,لا يمكن أن يكون هؤلاء أحفاد الفراعنة,يستحيل انتساب هؤلاء الجهلة الثرثارين,بوجوههم البائسة الذليلة وعقولهم الخربة للجد الفرعوني الجبار,أكيد هناك خطأ ما,لو قام الفرعون العظيم من القبر لتبول عليهم وعاد لتابوته بقرف ممزوج بالحسرة,من بني الحضارة بشقيها المادي والروحي لا يمكن أن ينجب الشحاذين عديمي القيمة هؤلاء...وما أبرئ نفسي,لم نرث منهم إلا حصيلة من الكلمات نستخدمها حتي اليوم في اللغة العامية,وبضعة ملامح,أما الحضارة والعلم فقد رحلا مع رحيل الفرعون الأخير...
المقهي ليس مجرد مكان للجلوس,المقهي هوية وانتماء في زمن من أراد فيه الوطن وسعي له سعيه وهو مؤمن,قُتِل! تشارك الكل في قتله وقسموا دمه بينهم,كانوا في زمن جميل فات يقتلوا القتيل ويمشون في جنازته,لم يعد لهؤلاء الودعاء مكان اليوم,القتلة يقتلون القتيل وينادون بدمه ويسعون للثأر بقتل آخر,لم يعد لنا وطن غير بسمة حبيبة,,فستان فرح أبيض,كرسي علي مقهي,صفحة علي فيس بوك,مدونة علي جوجل,صديق نجالسه,أغنية تعبر عن ما عجزنا عن قوله,فيلم يسرقنا من واقعنا...حلم,حلم أن ننجو من هنا لدنيا جديدة تسعنا في حضنها,ننجو بذواتنا قبل أن تذوب وسط كوم الزبالة هذا وتضيع فيه,ونظل طوال عمرنا نبحث عنها في الزبالة المحيطة بنا وداخلنا يهمس بطريقة مرعبة"راحت,راحت ولن تجدها,لا تنكر,لقد أصبحت جزءً من الكومة من طول تجوالك بها,أليس كذلك؟...انظر لمرآة نفسك قبل أن تجيب"
المخدرات والبرشام لحسا دماغ حسان,في عز الشتاء يدور علي زبائن المقهي بشورت وبالطو,عيناه الحولاء لا تثبت علي شئ ولا تتجه نحو شئ,,مجئ سامح دعاه للصياح مغطياً علي صوت جورج وسوف الصادح في أركان المقهي:
-شاي ومعسلة هنا للباشمهندس حبيبنا
أخذ يقفز مصفقاً:
-حبيبي!حبيبي!حبيبي!حبيبي!
-خلاص يا حسان,متشكر يا سيدي.
جاؤه قفزاً وبدأ يقبله,وسامح غارق في الضحك عليه,بالكاد قدر أن يقول:
-كفي يا ابن القحبة أنت,نقضت وضوئي يانجس!!
مقهي صغير بلدي يقبع في شارع جانبي,اعتاد الهرب فيه من أيامه الصعبة,من الكلية,من أبيه,من العالم,من نفسه....هنا تعرف علي حسان وشرب الحشيش علي يديه,في أيام النغنغة يشربا الويسكي خلف النصبة الجانبية بعد أن يُنزلا الباب الصاجي.
لم يسأله عن سنه,لكنه بدا في الخمسينات بلا أهل ولا ماض,أبرز ما فيه,عين حولاء وابتسامة خبيثة تكشف عن أسنان أقرب للسواد منها للصفار,عبارته الأثيرة يعلقها علي الباب الزجاجي الداخلي"شكيت همومي للبحر السمك طلع شخر لي"
في ليلة من خمرياتهما كتب أسفلها سامح بخط مزخرف"خير الأمور السفر".بعدها سأله وهو يرشف آخر ما في كأسه:
-ألم تفكر يوماً في الموت؟
زمجر حسان ورفسه بقدمه في غلظة:
-ومن قال أني حي!
انتهز فرصة انعدام الزبائن إلا أفراد متباعدين وجلس بجانبه:
-كيف حال أبيك؟
-كما هو
-عفا الله عنا وعنه...اسمع لك عندي هدية ستظل عمرك تذكرني بها.
-ماذا؟هل ستهديني عيناً من عيونك الجميلة؟
-سامحك الله...إنني أتكلم جد,سأمنحك ليلة مع فتاةلا تحلم بها إلا في السينما,ولو كان لها قيراط حظ,لكانت فاتنة الجمهور ونجمة شباك,لكن فدادين نحسها جعلتها واحدة من إياهن...لو كان عندي ما عندكم لتزوجتها أنا؛لأتمتع بها في عمري الباقي,راضخاً لكل ما يخرج من شفتيها الملبن.
شاعت أقاويل عن إصابته في رجولته,وكلامه مرة يؤكدها ومرة ينفيها.
تأوه في حرقة:
-آآآآآآه يا خسارة ما راح.
-يا سلام ....لهذه الدرجة! وما اسم ست الحسن هذه؟
-ينادونها "لي لي"
همس لنفسه:
-لي لي.....
دخل مجموعة فواعلية للمقهي فقام فجأة وهو يسحب الصينية من أمامه:
-هنياً ياباشمهندس!
هنا مصر...لو كان عندك حلم فاقتله قبل أن يقتلك,مُدمرة الآمال ماحية الطموح,خُطط سامح الماضية عن مستقبله مسارها الحالي: في تلك المرحلة من حياته سيكون أنهي أول اختراعاته في هندسة الميكانيكا, مشروع تخرجه من الجامعة واختراعه,الصحافة العالمية ستشغل وقته لفترة طويلة"مهندس مصري شاب يدخل تاريخ العلم","العبقري المصري:اختراعي ملك للإنسانية","أوباما يهنئ مصر علي نبوغ أبنائها ويرسل رسالة إعجاب لسامح عبد العاطي","سامح عبد العاطي:أنا لا أجد فيّ شيئاً عجيباً,أنا ابن الثقافتين الفرعونية والإسلامية وكلتاهما في زمنهما قدما للعالم أسسه العلمية,لا يعني انقطاعنا عن العطاء إننا نضبنا,نحن فقط لا نجد الفرصة وسأقولها بلا مبالغة,عندنا الآلاف من أمثالي ينتظرون فرصتهم وأضعاف أضعافهم انتظروا بلا جدوي وماتوا بلا إنجاز في القرون المظلمة المستمرة حتي اليوم","رئيس الجمهورية يلتقي بالمخترع الشاب سامح عبد العاطي","أحمد زويل من مطار القاهرة:سامح خطوة جديدة علي طريق العلم البشري,وحضرت لمصر خصيصاً للقائه" عبد العاطي يشعل حماس الشباب علي مواقع التواصل الاجتماعي,وأحد النشطاء:إنها مصر!","ألمانيا تعرض علي الفرعون المصري كل إمكانيتها للاستفادة مما وصفته بـ(العبقرية العلمية المتوهجة بلا حد)"
أول خطوة....
منعه من تخيل الخطوة الثانية والاختراع نفسه دخوله كلية الهندسة قسم ميكانيكا!
هنا مصر...أول أسوأ تجربة تمر بها في حياتك أن تدخل جامعة مصرية,مُحملاً بحلم كبير في مجال دراستك,لتكن تحت رحمة كهنة الجهل كارهي المعرفة المميزون بلقب له في مصر معني آخر غير معناه الطبيعي(دكتور/أستاذ جامعي) في بلد كمصر هذا يعني أن من يحمله وصل لمرحلة في الجهل أهلته أن يعيد إنتاجه ويدرسه في قاعات كبيرة تضم الآلاف,بعد أن يُخليك من عقلك ويجعلك عاجزاً عن التفكير ويُفقدك قدرتك علي التعلم والابتكار,لما يتم ذلك ويتأكد منه,ستُمنح شهادة تشهد أنك تعلمت في جامعات مصر ومدارسها ومررت بكل ما يحيد بك عن طريق الإنسانية والعقل والعلم...مبروك!,سيفرح بك أهلك المساكين و ستعتبرك الحكومة"مؤهل عال",وستفتخر وتسعد بفعل كل تلك الأوهام المحيطة بك,لو تبقت داخلك بعد كل ذلك لحسة وعي,ستتعذب بها وحدك وستري الشهادة دليلاً علي ضياع مستقبلك كما ضاع بسببها ماضيك,ولو تمتعت-الكثيرون تمتعوا وأحبوا (الوضع!!) - بكل ما حدث لك وتم تفريغك تماماً,ستدمن الموضوع وستتقدم للتعيين كمعيد و تسعي لاستكمال دائرة التخلف,وهكذا....هنا مصر.
راح ظله يتمدد أمامه وهو يراقب الشارع,يتردد علي ذهنه سؤاله القديم المتجدد,يرفع بصره للسماء وينزله للأرض,يتأمل وجوه الناس وحركاتهم,يشعر بالهواء علي وجهه,يستمع لصوت الحياة من حوله,يستعيد كل ما يعرفه عن الكون والإنسان-أصلهما وتطورهما خصوصاً-يعود للسماء ببصره,مُتحدثاً بنظراته"لو كنت تسمعني أيها الخالق فألهمني علة الوجود,بصرني بسبب دفعي من رحم أمي للدنيا؟...ما سبب كل هذا الجنون؟!تفاحة,ذنب,شجرة,حية كما فسر المفسرون الكتب المنسوبة إليك عند كل المجتمعات,لتكن النتيجة كل هذا الجنون والقتل والحزن والدم والتعذيب والبؤس وكل تلك الآلام التي يسميها المتألمون(الحياة) ...سامحني,هذا ظلم! في القصة الدينية المتواترة عند الثلاثة الكبار وسط أديان العالم أنك تُبت علي آدم,وفي غيرها قصص شبيهة تنتهي بالرحمة والوعد بالرجوع,لو كانت تلك الرحمة والتوبة فكيف يكون العقاب,ومتي العودة؟!"
أخفي وجهه بيديه حاجباً دمعة كادت تخونه وسط الناس"أنا أتعذب يا إلهي,وأكثر ما يعذبني أني ألقي الجحيم في كل كتبك وأديانك في انتظار الناس في الآخرة...ما العلة يا مُسبب".
روحه تثقل علي جسده  بدليل احتراق دمه المصاحب لدوار ورغبة في التقيؤ,مُختنق.سيموت لو لم يصح بـ"آه"عالية يتردد صداها في الكون,يسمعها كل الأحياء,سيموت لو لم ينزل علي ركبيته باكياً متضرعاً للسماء,بالحل الوحيد الذي يري فيه الرحمه...افناؤه.
لما يبدأ رثائه اليومي لذاته,يفيض لكل الأحياء علي أمهم وحاضنتهم الأبدية,الغافلون عن الجُب الأبدي المُتخفي تحت موضع أقدامهم,يرثي كل ذي روح لأن لها روحاً.
أسكت هياجه الداخلي الأليم للحظة,صوت حسان المزعج, يسحبه للدناءة من حوله:
-"ومهما الدنيا تتغير أنا بتغير,وحيد يا ليل حيران يا ليل سهران ياليل.يا لييييييييل"قول يا أبو وديع!! ومهما الدنيا تتصير أنا بتصير أنا بتصير,محصور يا ليل يا ليييييل,"قضيت حياتي حزين حزين حزين"دخيلك أبو وديع حياك الله,هأ هأ هأ.
وجوده في الحياة خطأ أول سيترتب عليه أخطاء لا حصر لها,أفظع تلك الأخطاء كونه مصرياً,لم ينتبه من قبل للمفارقة الموجودة في الشروط الحكومية"أن يكون متمتعاً بالجنسية المصرية",بعد تجربته السافلة في الهراء الجامعي الملعون,شعر أنه يقرأ تلك الجملة لأول مرة في حياته."تمتعه"بالجنسية المصرية سبب ضياع مستقبله وعذاب ماضيه,"تمتعه"هو ما رماه علي مقهي حسان في طعنة قاتلة لأحلامه في زمن المراهقة السعيد,حسان الذي....لي لي!!!!
-صرخ كأنه يفيق من كابوس:
-ولعة هنا بسرعة!
انحني عليه يرص الفحم:
-متي سأراها؟
-من؟
لم يعد عندي صبر كالأول...اخلص.
ضحك كنسناس سعيد:
-من؟...لي لي؟
-.......
-لي لي مختلفة,هي التي ستراك,وترفض أو تقبل.
كالملدوغ:
-ماذا؟!!
-أنت معذور لم ترها بعد,الست الكبيرة تعتبرها جوهرة لا تفرط فيها أبداً.سمعت أن أحدهم صفع لي لي فجرسته ورمته في يد الحكومة بتوصية شخصية منها,كان هذا الليلة الماضية لم تطلع عليه الشمس في بيتهم...سهام ابنة الكبيرة نفسها سمعت البنات تتحدث عن غيرتها من لي لي ووقوف الكبيرة في صف لي لي دوماً .....
لم يستطع استيعاب كل ما يقوله لتبلبل ذهنه في رسم صورة لها.
-لكن حظك سئ,بعد ما حدث الليلة الماضية أعطتها المدام إجازة شهراً ترتاح فيه بعد أن ضربها ابن الحرام.
-شهر!
-حظك! ,ادعُ فقط أن تقبل بالنوم معك ساعة,صدقني من رضيت عنه لي لي رضيت عنه الدنيا......آه يا خسارة ما راح.
يفعلها لأول مرة.الاستمناء باليد فقد لذته,ما يشتهيه ويشبعه,اللحم الآدمي الحي,جسد أنثوي يدخل فيه مفرغاً سائله وبين كفيه نهدين ممتلئين تنغرز فيهما أصابعه.
امتلأت مثانته فقام للداخل خلف الستارة المهترئة,وقف أمام المبولة, قذرة مسدودة بقطع المناديل,تفوح منها رائحة البول النفاذة"كان الأطباء قديماً يتذوقون بول مرضاهم لمعرفة أعراض مرضهم,تري ما هو مذاق بولي؟!".وضع الحساب مع إكرامية مُبالغ فيها في يد حسان,واتصل بعلي يخبره أنه سيعود للمنزل ولن ينتظره كما اتفقا.
علام اتفقا؟!...إنهما في كل شئ مختلفان,لم يجمعهما إلا الزمان والمكان,لكل واحد منهما عالمه الخاص المتضاد مع الآخر,لا يعتبرا أنفسهما أصدقاء بالمعني العميق,ليست إلا علاقة وثقتها الجيرة والدراسة...
(ملحوظة: يستخدم المؤلف-حضرتي يعني-ألفاظ كالتعليم والدراسة والكلية وكل ما يمت لأولاد الزواني هؤلاء بصلة,ويريد-دوماً يريد ويشتهي والحرمان نصيبه!-أن يلفت الانتباه أن المعاني في مصر لا معني لها!والأسماء بلا مقاصد!واللغة لا تعبر عن المراد بها! في مصر لا قصد ولا مقصود  فنحن أناس مخلينها علي الله ولا نفكر كثيراً ولا نشغل بالنا ونعيش كما نعيش وتمر الأيام ونحن مازالنا ويا للعجب نعيش!...ومن معه الله يمشي علي الماء...آمنت بالله!ويبقي الوضع علي ماهو عليه وعلي المتضرر ضرب دماغه في الحيط حتي تنكسر...دماغه طبعاً)
الرباط الخفي الذي لم يفهمانه أبداً,جامعهما رغم كل ما يفرقهما,وجامع الجيل كله...الاغتراب,الاغتراب عن المجتمع والوطن والنفس,رغم ما يبذله علي للاندماج سعياً للأمان وسط مجموعة عن طريق انضمامه للإخوان,إلا أنه في داخله كسامح...لا منتمي.عبر خالد عبد القادر عن نفسية هذا الجيل تحت كلمتين"سيرة الأراجوز"ّغنتها بتصرف فرقة عمدان النور,لأسابيع ظلت نشيده الصباحي,أول ما يفتح عينيه يمسك الموبايل:
"جِبت لي صاحب وحبيته
زقني في المترو زقيته
لما مات فيا ومت أنا فيه روحت له بيته وعزيته"
يفهمها,يحسها,خائف منها.
"حزن يا بقال ورا الجامع
هات بنص ريال عسل في الكوز
ده اللي كان عيل بقي شاعر
واللي كان ضاحك بقي أراجوز"
أول مرة سمعها"خدني يا بقال ورا الجامع",وكتبها علي الفيس بوك,علق صديق مازحاً"يا بيه اللي بتطلبه ده عيب وحرام و بيتهز له سبع سماوات...ورا الجامع كمان!! استغفر الله العظيم يا رب!",وأرسل له النص الكامل للقصيدة.
لماذا ينادي الحزن؟..."بقال ورا الجامع"!!ما بضاعته؟..عسل في الكوز وما يطلبه قليل بنصف ريال فقط,كأن الكل هجره وما وجد غير الحزن ليعطيه عسل في قبله"الكوز",الحزن إله البؤساء يعلقون عليه حياتهم دائرين في فلكه,لو تخلي عنهم فقدوا كينونتهم بوصفهم بؤساء.
"ده اللي كان عيل بقي شاعر
واللي كان ضاحك بقي أراجوز"
الحزن يلعب لعبته مُلقياً عباءته السوداء علي القلوب,من كان عيلاً خالي البال,شعر-وآه يا ويل من شعر-وبقي شاعراً,ومن عاش يضحك أضحي مُضحكاً,الحزن الإله يُشكل للبؤساء قوالبهم وما عليهم إلا القبول بها.
"حبني الشارع وحبيته
عض قلبي الليل وعضيته
خضني الإنسان وخضيته
لما بان من وشه عفاريته"
يحب التمشية والفرجة علي سينما الحياة التفاعلية بكل الأبعاد,ولم يحب الشارع!مزقت أنياب الليل قلبه وتلقاها بدموعه فغرق الليل فيها,خضوه وخضهم,فهل بذلك خالصين؟
"عدا فيا القمح سمرني
عدا فيا الفجر صبرني
عدا فيا الحزن غيرني
عدا فيا العمر كبرني"
اللعنة...كيف حدث كل ذلك ومتي؟!..وكيف عبر عبد القادر بتلك البساطة والعادية,لم يولول يصرخ وينادي الدنيا لتشهد علي جريمتها,وشعر أنه يتباهي بصلابته"واللي عدا فيا ما سابش نقطة دم"ثم عاد يشعر بالرثاء,فهم أن الجرح عميق...عميق لدرجة أنه لم ينزف نقطة دم,مصاب فيُعالج ولا سليم,وصف أعراض ولم يحدد السبب.
"خدني م اللفة لمريلتي
خدني م التسنين لحصالتي
خدني م مدرستي عالجامعة
خدني م الترعة علي الأسفلت
خدت م الأتوبيس مراياته
خدت م السواق حكاياته
خدت م الركاب تذاكر موت"
إلي أين سيأخذني في المرة المقبلة؟هل تكون الأخيرة لمستقري الأبدي في جوف الأرض؟
ثم تعاود الفرقة النداء علي الحزن البقال بإلحاح مثير للشفقة,لن يسمعك الحزن ولم يعد بقالاً,لا يهمه من كان ومن بقي,الحزن ينهي  دوره كالمحترفين ويرحل.
"ياللي وحشاني ماتوحشينيش
ضحكك السكر محلانيش
خفت من المطرة قفلت الشيش
ليه فضل اسمك علي الشباك
كنت جايب دبلة وغويشة
كنت شارب خمرة مغشوشة
شفت شبهك قاعدة في الكوشة
قلت هي
لأ
مش هي
فتشتني الدمع عن ميه
كنت أنشف من حطب محروق"
قصة قصيرة حزينة,الإنكار لا يفيد إنها هي,عروس,وأنت خمورجي بائس لم تفلح خمرتك المغشوشة حتي في إسكارك وإيهماك أنها غيرها,كما جفت فيك الدماء نفذ منك الدمع"أنشف من حطب محروق".
"حزن يا محول خطوط سيري
حزن يا عطار في باب اللوق
شوف لي تحويجة لتفسيري
حط ريحة بن لضميري
شوف لي عود أصلب من المغشوش"
عدودة في  رثاء لم تعد موجودة,الحزن تشكل في العالم وتجسد طرقاً وأماكن وناس,الحزن هو السيد ساكن القلوب.
"ردني عالباب عطب روحي
جاب لي ناي زتونة مطروحي
مر أنا يا صاحبي لو دوقتني
جيت أقول الآه ما صدقتني
يطرح إيه الملح غير مالح
يطلع إيه م الجرح غير مجروح"
ككل مرة,يوصد الباب ويعلوه الصدأ الخارج من عطب روحه,كل لحظة أمام كل الأبواب,مر أنا يا علي,مر أنا يا إيزيس-الصحفية الجريئة التي تسقيني الثقافة بالقوة-,هل تسمعا الآه تزوم في صدري,أنا المالح المجروح,يا أصحابي..هل أنتما أصحابي فعلاً؟!
"حزن يا بقال ورا الجامع
هات بنص ريال عسل في الكوز
خد سنين الجري وسنيني
هات لي سن غزال دهب عيني
قطع الأسفلت شراييني
هات بياض القطن شاش اللوز"
يحبس دمعه,وينهض مُجبراً علي قتل يوم جديد,ليته يموت علي يديه وينتهي...لعله يبدأ.
 وضع الحساب في يد حسان الذي بدا في عالم آخر وهو يتابع أخبار المذبحة السورية,بدا مخيفاً خائفاً,أحس بيده باردة كالثلج,وهمّ أن يسأله عما به,خصوصاً أنها ليست أول مرة يري الاضطراب عليه كلما قاده الريموت للمذبحة السورية المجنونة,لكنه مضي بلا كلمة.استدار حسان ووضع يده في جيبه وتحسس من تحت القماش المكان الفارغ لخصيتيه المسلوبتين...
لاح وجه الشارع العمومي من بعيد,فقرر أن يتمشي وتذكر أنه سيمر بالـ"كلية" فعدل عن المشي,ووقف ينتظر ميكروباص,لايريد رؤيتها,كلما رآها شاهد نفسه مقتولاً علي الأرض و أقدام أساتذة الجهل والسطحية علي وجهه,هناك ضاعت كرامته وعقليته,هناك انتهت أحلامه علي يد المجرمين..."الجامعات المصرية!!...آه...أخطر علي مصر من إسرائيل,المعركة المصيرية في المدارس والجامعات,وجهوا اهتمامكم لها بدلاً من الانشغال بالسبكي كأنه هو المسئول عن خيبتكم يا أولاد الخايبة,خيبتكم تكمن هناك في قلاع الجهل والحيونة التي تسمونها"جامعات"احرقوها وابنوا أخري لو أردتم مستقبلاً,وضعتم أجيالاً في يد من لا يراعون حرمة عقب ولا جسد,إنهم يتحرشون ببناتكم بوقائع مسجلة ومشهودة وما خفي كان أعظم,الجامعات المصرية أقذر من المواخير بكثير مع الاعتذار للمواخير,هنا أنا ضعت وويل للقادمين لا أعرف من القائل"أيها الداخلون اتركوا ورائكم أي أمل في النجاة"* لكنه بالتأكيد قصد اللاتعليم المصري,أكبر جريمة تُرتكب في كل كل الأجيال لن يسامح الزمن من شارك فيها...لن يسامحكم,ولن يسامحني!...اللعنة لمن أتوجه للكلام في سري؟! المصريون؟!..هل للمصريين عقلاً يعي؟!..العقل راح في الوباء,انظر أيها العقل لحال البلاد هل تلك بلد بها 2مليون طالب جامعي وأضعافهم خريجين؟! العقل لن يرد عليّ في بلد الأميين الجهلة...الغياب!!...بين تمدد الكون وانكماشه أو انفجاره,لن تهتم مؤسسات الدولة إلا بسفاسف الأمور,علي شرط أن تكون مختومة وموقعة من إله المجتمع المصري الباطن"البيروقراطية" أول إله عبده المصريون ولعبادته قامت المؤسسات الحكومية؛ لتقديم القرابين الورقية المختومة له وجعلوا القربي له مقرونة بالتضييق علي الناس وحكمهم باسم الموظف رب الأختام واللوائح  المقدسة التي تهدد كل من يتعدي عليها بالحرق واللعنة,غياب العقل لا جزاء عليه غياب العلم لا يهم غياب التفكير مصلحة لهم أما أن يغيب جسد الطالب-ماذا يطلب؟!!- فهو ما لا تتحمله الفضيحة المصرية المسماة"جامعة" يجرحها في صميمها باعتبارها سجناً للمواطنين كالخدمة العسكرية في غير سبيل الوطن-الأثر الباقي من السخرة!- لهدف واحد"الحيونة" أن تكون في النهاية أي شئ عدا إنسان متعلم مفكر حر قادر علي السؤال وقول"لا" لابد أن تعيش طوال عمرك خائفاً ممن فوقك مستبداً لمن تحتك,منافقاً لا تعرف في الدنيا إلا تنفيذ الأوامر,ومهما كانت حدتك وقوة إرادتك لتحدي تلك الظروف...وحياة لي لي التي لم أرها حتي الآن وأتخيلها حورية هربت من الجنة لتضاجع البشر التعساء وتمنحهم لذة النكاح التي لا تعادلها لذة...ستنكسر وتولي الدبر هارباً لترتمي علي حجر من سينكحك مقابل أن تستمر في العيش وسط الديدان,مؤمناً لك حماية من البيروسول الذي يحاول العالم المتحضر رشه للقضاء علي البؤر الحشرية في العالم العاشر الذي تنتمي له بلدنا "ماسر"(أم الدنيا/قد الدنيا),لما قال المتنبي"يا أمة ضحكت من جهلها الأمم"في قصيدته هاجياً كافور لم يكن يقصد سوي المصريين,وفي جهلها هي فعلاً أم الدنيا.مجتمع اللاشئ الذي نحيا فيه مفرغ من كل قيمة إلا واحدة فقط -لسوء الحظ-,هيأ مجتمع اللاشئ نفسه بعد أن كسر ذاته ومحا كينونته أن يكسر كل الأجيال الجديدة بعد أن سلم مقاليده للشخصيات اللاشيئية تحكمه وتتحكم فيه,هذا المكان الخرائي الذي يحيون الناس الموسوم كذباً بالجامعة,قطعة الغائط المقرفة المتكتلة علي نفسها تظللها أسراب الذباب ويغلفها قئ بشري,هي البداية الملعونة من السماء والأرض للحفاظ علي مجتمع اللاشئ لاشيئي...مجتمع اللاشئ أنبغ من فيه هو الميديوكر...ويا حسرة انتهي زمن الميديوكر من زمن,ولم يبق إلا اللاشئ!كل ما يفعله المصريون أبناء مجتمع اللاشئ لا يقدم ولا يؤخر,من الممكن أن يؤدي روبوت مبرمج عمل الغبي الذي يقوم به في الجامعة,يطرش له كلمتين ساذجتين يحفظهما الحمقي ثم يصححهما وينتهي الأمر,وقس علي ذلك مهن مجتمع اللاشئ,المجتمع الذي فسر آية قرآنية تفسيراً واقعياً مادياً كأنها معجزة خرجت من المجتمع المصري-المتدين بطبعه!-(قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً(103) الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً)غرغرينا...الهراء المهري ,الموكوس علي عين أمه,غرغرينا قطعها رحمة لباقي جسد البلد ...اللا تعليم المصري لكم عدواً فاتخذوه عدواً, شيطانكم الساكن في بلدكم,ارجموه حتي الموت,قبل رجمه ارجموا أولاً كل من يدافع عنه وكل من أفسد فيه,وكل من سعي لاستمراره وشارك في الحفاظ عليه و...."
ميكروباص أخيراً!
من العيب أن يقف السائق أمامك بالضبط لابد أن يُجريك خلفه قليلاً-بجملة الإذلال الممنهج للنفس المصرية-,في الخلف علق السائق حكمته العميقة في الحياة علي زجاج العربة"اللي يخاف من العفريت يعمل عبيط".

*"أيها الداخلون اتركوا وارئكم كل أمل في النجاة",عبارة كتبها دانتي في الكوميديا الإلهية...علي باب جهنم!

فرد العجوز الصحيفة أمام سكان الكنبة الخلفية بلا مراعاة لزنقة الركوب,فكان آخر ما وقع عليه بصره قبل أن يختطفه الوسن"اجتاحت عاصفة ترابية شديدة معظم محافظات الجمهورية أمس,وتسببت في صعوبة الرؤية والشعور بالاختناق,وأربكت حركة المواطنين والسيارات علي الطرقات,وغلق بعضها عند تعذر السير عليها"

2
أقول أنا المؤلف –رحمني الله ونفعكم بأفكاري لو كانت لي أفكار- بعد الحمد لله الذي جعل الحرف باباً للوصول,وجعل لنا الرواية أداة للظهور في دنيا الملكوت وخلق لنا العقول والأفهام لنطلب العلوم. أني توقفت حتي هذا الجزء,وانشغلت في الخرابة التي أرتادها طلباً لورقة خسيسة,أخشي أن أمزقها لو ملكتها في يدي,واعلم وفقك الله لما يرضي إن الخرابة إنما هي جامعة خاصة من تلك العزب التي ينشئها رجال الأعمال لاستغلال الحمقي مثلي الذين امتلأت قلوبهم بأحلام لا  سقف لها ولم يأخذوا من التحاقهم بالخرابات إلا حرقة القلب وازدياد الهم و سقوط الشعر...الصلع!...هناك سرق أحلامي وأيامي وأموالي أولاد الزواني فلو كان أحد أبطال الرواية يعاني من اللاتعليم قيراط فأنا أعاني مائة,ولو شعرت بما يعتري جسدي ونفسي من آلام لبكيت شفقة علي شاب حلم فترة طويلة وبجفاوة وغلظة أعطته  الدنيا ثديها المر,وظللت أرضع المرار حتي اليوم ووالله الذي خلق القلم وبه نكتب وهو عندي أغلي الغاليين,وبحق النون والقلم وما يسطرون أنا أشعر بطعم المرار في فمي الآن وبحضوره داخلي وحولي...شغلني الجهلة بجهلهم وعرقلوني بسفري اليومي وضغطهم النفسي عليّ عن إكمال تلك الرواية,ولو لم تكن تعلم فاعلم أنار الله لك درب العلم,أنني دخلت الإعلام لدراسة الصحافة فما وجدت صحافة ولا إعلاماً لم يكن عندهم قسماً للصحافة فجعلوني في قسم الإذاعة والتليفزيون غصباً واغتصاباً,وقد توفر لي كتيبة من الجهلة الأميين سمموا حياتي وأسقطوني تعمداً وتوحشوا في وجهي لما عرفوا أني كشفت زيفهم وتخلفهم ووصفوني بالحمار والجاهل-لا سامحهم الله-حتي نسيت ما رسمته في ذهني من خط الرواية, صدق جل من قال:(وعسي أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسي أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم)... حكايات عديدة يُلخصها نزار قباني "لو أني أعرف خاتمتي ما كنت بدأت",افهم رعاك الله,العبد الفقير لله حرمه الله من نعمة قراءة ما يكتب مرة أخري-محظوظ أنا-فأنا عندي فوبيا من حروفي أكتبها ولا أراجعها حتي ولو كان في ذلك روحي,كل هذا وغيره مما يضيق عنه المقام هنا,كان يتهدد أن أتوقف عن الكتابة فيها,حتي أنقذتني هي....أمي....أمي شهرزاد.تجلت لي في دنيا الأحلام فكان ماكان وقد ذكرنا منه ما يمكننا ذكره للأنام فلعل الأسماع تكون واعية لما حدث وجري. بلغنا أيها الناس في الرؤيا والمنام بعد أن ارتميت علي الفراش:
رأيت نفسي أطير حتي وصلت لسحابة علي رأسها ملاك,جذبني من يدي برفق ومسح علي عيني فأغمضتها لحظة ولما فتحتها وجدتني وسط قصور وضياع,وورد وأنهار,وجواري وغلمان وفي شرفة القصر الكبير وقفت كأنها أجمل درة من أجمل تاج,وردة من أزهي بستان,لا وصف ولا مثال,جمال يذهب الجنان,وشعرت نحوها وأنا لا أعرفها بعطف وحنان وألقي الله في روعي وأنا حالم أنها شهرزاد,فوقفت أنادي بكل الألفاظ"يا ملكة يا أميرة يا مدام ياشهرزاد",وهي تراني وكأنها لا تراني حتي شككت إني طيف لا وجود له وأن كل ذلك خيال حولي وأنا لست منه بمكان,فبكيت حزناً علي حالي,هاهي شهرزاد أمامي ويا حسرتي لم أفز منها حتي بنظرة تطفي لهيب اشتياقي,فما كان من لساني إلا أن عبر عن باطن قلبي المتخفي في شعوري الكامن وسط غلالة من الخجل والإحراج المشوب بإنكار وحياء,فرفعت رأسي وصرخت كطفل عقره كلب ولم يجد علي لسانه إلا أقرب كلمة له,قلت بأعلي صوتي والدموع طافرة مني تلهيني عن الجواري الحسان والصبايا الأقمار:"يا ماما...يا ماما شهرزاد",ورأتني شهرزاد كأني أقبلت اللحظة عليها للتو,نظرت لي وابتسمت وحيتني....ونزلت,اقتربت مني ومسحت عن وجهي دموعي وضمتني لصدرها حتي وضعت رأسي علي نهديها فشعرت أني أخيراً وجدت الأمان في الدنيا,وراحت تطبطب عليّ وترجوني بصوت كأنه تغريد الطير أن أتوقف عن البكاء وأسمع الكلام,وأرادت أن ترفع رأسي عن نهديها فلم أتكلم لكني استمت علي صدرها أطوقها بذراعي من خصرها,فابتسمت بتفهم أنثوي أمومي وتركتني علي راحتي,وراحت تمشي براحتها علي ظهري ورأسي,فمسحت عني عناء22عام قضيتها بين الأنام منذ ولدت للآن,فسكنت نفسي ورفعت رأسي إليها وقبلتها علي خديها,وطلبت منها أن تتركني أعيش في حضنها طوال عمري,فقالت لي"يا محمود أنت تعلم أنك في حلم وهذا لا يكون"فبدا علي وجهي الأسي,فلم تطق رؤيتي هكذا لفرط حنانها,فضمتني لصدرها مرة أخري وغنت ككارمن سليمان لما تعيد للحياة أغنيات أم كلثوم ونجاة وأسمهان:
"يوما سيجمع الأحبة الزمانِ            يمحو النأي ويأتي بالتداني
ستكون أنت يا حبيبي معي             ابني محمود وأنا شهرزاد
حجري لك مجلس وحضني           منام تلهو بقلائدي وتسمع حكاياتي
فغامت الدني وثقلت رأسي حتي غشي عليّ,ولما أفقت وجدت رأسي بحجرها علي سريرها,تمسح علي رأسي بيد وبيدها الأخري أوراق كثيرة,قالت لي:"هذا مدد لحكايتك يا حبيبي,هنا الحيوات الستة التي عاشتها روح بطلك من قبل والسابعة أنت تكتبها"لم أقو علي الرد فقد كان غمي فوق احتمالي,وأخذت أعد كم بقي لي في عالم الأحلام,تجلدت كي لا أبكي وأحزنها,فأمسكت رأسي براحتيها ومالت علي وقبلتني ودعت لي بالخير وأعادت رأسي لحجرها,وهي تمسح علي صدري وتدعو لي الله أن يشرحه للكلام والحكي كما شرحه لها ألف ليلة وليلة,وشعرت أن الوقت أزف,لكني صبرت وتقويت علي فراقها بتأمل ملاحتها وجمال وجهها وحضنتها مرة أخري بقوة لم أعهدها في جسدي الواهن,وهي تحيط بي بذراعيها وتميل علي برقبتها وشعرها يغطيي كتفي,وبقينا هكذا حتي دخلت الصغيرة دنيا زاد,كأنها هي شهرزاد لكن أصغر,عذراء صغيرة خجولة تأملتني بخفر فلما شعرت بها شهرزاد,سلمت يدي ليديها وأعطتني الأوراق,وطلبت منها أن توصلني لهناك ولم أدر ما هناك,فقبلت جبينها مودعاً ونزلت علي يديها الاثنتين فقبلتهما حتي استهلكت شفتاي,واستنشقت عطرها بعمق حتي تخلل دمي ولم أشعر بنفسي إلا وأنا في يد دنيا زاد ألتفت ورائي وتلوح لي شهرزاد,أوصلتني الصبية للملاك واستيقظت وبجانبي لفة ضخمة صفراء سأوردها هنا بسردياتها المتعددة وعصورها المتتالية بصورة طبق الأصل:
"تلك الأوراق من ماما شهرزاد أملتها علي أختها دنيا زاد,لولدها محمود زائرها في الأحلام, بمجرد نقلها ستختفي بأمر الواحد المتعال.


الحيوة الأولي
توت تلميذ إيمحوتب

لبيك يا حبيبتي لبيك
الجمال هو أنتِ يا كيميت
شاطئ النهر هو ذراعك
وماء النيل هو دماؤك
لكن...
التمساح راقد هناك
فوق شاطئ الرمال بفمه المفتوح
وحبك يملؤني شجاعة وإقداماً
سأعبر فوق النهر
سأخلصك منه يا حبيبتي
سأعيد إليك رونقك وجمالك
سأعيد إليك مجدك وجلالك"
منتوحتب الثاني(بعد مرور 900عاماً علي توحيد مصر علي يد الملك مينا مؤسس الأسرة الأولي,يُفجع الوادي بتقسيمه مرة ثانية عقب فترة سوداء عرفت باسم"عصر الاضمحلال الأول" بدأت في أواخر عهد بيبي الثاني واستفحلت حتي استجارت مصر منادية أبنائها فلبي منتوحتب حاكم الجنوب نداءوطنه الممزق التعيس,وأعاد له وحدته وأسس الأسرة الحادية عشر كسلفه مينا"
 "ألا تعرف أن مصر صورة من الجنة,وأنها الحرم المقدس للعالم أجمع"
تحوت/هرمس/إدريس
"إن العالم كله يرهب الزمان,ولكن الزمان نفسه يرهب الأهرام"
مثل مصري مأثور
"لقد سمعت كلمات إيمحوتب وحورجدف
ما قالاه جري مجري الأمثال
انظر إلي مقابرهما
تداعت جدرانها
ولم يعد لها أثر
كأنها ما وُجدِت"

من أنشودة عازف القيثار(أول تعبير فني عن الفلسفة المادية في التاريخ الإنساني,القائمة علي التشكيك بنفس إلحادي, هذا الانقلاب في التفكير المصري,من آثار عهد الاضمحلال الأول!)
أسجل ما شهدته علي نقش الحجر,بعد أن نقشني... أنا توت,توت تلميذ العظيم إيمحوتب... كينونتي المفتخرة,وسام شرفي الأول,نعمة بتاح علي عبده توت ابن كاربيتا وثمودي ,أودعه هنا في مقري الخالد,معبري للخروج إلي النهار,مقبرتي الواقعة شرق هرم الملك زوسر بجوار معلمي العظيم إيمحوتب,حكيم زمانه...وكل الأزمان.
أبدأ تدويني بالابتهال إلي بتاح الذي نطق لسانه بكل الأسماء,فعلمنا ما لم نكن نعلم...إلي الإله الواحد الأحد موجد نفسه بنفسه,ذو التجليات المتعددة والصفات,لتسمو لك صلواتي يا إلهي المتعال,ولتقبلها من عبدك توت الراجي لرحمتك الموجود لحكمتك,لتمن عليّ يا إلهي بالتذكر...عشت كثيراً,حتي بدا لي الماضي كأنه حلم تلاشي فجأة لما استيقظت الليلة بنداء باطني,يلهمني أن:"اكتب يا ابن كاربيتا التي استجاب بتاح لدعوتها أن تسعي مسعي ابن بلدتها إيمحوتب.اكتب ما جري لك في صحبة حكيم زمانه,سجل يا ابن كاربيتا مؤمنة القلب من نقطة البداية إلي نقطة النهاية...اكتب من نقطة أول لقاء...اذكر ما حدث هذا النهار الشتوي البارد"
تردد هذا الهاتف في باطني فقمت ألبي نداؤه...يا إلهي أنت تعلم أن الأمر ثقيل وقد طويته منذ زمن بعيد...فلم عادت نفسي تناديني لتذكره مرة أخري...رأسي يدور لن أقدر الليلة علي التدوين..ليكن غداً,وغداً قد تنجلي ذاكرتي في وحدتي,وقد يهمد باطني عن النداء...وقد ترسلني لملكوتك الأبدي يا بتاح الذي خرج منك الوجود وفيك فناؤه وبك صيرورته...

إيمحوتب....
ما تخيلت أنك ستموت كباقي الخلائق,عشت معك عشرون عاماً وما ألفتك,خدمتك في كل شئ كنت تلميذك وكاتم أسرارك,رأيتك وأنت تأكل كما يأكل البشر,وتنام كالبشر,تتكلم كالبشر,تتصرف كالبشر,لكني ما صدقت يوماً أنك بشر,وكيف لبشر أن يكون له كل هذا العلم؟! العلم الغريب العجيب,الذي دوخني ولا زلت حتي اليوم ولم أبح به لمخلوق حتي كان النداء أمس...النداء صمت,لكن بعد أن نقب في داخلي عما يود الخروج للأجيال القادمة,حكاية إيمحوتب,إيمحوتب العظيم كما يحكيها تلميذه وخادمه توت,ليتك أنت من حكيت عن نفسك,كيف؟وما كنت يوماً لنفسك؟!
أنا عشت لنفسي زمناً قبل لقياك....لم أولد إلا علي يديك.
دعت لي أمي أن أصير يوماً مثل إيمحوتب ابن غردو عنخ,لم أسمع عنك في طفولتي إلا من فم أمي التي سمعت عن مجدك في "إنب حج" ,قالت أنها وضعتك مراراً علي حجرها صغيراً لتنام بينما أمك غردو عنخ مريضة تحتاج للراحة,وأنك نظرت إليها ولمست المكان الذي في يؤلمها في ثديها فزال الوجع ومن يومها وهي تحبك وتهابك حتي رحلت مع أبيك كانفر إلي إنب حدج لتتعلم هناك علي إيدي الكهنة... من علمك ليس بشراً وحق بتاح!
ما لم تفهمه أمي,أن لا أحد يمكن أن يكون كإيمحوتب....إيمحوتب العظيم!
هذه مقبرتي تغريني أن أسرد سيرة حياتي أنا جاعلاً إيمحوتب جزءً منها...أعود لنفسي...من هو توت؟! لا ذكر له ولا قيمة تذكر غير أنه تلميذ إيمحوتب,أما إيمحوتب العظيم فلم يقترب أحد منه كما اقتربت ولن يدون أحد ما أستطيع أنا تدوينه؛فلأكف عن ذكر أمي كاربيتا وأبي ثمودي الفلاح خفيف الظل وحكايتي في بلادي الأولي,وليكن حديثي عن إيمحوتب....
لما بلغت الخامسة عشر,أرسلتني أمي إلي إنب حدج* مع توصية كتبها لها معلمي الأول لإيمحوتب,كان عهد الملك خع سخموي في نهايته,وكان مجد إيمحوتب في بدايته,ما زلت أذكر تلك الرسالة,قرأتها طوال الطريق إلي إنب حدج:"لتفتح لولدي باسم بتاح الفتاح سبل العلم والمعرفة بنور حكمتك يا إيمحوتب يا ابن أختي غردو عنخ,اجعله تحت جناحك واسقه مما سقاك الرب وعلمه من تأويل الأحاديث,واجعله كأخيك الصغير.
أمك الثانية
كاربيتا"
انب حدج(الجدار الأبيض) الاسم الأول لما عُرف في زمن لاحق بـ"منف"*
"تأويل الأحاديث"...!! يا لحديث تأويل الأحاديث الذي جري!
أخبروني أنه في تلك الساعة عند النيل,لما تغيب الشمس يذهب للجلوس وحيداً,ودلوني علي مكانه المفضل للجلوس,قبل أن أراه سمعته...صوت ناي سري في ذاتي بأنفاس صدره الطالعة,لمحت شبحاً من بعيد يجلس وحيداً مستنداً إلي ساقية مهجورة واضعاً قدمه اليسري بين فخذه الأيمن وبئر الساقية وساقه اليمني مدلاة,كان الناي يشكو مر الزمان,حزين كأنه هو الحزن ذاته, لما اقتربت كنت متأكداً أنه هو إيمحوتب من أول نظرة,أبهي وأجمل من رأيت,لما نظر لي جثوت أمامه بلا وعي,ومددت يدي بورقة البردي فقرأها وابتسم,ثم عاد للعزف مرة أخري,وأنا جالس علي الأرض عند قدميه,لم أتخيل عالماً يمكنه العزف علي الناي,وساعتها شككت في حواسي,هل أري إيمحوتب أما كل هذا وهم.
وضع الناي بجانبه:
-قم يا.....
ضحك:
-نسيت أمك أن تعرفني بك!
-......
-مالك لا تتكلم؟!
-.......
-هل أنت أخرس؟!
قلت وأنا لا أشعر بأي شئ:
-ماذا أقول يا سيدي؟
-ما اسمك؟
-توت
-ماذا تريد أن تتعلم مني يا توت؟
-ما يأتيني من فيضك يا سيدي
-هل تعتبرني عالماً؟
-أهل بلدتنا لا حديث لهم إلا عن إيمحوتب الذي بهر أهل العاصمة بحكمته ومعرفته.
نظر لي بتأمل أخافني ثم وضع يده علي رأسي:
-كي تصير حكيماً يا توت أول شئ عليك عمله ألا تستمع إلي كلام الناس,انصت إلي صوت قلبك,استمع إلي وحي الإله فيك,صم أذنيك عن صخب العالم وركز فيما يتلوه قلبك من فيوض,الحكمة في القلب يا(صديقي) نعبر عنها باللسان ونسجلها بالكتابة.........
لم أركز فيما قاله بعد ذلك,إيمحوتب العظيم يقول لي يا(صديقي)!!
عندها رأيته بوضوح,شاب لم يبلغ الأربعين,طويلاً,جميلاً,قوي البنية,في عينيه سحر,ولنظرته سطوة,ولكلامه جلال,له لحية سوداء خفيفة وفي يده نايه ولفة بردي.
إيمحوتب.....التدوين يعيد ما حدث كأنه يجري الآن أمامي!
أخذني إلي بيته,ورتب لي حجرة وأعطاني لفائف كثيرة,وطلب مني أن أكتب ما أفكر فيه,رؤيتي عن الحياة و "كيميت" وعن نفسي,سهرت حتي الصباح أكتب كل ما يجول في صدري....آه!!كم كنت صغيراً ساذجاً حينها,ومع ذلك لم يسخر مني بل ناقشني فيها باهتمام واستمع لي ثم ابتسم في النهاية من فورة حماسي ودفاعي عما أعتقد وقال:
-حسناً يا توت ستظل معي علي شرط...
سقط قلبي في قدمي!
- أن تتوقف عن مناداتي"سيدي".
اندفعت فرحاً وأنا ألملم من أمامه أوراق البردي,عصارة فكري ومعرفتي الهامة العميقة!!! عائداً إلي حجرتي لحفظها في مكان أمين ضناً بثقافتي أن يراها من لا يستحق!!
-حاضر ياسيدي!
إيمحوتب.... ما أحلي ذكراك يا....يا سيدي.
ماذا كنت تملي علي يا إيمحوتب؟! أي أسرار أودعتها نفسي الضعيفة؟ولماذا أنا بالتحديد؟كان أمامك الكثيرين ممن يتمنون منك القرب؟
عذبني بالمعرفة, عذاب المعرفة أقسي عذاب,حيرني بالعلم ,حيرة العلم دوامات,أفزعني بالنبأ ,النبأ لمن يفهم حسرات,آلمني بالحكمة ,الحكمة ليست لكل الصدور.
*راحت كل الأوراق ولم يبق منها إلا ما حفظته ذاكرتي العجوز,كنت تقول أن السماء بها أناس مثلنا معلقين مثلما نحن معلقين بيد رع,وبها أراض كالأرض يعيش عليها من يشبهوننا في أماكن ومن لا يشبهوننا في أماكن أخري,وحددت أنها اثني عشر,عوالم غير عالمنا سبعة قلت,وكل واحد منا يعيش في السبعة هو وليس هو في آن,وفي كل عالم لا يعرف أنه يعيش أيضاُ في الستة الآخرين,ما يتحكم في الجسد كله أداة لم أعد أذكر اسمها موجودة في الدماغ,وتنبأت بنسيان كيميت واندثارها ثم عودتها علي يد أجانب من خارجها,الإنسان لم يوجد في الحياة علي شكله الحالي مرة واحدة!بل مر بمراحل ثيرة عبر ما لايحصي من السنين ليصل لما هو عليه اليوم,القردة أكثر من ينتسب لنا بين الأحياء,بالكلمة خُلق العالم وبالكلمة سيفني,رسمت بيدك أشياء يخرج منها الناس خلف الزجاج وأشياء يخرج منها صوتهم,ومراكب تطير في السماء وأخري في البحر,أفضت في شرح انفجار هائل علي يد رع ظهرت منه السماء التي نحن معلقون فيها مع الناس الآخرين في الكواكب الأخري,وأكدت أنه لا نهاية لسمائنا,الزمان الواحد ليس واحد لكل إنسان,لا شئ أبداً كالآخر لكل إنسان,ستظهر بلدان أخري خلف البحار الكبيرة وستحكم هي العالم بعد آلاف السنين بلا ضابط ولا رابط,سيعيش الناس هنا يوماً علي أراضي أخري في السماء!وأنه سيجئ علي الأرض رعب من انفجار لا يبقي علي شئ سيخاف منه البشر أن يبيدهم,وهذا الانفجار لو حدث فلن يتسبب فيه إلا بشر,كانت كيميت لا تغيب عن بالك,سيمر عليها أمم الأرض وسيرحلون ويتركونها بعد أن تفيدهم أمة وتهدمهم مائة,رسمت كيفية حماية مقابرنا من السرقة؛لأنه بعد آلاف السنين سينهبنا الرائح الغادي,وستغدو معابدنا المقدسة أماكن لرمي القمامة.
وما راح من ذاكرتي أعظم.....ولم أبح بذلك لأحد إلا الآن...
* الكواكب,الأكوان المتوازية,الانفجار الكبير,القنبلة النووية,الطائرات والغواضات,تعرض مصر لحكم الأجانب منذ البطالمة حتي مجئ عبد الناصر,انتهاب الآثار وتدميرها وسرقتها,التطور,اللوجوس,الراديو والتليفزيون,الهجرة إلي الفضاء, ظهور الحضارة الأمريكية,النسبية,ضياع الحضارة الفرعونية من الذاكرة ثم عودتها علي يد الباحثين الغربيين الذين أسسوا علم المصريات الذي اعتبره ماسبيرو:"علم المصريات ليس للمصريين"!!

لولا حادثة  نفرت زوجة مري رع ألهتني لكنت جننت مما كنت تمليه علي!!
لا فرق ظاهري بين الخير والشر,كلها أحداث لا معني لها إلا فيما تؤدي إليه من نتائج,الفارق بينهما تقبل الإنسان لهما.....ما أبعد النظرة الإنسانية للشئ وبين حقيقته...
نفرت...معذورة!
مري رع ...مسكين!
إيمحوتب...ليس بشراً!
نفرت زوجة وزير خع سخموي,يتسامع الناس بجمالها في كيميت,رأيت رسمة لها مع زميل يكبرني بسنوات قلائل قبل مجيئي لإنب حج,شاهدها هو مرة في أحد الأعياد لما جاء العاصمة,فشعرت عندها برجولتي تشتهي لأول مرة,وذكورتي قائمة تريد الامتزاج بها,سرحت من يومها في خيالات جنسية لا حد لها....حتي اليوم.
ثم رأيتها في صحبة إيمحوتب...وسال منيّ مني ,لم أسيطر علي نفسي انتصبت وأنزلت,كنت في السابعة عشر لم ألمس امرأة في حياتي,لما صحبني لها بدعوة منها, رأتني معه اضطربت,كانت تريده وحده...وجهها,زينتها,عطرها,كلامها,ضحكتها,شعرها,
كرهت زميلي القديم لأنه غبي لم يستطع أن يصف لمحة منها,وشككت إن كان رآها أصلا,حسدت مري رع علي هبة الإله له,نفرت ليست امرأة,نفرت هي الجمال.
كل ما قالته يومها لا يعلق في الذاكرة,حديث تافه,هذا لسانها,عينيها كانت تأكل إيمحوتب الذي أطرق للأرض طوال اللقاء...حتي مالت علي أذنيه بدلال قائلة,أنه وصل إليها اليوم من سومر أعشاب طبية وآلات فلكية تود أن تريها له ليري إن كان يحتاجها,فتوهج اهتماماً,قام بغتة وقال:
-أين هي؟...هي بنا الآن؟
مشت أمامنا تتمايل بخصرها المرسوم بيد فنان,وفجأة التفتت وأشارت لي مخاطبة إيمحوتب:
-لا يمكنه الدخول معنا!
لم يفهم الحيلة!وكيف لأي مخلوق أن يفهم ما تدبره امرأة؛أعمتها شهوتها ولم تعد تفكر إلا فيما بين فخذيها.
نفرت جمالك يشفع لك كل ما تفعلينه!...إلا إيمحوتب.
إيمحوتب أنت لست بشراً!
نظر لي ففهمت إشارته,عدت للجلوس مكاني أتأمل حولي,بيت وزير الملك,وأقارنه ببيوت بلدتنا,الحاشية هي الحاشية,الناس بين فوق وتحت,غني وفقير,المقارنة بينهما لا تصيب الفقير إلا بالغم والغني بالخوف من الفقير,فكففت عن المقارنة,لما جاءت خادمة صغيرة تسألني إنت كنت أحتاج لشئ وهي تميل للأمام بصدر ناعم مشدود كأنه تفاحة كبيرة شهية....آه يا بتاح...بمجرد أن أخرج من هنا سأطلب من إيمحوتب تزويجي علي وجه السرعة!!قضيت معه عامين ألهاني فيهما عن نفسي,حتي جئت لهذا البيت ورأيت الجمال...من يخبرني ما أجمل من امرأة جميلة؟!
هززت رأسي نفياً,فاستدارت ليواجهني ردفيها الظاهرين خلف ملابسها الرقيقة,تخيلت أني أجلسها علي حجري ,أداعب نهديها وأتحسس مؤخرتها و.....
فجأة. سمعنا صرخة وصوت أقدام تجري,ظهر أمامي إيمحوتب قميصه ممزق والغضب يشتعل في عينيه ,من خلفه نفرت جاءت هائشة الشعر تنظر له في غيظ مدمر,في ذات اللحظة فتح باب البيت....كان زوجها وزير الملك مري رع.
لما رأته صرخت وبكت,وجريت لحضنه باكية واضعة رأسها علي كتفيه:
-ما جزاء من يعتدي علي امرأتك؟
في لمح البصر قفز مري رع أمام إيمحوتب الذاهل ممزق الرداء من الخلف وعلي قفاه خربشة أظافر,ولطمه لطمة اهتز لها بنيانه القوي:
-كيف تجرأت يا سافل؟!
لم أع ما حدث حينها,شعرت أنني أشاهد هذا الشئ الذي لم أستسغه المسمي"مسرحية" لما رأيته عند فناء المعبد, توقعت أن يعود كل شئ لمجراه حالاً,قمت واقفاً ومشيت حتي كنت في ظهر إيمحوتب,ونشيج الخادمة الصغيرة الخائفة في ركن البيت هو كل ما يُسمع.
تمالك إيمحوتب نفسه ,استعاد هدوؤه,رفع عينيه الصافتين الحكيمتين وتأمل نفرت التي بدت وكأنها أدركت اللحظة هول ما أوقعت نفسها فيه,نظرة إيمحوتب لها جعلت وجهها الجميل يمتقع وشفتيها ترتجف,وقد بدا علي إيمحوتب تأثر لمرآها هكذا,امرأة ضعيفة غلبتها الشهوة وأعمتها.
التفت لمري رع ضخم الجثة قاسي المظهر,وصاح:
-آه يا مري رع!آه أيها الوزير...أشفق عليكما أنت وزوجتك...الكل يعلم أنك لا تميل للنساء!...الكل يعلم أن زوجتك صغيرة وجميلة....ومحرومة!!الكل يعلم إني أنا إيمحوتب العالم,ولابد أن تعلم أني برئ مما تظن,انظر لردائي الممزق من الخلف,هي من كانت تركض خلفي بعد أن خدعتني لأدخل معها الحجرة,ولما هربت مزقته وهي تحاول اللحاق بي وخربشت قفاي بأظافرها.
انهارت نفرت باكية و احتضنتها الخادمة الصغيرة في حنو كأنها أمها.
أكمل إيمحوتب:
-إنها امرأة مسكينة حُرمت مما تريده النساء, أنت سجنتها هنا,وتفرغت لملذاتك الشاذة.
لم يفه مري رع المصدوم لكن شراسة مظهره ازدادت وضوحاً.
-لا تحاول أيها الوزير أن تدخل بقضيتك الخاسرة ساحة ماعت؛لأنك ستخسرها ولن تنال إلا ازدياد سوء سمعتك.
راح للباب ثم عاد لمواجهته:
-وعلي ذكر ماعت....
لطمه ذات اللطمة.
-العدالة هي الضامن لاستمرار المجتمعات,أيها....الوزير!

لما خرجنا من عندهما همست وجلاً:
-أخشي مكر الوزير.
-من في قلبه الحكمة,عليه ألا يخشي إلا من ضياعها.
قبل أن ينهي كلامه أمطرت السماء فجأة بغزارة مخيفة.

بعد أيام قليلة تسلم إيمحوتب تكليفاً من الملك أن يذهب إلي "توشريت"*ليشرف علي المناجم هناك!!
يا تحوت يا رب الحكمة....لما عرفت كاد الدم أن يخرج من فتحات رأسي السبعة كمداً وغيظاً,إن توشريت تعني أرض الجدب والعراء؛لقسوة العيش فيها,لا يذهب إليها إلا المغضوب عليهم من الآلهة,كيف يرحل إليها أحكم وأعلم أهل زمانه...أستاذي العظيم وممثل اسمك في دنيا البشر إيمحوتب؟! ويل لأمة تبعد عنها حكمائها وعلمائها,ويل لأمة نفت عقلها بيدها... الويل للدنيا لو جري لإيمحوتب سوء!
-سأذهب معك يا مُعلمي!
-لا يا توت!
-لن أتركك هناك وحدك...ربما دبر مري رع مكيدة للتخلص منك هناك,لن أطمئن عليك إلا وأنا علي استعداد أن أفديك بروحي.
-وأنا لن أطمئن علي نفسي وعلي كيميت إلا وأنت هنا تحافظ علي أوراقي وأدواتي العلمية,وتحفظ أسراري ورسائلي.
-لكن يا معلم....!
*سيناء حالياً
-اسمع يا توت,أنا لن أقضي عمري كله هناك,يوماً سأعود وأكمل مسيرتي العلمية,هذا قدري وأنا أشعر به,تلك محنة يا أخي الصغير,والمحن تعلمنا ما لايوجد مثله في أي كتاب,ولا يمكن التعبير عنه بأي لفظ,المحنة تتحول إلي نعمة لو استطعنا استخلاص العبرة الكامنة فيها,واحتملنا ما فيها لنري الحياة بشكل أوضح وأنفسنا بشكل أعمق,لابد لكل حي أن تمر به الأزمات والنكبات,الأحمق من يبكي ويحزن,يسب الدهر ويلعن الزمان,ويتخيل أن الحياة وقفت علي راحته وسعادته,أما من له نصيب من الحكمة,فيفكر في المعني,المعني الكامن في الأحزان...وأخشي يا توت أن يكون هذا هو المعني الوحيد الصادق في الدنيا!
كأنني أستمع لعزف نايه الحزين من جديد,كأن تلك هي أول مرة أره,طول عمره كان حزيناً حزن غير بشري,حزن الفيلسوف الرائي المشفق,حزن من يعلم...و يا لألم القلب الحزين بما يعلم! حتي ضحكته كانت حزناَ! كم كنت تقاسي يا مُعلمي وما دري بك مخلوق.
-يا توت أنا أستودعك كل ما دونت من علوم,اجعل همك وقت غيبتي الاستفادة منها,لكن إياك والإطلاع علي الأوراق الملفوفة أسفل خزانة الكتب...لمصلحتك أولاً.
ضحك ووضع يده علي رأسي يمسحها:
-وتزوج يا توت لقد أصبحت رجلاً ناضجاً...تزوج من تروي عطش قلبك وتروي عطش قلبها,احفظها واجعلها سيدتك واحمها بروحك احترمها كأنها أمك واعطف عليها كأنها ابنتك وعاملها كأنها عشيقتك,اشبع روحها وجسدها,بادلها الحب وأنت تشعرها أنها سيدة الكون ,ليس في الدنيا من يعادلها جمالاً ولا رقة ولا عذوبة,قبلها بروحك قبل أن تقبلها بشفتيك,احتويها في قلبك لتطمئن,سامحها لو اخطأت,لا تبخل عليها بأي شئ,راضيها علي حساب راحتك أنت,المرأة هي العالم فيها سر الخلق,الرجل لا يكون رجلاً إلا بامرأته...والمرأة لا تكون امرأة إلا برجلها,اجعلها في قلبك وبين عينيك,واعلم أنك لو خسرتها فقد خسرت الحياة.
نظرت له في استغراب فهم معناه:
-أنا شغلتني العلوم والحكمة عن الزواج,ولو كنت قابلت المرأة المناسبة لتزوجتها بلا تردد , يبدو أن حظي قليل في الحب,أدعو ألا يكون نصيبك كنصيبي!!
النهار الثاني رحل في البحر وتركني للحزن والغضب فريسة يأكلاني علي مهل,عدت للبيت ألعن نفرت ومري رع والملك ونفسي,وبمجرد أن أغلقت الباب خلفي ارتميت وراؤه باكياً بحرقة وخوف طفل أضاع يد أمه في زحام السوق.
الزمن يرفق بنا ويجري نهره آخذاً معه خيره وشره,وأنا أريد استرجاعه مرة ثانية,يا لنداء باطني اللحوح!

نمت علي الأرض ليلتها سارحاً فيما سيأتي من مستقبل عمري,لقد تعودت علي إيمحوتب واعتبرته أبي وأستاذي وهيأت نفسي علي خدمته ما تبقي من عمري ماذا سأفعل بدونه...معذورة نفرت وحق بتاح! إنها جميلة وإيمحوتب وسيم,يحبه كل من يعرفه,ويعرف قدره الحكماء وذكره شائع حتي بين الدهماء,وزوجها مبتلي بحب الصبيان لا يقربها منذ تزوجها لكي يرسم وجاهته الاجتماعية فقط,شرس وعصبي لا يطاق.نفرت قد تكون أجمل امرأة وإيمحوتب أعظم رجل,إنهما يليقان علي بعضهما,لكن من يتحكم في قدره؟من يختار نصيبه؟ ذات ليلة ونحن ساهران علي سطح البيت يعزف الناي ويسامرني,نظر للسماء نظرة مطولة والناي علي صدره,وقال:"مادمنا هنا لا نعرف لم كان ميلادنا ولم سنعيش وكيف سنموت,علينا تقبل أقدارنا مهما كانت...معني بسيط صحيح..لكن من يقدر علي فهمه وتقبله...وتصديقه؟!"مد ساقيه ونظر لي ساهماً:"من يعرف يا صديقي الصغير؟....نحن هنا الليلة...والغد أين سنصبح؟"
إيمحوتب...أين أنت الليلة؟...
وغلبني النوم.

الموسيقي لغة الأرواح...لا يملك إلا روحه...إيمحوتب...يناجي بنايه روح العالم الأعظم,وسط صحراء توشريت.
الناي...حديث روح تخرج من صدر عازفه.
إيمحوتب...يا معلمي...أكاد أسمع روحك وهي تعزف ألمها وسط قسوة الصحراء وشمسها الملتهبة ووحوشها المفترسة.
في الحياة أمامك اختيارين يتعلق بهما مصيرك,أن تغيرك الحياة,أو أن تغير الحياة,كلنا يذهب نحو المصير الأول,الأبطال فقط هم من يندفعون لتغيير الحياة وصياغتها حسب هواهم...لا شئ يقهر رجل كإيمحوتب.
بني عالم جديد كان يحلو له تسميته بعد ذلك"مدينتي المثالية".لم يتعامل مع عمال المناجم علي أنهم مساجين يقضون فترة عقوبتهم الجحيمية في الصحراء وسط أخطار المناجم,اقترب منهم وعرفهم وفهم أن قلوبهم ليست إجرامية بطبعها,وصل لمسالك الخير في قلوبهم,صاحبهم حتي الكلفة رفعها بعضهم بينه وبينهم,فكان يمر في الصباح مبتسماً-رغم آلام قلبه-فيحيوه:
-صباح الخير يا إيمحوتب
-ليسعد رع يومك يا إيمحوتب
-لينشر لك تحوت من حكمته هذا اليوم المبارك يا أخي إيمحوتب.
فيكاد الحراس ينهرونهم ,لولا إيمحوتب,الذي تتسع ابتسامته ويرد التحية بأحسن منها ويبارك يومهم.
حتي اليوم وبعد مضي أكثر من عشرون سنة يتذكره البعض باعتباره أفضل من عرفوه في حياتهم,ويتمنون أن تعود بهم الأيام لللهب وقسوة توشريت علي شرط أن يكون معهم إيمحوتب!
لا يزال هذا العجوز الذي نسيت اسمه –ربما لأني عجوز مثله- يحكي لكل من يقابله كيف أنقذ إيمحوتب حياته يوم وقعت عليه صخرة ضخمة,لم يقدر علي رفعها ثلاثون رجلاً وكادت روحه أن تزهق لولا ركض إيمحوتب مئات الأمتار لما وصله النبأ ورفعها وحده!!-كما يزعم- بيديه وعالج قدمه...ببترها؛لينقذ باقي جسده.
خلال العامين مات مري رع ولحقه خع سخموي...و تولي زوسر.
أول قرار اتخذه أن يعود إيمحوتب فوراً ليكون وزيره ابعاده عن العاصمة بهذا الشكل كان شرارة أشعلت قلوب الناس,وطالبوا خع سخموي قبل وفاته بإعادته ورد اعتباره بتوليته أرفع منصب؛فهو وحده القادر علي تزيين كيميت بعلمه وعمله...يوم عاد بكت توشريت ومناجمها وعمالها,وبعضهم حاول الهرب! وتزين الوادي.
زوسر يعرف إيمحوتب من زمان,لكن لم يره أبداً,من جيل واحد ,يجمعهما حب الحكمة واحترام العلم والسعي لرفعة كيميت ولو علي حساب نفسيهما.
عند الميناء زاحمت الناس لألقاه,أثرت فيه شمس الصحراء فاسمر لونه أكثر,وطلت من رأسه شعيرات بيضاء,واكتسي وجهه صلابة وتحد,تلقاني بذراعين مفتوحتين وتلقيته بدموع الفرحة:
-اسمح لي يا سيدي
أشرت إلي ميريت الصغيرة الخجلة بجانبي:
-زوجتي!
سلم عليها وأخذها بين أحضانه ضاحكاً:
-إن توت أصبح حكيماً وأنتِ شهادته علي ذلك!...لقد اختار الاختيار الصائب,إنما الإنسان ما يختاره.
قبلها من خديها ليزيل عنها الرهبة والصمت,ولما لم يجد فائدة مثل هيئة الجد المبالغ فيه وهم بضربي:
-هل قطعت لسانها يا ولد! سأقطع لسانك أنت الآخر!!
ففزعت لحمايتي وهي تصرخ مستغيثة:
-لا! لا! يا سيد لم يفعل...لا تؤذه!
ضحك وضحكت حتي دمعت عينانا,ونحن نهدئ من روعها.حتي اليوم أذكرها بهذا الموقف فتضحك ثم تبكي لذكري إيمحوتب!
ميريت يا حلوتي...كنتِ مرفأي الحاني في أيامي القاسية...ومازلتِ.

عبر انب حدج قادماً من توشريت ذاهباً لدمن حور*,تلك المرة وافق أن أصاحبه في رحلته:
دمن حور هي مدينة دمنهور...موطني.ومهد الحضارة المصرية المُبجلة .*

-ليتك تأتي...تتعلم وتتأمل...وتخطو علي خطوات معلم البشرية الأول حيث ولد وعاش قبل أن يسيح في الأرض بأمر الرب ليعلم الناس علمه وبه عملوا فقدسوه وكرموه بصور شتي,وبنوا مدنهم علي هدي من مدينته وسموها باسمها.
سرح نحو قرص الشمس الغارب,أكمل:
-إدريس*! أستاذ الأساتذة...هناك سأجعلك تقبل معي أيدي كهنة حور من علموني علمهم وأناروا قلبي بقبس من نور عقولهم.
قبل رحيلنا لدمن حور بيومين,رجع من عند زوسر وفي يده مُجسم لخريطة توشريت,سألته عنه,رفعه في مواجهتي قلت:
-إنها تشبه الدرع الحربي.
-أجل...درع كيميت و كنزها...كنت مع الملك نتشاور في زيادة تحصينها,لاحظت أثناء مكوثي هناك أن الحراسة فيها لا ترقي لما فيها من أصول المعرفة,فضلاً عن موضعها القاتل لنا لو ملكها عدو...انظر يا بني...لو وقفت هنا(أشار بيده لآخر نقطة في المجسم,نقطة مسحوبة لأسفل)ثم عبرت البحر ستكون في منتصف كيميت تقريباً,تخيل لو حدث هذا...عدوك في منتصف دارك بعد أن عبر من بوابة البيت!
مضي هامساً:"ليحمي الإله العظيم النيل وواديه", تركني أتأمل عجيبة جديدة من عجائب بلادنا.
*النبي إدريس المعروف عند العبرانيين باسم"أخنوخ"وعند اليونان بالحكيم هرمس, لا أستبعد أن يكون هو المرموز له بتحوت(ثلاثي العظمة) رب الحكمة والمعرفة, اسمه"إدريس"ينتسب لمصطلحات(الدراسة والدرس والتدريس),ذُكر في القرآن"واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقاً نبياً ورفعناه مكاناً علياً",منه عرف أجدادنا علوم الدين والدنيا فوحدوا الله وعرفوا فرائضه وأقاموا حضارتهم علي المعرفة والبناء,ونشروا حضارتهم في الأرض...ومازالت تنتشر.

في الطريق وسط الحقول المترعة بالحضرة,والأنهار الفياضة,كنت أتحرق شوقاً لرؤية هؤلاء الذين يسعي  لتقبيل إيديهم,أنظر لإيمحوتب في عجب,وأتساءل في نفسي هل هناك من يفوقه حكمة ومعرفة في زمننا,حتي في الأزمنة المقبلة كل الأفاضل من الرجال سيكونون من طينته بالتأكيد,كأنه يقرأ أفكاري قرب حماره من حماري:
-في الدين لابد من حكي الحكايات لتقريب المفهوم الباطني لأذهان العامة,ومن ذلك حكاية الأم المقدسة"إيست" وصراع زوجها أوزير ثم ابنها حور مع ست الملعون مما أدي أن يفقد حور عينه المقدسة,تلك العين هي الرائية لما لا يراه البشر,القادرة علي اختراق الحُجب والإتيان بالمعلوم من المجهول...هذه العين هي العلم,لا تكون إلا عند العلماء والعارفين من بني الإنسان,بها يصنعون المعجزات ويغيروا مصائر الناس,تلك العين نتوارثها جيل بعد جيل وأنا هنا اليوم لأقبل أيدي من ورثوني تلك العين وساعدوني في تثبيتها في أعماق روحي؛لأستبصر منها الآتي...وكلنا للرب الإله عابدون, شاكرون فضله وإنعامه علينا بالعين المقدسة....
ومن بعيد تناهي إلينا صوت فلاح يغني في شجن حزين:
طال الهجر يا حبيبتي وما زال البعاد يكوينا
حل الليل يا حبيبتي وما من حضن يحوينا
أيها القمر العالي بلغها أني بحبها مستعينا
ويا جراحي مالنا سوي الصبر يداوينا
يا فرح هل لك من يوم تأتينا؟!
آه يا كيميت يا وردة من الجنة اقتطعها الإله بيده وزرعها علي الأرض,مزارع وأنهار ونور,أينما مشيت رأيت صور الحياة اللامتناهية.
وصلنا معبد حور في دمن حور,هرول إيمحوتب للداخل فجريت خلفه لنتوقف أمام عجوز هرم لحيته طويلة مبيضة,نزل إيمحوتب علي ركبيته أمام كرسيه,فاستعظمت فعلته لكنه لم يُبال,لم يشعر بنا العجوز إلا وإيمحوتب يهمس في أدب جمّ:
-يا شيخي بنتو هلا استيقظت!
فتح جفنيه بصعوبة وألقي نظرة باهتة,قبل أن ينتبه ويصيح في وهن:
-إيمحوتب المبارك من الرب!
حاول أن يقوم فمنعه إيمحوتب:
-لا تتعب نفسك يا معلمي.
كان متعباً بالفعل فبالكاد رفع كفه ليلامس كتفه :
-الشباب انقضي في عاصمة العلم"أون"*وفي دمن حور الهبوط نحو أوزوريس!
-أطال الرب بقاءك بيننا يا معلمي.
-أتذكر أيام"أون" حين كنت طالباً تتلقي العلم؟أم ألهتك مشاغل الوزارة والسياسة؟!
-لو ألهتني ماكنت هنا اليوم.
*"أون":عين شمس حالياً
ألقي عليّ نظرة متسائلة فأجاب إيمحوتب:
-توت...أحد أصدقائي.
قلت خجلاً كالمعتذر:
-العفو إنما أنا أحد تلاميذه!
شاع خبر وجود إيمحوتب في دقائق فازدحم الكهنة والطلبة لمصافحته والحديث معه فأغمض المعلم بنتو عينيه كنت أعرف أنه مستيقظ من ابتسامة تعلو شفتيه.
تأملت بهو المعبد ونقوشه الساردة لقصة الأم إيست وزوجها أوزير وابنهما حورس,في صراعهما مع الملعون ست رب الظلام والشر,السيدة الجميلة بروحها الأنثوية الفياضة والأب المغدور والابن المُنتقم يشكلون عقيدة ثابتة لدينا نحن المصريون,كان النقش الأبرز لصقر ضخم يحلق في السماء يرمز لحور,تحته كاهنة تقف في خشوع تتمتم بالصلوات.
أما ما قاله إيمحوتب وبنتو حين اختليا ساعات طويلة داخل حجرته في ركن المعبد,فهو ما لا أعرفه ولن أعرفه أبداً.لكنه بالتأكيد السبب الرئيسي في الزيارة.
مر بنا الزمان في هناء,لم يخفف من حزن أستاذي ولا عذابه بالمعرفة,ظل علي جمر بداخله أما خارجه,فهو إيمحوتب المحبوب من الإله والناس,كان ما يزال طبيباً ووزيراً,لم يصبح رئيساً للكهنة المرتلين إلا بعد الكارثة التي كادت أن تقضي علي البلاد لولاه.
في السنة الثامنة عشر من حكم زوسر وإيمحوتب يخطو نحو الستين,بقلب شاب وحكمة عجوز وروح ملاك,لأول مرة يحرمنا النيل من الحياة,جفت ماؤه فانسحبت من الوادي الروح,وعم الجوع من الكوخ حتي القصر الملكي! الطفل يبكي جوعاً والمرأة تولول والرجل واهن والشبخ يستعد لتسليم روحه,انقطعت أصوات غناء الصبايا وضحكاتهن ذرفن الدمع واهتاج فيهن الصراخ من ألم الجوع,ميريت مرضت من قلة الطعام فتحاملت علي نفسي بقسوة سببت لي آلام مازال أثرها حتي اليوم في عظمي , حتي أوصلتها لمشفي إيمحوتب...
وجدته ضعيفاً بالكاد يستطيع الحركة,ومع ذلك يواسي الكل ويسعي لعلاجهم بكل طاقته,حتي سقط مغشياً عليه تعباً وجوعاً!تركت ميريت علي الأرض وهرعت له,وأنا أكاد أموت من الندم لانشغالي عنه وجلوسي طول اليوم من فترة بجوار ميريت المريضة,أجل لم أظن أنه مثلنا يجوع ويغمي عليه.
استطعت انعاشه,ومررت له كسرة خبز جافة صغيرة يقتات بها خفيه,أخذ منها لقمة صغيرة,وأعطي الباقي لأم وابنها كانا بجوارنا,سألني كأنه يخاطب سواي:
-ماذا حدث؟أين ذهب؟ما أضعفنا بني الإنسان في مواجهة الطبيعة؟كيف؟...كيف ياحابي يا مدير السواقي وواهب الحياة؟
الجوع....
الجوع في أرض الزرع والنيل!!!
هل الإله غاضب؟أم نحن نجهل شيئاً....ماذا حدث؟
لم ينتظر رداً ومضي نحو ميريت ببطئ كأنه يحبو.
علي وجهها صفرة الموت وبرودته,قلت:
-جربت كل الوصفات التي أعرفها ولم تتحسن.
-دعها لي.
خرجت أمشي نحو الشوارع الباكية وقدماي لا تحملاني...وصرخت من قلبي متوجعاً:يا رب.
أبصرت جثة امرأة ميتة بجوار جدار متداعي...ارحمنا يا"آمين"...نفرت زوجة مري رع,ضمورها وبروز عظم وجهها يؤكدان موتها جوعاً...
أخذ الإذن من زوسر ومضي نحو جزيرة آبو!!
اعتكف شهور طويلة لا يري أحداً ولا يراه أحد وحده فقط مع كتبه وأوراقه,كنت أسمعه يصلي في خلوته:
يا إلهي لو عصينا ارحمنا
لو جهلنا علمنا
لو ابتعدنا قربنا
ربي ارحم بكاء الطفل والشيخ
ارحم صراخ النسوة
لو كنت تريد تطهيرنا من الآثام فطهرنا
أما كيميت يا رب فاحفظها
ثم خرج نحو آبو,توسلت له حتي كدت أركع ألا يخاطر بنفسه وحيداً نحو الجنوب في تلك الظروف معدومة الأمن,حيث الجوع يدفع الناس لأكل بعضهم!كما انتشرت الشائعات,لكنه أشار لي بحزم:
-كلا إن معي ربي سيهدين.أنا ذاهب حيث يولد النيل في آبو كما ألهمني الإله,هناك ميلادنا....ومماتنا.
راقبته حتي اختفي...رجل عجوز جائع في يده مصير كيميت...
آبو مركز خنوم رب الخلق والتكوين,فلم يكن غريباً أن يولد عندها النيل.
استدعي إيمحوتب من هناك معظم الجيش لتكسير الصخور الضخمة مجهولة المصدر المعيقة لمجري النيل قال الناس إنها من عمل "ست"ورفض الحديث عنها,وأجري توسيع مع ابتداء العمل,بدأ النيل يرحمنا ويفيض علينا بقليل من الخير يسد الرمق,في بضعة سنوات عاد شاباً قوياً بفيضانه,وعاد إيمحوتب كبطل خارق أنقذ مصر من الضياع... أراد كما أنقذها أن يؤسسها.
إيمحوتب رجل تزيده الصعاب قوة وصلابة يبتلعها في جوفه وينهض بها مشدود العود حاد الإرادة.
أوقف العمل في مقبرة زوسر التقليدية,واستأذنه أن يبني له في سقارة هرمه المعروف باسمه,وإن كنت أسميه "هرم إيمحوتب العبقري".
كانت فكرة لم نعرفها من قبل,بناء عجيب الشكل مصنوع كله من الحجارة الصلدة,لا طوب لبن ولا طين ولا جريد نخل.مبني عملاق كان يبدو حين انتهينا منه كوحش يطل علينا من السماء.
قال لنا إيمحوتب ,ونحن ننهي المصطبة الأولي وهو يعمل معنا بيده حيناً ويعالج العمال المصابين حيناً:
-هذا البناء شاهد علي عظمة بلادنا وخلودها,حكومة مستقرة,خير وفير,رجال أذكياء أشداء نحتوا في الصخر وطوعوه لهم حتي أطاع,هذا مثل للأجيال القادمة ليتعلموا أنهم بالإرادة والمعرفة وقوة التحمل ستدين لهم الدنيا كما دان لنا الحجر القاسي.
سألته:
-ما سر هذا الشكل العجيب يامعلم؟
-ما الذي نراه في الوادي حين يغطيه الفيضان,ما الشئ الوحيد البارز القائم في تحد وسط غمر الماء؟
أجبت:
-قمم التلال.
ثم قلت مسرعاً كأني فهم السر:
-والشكل الهرمي هذا يشبه التلال
تبسم:
-أجل...فكما يبقي التل راسخاً,سيبقي هرمنا راسخاً علي مر الدهر,وكما يبقي هو وسط الفناء حوله ثم تعود الحياة,سيكون هذا الشكل دلالة علي عودة الفاني مرة أخري للحياة...حيث الخلود بجوار الرب في سمائه اللانهائية.
كأن زوسر كان ينتظر اكتمال مقبرته ليموت...دُفن ولحقه إيمحوتب,وبقيت أنا لأسجل شهادتي الناقصة –الركيكة فما أنا شاعر ولا أديب كأصدقائي فناني كيميت صائغي الجواهر من بدن اللغة- عن سيرة سيدي العظيم.... السيرة التي يعجز عن كتابتها فرد واحد.لعله يأتي آخرون ويتممونها؛إجلالاُ لذكري جدهم العظيم,أحد مؤسسي حضارة كيميت,وأنا أترك لهم البقية فهم أولي بها ليبحثوا عنه ويدونوا عظمته الخالدة...وأنا مؤمن بقدرة الأحفاد علي استكمال بناه الأجداد في وادي النيل.
وأقر علي ذلك...أنا توت تلميذ إيمحوتب.
كلمة كتبتها أنا الراوي-هل حولتني شهر زاد من مشروع روائي لناقل نصوص؟!- علي الهامش:"أقسم بذكري جدي العظيم "إيمحوتب/ الذي جاء بسلام" أن أروي سيرته,يوم اكتمال قدرتي علي سردها"

الحيوة الثانية
الأسكندرية...وداعاً!

بالأمس أنجزت ما كان في حياتي واليوم في النهار أعود"
الخروج في النهار
"فقال آدم:"هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي.هذه تدعي امرأة لأنها من امرئ أخذت".لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسداً واحداً."
سفر التكوين

دوي تصفيق هز أركان المسرح وارتج له قلبه المحزون الثاكل لأمله,تسابق الجمهور علي مدخل المسرح ليشاهدوها خارجة,ربما نظرت لأحدهم فما صدق نفسه,أو ابتسمت لواحد فغاب عن الوعي,أو أحب زيوس أحد اليونانين فأرسل زوجته هيرا لتلهمها أن تصافحه,أو يهوه أحد اليهود فتخلي عن كونه"رب الجنود" وأصبح رباً للسعادة,لن يصيبه الندم لو فعل كما يندم دوماً في التوراة!
خلا مسرح"برومثيوس" المُقام علي الطراز اليوناني في مقابل البحرالسكندري البديع,علي عزرا,مسرحيته"توت عنخ آمين"     عرضها الأخير انتهي الآن,الجمهور الصاخب في انتظار فاتنته,والفاتنة مع الممثلون في غرفهم ليبدلوا ملابسهم,صفوة الأسكندرية بالتأكيد-ككل مرة- وقوف أمام غرفة هيلين يمنون أنفسهم الأماني,كل واحد منهم علي استعداد أن يفعل أي شئ في سبيل ابتسامة,كلمة حلوة,نظرة ذات مغزي.قام بأساه,ليودعها قبل أن يمضي للمنزل.
وجدها مُحاطة بالأغني والأوسم والأشهر,رجال الأسكندرية حولها وتحت قدميها بينما هي جالسة تتلقي الثناء من كل لسان بوجه يعرفه جيداً؛وجه لا مشاعر تحته ولا إحساس-دربها عليه بنفسه-.
قال شمعون تاجر الذهب:
-وإله إبراهيم وموسي,ما أنتِ إلا قطعة من الجنة يا أحلي من الشهد!
زايد عليه هيكتور قائد الأسطول:
-إنها أفروديت بحق كل جبل الأولمب!
بينما انبري تارح الشاعر يقول في هيامه الأبدي:
-هيلين يا أروع من وردة ندية وسط صحراء قاحلة...,اسمحي لي باسم الإنسانية المسكينة أن أجثو علي ركبتي وأقبل حذائك!
فعل...! وهي راضية عنه حتي إنها مسحت علي شعره,فهاجت آهات القوم, أما تارح أقعي علي الأرض يبكي!
وقع بصرها عليه فرسمت ابتسامة توقف الزمان السرمدي,و تشعل موج البحر بالنارفانصبت نظرات الموجودين عليه,فشعر بها خناجر تنغز روحه,تقدم منها فقامت في ود:
-كنتِ هي "عن إسن آمين" الليلة علي المسرح,أداء خرافي لا يُصدق من فتاة في الواحدة والعشرين.
عزفت بصوتها مرحة:
-ونص عبقري لا يُصدق من شاب في الثالثة والعشرين!
أحس أن من حوله يتفرجون عليه كأن المسرحية ما تزال مستمرة,تمتم في حرج مشوب برغبة خبيثة في غيظهم بعلاقتهما الخاصة:
-كل حرف كتبته أنتِ من أمليته عليّ!
ضحكت في دلال.أكمل:
-أجل يا هيلين...أنتِ مُلهمتي الوحيدة!
فأسبلت عينيها في حرج...معه فقط ينخلع وجهها المرسوم للجمهور,وتظهر علي حقيقتها,فتاة صغيرة بريئة شاء قدرها أن يهبها موهبة أثقلت حياتها بتدريبات شاقة وشهرة ثمنها أشق!
شهرة أفادته كمؤلف مسرحي اختصته بكتابة كل مسرحياتها بعد أن قرأت له في مكتبة الأسكندرية,مسرحية مقتبسة عن قصة أوديب,لولا اسمه اليهودي الصريح المطبوع علي غلاف المسرحية,لظنت أنها تقرأ  تراجيديا لأسخيلوس أو سوفوكليس أو يوربيديس,من فرط اقترابه من هؤلاء العظماء,فلما طلبت من أبيها و رئيس الفرقة أن يطلب منه كتابة مسرحية يعرضونها في الصيف,ذُهلت لما رأته في الثانية والعشرين فقط!انتظرت أن يأتيها أبوها بشيخ يهودي عجوز لا بشاب يكبرها فقط بعامين,سألته منكرة:
-أنت عزرا كاتب مسرحية"أوديب في فراش أمه"؟
-نعم!
-بحق زيوس...أنت طفل!
ابتسم ابتسامة قرأت فيها"وماذا عنكِ؟!"
فقالت في نبرة جديدة:
ما رأيك يا سيد عزرا في كتابة مسرحيات لفرقتنا"فرقة الأوديسة"؟!
-مثلك لا يسأل بل يأمر فيُجاب!
من يومها هو مؤلفها الوحيد,أشاعا بسنهما الصغير وفنهما الرفيع,حماسة هائلة في قلوب شباب الأسكندرية وصبيانها,من تأفف منهما في البداية كان صاحب أعلي تصفيق بعد مشاهدتهما,ولم يعد يُذكر اسم عزرا إلا معه هيلين,أما اسم هيلين فقد كان يُذكر وحده لا شريك له,كحلم لكل رجال الأسكندرية!
يذكر اسمه منفرداً فلاسفة الأسكندرية وأدباؤها,من عداهم لا يكادون يهتمون به,المهم هيلين وما تقوله هيلين,كأنها ليست كلماته المسلوخة من وجدانه.
خارج المسرح سمع منادي يصيح باسمه:
-سيد عزرا,لحظة...
من وسط حشد مجانين هيلين تعرف عليه؟!
-أنا كريون مصري من جذور يونانية.
وجد نفسه يقول بلا وعي:
-كهيلين...
ابتسم مُحرجاً من بهاء اسمها المُشع:
-أجل...كالآنسة هيلين.
-كيف أخدمك؟
-لعلك اطلعت علي كتاب مُعنون باسم"الفلسفة اليونانية أصولها مصرية"...
-للأسف لم أقرؤه.
مد يده:
-ها هي نسخة من تأليفي,أرجو أن تقرأها وتعطيني رأيك؟
-شكراً سأفعل...
-هل أنتظرك في حانة الرداء الوردي بعد أسبوع...هل تعرفها؟
-سأكون هناك في الموعد
بدآ يمشيان سوياً خطوات قليلة وعزرا يداعبه,وهو يقلب صفحات الكتاب:
-يبدو أن الأسكندرية لم يعد فيها إلا الشباب صغير السن!
فهم أنه يشير لسنه الصغير المُقارب لعزرا...فلوباتير الحاكم في الثالثة والعشرين أيضاً:
-أرجو أن يكون هذا بداية لصداقة متينة,طالما تقت لها وأنا أشاهد مسرحياتك.
-مسرحياتي أم مسرحيات هيلين؟!
استنكر بعصبية:
-هيلين مجدها اليوم فقط,وتغدو –لو قدر لها الغدو!-حكاية علي الألسنة أما نصوصك فستبقي لتؤديها مليون هيلين!
الأسكندرية في عصرها الذهبي أو كما سيُسمي فيما بعد (عصر الأسكندرية) ,تحررت من كل ما يغل الإنسان عن نشوته,مزيج من الفلسفة اليونانية والمزاج الساحلي,جعل المجون الجنسي عنصر أساسي في حياتها,ازدهرت الدعارة وأسهمت فتياتها بنصيب في الفن والثقافة,فأقامت فتيات الهيتاريا ً صالونات ثقافية وأدبية,فهم في قمة السلم الاجتماعي ولو شئنا الدقة لأبعدناهم عنها,ولاقتصرت النسبة علي الدكتيرياس البائسات وفتيات الأولترايدس!
فتيات الدكترياس يملأن الحالة الفقيرة,بشعورهم الشقراء المستعارة ونهودهن العارية,الأشكال والأوضاع مختلفة في للجميع الذين يرونهم في الظاهر فتيات كثيرة,عزرا فقط من رآهن كلهن فتاة واحدة,تجلس علي حجر زبون,تمسك بيدها قضيب ذكري تلهو به,ترشف الخمر لبصقه في فم سكران ينفجر ضحكاً,بنت صغيرة لم ينهد ثدياها بعد يلتصق بها عجوز واضعاً اصبعه في إستها وهي مشغولة في أكل الحلوي علي المائدة...في زاوية بعيدة انتظره كريون وحيداً.هائماً في صوت شابة مصرية سمراء تغني من شعر ثيوكريتس.
-ظننت إني حين أراك هنا سأجدك دافناً نفسك بين نهدي امرأة لا ساهماً هكذا في صوت هذه الشابة.
-لا أجئ هنا إلا من أجلها فقط
-متي ستنهي غنائها؟أود أن أعبر لك عن إعجابي بكتابك الذي...
حاول أن يكون لطيفاً وهو يقاطعه بحزم:
-عزرا أرجوك...استمع,واتركني استمع!
ركز عزرا مع الصوت,بدأ يتخلله شعور عجيب بالسمو,رأي نفسه في حضن هيلين علي مسرح خالِ يتنفس عطرها,ويتأمل شعرها المنسدل علي كتفيها حتي نهاية الدنيا,أما وجهها فملاك من ملائكة الرب,لا يمكن وصفه بكلمة,يكفي فقط بياضها الحليبي ليملأ مجلدات توضع في مكتبة الأسكندرية,والشعر,الشفاه,البشرة,الابتسامة ,النظرة....فوق بحر الأسكندرية سبعة أبحر...ولن يأت أحد بهيلين في كتاب مبين!
فعل صوت الفتاة فعله في خيال عزرا,تخيل مسرحية جديدة تقوم هي ببطولتها,زيوس قرر إنهاء الحياة علي الأرض الفاسدة,نزل بصاعقته المدمرة,قبل رميه السهم المميت علي الأرض,يستمع لصوت بنت تغني,فيأخذه الوجل ويندم علي ما قدم عليه ويقول في نفسه:هاهو الإنسان ما زال يغني بذلك الجمال رغم ما هو فيه من المعاناة,هاهو يحب الحياة وينشد لها الأناشيد...له فرصة أخري...له فرصة أخري إكراماً لصوت البنت.يتحول زيوس لإنسان ويهبط علي كوخ البنت المغنية اليتيمة ثم....
تطايرت زجاجة خمر كادت أن تطيح بوجهها,تبعها صوت أجش سكران:
-اخرسي أيتها العاهرة المنحوسة ذات الثدي الضامر,من بدء غنائك لم ربح شيئاً في المقامرة.
لم يفهم عزرا كيف قفز كريون نحوه طائراً,وسط المحيطين به فوقعا علي الأرض وهو يكيل له الضربات بأطرافه الأربعة,تكالب عليه أصدقائه,بصعوبة استطاعوا جذبه وبدأوا ينهالون عليه ضرب,استقبل الضربة الأولي,الثانية,الثالثة أوقفها عزرا,وردها للضارب لكمة.
صاح بهم أحد اليونانيون المخمورين:
-هذا الرجل مصري.. عزرا إني أعرفه من المسرح.
مصري يضرب يوناني!!!!.كل الحانة من اليونانيين أحاطوا به وقد نسوا كريون,وقف كريون جانبه يتأهب للدفاع عنه,ثم انشقت عن ثالث انضم إليهما,باغتهما فلم يقدرا علي سؤاله وإن كانا توجسا.
الثالث قوي البنية بصورة ملفتة,رغم أن ملامح وجهه تشي بوداعة تنكرها عضلاته البارزة...الكثرة قالت كلمتها,ضربوا الثلاثة حتي تورم أعضاء الضارب والمضروب,وألقوهم خارج الحانة علي التراب.
قام مينا أولهم وساعد عزرا وكريون في النهوض
-من أنت؟
سأله كريون بصوت منهك
-مصري مثلك...ألست أنت المصري الذي صاح اليوناني باسمه؟
-لم يكن يقصدني...أنا مصري من أصل يوناني
قال عزرا وطعم الدم في فمه:
-أنا المصري...نود أن نعرف اسمك.
-مينا السمنودي
-ما عملك؟
-لا عمل لي بعد,جئت لأدرس في المكتبة تاريخ المصريين!
-إذن...أنت من سميت لقبت نفسك بـ"السمنودي"أليس كذلك؟
-أجل
-تيمناً بمانتيون السمنودي أكيد!
-بلدياتي ومثلي الأعلي.
-أنا عزرا كاتب مسرحي.كريون فيلسوف يوناني.
نظر له كريون معاتباً,استدرك:
-آسف...مصري من أصل يوناني.
نظر له مينا نظرة غائمة لم يعرف كريون معناها!
القدر جمع الثلاثة...القدر سيفرق الثلاثة...من يملك سؤال القدر؟!
-لم أكن أتصور أن يكن أول نهار لي في الأسكندرية هكذا!
علق وهو يري ملابسه الممزقة!
تأسف كريون:
-أعتذر أنا السبب!
-كلا شهدت هذا السكير المتوحش وهو يرمي المطربة بالزجاجة...لو لم تكن أنت ضربته لفعلت أنا!
-ما حكاية هذه البنت يا كريون ؟كيف تعيش هذه الفنانة الصغيرة في حانة؟...أتعمل هي الأخري في الدعارة أم اكتفت بالغناء؟ّ
-كل ما أعرفه أنها مصرية من فتيات الدكترياس...أنت تعلم بؤس تلك الفتيات!
-يالك من لماح!!!!بالتأكيد هي من الدكترياس بمظهرها ومكان عملها.
لم ينتبها لمينا يهمس في ألم:
-مصرية!!!!
-كلما حاولت الحديث معها يمنعني نظرة انكسار في عينيها كلما جاءت في عيني!
-آه...فكي يؤلمني!
ضحك فجأة وهو يقول بصوت عال:
-فيلسوف ومؤرخ ومسرحي...والضرب لم يتأدب معنا بأدبنا...المعرفة انهارت تحت لكمات الجهلة أيتها الأسكندرية!!
علت ابتسامة وجهيهما,وبدأوا جميعاً في المسير عزرا مشغول القلب بهيلين والفكر بالمسرح,كريون بالمغنية ومحاضرة سيلقيها في الغد حول فلسفة التشاؤم,الصديق الثالث لم يعرف حتي الآن في حياته سوي حب واحد....مبدعو الحكمة بناة الأهرام, والشمس ذبيحة مخضبة بدمائها البحر؛لتبعث من جديد مؤذنة بأيام قادمة تشرق فيها علي الأسكندرية.
هل كان المسرح جسره لهيلين أم كانت هيلين جمرة مشتعلة في قلبه يفطئها بالمسرح؟
قال لها مرة بعد انتهائها من بروفات مشاهدها"أنتِ لا تمثلين,الشخصيات موجودة فيكِ أصلاً,أنا فقط أنظر لعينيك واستمع لوحيهما وأكتب النصوص"
يشعر أن هيلين تحبه كما يحبها,وأكثر!ثم يندثر حدسه ويعود وعيه"كيف تحب الفاتنة واحد مثلك يا عزرا المسكين,يقولون عنك أنك كاتب مسرحي عظيم,لو استمررت عشر سنوات تنتج كإنتاجك اليوم سيخلد اسمك كما سيخلد المسرح,قد يكونون علي حق,لكن ما شأن الحب بالخلود والعظمة,فالخلود والعظمة هما ذرة من نسيج الحب...إنها هيلين يا عزرا...هيلين وكفي...أنت تعلم...!"
عزرا لا يأمل إلا في شيئين:قرب هيلين,و رؤية مسرحياته مجسدة باللحم والدم والروح علي المسرح.يود فقط لو يكن منها قريب,يشم عطرها الفواح يتأمل بشرتها الناعمة,يلامسها بـ"عفوية مقصودة!"يختلس نظرة لثلث صدرها العاري الرجراج في ملابس السهرة,يسمع منها اسمه...ما أجمل"عزرا"بصوتها,يحتضن نظراتها فياضة العطف والحنو في قلبه وينام ليلته راضياً عن الحياة.
ترك مينا وكريون علي وعد باللقاء في محاضرة كريون "فلسفة التشاؤم" في المكتبة,رجع للبيت ممتلئاً حماسة في العمل,فكر أن يدفع أي مبلغ يطلبه صاحب الحانة ويترك له المغنية لتعمل في المسرح,سيكتب لها المسرحيات الاستعراضية الراقية,تغنيها بصوتها وتمثلها هيلين...بل لو كانت تجيد التمثيل لتمثلها هي,صاح بلا وعي منه:
-بحق الهيكل...كيف يدفن هذا الصوت في بئر القذارة هذا؟!
نادته أمه المريضة من الحجرة المجاورة بصوت واهن لم يسمعه:
-عزرا...مع من تتحدث؟أتكلم نفسك يا ولدي؟
توقفت عن محاولة رفع صوتها,كانت قد تعودت منه منذ بداية العمل مع هيلين سماع صيحاته,ولما تسأله يقول"لا تشغلي بالك يا أمي,الكاتب كالممثل كليهما عليهما تقمص الشخصيات",الآن تبتسم حين تعاودها ذكري تلك الليلة,بعد بكاؤه الحارق لتذهب به لرؤية ثلاثية سوفوكليس المأساوية في عرض واحد متصل"أوديب ملكاً,أوديب في كولونا,أنتيجون"للمرة الرابعة!أمه مغرمة بالمسرح,مرة تأتي حزينة باكية,فيسألها"كنت في المسرح وكانت التراجيديا مؤلمة يا ولدي"مرة تأتي مبتهجة تضحك حاملة له الحلوي"الكوميديا اليوم تبهج القلب الحزين"في مرة أصر علي أن تأخذه معها المسرح,كان في العاشرة من عمره فخسرت حجة أنه ما زال صغيراً علي استيعاب فن المسرح,شهد معها ثلاثية سوفوكليس وظل يبكي إلي اليوم التالي"سأظل أبكي علي أوديب وأسرته المنكوبة إلي أن أشاهده مرة أخري"وهكذا حتي المرة الرابعة التي هرع فيها نحو المسرح باكياً  لمؤدي دور أوديب"أوديب أيها التعس أي قدر قاس كتب عليك وعلي ابنتك الوفية الحنون أنتيجون كل تلك الآلام,أي أوديب المنحوس أي قدر قاس أعده لك إله بغيض يكرهك,لهفي عليك يا صاحبي...لهفي عليك يا أنتيجون يا مسكينة,اللعنة علي الأقدار الحمقاء حاوية الشقاء باعثة الألم,يا لشقاؤكم الذي لا حد له أنتم أيتها العائلة المنكوبة,أوديب,جوكاستا,أنتيجون إسمينا واخويهما الخائنين,كريون الظالم وولده وزوجته...قتلتني يا سوفوكليس العظيم...قتلتني يا سيدي بدراماتك,فتحت عيني علي مآسي الناس,ولن أغلقهما بعد اليوم أبداً"لم توقفه همهمة الجمهور ودهشة الممثلين,أنشد يقول كلام جوكاستا بدلاً من الممثلة"ماذا يجدي علي الإنسان أن يملاً نفسه ذعراً؟إنما المصادفة وحدها هي المسيطرة علي أمره كله دون أن يستطيع التنبؤ بأيسر ما سيعرض له.والخير في أن يستسلم الإنسان للحظ ما استطاع.أما أنت فلا تخف من فكرة الاقتران بأمك فكثير من الناس من اقترنوا بأمهاتهم في أحلام الليل.ومن ازدري هذا الخوف الذي يصدر عن الوهم كان خليقاً أن يحتمل الحياة في الكثير من اليسر"انقطع التمثيل واقتربت منه الممثلة فمسحت دموعه واحتضنته بين ذراعيها والدموع تنساب من عينيها علي شعره,همست بين نهناتها:"جدير بك أن تكون مؤلفاً مسرحياً يا بني,والأجدر أن تصير ممثلاً"...تعاود أمه تلك الحادثة فتكتشف إنها هي من أورثت ابنها الهوس بدنيا المسرح الذي صنع له اسماً مرموقاً وهو بعد شاب صغير وفكرت"لما كان أبوه في مثل سنه,لم يكن أحد من الناس يعيره انتباهه غيري...الحب!...أما هو فاسمه كما أخبرتني هيلين ذائع بين علماء الأسكندرية...ليتها تكون من نصيبه تلك الفاتنة الطيبة ويتزوجا فهو ابني وأنا أعلم الناس به يعشقها ولو لم يقل,أما هي... عموما,من يعرف مايمكن أن يحدث في الغد؟!",لكن الحقيقة الكامنة داخل نفس عزرا لا تكتمل إلا بتلك الممثلة المغمورة التي لا يعرف اسمها حين احتضنته وهمست بكلماتها في شعور صادق,تغلغل فيه ولم يتركه حتي اليوم.
قطع أفكار أمه دخوله حجرتها حاملاً الطعام:
-لماذا تتعب نفسك يا بني؟لست جائعة
-أتعب نفسي فيم؟!حملتني وربيتني واحتملتني ومازلتِ تحتملين,أفلا تأخذين بعضاً من حقك يا أمي!
- ليحترق المرض في الجحيم يا ولدي,لا أدخل الرب في جسدك مكروهاً ولا عشت يوماً مريضاً.
تضرعت ليهوه:
-بحق موسي وإبراهيم أن تأخذ من عافيتي وتعطي ولدي!
-لتبق لك عافيتك يا أمي وليزح الرب عنك...حين تنتهين من طعامك ستجدينني واقفاً عندك!
-وفقك الرب توفيق يوسف...اذهب...اذهب واكتب لهيلين مسرحية جديدة!ليتني كنت بصحتي أستطيع الذهاب لمشاهدتها...أتذكر أيام اصطحابي لك إلي المسرح يا عزرا؟
-طبعاً...
قال في نفسه"ما تركني أوديب لحظة يا أمي...يا للأقدار يا ابن لايوس"
أوقفته عند الباب:
-لا تعد يا ولدي سأتناول طعامي وأخلد للنوم,لا تقطع علي نفسك عملك,اكتب يا عزرا ولا تتوقف لأي سبب,اكتب يا بني بكل طاقتلك للمسرح...المسرح يستحق أن تفني عمرك فيه يا ولدي.
ثم قالت مداعبة:
-وهيلين أيضاً تحتاجك!

"في النهاية أيها الحضور الكريم,نجد أن هذا الكائن البائس الذي ظهر علي الأرض بلا مبرر لوجوده,منذ أن أدار عينيه في الحياة دار عقله,وأصيب بالغثيان من القرف الذي يراه,فبدأ يتفلسف ومن تفلسف تشائم!!إنسان مصر وسومر واليونان واحد في الجوهر مهما تعددت الأشكال والظواهر,روح بائسة رُميت في الحياة بلا معين ولا هادي,تأخذ دورتها الحياتية ثم تبتلعها الأرض في جوفها مؤذنة بميلاد روح جديدة من جوف أم تكتنفها لحظتها آلام لا يقوي عليها سوي امرأة....وحتي لا أطيل-أكثر مما أطلت فقد مر علي ساعتين أتحدث فيهما وحدي-وأمنح فرصة للمناقشة أكتفي بتلك النقطة من هذا البحر اللانهائي...بحر الفلسفة...فلسفة التشاؤم"
ابتسم كريون في طريقه للحانة لما تذكر كيف أوقفه مينا وهما خارجان من المكتبة"رغم أنك ملحد متشائم وأنا أمقت كليهما إلا أني أحييك علي سعة إحاطتك بالأدب المصري القديم وتمجيدك الدائم لمصر"قضي الليلة معه في بيت عزرا يتحدثون حتي الصباح,مع التباشير الأولي رحل نحو الحانة ومعه لفافة يخفيها في طيات ملابسه,علي الباب وجد نفرت تنظف أمام الباب,وقف أمامها وهي منحنية علي الأرض,باغتتها قدماه,التقت عيناهما فبدا عليها اللهفة:
-هل أنت بخير بعد أن...؟!أنا السبب سامحني!
-لا يهم أنا...المهم أنتِ يا...
-نفرت يا سيد كريون
ضحك مسروراً:
-أوتعرفين اسمي؟
قالت مبتسمة بطفولة بريئة:
-سألت عنك البنات...
-وماذا قالت البنات أيضاً؟
رحم خجلها مع أنه استغرب كيف لفتاة من بيئتها أن تخجل!
-هل تعملين معهن؟
ندت عنها صرخة:
-كلا...أنا أغني وأنظف فقط...لم يمسني رجل.
شخص ككريون لا  يهمه كثيراً إن كانت كاذبة أو صادقة,فهو معجب بها شغوف,لن يزحزحه عنها كون ساقيها مفتوحتان للرجال أم منغلقتان علي فرجها...
ألح عليها ليتمشيان حول الحانة ثم استكملا حديثهما:
-وما رأيك في أن تغني فقط؟
-كيف؟
-وعلي المسرح.
تورد وجهها:
-علي المسرح؟!! كيف؟...أين؟
-هل تسمعين عن فرقة الأوديسة؟
-ومن في الأسكندرية لا يسمع عنها؟!
-المؤلف الخاص بتلك الفرقة صديق مقرب لي,استمع لكِ يوم أن....ويريد ضمك لفرقته تغني وتمثلي أيضاً...
كادت الفرحة أن تطوحها,أخيراً ستبتعد عن تأوهات النساء وصيحات الرجال,عن التحرش والضرب علي الأماكن الحساسة محتملة ذلك لتحتفظ بلقمة وسقف,وستغني وتمثل أيضاً...
-اتركني يومين أدبر فيهما أموري و....
نظرت له بعينين مليئتين بالخوف:
-إياك تكون تسخر مني....
غمرته موجة من الشفقة فامتدت يده لاحتضانها,وكأنها كانت تنتظر ذلك منذ قرون,سكنت بين ذراعيه متشبثة بملابسه,وظلا كذلك تبكي وهو يتمالك نفسه,ويفكر في جدوي وجود الإنسان علي الأرض!!
شعرت باللفافة تضغط علي نهديها.
-آه...لقد نسيت جئت أريكِ إياه
أعطاها لها:
-افتحيها..
-لا أعرف القراءة!
-ليس بها كتابة
شهقت:
-هذه صورتي.
-كلا ليست لكِ إنها لجدتك...واسمك علي اسمها"نفرت."
-لا أعرف لي أجداد.
-نفرت... يلزمك تعليم طويل ستحصلينه علي يدي شئتِ أم أبيتِ! هذه جدتك الفرعونية.
-هذه أنا!
-نعم هذه أنتِ في الشبه...نفس العينين الواسعتين,السمار النيلي الجميل,الملامح المصرية الأصيلة,الشفاه المتوردة والأسنان المصفوفة,الشعر الأسود المنسدل كالحرير...الجمال المصري!
تساءلت في تردد وهي ممسكة بسعادة باللفافة:
-هل يمكنني أن...
-أجل...احتفظي بها...اعتبريها هدية.
قبلته بسرعة علي خده وسارعت نحو الحانة:
-سأريها للبنات!
ناداها:
-ميعادنا بعد يومين!
غابت عن عينيه,همهم:
-طفلة...طفلة أوقعتني في هواها!
أسس الأسكندرية فيلسوف تلميذ مباشر لأرسطو...فيلسوف من طراز عجيب,بالسيف والدم والحرب أراد للناس أن يكونوا أمة واحدة...!اسم خالد يستدعي تبجيلاً لا حدود له علي مر الأجيال رغم عمره القصير جداً المنتهي بوفاته عن 32عاماً,اعتقد من بداية حياته أنه يمت بصلة دم لأخيل,فتفوق علي الأسطورة الهوميروسية ليغدو أشهر منها...ليغدو الأسكندر الأكبر!
في زمن قصتنا هذه,حكم الأسكندرية فيلوباتير,الذي لا يساوي غبارة تراب من حذاء الأسكندر,وهاهو في قصره الملكي يضاجع إحدي جواريه بسادية صارخاً:"أنا بن ديونيسوس!أنا الملك!والملك يأكل اللحم بأسنانه أو بقضيبه!"وتجلجل ضحكاته حتي تصل إلي أخته وزوجته الشقراء أرسينوي....
وقفت أمام نافذتها ورائها وصيفتها,سارحة تفكر في ما آل إليه وضع الأسكندرية من خطورة,الملك الأخرق الجبان يسيطر عليه وزيره الخبيث سوسيبوس,لم يتوفر علي وسيلة لإفساده إلا وأتاها,يتملقه حتي العبادة,ويزين له المتع يليهيه بها عن السياسة,لم يتورع عن قتل أمهما برنيس بمؤامرة إجرامية كما فعل مع عمهما ليسيماخوس وكل من يتجرأ علي مواجهته,تعترف وهي تواجه البدر أنها تعاطفت مع ثورة كليومنز علي الملك وحاشيته المقيتة,ورثت له لما أخفق وانتحر هو و معاونوه والأخطر توارد الأنباء عن عزم أنتيوخس الثالث انتهاز فرصة الاضطرابات في مصر والهجوم علي سوريا لاستردادها,مالت برأسها نحو جدار النافذة في يأس,ونادت تبتهل لروحي الإسكندر,وبطليموس سوتير و بطليموس فيلادلفيوس الذين رعوا الأسكندرية بتزيينها بالعلوم والفنون حتي غدت مدينة الله العظمي وواحدة من أعظم مدن المعمورة,قبل أن يكبس علي أنفاسها بطليموس الرابع...فيلوباتير أي المحب لأبيه!
أرسينوي يا وردة أحبت مصر"
أرسينوي يا عروس الأسكندرية
أرسينوي انتظري القادم من الجنوب
أرسينوي هو من سيسعد قلبك...لكن...!
استيقظت فزعة من إغفاءة قصيرة علي الكرسي,اندفعت إليها الوصيفة تهدئها,وراحت تتمتم في خوف:" أرسينوي انتظري القادم من الجنوب
أرسينوي هو من سيسعد قلبك...لكن...!"
عادت قهقة فيلوباتير الماجنة السادية تمتزج بصرخات ألم الجارية التعيسة في أذنها...
اقتربت نفرت من هيلين ووضعت يدها بوجل علي شعرها:"إنكِ جميلة فعلاً كما يقولون...تري أي رجل سعيد الحظ كُتب له الاستمتاع بهذا الجمال؟!؟
شعر كريون باضطراب عزرا,فقال منعاً لأي محاولة من نفرت للثرثرة:"ها هي شريكتكم الجديدة في العمل يا آنسة هيلين التي حدثك عنها عزرا",وأعاد يد نفرت مكانها!
-إنما حدثني عن صوتها فقط,ولم يقل لي كم إنها فتاة طيبة علي الفطرة الساذجة كما أري!
لم تفهم نفرت إن كان هذا مدحاً أم ذماً... هي فعلاً كما قالت!
"غني لها ما كنت تغنيه يوم رأيتك في الحانة"قال عزرا
-كلا سأغني من شعري الخاص...
"حدثه يا قلبي بما أضناني
اعلمه بما كتم لساني
أحبه...
ومالي حبيب ثانِ
أحبه...
والدمع في مقلتي فيضانِ
أحبه والكتمان ينحل في أعصابي
يا حبيبي أين حضنك؟
ارتمي فيه وارتاحِ"
حضنها بين ذراعيه وهو يشم جلدها ويبكي:"أحبك من يوم رأيتك"بحنو أمومي ربتت علي ظهره وتمشت بيدها عليه:"لو كنت أعلم إن تلك هي الطريقة يا عزرا لتبوح لكنت غنيت لك من زمان!!"
سحب كريون نفرت قبل أن تحتضنهما هي الأخري تأثراً!! ونزلا من علي المسرح,وتركاهما يواجهان مقاعد المتفرجين الفارغة...
....وأخيراً يا عزرا!
مر عام من العسل.كريون في أحضان نفرت وعزرا في أحضان هيلين...
ذاق الأربعة حلاوة الحب,دقة قلب وقبلة من الشفاه تتبعها,ينتصب الذكر وتتفتح الأنثي,تمتزج السوائل,ينتعش القلب,أحبت نفرت أوضاع كريون وارتاحت هيلين لألعاب عزرا,النهار مسرح وتمثيل,فلسفة وغناء,وفي الليل يعودون سيرتهم الأولي,يعودون بشراً تكمل كل امرأة رجلها,يدخل الجسد في الجسد,تسخن الأعضاء وتحتك الأجساد,يسعي كل شريك لإسعاد الآخر,حتي يقذف سائله داخل الآخر,تاركاً هدية حلوة تُرد بعناق حتي الصباح...
ثم جاء عام الحرب!

دموع هيلين ونفرت لم تمنعهما من الانضمام للجيش الذاهب لرفح لصد هجوم أنتيخوس وجيشه الزاحف علي مصر,عقب هزيمته للحاميات المصرية في الطريق,فلم يجد فيلوباتير بداً من الاستعانة بالمصريين والسماح لهم بالدخول في سلك التجنيد العسكري بجانب الإغريق,استغل سوسيبوس انشغال أنتيخوس في جبهات فارس وآسيا الوسطي,واستكمل تدريب القوات المصرية المستجدة,ولأول مرة يمسك مينا وعزرا وكريون سيفاً,استبدلوا السيوف والرماح بالأوراق والمحابر حين ناداهم الوطن,ترك كل عاشق حضن عشيقته واندفع يحمي بلاده لم يفكر ماذا سيكسب من خوضه الحرب الرهيبة,لم ينتظر وساماً ولا تكريماً,كل ما تمناه أن تقبل مصر تضحية ابنها وتسلم وتُسلِم الحبيبة!
مازال فيلوباتير يعتمد علي الإغريق كجنود حقيقون,مُهملاً المصريين كجنود درجة ثانية,يخدمون اليونانيين,تحمل عزرا ومينا المهانة بينما كان وضع كريون أفضل كيوناني,الصلف والغرور في الجيش يمزق كل رابطة بين الجنود,المصريون في الصفوف الخلفية في أسوأ الظروف المعيشية,في الجوع والبرد والتعب,يقف أحدهم ليغني وهم يرددون ورائه أناشيد وطنية,تسري بها الدفء في قلوب المصريين.يقوم وسطهم خطيب يمجد صلابة وقوة الأجداد,يحدثهم عن أحمس وحورمحب وتحتمس ورمسيس وغيرهم من القادة العسكريين في تاريخ مصر,فيهتفون من قلوبهم"كلنا فداء للوطن,كلنا ضحايا علي مذبحه,نموت وتحيا مصر"
كل ليلة يخرج عزرا صورة رسمها لهيلين يتأملها ويخاطبها في همس بكل ما في قلبه من ألم وأمل,ثم يقبلها"غداً يا حبيبتي أعود بالنصر,غداً يا حبيبتي لكِ أعود"
سمعه مينا ذات ليلة فسخر بمرارة بالغة:"هل تعتقد أن جيشاً يقوده ابن ديونيسوس يحتاج نصراً؟!نحن انتصرنا بالفعل يا عزرا لو أردت العودة فلتعد من الليلة!....ذهابنا كعدمه,هذا المجنون سيسحقنا معه,وهؤلاء القادة الممتلئين شحماً سيكونون وجبة شهية للغربان يوم المعركة....آه كنت أتمني أن أنجز مشاريع مؤلفاتي قبل أن يباغتني الموت تحت قيادة بُله سيوردونا المهالك"
صمت عزرا فقد كان يحاول طمئنة الصورة المرسومة,لكنه كان يعرف الصورة الحقيقية للجيش وقواده ومع ذلك قال بإيمان عجيب:
 -درع مصر هو المصريون,وهؤلاء فقط هم القادرين علي الصد.
-فقط لو تتاح لنا فرصة إثبات جدارتنا!
ظل الجيشان يرقبان بعضهما لأسبوعين,كل واحد ينتظر أن يكشف الآخر عن تشكيله,في فجر 22يونيو 217قبل الميلاد,قوض الجيش المصري معسكره وانتشر الفرسان والفيلة علي الجانبين والفيلق في الوسط والمشاة في الثغرات والمؤخرة...كتم المصريون في صدورهم سخريتهم من فيلوباتير وهو يمر علي قواته ويخاطبهم,وانفجروا حماسة أمام أرسينوي وهي تحمسهم علي ظهر جوادها وشعرها الأشقر يطغي علي ضوء الشمس البازغة,كانت صادقة مؤمنة قلبها ينبض بحبهم فأحبوها وصاح أحدهم بعلو صوته:"فخر لنا أن نقاتل تحت إمرتك أيتها الملكة!"التفتت لصاحب الصوت واضطربت حتي كادت تقع من فوق الفرس,لم يكن سوي مينا...القادم من الجنوب ...من رأته في منامها!!
مال علي عزرا المندهش من جرأته ومن رد فعل الملكة:
-سننتصر يا عزرا...أقسم سننتصر!بها سننتصر!
أطلق كل جيش فيلته,ذعرت فيلة المصريين الإفريقية من فيلة أنتيخوس الهندية,استدارت مهرولة ناحية الجيش المصري يدوسون بأقدامهم الفرسان والجنود,تبعها أنتيخوس بهجوم شرس نحو المصريين وطاردهم دون تبصر,مغتراً بإنجاز فيلته الهندية!انتهز القائد القائد ايشكريتس انكشاف منطقة الوسط لجيش أنتيخوس فقام بهجوم مضاد,ولم يجد أمامه حينها إلا المصريين المشاة الذين صمدوا وهم يرون الإغريق يهربون من هجوم أنتيخوس,استدعاهم للصفوف الأمامية,20ألف مصري قادهم في مناورة للالتفاف خلف فيلق العدو ثم اتخذ وضعاً يهدد خط تقهقر العدو,أكل القلق قلب عزرا ومينا علي كريون,أخذت الأوهام السوداء تنهب عزرا"هل داس عليه فيل هندي و التصق تحت قدمه؟!هل وقع عليه فيل إفريقي مقتول فدفن تحته؟!لقد تركت معه خطاباً لهيلين يعطيه لها لو أصابني مكروه,فهل ينقلب الوضع...لكنه لم يترك لي أي خطابات!"
أخذ مينا يطمئنه"إنه فيلسوف والفيلسوف كالقطة بسبعة أرواح,سينجو هذا المتشائم , وسيموت عشرات المتفائلين في هذه الحياة...دنيا!! علينا الآن أن نقلق علي أنفسنا"
في هذه الأثناء كانت أرسينوي تترجي فيلوباتير أن يعود للفيلق المصري يقوده,لكنه صاح :"مستحيل أن يقود ابن ديونيسوس هؤلاء الفلاحين الرعاع,فليموتوا كلهم...أعيدوا لي جيشي!!"
اكتشف ايشرتكس عبث ما فعله لتقاعس فيلوباتير عن الانضمام له والقتال والفرصة سانحة,لم يكن أمامه إلا"الصمود والقتال حتي يموت آخر واحد منا"كما أعلن في الجيش الذي أصبح الآن مصرياً فعلاً!وأكمل"أيها الأسود لو تخلت عنكم قوة الأرض فقوة السماء تؤيدكم,هذه أرضكم,هنا يرقد أجدادكم العظام,فذودوا عنها بدمائكم,اليوم يوم الفصل بين الخائن والشريف,اليوم يوم الموت إما قاتل أو مقتول"
ردد المعسكر كله"الموت للأعداء"إلا عزرا فقد صاح"اللعنة علي الحرب,اللعنة علي الشر",وضاعت صيحته وسط صيحة الآلاف,وانطلق المصريون نحو الفيلق الذي انعزل عن قائده العام أنتيخوس,وأجبروه بشجاعتهم وبطولتهم علي التقهقر بعد أن أنزلوا به خسائر لم يحتملها فانسحب الجيش كله من ميدان المعركة وتقهقر مهزوماً!
علي البارجة"ثالاميجوس"احتفل فيلوباتير- الذي فضل العودة مسرعاً للذاته ولعشيقته أجاثوكليا ولم يطارد العدو!!!-بانتصاره وبطولته في ميدان المعركة!!!
بكي عزرا وهو يري الاحتفالات من علي الشاطئ:"ليس منا نحن الثلاثة من لم تترك فيه المعركة جرحاً هدد حياته وترك ندوبه في جسده,وها هو نصرنا يسرقه منا هذا الجبان ويدعيه لنفسه,لولانا لكان ميتاً الآن,حتي متي نتركه يخرب الأسكندرية"
تنهد كريون:"بدأت الفنون كلها تنهار وعج القصر بأدعياء الأدب والثقافة ولم يعد للعلوم والفنون مشجع من القصر عدا المغلوبة علي أمرها أرسينوي"
لما سمع مينا اسم أرسينوي تاه في دنيا الأحلام...عندما عادت أرسينوي للقصر لم تفكر سوي في مينا,ولم يفكر مينا سوي في أرسينوي!
من مصادرها استدلت عليه ودأبت تستدعه للقصر,بحجة مساعدته في إتمام أبحاثه التاريخية,تستدنيه وتنفرد به بلا مبالاة كأنها ردة فعل علي خيانة فيلوباتير لها مع أجاثوكليا علي الملأ,بل أنه يجلسها بجانبه في الاحتفالات بدلاً منها.
حتي جاء يوم....
تركت عرشها وتمشت مجرجرة أذيال ثوبها حتي جلست جواره وهي تتهدج حباً وشهوة:"ليست من أمامك أرسينوي الملكة بل أرسينوي المرأة المعذبة"فكت أزرار ثوبها"مينا اقترب اقترب كي لا نحترق".
حكت له عن منامها متوجسة خيفة من"لكن"خاف هو الآخر لكن آثرا الركون للحب علي التفكير فيما تخبئه الأيام.
كل يوم يزيد استهتار فيلوباتير واستحواذ سوسيبوس وشقيق أجاثوكليا أجاثوكليس علي مقاليد الحكم,أرهقوا الأسكندرية بالضرائب تعويضاً لتبذيرهم وسفههم ولم يستمعوا لصوت الجنود المصريين الذين دافعوا عن الوطن حين كان الوطن لا يدافع عنهم!فتوالت عمليات العصيان حتي اندلعت الثورة الكبري في طيبة بقيادة الفرعون حور ون نفر,علي حكم البطالمة كلهم ونادت بطردهم ورجوع مصر لأهلها.
أما الأسكندرية أُغرقت في بحر من الترف والاحتفالات الماجنة بقيادة أجاثوكليا,يرتدي الرجال والنساء أقنعة ومن تقع في يده امرأة,له الحق في التهامها بغض النظر عن ماهي,وكل الأوضاع متاحة,أما المثليين فلهم احتفالاتهم الخاصة,وكل السادة يستمتعون ويلهون وكل المصريون يتعذبون في اضطراب اقتصادي واجتماعي,وعلي رأس الهرم يرقد فيلوباتير"يأكل اللحم ويضاجع اللحم"وحوله حاشية السوء...
مرت الأعوام وراء الأعوام,الفساد يزداد والثورة تشتعل حتي كانت مصر العليا كله تحت الحكم الفرعوني,أصبح الشباب رجالاً والفتاتان نساء,لا تنادي نفرت هيلين إلا يا "أختي",وعمدت الحرب الرجال الثلاثة إخوة,زادتهم العشرة قربة ومودة,ثمانية عشر عاماً مرت علي معركتهم في رفح,وما زالوا لليوم يتذكرون منها تفاصيل جديدة,علاقة أرسينوي ومينا دخلت في حكم المعتاد,لم يتسنكرها أحدهما لكنهما خافا عليه,بفضل مينا دخل عزرا وكريون القصر,وجلسا مع فيلوباتير في بعض الأحيان,وسط العلماء والأدباء الحقيقيون والمدعون.
حتي أعلن سوسيبوس وأجاثوكليا وفاة الملك والملكة وأظهرا وصية نسباها للملك تعلنهما وصيان علي العرش وعلي طفلهما الصغير, في قاعة المقابلات وعرضا وعائين من الفضة تحتويان علي رفاتهما!!!!
زلزل الخبر الأسكندرية....
خرج مينا في الشوارع يصرخ:"قتلوها...قتلوها..."ولكن!"...و"لكن"ولكن سيقتلوها أولاد الأفاعي!"جري ورائه كريون وقاده بالقوة لمنزله,طالباً من هيلين مساعدته في إرقاده بعد أن استنفذت المقاومة والجري قواه وبدأ يهذي.
كانت أرسينوي محبوبة من الشعب ولم يصدق أحد أنها ماتت ميتة طبيعية,وغالي سوسيبوس وأجاثوكليا في تقدير سلطانهما وقدرتهما علي حكم البلاد,نتيجة لما فعلاه ثارت الأسكندرية وقُطعت حرفياً أجاثوكليا وشقيقتيها,تركوا للغضب السكندري العنيف الهائج كالبحر,جردوهن من ثيابهن وقتلوا بالعض والطعن وفقأ الأعين,ثم بتر الساق بعد الساق,واليد بعد اليد فكانوا مثالاً للـ"تمزيق إرباً"أما أجاثوكليس فيبدو أن بعض الجنود أحبوه لأنهم رحموه من الجمهور الغاضب واندفعوا نحوه يضربونه بكل قوتهم حتي مات من الضرب,بينما الخبيث سوسيبوس نجا من المذبحة وترك منصبه لتليبوليس وصياً علي العرش.
حدث هذا وأبطالنا الخمسة ينظرون في حسرة لما آل له حال الأسكندرية,ليست هذه اسكندريتهم التي عاشوا فيها وأملوا فيها,بقلب باكٍ وعين دامعة ودعهم مينا,راحلاً للجنوب حيث أصول أبيه,لكنه نوي الإيغال جنوباً حتي طيبة لينضم للثوار,لعله يطفئ لهيب حرقته علي أرسينوي بالانتقام لها ممن قتلوها,بكوا العشرة والصداقة,ولوعة الفراق...تكررت تلك المأساة مرة أخري حين توفي كريون بعد مشاجرة مع قاطع طريق,فبكاه عزرا كما لم يبك أمه وأبيه وعلي قبره خاطبه"نجوت من الفيلة الهندية وجيش أنتيخوس لتموت علي يد لص بائس...أيها المتشائم!",وظلت نفرت ذاهلة لأيام تتصرف كأنه لم يمت حتي طرقت باب عزرا ذات ليلة وسألته ببرود:"أين كريون استيقظت الليلة ولم أجده؟"ثم صرخت فجأة"مات"وأغمي عليها علي عتبة الدار...
لم يعد للمسرح مكانته السابقة,وعاد أنتيخوس مرة أخري للهجوم علي مصر بعد وفاة فيلوباتير,عندها ترك عزرا الأسكندرية وذهب للعيش في في قرية صغيرة بجوار النيل هرباً من الذكريات وأحلام الماضي التي تحولت الآن لخناجر تمزق روحه,مشي ابن كريون بجوار ابنته في الطريق,وسمعه يخبرها:"حين أكبر أود أن أصير كعمي عزرا,كاتباً مسرحياً"فردت عليه "وأنا سأصير ممثلة كأمي الكل يقول أني أشبهها"قال "إذن,سنعمل معاً"ثم وضع يديه حول خصرها"لا تخافي سأحميك طول الطريق,حتي نعود لمنزلنا في الأسكندرية"نزلت دمعة من عين عزرا أخفاها بسرعة حتي لا تراها هيلين ونفرت وتذكر وجهي مينا وكريون,وهو يلتفت خلفه نحو الأضواء المتلئلة في المدينة البعيدة الآن عن الطريق المظلم السائرون فيه "الأسكندرية....وداعاً!"
سمعه الفتي فمال علي أذن الفتي يهمس لها بحنو ناضج يفوق سنه:"أما نحن يا هيلين يوماً سنعود سوياً,ونحيي من جديد فرقة الأوديسة"


الحيوة الثالثة
الراهب
سيناريو مقتبس عن رائعة أستاذنا يوسف زيدان"عزازيل

مُهدي إلي روح صاحب تحفة المومياء والفلاح الفصيح...
الباحث عن جذوره المصرية في زمنها القديم المجيد
عاشق جلال وجمال حضارتنا الفرعونية المبجلة
إلي الفنان العظيم شادي عبد السلام.....
لعلني يوماً أتلمس خطاك في عالم الكتابة للسينما...

*سيناريو غير مكتمل؛لأني آليت علي نفسي ألا تخرج أحداث هذه الرواية عن القطر المصري,وليس لي سوي تمني استكماله كعمل مستقل,ولن أشطح وأتمني عرضه علي الشاشة!!
«سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. 39 وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا. 40 وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضًا. 41 وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ. 42 مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ. 43 «سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. 44 وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ، 45 لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ. 46 لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ ذلِكَ؟ 47 وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ، فَأَيَّ فَضْل تَصْنَعُونَ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ هكَذَا؟ 48 فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ

إنجيل متي(من موعظة الجبل)
لا أحد يختار ، وإنما هي مشيئة السماء تتخلل الأشياء والكلمات حتى تصلنا على نحو خفي
عزازيل-يوسف زيدان



م1                                                    ل/خ

أمام معبد الرب خنوم


-ينزل رجل و صبي من قارب صيد صغير بهدوء,يشير الرجل للطفل بإصبعه أن يلزم الصمت,ويتقدما ناحية المعبد حاملين شبكة بها بعض السمك
-تنتقل الكاميرا ناحية صخرة يقف ورائها مجموعة يبدوا عليهم عدائيين,مستثارين ضد الرجل والصبي,ثم يتقدمون ناحيتهم فجأة,فيضطرب الرجل ويحمي الصبي بذراعه.
-ينقضون علي الرجل يطعنونه بوحشية والصبي والرجل يصرخان.

الرجل(صارخاً):أغثني يا يسوع من الظلمة
يلفظ الرجل النفس الأخير ويجري نحوه الطفل يحتضنه.-
الصبي(باكياً يناديه بحرقة):أبي! أبي!

قطع

م2                                                        ل/د

داخل المعبد
-يهرول الكهنة نحو النوافذ مستطلعين مصدر الصرخات

قطع
م3                                                    ل/خ

أمام المعبد

تبعد مجموعة القتلة الابن وتحمل أبيه وشبكته,وترميهما علي بوابة البيت وسط استغاثات الكنهة بالرب خنوم ولعناتهم التي يتسنزلونها عليهم
أحد القتلة(زاعقاً في الكهنة ):هذا جزاء كل من يخالف أوامر الرب ويساعد الكافرين ببشارة يسوع,هاهي الأسماك التي كان يطعمها لكم,كلوها اليوم مختلطة بدمائه
-ضحكات القتلة تختلط بلعنات الكهنة وصراخ الصبي!ثم يمضون حتي يخرجوا من الكادر وهم يترنمون
القتلة(مترنمين):المجد لك يا يسوع المسيح والموت لأعدائك

قطع
م4                                                         ل/خ

أمام المعبد

-يهرول أحد الكهنة ناحية الصبي الباكي,ويحمله ويجري به ناحية الكهنة الآخرين الواقفين أمام البوابة,يدخلون ويغلقون الباب خلفهم

قطع

م5                                                      ل/د

حجرة داخل المعبد

-لقطات مقربة للرسومات الفرعونية علي الجدار,ثم تستقر الكاميرا علي كبير الكهنة العجوز البادي عليه هم وكآبة تفيضان من ملامحه ونظراته,يدخل عليه الطفل ومعه كاهن شاب
كبير الكهنة(في حنو للصبي):هدئ من روعك يا ولدي,فقد مات أباك شهيداً في سبيل الرب,لا فرق إن كان هذا الرب هو خنوم أو المسيح,فالرحمة عند كليهما أما القساة القتلة فليس لهم دين؛لأنهم لا يرحمون.
-الصبي يبدأ بكاؤه في الخفوت احتراماً لجلال كبير الكهنة
كبير الكهنة(للكاهن الشاب):في الصباح أوصله حتي بيته,لكن غير زيك حتي لا تعرف عليك من اتخذوا جعلوا الأديان حراباً يطعنون بها بعضهم
اختفاء تدريجي
م6                                                      ن/خ

أمام جدران الأسكندرية

تظهر أسفل الشاشة من علي اليمين عبارة" الأسكندرية...بعد مرور عشر سنوات"-
-نشاهد الصبي وقد غدا شاباً,مندساً وسط الجموع المتزاحمة أمام الخيام المرصوصة الملاصقة للبوابة,تتبعه الكاميرا أثناء سيره حتي يدخل في إحداها

م7                                                 ل/د

داخل الخيمة

يخطو الشاب خطوات قليلة,ثم توقفه فجأة يد رجل أعور تظهر –
أسنانه المكسورة حين يتكلم
الرجل الأعور(آمراً في تحدٍ غير مبرر!):اخرج أجرتك أو اخرج أنت!

-يعطيه الشاب الأجرة,ثم يستلقي علي الأرض بجوارأحد الأعمدة,يمد يده في مخلاته ويخرج بلحة يأكها فيلمح رجل رث الثياب يبتسم له,فيمد يده له ويعطيه بلحات,يأخذها الرجل ويزحف ناحيته ماداً له يده بقطعة جبن.
الشاب:آسف لا تهفو نفسي للجبن
الرجل(وهو يبدو مرتاحاً لرفض الشاب!):هذا أفضل لمعدتك!,علي كل حال من أين أنت؟
الشاب:إخميم
الرجل(وهو يأكل البلح):وأنا من سمالوط,حيث كنيسة الكف التي ترك فيها يسوع المسيح(يرسم علامة الصليب)عصاه التي كان يهش بها علي غنمه
الشاب(مندهشاً):لكن يسوع المسيح لم يأت مصر إلا رضيعاً!
الرجل(مندهشاً أكثر منه):ماذا تقول يا ابن عمي,المسيح ولد بمصر وبها عاش ودفن.
الشاب (مأخوذاً):ولكن المسيح......
يقطع كلامهما دخول قس سمين,يصيح فور دخوله الخيمة الواسعة
القس:أمنحكم البركة السماوية يا خراف الرب ,كونوا قريبين من يسوع المسيح مثلما هو قريب منكم,المحبة روح الله فأحبوا إخوانكم وأقاربكم وأعدائكم.
-يصبح كلامه خلفية لهمسات الرجال حول الشاب
رجل1(ساخراً بخبث):وهل يحب سيده كيرلس اليهود؟!
-يضحك الرجال
رجل2(ضاحكاً):أجل يحبهم...يحبهم إلي درجة الموت والطرد!
-الرجال يضحكون بخفوت
يعود صوت القس واضحاً-
القس(خاتماً خطبته):تعالو للكنيسة صباح الأحد؛لتحصلوا علي البركة وتكونوا مع الرسل والقديسين والشهداء...تمجد اسمك يا أبانا الذي في السماوات!
قطع

م/8                                                  ل/د
منزل عند الشاطئ
-لقطة قريبة جداً لشباكه,تدخل منه الكاميرا,فنري رجلاً عجوزاً يقرأ في كتاب باللغة اليوناني,تدخل عليه أوكتافيا.
أوكتافيا(تكلمه كأنها ابنته):أليس من الواجب أن ترتاح يا سيدي استعداداً لسفر الغد الطويل؟
العجوز(مبتسماً بمرارة):تأخر هذا السفر الطويل يا ابنتي...سافر كل أحبائي وبقيت أنا...وحدي
أوكتافيا(تهون عليه بدلال): و أنا؟! ألست واحدة من أحبائك؟!
العجوز:منذ أن عملتِ عندي وأنا اعتبرك ابنتي
أوكتافيا(تأخذ من الكتاب وتنهضه):فاسمع كلام ابنتك إذن,وارح بدنك ولا تسهر
-يخرجان وهي تحيطه بذراعيها
قطع




م/9                                                  ن/خ
شارع الكانوبي
-نري الشاب متمشياً في الشارع مع لقطات مقربة وبعيدة لمعالمه,وتبدو في عينيه الدهشة والإعجاب,حتي يصل إلي ميدان وسط الشارع,فنسمع منادي علي حمار
المنادي(بصوت رتيب آلي):الحاكم أورستيس يدعو أهل العلم والمتعلمين إلي محاضرة أستاذة كل الأزمان,في يوم الأحد في المسرح الكبير
يتوقف المنادي ويخرج من مخلاته قنينة من الفخار مرتشفاً منها,ويمسح العرق من علي وجهه.
-الشاب يقترب منه
الشاب:أين هو المسرح الكبير هذا يا خال,الذي ستقام فيه المحاضرة؟
المنادي(في ازدراء):مالك أنت والمحاضرات أيها الفلاح؟أم تراك سمعت عن الحلوي التي يقدمونها هناك فطمعت في أخذ واحدة
الشاب:أنا لا آكل الحلوي,كل ما أريد معرفته من هي أستاذة كل الأزمان التي ستحاضر
المنادي(وقد مزج الازدراء بالتأفف):فلاح يتكلم بفصاحة ويقول أنه لا يأكل الحلوي ولا يعرف هيباتيا بنت ثيون...هذا وحق سيرابيس عجيب
-يلكز حماره وينظر للشاب شزراً.
قطع

م/10                                                 ن/خ
أمام بحر الأسكندرية
يظهر الشاب حاملاً مخلاته,وبمجرد أن تقع عينيه علي البحر من خلال فرجة بين البيوت,يهرول ناحية الشاطئ,وتقترب الكاميرا من كعبيه والأمواج تمسهما,ونري الشاب فرحاً مبتهجاً,يضحك كطفل صغير,ويخلع ملابسه ويفقز في البحر

قطع

م/11                                                  ن/د

حجرة نوم أوكتافيا

-أوكتافيا مستلقية بملل علي السرير,سارحة بهيام عاطفي.
فلاش باك
م/12                                            ن/خ

سطح المنزل
أوكتافيا جالسة مع عرافة عجوز,تهمهم بصلوات وثنية,تصمت فجأة وتنظر ناحية البحر
العرافة(في إيمان وثقة):سيحضر لك الإله بوسيدون رجل قلبك محمولاً علي أمواجه
أوكتافيا(متشوقة):متي بحق الآلهة؟
-تنظر العرافة في وجهها بإمعان.
العرافة :بعد علامتين
أوكتافيا: علامتين! أي علامتين؟
العرافة(حاسمة):ما يقال قيل!
قطغ
م/13                                              ن/خ
عودة إلي حجرة أوكتافيا
-الآن جالسة علي السرير تعبث في ضفائرها,وهي مازالت هائمة
أوكتافيا (حائرة):أي علامتين؟!
قطع
م/14                                                    ن/خ
علي الشاطئ
-الشاب يخرج من الماء منهكاً وهو يشهق, يرتمي علي الشاطئ, نصف عار,وسمرته تتألق بماء البحر
-يفيق علي صوت أوكتافيا واقفة عند رأسه حاملة سلة طعام.
أوكتافيا(بميوعة مغرية):حظك يفوق مهارتك في السباحة!
-يقف في مواجهتها
الشاب:من أنتِ يا سيدتي
أوكتافيا(ضاحكة في غنج):سيدتك؟!إنني لست سيدة أحد,أنا خادمة صاحب هذا المنزل
-تشير ناحية منزل السيد الصقلي
أوكتافيا:رأيتك وأنت تكاد تغرق فجريت لمساعدتك
الشاب:أنتِ من كنت تلوحين لي وأنا وسط الأمواج؟
أوكتافيا:أنا أيتها السمكة الشقية!
-تظهر علي الشاب خجله من جرأتها
أوكتافيا(ناظرة في عينيه بثبات):هل ستقف هنا طوال عمرك؟اتبعني و....ارتدي ملابسك
-كأنه نسي أنه عار,يضطرب ويستدير نحو مخلاته ويرتدي جلبابه
-أوكتافيا تتجه ناحية مغارة علي الشاطئ,ونري الشاب يتبعها في تردد
قطع
م/15                                                ن/د

داخل مغارة عند الشاطئ

-يدخل الشاب فيري أوكتافيا تفرغ السلة من محتوياتها,تشعر بوجوه فتتعمد الاستدارة لتواجهه بمؤخرتها,حتي تكاد تلتصق بها
أوكتافيا(بمكر):هل ما زلت متهيجاً؟
كأنه ينفي عن نفسه اتهام
الشاب(مضطرباً):تهيج أي تهيج؟!
أوكتافيا(ببراءة مصطنعة): تهيج من ماء البحر...(متغنية)ماء البحر يا مالح عند شطك أملي طارح
-يتابع الشاب حركات جسدها بشهوة
أوكتافيا:اجلس لتأكل من يدي الحلو...وازيل عنك المالح
-يجلس بجوارها الشاب,وهو يحاول إبعاد عينيه عن نهديها,تضحك بدلال وتؤكله بيدها غير عابئة باعتراضات الشاب
أوكتافيا:والآن تذوق نبيذ أوكتافيا بطريقة أوكتافيا
-تضع رأسه علي نهديها فيحمر وجهه خجلاً في استسلام واضح.
-يشرب الشاب النبيذ من يدها وهو مغمض العينين في لذة,تجفف جسده بقطعة صوف وهي تحتضنه بيدها
أوكتافيا(بهيام):المغيب اقترب,وستبرد...تعال معي نحو المنزل...تعال يا حبيبي
قطع
م/16                                        ن/خ
أمام بوابة المنزل
-أوكتافيا تشير للشاب أن ينتظر علي معبدة,تقول شيئاً للحارس علي الباب,لما يخرج من الكادر,تشير أوكتافيا للشاب خفية في مرح أن يأتي
م/17                                                ن/د
داخل المنزل
-الشاب يتأمل الفخامة مبهوراً,وأوكتافيا تضئ له الأنوار
الشاب(مبهوراً):يا لملكوت السماوات هل سيدك هذا ملك أم تاجر؟!
تحتضنه من الخلف وتلقي برأسها علي كتفيه
أوكتافيا(في شبق جنسي):لا سيد لي سواك
قطع
م/18

فوتو مونتاج
-أوكتافيا والشاب يلهوان في المنزل,تحممه بيديها وتهمس في أذنه بكلام يظهر من تعابير وجهه أننه فاحش,يأكلان مع بعضهما,تدخله مكتبة المنزل فيقف متأملاً في الكتب,يقرأ في إحداها,فتقفز عليه أوكتافيا في مرح حتي يسقطا ويقبلان بعضهما,يمارسان الحب في قبو النبيذ وتقترب الكاميرا من وجه أوكتافيا المتألم في لذة ووجه الشاب اللاهث وهو يتحرك من ورائها بسرعة,يرتجفان من الشهوة ثم يهدآن
الشاب(ساخراً بمرارة وهو يتناول كأساً):نبيذ أوكتافيا علي طريقة أوكتافيا
قطع
م/19                                            ل/د
حجرة نومهما
-أوكتافيا ملقية رأسها علي صدر الشاب,تداعب جسده
أوكتافيا:وهكذا تحققت نبوءة العرافة لما رأيتك
الشاب:وما معني العلامتين
أوكتافيا:لا أعلم معني العلامتين حتي الآن
الشاب(مداعباً):تعالي وسأخبرك
يلقي عليهما الغطاء ,تضحك أوكتافيا ضحكة داعرة
قطع

م/20                                               ل/د
المكتبة
يفتح الباب فنري شبح الشاب في الظلام,يتجه نحو مخلاته المركونة في زاوية,يفتحها ويزيح عدة كتب وأوراق,فنري زي الرهبانية,يمسكه بيده,وينظر له بألم بالغ,ويخرج صوته بلا كلام,كأنه خارج من ذاته(سيكون مسجلاً من قبل)
الشاب:جئت الأسكندرية حالماً بحذق الطب وخدمة الرب في الكنيسة!...لم أحذق إلا النوم في أحضان أوكتافيا ولم أخدم سوي شهواتي...أما كان الأجدر بالرب ألا يخلق في نفس الإنسان الشهوة...ولكن ما الإنسان إن لم يكن شهوة؟!...أغثني يا يسوع من نفسي...فهي عدوي الأول والأخير
يعيده لمكانه,ويخرج حزيناً
قطع

م/21                                                      ن/د

قاعة محاضرات هيباتيا

-لقطة مقربة علي وجه هيباتيا المبتسم في أمومة لجمع من الطلبة الصغار
هيباتيا:ليتقن كل واحد منكم دوره,وبالذات ماريا التي ستقوم بدور إيزيس وحتب الذي سيقوم بدور أوزوريس
مريم:لقد تمرنا معكِ لأيام يا أستاذة ويوم العرض سأغني لك أغنية خاصة تعبر عن حبنا العظيم لك
هيباتيا(في سعادة طفولية بريئة ضامة يديها لصدرها):حقاً؟! هل لي أن أسمعها؟
مريم:لقد أقسمت بالمسيح ألا يسمعها أحد قبلك
-تستعد مريم للغناء والطلبة يرددون ورائها ككورس
مريم:من الأسكندرية حورية اسمها هيباتيا
نحبها ونجلها ونحلم أن نكون مثلها
تتوقف مريم عن الغناء في خجل
مريم(خجلة)هذه هي! لم أستطع أن أكمل بقية الكلمات!
-يضحك الطلبة الصغار
تقوم هيباتيا وتركع علي ركبتيها وتحتضنها في حنان
هيباتيا:إنها أغنية جميلة يا مريم...وأنا أيضاً احبك يا ابنتي(متوجه لبقية الأطفال)أحبكم كلكم يا أبنائي
-يجري ناحيتها الأطفال ,يحتضونها وتحتضنهم في سعادة
-تتمالك هيباتيا مشاعرها ودموعها
هيباتيا:والآن وقت الانصراف
يجري الأطفال ناحية الباب مهللين
هيباتيا(مداعبة)علي المنزل كلكم...وخصوصاً الأولاد لا أريد رؤيتهم وأنا خارجة يتعاركون في الشارع
-يدخل عليها أحد زملائها في التدريس حاملاً أدوات الدرس الهندسي
المدرس(بمودة صداقة قديمة):ألا يكفيكي همّ وتعب تعليم الكبار؟لتزيدي همومك بالاهتمام بالأطفال ومتاعبهم التي لا تنتهي
هيباتيا:هؤلاء هم أمل مصر,لعلهم يوماً يمحون من الأسكندرية فساد آبائهم وجهلهم الذي شوه فيها أجمل ما فيها...التسامح وجعل التعصب والجهل هما هويتها
المدرس(وقد تغيرت لهجته):هيباتيا...الحق أني أخشي عليك أكثر من خشيتي علي أي شخص هذه الأيام...فمثلك في هذا الجو لن يستطيع الاستمرار!
-هيباتيا تنظر إليه في أسي
هيباتيا(في قوة وإصرار):سأستمر في رسالتي حتي الموت ولن....
-يقطع كلامها دخول طفلة صغيرة خائفة تجري نحو هيباتيا
الطفلة:حتب في الخارج ويقول لي الأشباح تنتظرك في الخارج لتأخذك تحت الأرض...أنا خائفة
-تحملها هيباتيا
هيباتيا:ألم نتعلم اليوم أن مادام الإنسان يؤمن بنفسه وبقدراته العظيمة في داخله لا يوجد ما يخيفه...وعلي كلٍ سأوصلك بنفسك حتي البيت(للمدرس)نلتقي الليلة عندي لنكمل كلامنا
تخرج حاملة الطفلة ونسمع همسات الدعابة بينهما بينما المدرس ينظر لها بإعجاب وشفقة
قطع

م/22                                                   ن/خ

عند أطلال الموسيون
-نرقب هيباتيا من عربتها أطلال الموسيون وتستعيد في مخيلتها حدث قتل والدها داخله
م/23                                                     ل/خ

أمام الموسيون
-تظهر علي الشاشة عبارة"عام 391...هدم معبد الموسيون"
(كأن مشهد قتل والد الشاب يعاد تصويره في استدعاء هيباتيا لذكرياتها)
-عوام المسيحيون متجمهرين أمام الموسيون حاملين سيوف ومشاعل والعلماء مضطربون أمام النوافذ
-تنكسر البوابة تحت وطأة ضرباتهم ويدخلون منادين اسم المسيح
م/24                                                 ل/د
الموسيون
-نري ثيون وهو يصيح في حملة المشاعل والسيوف الداخلين لحرق المسيون
ثيون(جازعاً):ماذا تفعلون يا ملاعين؟!ماذا تفعلون يا مجانيين؟!تهدمون معقل العلم؟!تحرقون بيت ربات الفنون؟!
-يحاول ردعهم وبجواره هيباتيا خائفة
-يطعنه شخص يرتدي زي الرهبان المسيحيين
هيباتيا(صارخة في حرقة):أبي!أبي!

عودة إلي

 م/25                                            ن/خ
عربة هيباتيا

هيباتيا(تهمهم في ألم):أبي!أبي
قطع

م/26                                                 ل/د
داخل كنيسة ما
إضاءة خافتة يطالعنا من خلالها ظهر الأب نسطور واقفاً يتأمل صليباً قائماً عند المذبح,ثم تتحرك الكاميرا ليمينه لنجد أباً آخر يجلس متفكراً,ونشعر بتوتر في المشهد كأنه بدأ من نهاية مناقشة طويلة
الأب:(متفكراً)إذن أيها الأب نسطور,فأنت تريد أن تكون آريوس جديد...
نسطور مازال ظهره للكاميرا متأملاً الصليب
نسطور(في سخرية مرة):كل من يحيد عن طريق القطيع يصبح مهرطقاً في نظركم,وإلا فكيف تنظمون بقية الخراف؟!...أيها الرعاة الصالحون...
يهم بالقيام وينهي كلامه أثناء سيره وتبتعد معه الكاميرا أثناء سيره عن نسطور
الأب(في قلق):لتتحقق مشيئة من في السماء علي أرضه,وليهد قلبك لما فيه المنفعة...أيها المبجل نسطور
-يغلق بوابة الكنيسة خلفه,فيحجب عن الشاشة نسطور وهو ما يزال قائماً أمام المذبح لا نري سوي خلفيته

مزج



م/27                                                 ن/د
غرفة نوم أوكتافيا والشاب
-تفتح أوكتافيا باب النافذة,فتسقط أشعة الشمس علي الشاب النائم مما يقلقه من نومه
-تندس أوكتافيا في أحضانه في شبقها المعتاد وتقول وهي تمطره بالقبلات
أوكتافيا:هيا أيتها السمكة الشقية استيقظي
ينتبه الشاب لشبقها
الشاب:أوكتافيا ألا تشبعين؟!لم أجئ اللأسكندرية لأنام في حضنك جئت هنا لدراسة الطب و....
-يبتر كلامه كأنه تفوه به بلا وعي,وأوكتافيا مازالت لاهية في تقبيله فلا تنتبه لوجله المباغت
أوكتافيا(ساخرة):الطب وماذا أيضاً السباحة؟ستكون علي يدي أوكتافيا أعظم من أبقراط وجالينوس معاً(في سخونة جنسية لا يقاومها الشاب)تعال...تعال لأحضان معلمتك
-ترن ضحكتها العاهرة
قطع

م/28                                                      ل/خ
البحر
لقطات بعيدة ومقربة تبرز صخب البحر وهياجه المنذر
م/29                                               ل/د
غرفة نوم أوكتافيا
لا يزالان مستلقيين في السرير
الشاب يبدو من تعابير وجهه أنه عازم علي أمر هام
الشاب (جاداً):أوكتافيا
أوكتافيا(مقلدة صوته الجاد في دلال):نعم يا سيدي
الشاب:إنني...إنني...مسيحي...راهب مسيحي
تنتفض من السرير مفزوعة نصف عارية,كأن حية قرصتها
أوكتافيا:كالقتلة كالذين قتلوا زوجي وبسببهم أصبحت خادمة؟!

الشاب(بين التخاذل والدفاع):وقتلوا أبي,هؤلاء ما كانوا رهباناً ولا مسيحيين أبداً,إنهم قتلة دينهم الدم لا علاقة لي بهم
أوكتافيا تبدأ في البكاء
أوكتافيا:كنت تخدعني
الشاب(مستعطفاً):صدقيني لم.....
تقطع كلامه في حسم
أوكتافيا (بطريقة مخيفة):اسمع...هي كلمة واحدة لن أقول بعدها
-تمشي وتفتح باب الغرفة,تستدير وتنظر في عين الشاب
أوكتافيا(بنفس الطريقة المخيفة): لا تريني وجهك أبداً
-يبدو عليه الخوف ويتردد في الذهاب
تسير نحوه أوكتافيا تضربه, تجذبه وتدفعه  نحو الباب
أوكتافيا:اخرج يا سافل اخرج يا حقير
-يهرول الشاب علي السلم وخلفه أوكتافيا تلقي له بملابسه ومخلاته
قطع

م/30                                                    ل/خ
عند الشاطئ
-الشاب يسير وحيداً في ضوء القمر حتي يجد المغارة التي التقيا عندها أول مرة
يدخل المغارة
قطع
م/31                                               ن/د
داخل المغارة
-الشاب نائم,مريحاً رأسه علي مخلاته
-يستيقظ من النوم مفزوعاً إثر كابوس,وسرعان ما يعود لصوابه
قطع
م/32                                              ن/خ
أمام المسرح الكبير
-نري المنادي الذي كان راكباً حماره واقف يعلن عن المحاضرة
المنادي:علي العالم والمتعلم أن ينتهز فرصة سماع أستاذة كل الأزمان,هيباتيا بنت ثيون,المحاضرة بعد ساعة,ادخل أيها المصري وتعلم...ولتتعلم كيف تتعلم!
-يدخل الشاب
قطع

م/33                                            ن/د
المسرح الكبير
-نري هيباتيا داخلة بجلال لتعتلي المنصة,وسط تصفيق من الجمهور الغفير,نري من بينهم الشاب يشاركهم التصفيق
-تبدأ هيباتيا بالكلام,لكننا لا نسمع ولا نري سوي هيام الشاب بها,وتركيزه الشديد معها ناسياً كل ما حوله
هيباتيا(منهية محاضرتها):....وبذلك نصل إلي أن الحقيقة ليست فقط هي ما يتبناه العقل ويعتقد في صحته,بل هي قبل ذلك ما يموج في باطن الإنسان ويصدقه قلبه,وتشعر به روحه كمطلق لا متناهي...الحقيقة هي ما في باطنك...فقط انصت لذاتك,وستصير عالماً وفيلسوفاً دون قراءة كلمة واحدة!...والآن تنتهي محاضرتنا الفلسفية لنعود بعد ساعة لمحاضرتنا الرياضية,والكل مدعو بالطبع,علي شرط أن يكون دارساً للرياضيات كي لا يكرهها ويكره نفسه ويكرهني أيضاً
-يقهقه الجمهور,ثم يخرج معظمهم ويبقي قلة من بينهم الشاب,يتجه بعضهم نحو الصفوف الأولي التي أصبحت فارغة والآخرون نحو مائدة الحلوي.

-يتابع بعينيه هيباتيا وهي بجوار أورستيس الحاكم,حول طاولة متألقة بالحلوة,وهما وسط أناس متأنقين يأكلون وسط المجاملات والابتسامات.
هيباتيا:جميل أن يكون الحاكم متعلماً
أورستيس:والأجمل أن تكون معلمته هيباتيا
-تثير الحلوي شهية الشاب نحو الطعام,يهم بالقيام لكن يغلب عليه الإحراج بسبب مظهره الرث,وخاصة حين يري فتاة من علية القوم تنظر إليه بغرابة ممتزجة بإنكار,فيخرج من مخلاته بحلة ويأكلها
-تعود هيباتيا نحو منصتها وتنظر للشاب في ترحيب
هيباتيا (مبتسمة):الصف الأول به أماكن فارغة,لا داع للجلوس في الخلف وحيداً,تعال...
الشاب(خجلاً):شاكر لرحمتك يا سيدتي,لكنني مرتاح هنا
-نري ملامحها تشكل تعابير الاستغراب لتجعله استغراباً بنكهة أتثوية محببة ممتزج بحب الفضول
هيباتيا:"شاكر لرحمتي"...ألفاظك غريبة مثلك أيها الأخ الغريب
الشاب:إنني من الجنوب سيدتي المبجلة
هيباتيا(مداعبة):مدينة الإسكندر ترحب بك

قطع
م/34                                                 ن/د
أمام بوابة المسرح من الداخل
-هيباتيا وسط حشد من صغير من الطلبة,يتناقشون,نري الشاب يتقرب منهم حتي يصير بجوار هيباتيا
الشاب(مندفعاً بلا مناسبة):لقد أتيت لدراسة الطب,ومن اليوم لن أفوت لكِ محاضرة,ليتنا نستنسخ منك مليون نسخة أيتها المعلمة ليسير كل طالب علي دربها
تضحك هيباتيا لحماسه,فيبتهج الشاب لضحكها
هيباتيا:شكراً لك يا أخي...هذا يعني أني سأراك يوم الأحد القادم
الشاب:ليت هذا اليوم يجئ فوراً
-تربت هيباتيا علي كتفه في حنو,ويأتي أحد الطلبة بمخطوط يسألها عن مسألة فيه,فتنشغل عنه,ثم تنزلق يدها عن كتف الشاب المأخوذ بملامستها له
قطع

م/35                                             ن/خ
كنيسة القمحة
لقطة بعيدة للكنيسة نري منها عدة صوامع,ورهبان يخرجون ويدخلون كأنها خلية نحل
قطع


م/36                                                    ن/د
كنيسة القمحة
يجلس الشاب وعلي يمينه راهب في جو من الألفة
الراهب:قضيت هنا أياماً قليلة لكنك دخلت قلبي في أيام أقل
الشاب:هذا نفس شعوري
الراهب:إنك طيب القلب يا أخي,ولولا غشاوة الحزن علي عينيك لكانت طيبتك هذا في مرآة عينك
-الشاب يسمع سارحاً,ويهم الراهب بالقيام
الراهب (مبتسماً):أتركك الآن مع شرودك,وغداً أمر عليك لنسمع معاً خطبة البابا كيرلس
الشاب(ببراءة):لكني أنوي الذهاب لمحاضرة هيباتيا
يتفاجأ الراهب
الراهب:(بصوت عال):ماذا هيباتيا؟!(يتدارك نفسه كي لا يسمعه أحد)هل جننت؟!تترك البابا وتذهب لتلك الشيطانة الساحرة(بلهجة محذرة)سأعتبرك تمزح ولن أخبر أحداً بما قلته للتو,وغداً أراك وسط الحاضرين في الخطبة!
-يخرج الراهب من الكادر وتقترب الكاميرا من وجه الشاب الخائف
-يدخل من خلف باب عليه ستائر راهب عجوز قصير عليه سيماء المكر,وتتبعه الكاميرا حتي يقترب من الشاب الذي يضطرب لظهوره فجأة
الراهب المسن(كأنه أفعي تفح):عد أيها الجنوبي لبلدك اليوم قبل الغد,لا مكان لك في الأسكندرية...
-يزداد خوف الشاب ويبتعد عنه ويخرج من الكادر,بينما الراهب يشيعه بغِل ومرارة

قطع


م/36                                             ن/د
المسرح الكبير
-هيباتيا تداعب الجمهور بخفة دمها
هيباتيا(مداعبة):والآن أيها المشاهدون الأعزاء نقدم لكم المسرحية التاريخية(إيزيس وأوزوريس)بطولة نخبة من فنانين الأسكندرية الصغار
تشير لباب صغير,فيخرج منه الصغار ويستعدون للتمثيل وسط تصفيق الجمهور,تجري هيباتيا بخفة نحو مقعد شاغر,تصفق وتشير مشجعة لمريم الخجلة,فتتشجع مريم ويبدأ التمثيل,وابتسامة هيباتيا في تألقها
م/37                                                   ن/د
كنيسة القمحة
يظهر من المقصورة كيرلس بلباسه الفخم,وهيئته السلطوية,وبجواره تمثال للمسيح الدامي في حالة خضوع علي الصليب فيهتاج الحاضرون لظهوره,تنتقل الكاميرا لنري الشاب,يلقي نظرة علي كيرلس ونظرة علي التمثال,ونسمع صوت نفسه
صوت نفس الشاب:هل ضحي المخلص بنفسه علي الصليب من أجل ملكوت السماوات,لينال البابا ملكوت الأرض؟َ!
-يُهدئ كيرلس الجمع بإشارة من يده,فيصمتون,ويخطب فيهم في لهجة تحريضية
كيرلس:يا أبناء الرب,يا أهل مدينة الله العظمي التي استقر بها مرقس,وسال علي أرضها دماء الشهداء,وأرست دعائم الديانة,ما زال بينكم ذيول الوثنية النجسة,تريد طمس نور الرب,وإقامة معابد الأوثان,يريد الوثنيون إعادة مدرستهم التي تبث في عقول الناس الضلال,وعودة اليهود بعد أن طردناهم,لكنهم جهلوا وجود جنوداً للرب سيمنعونهم ويبددون أحلامهم المريض,جنود يتبعون قول مسيحهم"ما جئت لألقي في الأرض سلاماً,بل سيفاً"
يهتاج الجمع ويصخب
كيرلس(محرضاً في كراهية):ما جاء ليلقي في الأرض سلاماً بل سيفاً!
يخرج صوت من شخص لا نراه يصيح
الشخص:بعون السماء سوف نطهر أرض الرب من أعوان الشيطان
يخرج الناس في هياج مجنون وراء جماعة من الرهبان ويتبع الشاب في أسف وتردد,وقبل أن يخرج يتوجه ببصره ناحية كيرلس الذي يراقب خروجهم في ارتياح وتشف
قطع

م/38                                                 ن/خ
أمام المسرح الكبير
-يسير جمع الرهبان مع الناس الصاخبين,ويتصادف وصولهم مع خروج هيباتيا وسط تلاميذها الصغار الضاحكين
راهب1(زاعقاً في الجمع):لقد ساق الرب لكم كبيرة الشياطين,هيباتيا بنت ثيون,فلتحققوا فيها وعد الرب
-يركضون نحوها,بينما هي تبعد الصغار الباكين من مشهد الناس المسلحين لداخل المسرح,عدا مريم التي تتعلق بها,لكن هيباتيا تدفعها بخشونة صارخة فيها
هيباتيا(صارخة):إلي الداخل يا مريم!إلي الداخل!
يشدها أحد الرهبان من شعرها,ويتلذذ برؤيتها تتألم
الراهب(في تشف):عاهرة الوثنية أخيراً في يدنا
يندفع الناس,فيمزقون ثوبها حتي تصير عارية,ثم تنهال علي وجهها وجسدها الضربات,ولا ينفض الناس عنها إلا وهي مضرجة بدمائها,ممددة علي الأرض,عارية الجسد الذي أصبح كتلة من الدماء والكدمات
-الصغار يبكون ويصرخون.
قطع




م/39                                               ن/خ
أمام البحر
-الأمواج صاخبة والسماء تمطر
-نري الشاب واقفاً يرتعد ويبكي,ويستعيد في مخيلته مشاهد عذاب المسيح علي الصليب,تتداخل مع عذاب هيباتيا التي تنتقل لها الكاميرا,وهم يسحبونها علي الشاطئ
أحد الناس:هلموا لنمزق جلدها علي صخور الشاطئ الحادة
يعودون بها فيمرون علي الشاب التي تلتقي عيناها به فتمد له يدها
هيباتيا(وهي تحتضر):انجدني يا أخي
يحاول الشاب أن يمد يده ,وفجأة ترتمي علي هيباتيا امرأة وهي تصرخ لحمايتها,يعاجلها أحد الكهنة بضربة علي رأسها فينفجر الدم منها بغزارة,تنقلب علي وجهها عند قدمي الشاب فنجدها أوكتافيا.
-الشاب يصرخ بكل قوته ويركض مبتعداً ومن خلفه نري جثة أوكتافيا الهامدة,والكهنة مازالوا يسحبون هيباتيا المتألمة,وتثبت الصورة بأسلوب إخراجي جمالي كأنها لوحة مرسومة,تتوسطها الآية الإنجيلية"شمسُ الله تُشرقُ على الأبرار و الأشرار"
تثبيت
استراحة منتصف الفيلم
الجزء الثاني سيبدأ من وقت الخروج من مصر و سيتخذ فيه الشاب اسم"هيبا"وفيه ذكر ما جري مع نسطور ومارتا وأحداث أورشليم وحلب,حتي وقت الخروج من الدير"مع شروق الشمس حراً.... "...لكن ليس في هذا المكان,بأمر من شهرزاد!


الحيوة الرابعة
الأزهري...والفرنسية

 "يا أيُّها النّـاسُ إنّـا خَلقْناكُمْ مِنْ ذَكَر وأُنْثى وَجَعلْناكُم شُعُوباً وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكُم عِنْدَ اللهِ أتْقاكُمْ ، إنّ اللهَ عَليمٌ خَبيرٌ"
 قرآن كريم-سورة الحجرات
"إن بلادنا لابد أن تتغير أحوالها,ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها"
الشيخ حسن العطار
"وهي أولي سني الملاحم العظيمة, والحوادث الجسيمة, والوقائع النازلة, والنوازل الهائلة, وتضاعف الشرور, وترادف الأمور, وتوالي المحن ,واختلال الزمن, وانعكاس المطبوع, وانقلاب الموضوع وتتابع الأهوال, واختلاف الأحوال وفساد التدبير, وحصول التدمير, وعموم الخراب ,وتواتر الاسباب. وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون"
الجبرتي
"كانت أيامي في مصر هي أجمل أيام في حياتي وأعظمها مجداً وعنفواناً...وتظل مصر في رأيي هي أهم وأجمل بلد في العالم"
نابليون بونابرت
يسخط المهندس شريف علي كافة المواقع العلمية العربية,لا تعدو مجهوداتها الترجمة بعد تشويه الفكرة,ثم يعود ويدرك أنها رحمة,مقارنة بالجروبات الفيسبوكية التي تزعم اهتمامها بالعلم,وخاصة المصرية منها!نصف أعضائها يعتقد أن مصطفي محمود عالماً,والربع يعتقده عالم ومفكر,والربع الأخير محشور في ثقب إبرة بين ثنائية العلم والدين,وطبعاً العلم عندهم مصطفي محمود مرة أخري,وبالتالي فالدين هو الشعراوي!يصيبه الغثيان كلما قرأ أسئلتهم الساذجة ونقاشاتهم المضحكة,ثم يعود ويستحي من نفسه فرغم كونه مهندساً إلا أن الفنيين يفهمون أكثر منه,ويعرف جيداً أنه ليس إلا حمارا مقارنة بمهندسي العالم المتحضر,ولازال كابوس الأسبوع الماضي جاثماً علي صدره.رأي نفسه وسط مصنع ألماني عارياً وسط مجموعة مهندسين أوروبيين من جنسيات محتلفة,وعلي مؤخرته شهادته من الجامعة المصرية,أخرج ريحاً من دبره فطارت في الهواء ثم ارتطمت بوجهه, وقام مفزوعاً بعد أن أدخلوه فصل حضانة وهو في سن الأربعين ليتعلم من جديد وقبل أن تضربه المدرسة لأنه لا يردد ورائها مع الطلبة للمرة الألف "this is a bag"كما كان يردد في طفولته التعسة,فصرخ"يا أولاد الكلب,ألم يهُن عليكم إدخالي مدرسة أجنبية محترمة فأدخلتوني مدرسة مصرية,لعن الله أباكم أجمعين!!!"مع ذلك يشارك المهندس الحمار-كبقية خريجي "الحمار خانة"الشهيرة"بوزارة التربية والتعليم"-كتاباته الساذجة عن العلوم في الإنترنت,وهذا هو عذاب أن تعرف سوء ما أنت فيه ولا يزيدك هذا إلا غرقاً في السوء...وللمصريين ضعفين من السوء!
بعد أن كتب المقال التالي توقف ليسأل نفسه"متي بدأت مصر حداثتها بالضبط؟...التي ارتدت عنها لظلام الهوانِ علي يد أولاد الزواني":
يقين...إلي حين!
الكون الذي قُدر للإنسان المعاناة فيه ومعه,يمتلك لساناً ولغة,يجاهد الإنسان لسماعه وتفسيره,يقول البعض أنها ذات اللغة التي يتحدث بها الخالق نفسه,وهي لغة ليست خادعة ولا مراوغة ولا مجال للتأويل فيها,إنها أرقي أنواع اللغات وأكثرها وضوحاً وتجريداً,إنها عقل الله في مذهب علماء الكونيات والطبيعيات وكل من يحاول التواصل مع الظواهر الطبيعية من حوله,إنها لغة البديهيات العقلية التي لا يستطيع الإنسان أن يقول عكسها,كأن ينكر أن 1+1=2أو أن كل كميتين تساويان كمية ثالثة لابد أن يكونا هما ذاتهما متساويين...الرياضيات!
فماذا لو ظهرت أزمة لا تجعل من الرياضيات علم ثابت,وتكشف كم يمكن للإنسان أن يخدع في تصور يقيني لا يقبل الشك؟هذه الأزمة ظهرت فعلاً في القرن التاسع عشر,وعرفت باسم"أزمة اليقين الرياضي"
قبل الميلاد بثلاثمائة عام,ولد إقليدس صاحب الهندسة الإقليدية,التي ظل العالم لقرون يبني عليها كل اعتقاداته الهندسية,وزاد إيمان الناس بها لما اعتمد عليها نيوتن في نظرياته,قبل أن يجئ آينشتاين ليصنع نموذج(براديجم)علمي جديد عن فيزياء الكون بزلزاله المعروف بنظرية النسبية,آينشتاين اعتمد علي هندسة ريمان الذي فعل بإقليدس ما فعله آينشتاين بنيوتن.
لنفهم أكثر سيرورة العلم لنأخذ لمحة بسيطة عن رؤية بوبر وتوماس كون حول كيفية تطور العلوم ومساراتها لتصل في النهاية إلي نتيجة مقبولة منطقياً. مشكلة ملغزة ولغز مشكل هذه الحياة,عاني الإنسان طوال حياته ليتفاهم معها,ولما وصل لدرجة من المعرفة أهلته نوعاً ما أن يتواصل مع الظواهر من حوله,ويعرف بعضاً من تاريخه التطوري المدهش,وبصرته بعين واحدة بما تحمله نفسه العجيبة,أصبحت تلك المعرفة نفسها مشكلة,وأصبح العلم يمثل علماً في حد ذاته فظهر علم الابستمولوجيا أو علم المعرفة,والميتودلوجيا أو علم المناهج التي من خلالها يتم التأسيس للعلم.
قال أفلاطون أن العلم هو"كل صادق ومبرر",ومن يومها وكل العلماء يحاولون إثبات صدق نظرياتهم وتجاربهم,وتبرير النتائج التي وصلوا إليها,فنشأ جدل لا حل له بين الباحثين في علم العلم ومناهج المناهج!!حول الطرق التي يمكن الحكم من خلالها علي تلك النتيجة بأنها علم أو لا علم,صادق ومبرر أم يمكن تكذيبه ودحضه.
الذات+الحواس+العقل+الخبرة+المادة موضوع البحث,هذه هي أعمدة العلم الرئيسية,كل هؤلاء يمكنهم تأمل المادة التي هي موضوع البحث والخروج منها بنتيجة منطقية.
ولو سلمنا بالرأي الذي يقول أن المعرفة تحل المشكلات وتجعل الحياة أوضح,سنجد أنفسنا أمام مشكلة حل المشكلة وهي أسئلة من نوعية:ما هي المعرفة؟متي يعرف الإنسان؟كيف يعرف؟وماذا يعرف ليعرف؟وهل في إمكانية الذات الإنسانية في الأساس أن تصل لمعرفة أو حقيقة؟,أو سلمنا بأن المعرفة تزيد عدد المشكلات أمام الإنسان وتجعل الحياة أكثر صعوبة من ذي قبل فسنكون أمام ذات المشكلة أما لو رددنا مع تيمون الشكاك"أنا لا أدري ولا أدري إنني لا أدري" حينها سنكون.... أمام نفس المشكلة!فهو وصل لمعرفة أيضاً ألا وهي إنكار المعرفة!
الحق أن هذا الأمر صعب وعويص وغير مفهوم علي الإطلاق,وكل تاريخ العلم وطرائق إنتاج المعرفة سقطت باكية تحت قدمي قصيدة إيليا أبي ماضي "الطلاسم" بعدما سمعتها وتحيرت في أسئلتها الوجودية ورددت معه"أتمني أنني أدري ولكن...لست أدري!"لكن ما دامت أعمدة العلم الرئيسية قائمة في الحياة,سيظل كفاح الإنسان في السعي للتحصيل لا يهدأ مهما كانت الصعاب التي تواجهه وعلي رأسها ما قبل الميلاد وما بعد الموت!!ستظل العقول الإنسانية تفكر وتفكر في كل جيل متأملة في الماضي آملة في مستقبل جديد تكون فيه الاستنتاجات العلمية أكثر تأكيداً وأقوي حجة,وهكذا...فلا ارتاح بال الإنسان!!!
من الناس الذين لا يرتاح لهم بال فيلسوف كتب سيرته الذاتية تحت عنوان"بحث لا ينتهي"!كارل بوبر صاحب كتاب"منطق البحث العلمي"الذي وضع فيه رؤيته للطريقة التي يتمكن بها عقل الإنسان من الوصول لنتيجة ما مبنية علي آليات معينة,فهو ينقد وينقض مبدأ الاستقراء الذي يعتمد علي الملاحظة والمعطيات كالمثال الذي قدمه بيكون الذي عاش في عصر شكسبير العظيم,ولسبب التشكيك في وجود شخصية شكسبير أصلاً,اعتقد البعض أنه هو نفسه من كتب تلك المسرحيات الخالدة باسم مستعار وهو "شكسبير"!!عن حبات العنب,يعترض بوبر علي ذلك فعنده أن النظرية هي ما تسبق الملاحظة فلا يمكن أن يبدأ العلم من الملاحظة فقط,والعلوم الحديثة في بحوثها تظن أن الإنسان أصلاً يولد و في مخه بقايا تجارب لحياة سابقة!فلا يمكن للعلم أن يبدأ من مجرد ملاحظة بلا أي تصور سابق.ويعتبر الفيلسوف الشهير رسل مبدأ السببية المرتبط بمنهج الاستقراء أحد مبادئ العلم تماماً كالاعتقاد في سيادة القانون.
والمحور البارز في فهم بوبر للابستمولوجيا هو مبدأ الدحض والقابلية للكذيب,و العلم,فلا يمكننا التيقن أبداً من نظرية أو قانون ما والمثال علي محاصرة كل الفروض بهذا المبدأ حتي يبقي في النهاية فرض واحد يتم التحقق من صحته,فيبدأ الخط البحثي من التكذيب حتي التحقق من الصدق.وأيضاً نظرية التخمينات الافتراضية في ذلك قوانين نيوتن التي كانت بمثابة يقين ثابت عند العلماء حتي جاء إينشتاين بزلزاله النسبي الشهير وأثبت خطأ عدد من فرضياتها وصحهها.ثم يميز بين الكشف والتبرير فيما يسميه"منطق الاختبار العلمي",ربما ينحو بوبر نحو الاعتماد علي الخطأ قبل الصواب في الطريقة التي ينمو بها علم الإنسان فهو يقول"يمكن للمعرفة أن تنمو,ويمكن للعلم أن يتقدم فقط لأننا يمكن أن نتعلم من أخطائنا"وهو درس بشري عام لا يرتبط بالمناهج العلمية المعقدة فحسب,بل نري صدقه في الحياة اليومية البسيطة,ثم يقرر فلسفته مكملاً"فالطريقة التي تتقدم بها المعرفة للإمام,بخاصة معرفتنا العلمية,تتم عن طريق توقعات غير مبررة وغير قابلة للتبرير,وتخمينات وحلول مؤقتة لمشكلاتنا,وحدوس افتراضية,هذه الحدوس الافتراضية تخضع للنقد أي تتعرض للتفنيدات التي تنطوي علي اختبارات نقدية حاسمة.وربما تجتاز هذه الاختبارات,لكن لا يمكن تبريرها علي نحو إيجابي مطلقاً,أي أنه لا يمكن النظر إليها بوصفها صحيحة بشكل يقيني أو حتي محتملة"وهنا نتذكر عبارة ديكارت"منذ سنواتي تلقيت كماً من الآراء الخاطئة علي إنها حقيقة,وكان علي أن أتخلص من كل تلك الآراء التي تلقيتها...إذا كنت أريد تأسيس شئ صلب وثابت في العلوم"
قام سكوليموفسكي بوضع عدة أسئلة وأجاب عليها مرة من وجه نظر الوضعية المنطقية التي تأسست علي يد جماعة فيينا التي ارتبط بها وتبنت منهج الاستقراء ومرة من وجة نظر بوبر الذي ارتبط اسمه باسم تلك الجماعة التي شتتها السياسة والحروب وقتل زعيمها شليك صديق آينشتاين ورسل علي يد طالب نازي:
1-ما الذي يجب علينا أن ندرسه لنفهم العلم؟
الوضعية:تركيب العلم
بوبر:نمو العلم
2-ماهي نقطة البداية في أبحاثنا؟
الوضعية:الملاحظات
بوبر:المشكلات
3-ما هي وحدتنا التصورية الأساسية؟
الوضعية: قضايا البروتوكول
بوبر:الفروض المؤقتة
4-كيف يتم اكتساب المعرفة؟
الوضعية:الاستقراء
بوبر:التخمين الشجاع المتبوع بالنقد
5-ما هي أسس المعرفة وهل توجد معرفة لا يمكن الشك فيها؟
الوضعية:تتكون المعرفة من الوقائع الأساسية المعطاة لنا من خلال الخبرة المباشرة ويمكن التعبير عنها من خلال قضايا البرتوكول.
بوبر:لا يوجد أساس ثابت للمعرفة,فكل معرفة هي معرفة مؤقتة
6-كيف يمكن تمييز المعرفة العلمية من المعرفة اللا علمية؟
الوضعية:بمبدأ قابلية التحقيق للمعني
بوبر:بمبدأ التمييز الذي يميز النظريات العلمية القابلة للتكذيب والنظريات غير العلمية الغير قابلة للتكذيب.
بتلك الأسئلة يحاول سكوليموفسكي عرض جوانب الاختلاف بين بوبر والوضعية المنطقية.
اتخذ توماس كون من التاريخ مجالاً لفهم كيف تنمو المعرفة فأنتج كتابه"بنية الثورات العلمية"ومن العنوان يمكننا أن نفهم كيف رآها!يتصور كون وجود نموذج ارشادي في كل عصر دعاه"البراديجم",ويتلاقي براديجم مع مقصد بوبر بأن كل معرفة مؤقتة,فبتغير الزمن يتطور إدراك الإنسان للعالم والعلم,وليس هناك أفضل من نموذج نيوتن/آينشتاين مرة أخري,فتاريخ العلم عند كون هو الجولات التي تصارعت فيها النظريات والأفكار والمناهج العلمية,وكل نقلة علمية إنما هي ثورة وقفزة نحو الأمام بلا اعتماد علي التراكمية في العلم,فنحن هنا أمام عملية إزاحة لبراديجم قديم لحساب براديجم جديد تصوغه عقول تالية بأدوات مغايرة للأجيال السابقة,فلعقود طويلة اعتقد الناس أن الأرض هي مركز الكون هذا براديجم,حل محله براديجم جديد(الشمس هي مركز المجموعة الشمسية والأرض مجرد كوكب يدور حولها)وهكذا يتقدم العلم كل فترة.يتفق مرة أخري مع بوبر في مبدأ التكذيب والتحقق.
كلاهما مثلا فصل هام في تاريخ العلم,رغم كونهما خصمان يود يري واحد فلسفة العلم من زاوية والآخر يراها من زاوية أخري,لكن الأكيد أن هناك زوايا لا حصر لها لرؤية العلم...لرؤية أي شئ في العالم!

في القرن التاسع عشر وعبر سلسلة من العلماء تم إثبات هندسة أخري غير هندسة إقليدس,فنشأ عنها ما يعرف باسم"أزمة اليقين الرياضي"أي لم يعد فهم الإنسان للغة الكون وعقل الله أمراً يقيناُ,بل عرف العقل البشري بأن الكون هو الآخر مراوغ وإشاراته ليست صادقة لحد بعيد,المفارقة العجيبة هنا أن اكتشاف الهندسة اللاإقليدية ظهرت في سبيل إثبات الهندسة الإقليدية كهندسة واحدة صمم بها الكون !!
لم تعد مجموع زوايا المثلث 180درجة في هندسة إقليدس,قد تكون عند ريمان أقل أو أزيد!مسلمات إقليدس وبديهياته تم التشكيك علي يد مجموعة من علماء الرياضيات,مثل ساكيري,لوباتشفسكي الذي أملي تفنيداته الهندسية في آخر حياته وهو أعمي,جون بولياي,جاوس الذي لم ينشر آرائه,خوفاً من"صخب البيوتيانيين"هم سكان مقاطعة بيوتا في اليونان,كانوا مضرب المثل في الحمق والغباء,قصد بهذ التعبير خوفه من أبناء عصره الجامدين الذي لا يقدسون القديم ويقدمون النقل علي العقل!!!!بني ريمان فروضه الهندسية علي أعمال جاوس في السطوح المنحنية,وبني آينشاين نسبيته علي الهندسة الريمانية!هؤلاء وغيرهم هم مؤسسو الهندسة اللاإقليدية,أي أنهم حداثيون بإعمالهم العقل دون الاعتبار لما قاله السلف,وتصميم نماذج جديدة لا تعترف إلا بتجربتهم وملاحظاتهم,وليست قائمة علي تجارب وملاحظات آخرين اكتسبت قدسية بمرور الزمن واعتقاد الناس أنها صحيحة فقط لأنها قديمة,ومن يتبني هذا الاعتقاد أحد البيوتانيين الذين يثيرون الصخب,كلما جائهم مفكراً يعيد تأسيس المعارف والتصورات في الأذهان!-ننبه أن الهندسة اللاإقليدية لم تسقط هندسة إقليدس,إنما صاغت هندسة جديدة بنسق إكسيومي مغاير,أثبتت صحتها النظرية والعملية.-
من التعبيرات الأوروبية البارزة في تاريخ الحداثة,تعبير لم يتخذ من الأدب أو الرسم مادته,بل كان تعبير اتخذ النار وسيلة,في مشهد رمزي خلده التاريخ,وقف باراكيلسوس أحد أشهر الشخصيات الطبية في العصور الوسطي,وعاد مرة أخري للعصر الحاضر في قصة من قصص بورخيس,في ساحة المدينة,حاملاً كتب جالينوس وابن سينا,ووسط الناس الذين تجمعوا حوله,وضعها علي الأرض وأشعل النار فيها,بعد أن خطب في الناس شارحاً لهم أن هؤلاء القدماء ليسوا أفضل من المعاصريين,ولا يعرفون أكثر منهم,والمعارف العلمية لا تستقي من النصوص ومن قال فلان وعلان,تستقي من التجربة والملاحظة,فالطب تجارب وليس عادات وتقاليد,وأعمال هؤلاء كأي عمل بشري في الدنيا,ليس معصوماً من الخطأ,بل الخطأ وسوء الظن هو الأساس!وسمي نفسه بهذا الاسم لأنه يعني"فوق كيلسوس"وكيلسوس صاحب موسوعة علمية كانت تدرس في العصور والوسطي وما بعدها,كأنه يقول,أنا فوق كيلسوس وفوق كل قديم لأني رجل يفكر ولا يعتمد إلا علي ما يقوله عقله,ضارباً بكل ما ينافي العقل عرض الحائط,وهو أيضاً أو من بدأ يدرس باللغة الألمانية,تاركاً اللغة اللاتينية الرسمية لبقية الجامعات وانفرد بلغة الشعب,فكان أحد رموز الحداثة الثورية,في عصور الظلمات السوداء.
الإنسان خلاق بطبعه,لذلك جاءت الحداثة الأوروبية فعل طبيعي علي الرجعية والدوجماطيقية الجاهلة التي سيطرت علي الكنيسة,التي كانت تسيطر علي أوروبا قبل عصر الأنوار,المُنتج لعقول التحديث والحداثة,لو تم الحجر عليه بأي دعوي سيكون رد فعله عنيف جداً,كعنفه ضد الكنيسة والدين اللذين تحولا لعدوان للعقل والعلم,للأسف يعيش الشرق عصور ظلام شبيهة بتلك التي عاشتها أوروبا,يزيد من حدة الأسف أن وسائل الاتصال والمعرفة والتقارب الحضاري-التي ظهرت نتيجة للحداثة الأوروبية –لم تجعل لأحد حجة أن يظل في الظلام بينما مفتاح النور تحت أصابعه علي هيئة أزرار كمبيوتر الذي ينبعث من شاشته,مقروءً أو مرئياً أو مسموعاً,بلا أي جهد يذكر,ورغم ذلك لو استخدمها الشرق اليوم لا يستخدمها إلا في الهراء ونشر التخلف والغيبيات والتغييب!!
ما بعد الحداثة ترتيب طبيعي للحداثة,واليوم يتم الحديث عن "بعد ما بعد الحداثة"!لقد انفلت العقل من العقال,وأصبح الشك هو القاعدة واليقين هو الاستثناء,بل ربما يكون اليقين له ضرر يفوق ضرر الشك وعذاب الحيرة,اليقين في يشبه القبر سكون وموات لا حركة فيه...فلو كان أي بناء رياضي معقد متكامل سنجد فيه علي الأقل برهان ناقص أو متناقض,والرياضيات هي أسس المنطق الإنساني,فما بالنا بالنصوص التي تخضع للتأويل وللزمن وللمؤلف...,.....,.....,....التي تحولت لقبر متعفن يسكنه أشباح بشعة كشبح اليوم المسخ المجنون داعش,لكننا نعتبر الإيمان هو المنتهي,لا يهم موضوع الإيمان نفسه!!!بينما حداثة الغرب وما بعدها,تدور في فلك السعي لما هو في خير الإنسان ويناسب عصره...وهذا هو ما نحتاج إليه!!
طالما أن اليقين مفقود,فكل شئ يخضع للتجربة,وما تؤكد التجارب صحته يكون هو الصحيح...حتي حين!!

المفارقة التي لم يعرفها شريف أن أحد جدوده من حوالي مائتي عام كان شاهداً ومدوناً علي بداية الحداثة المصرية! للأسف يومياته التي كتبها كشهادة علي زمن الحملة الفرنسية,لم تر النور أبداً؛لأنه لا أحد يعرف بوجودها أصلاً!وقد جاء يوم نشرها لتكون شاهدة ومبشرة ونذيرة,شاهدة علي زمن دخول العقول مع البارود والعلم مع المدافع والمطبعة مع البندقية,والمجمع العلمي مع تخطيطات السياسات الأوروبية في آخر القرن الثامن عشر, في صدمة مزلزلة للوجدان المصري آثارها باقية لليوم,ومبشرة بنور كنور الغرب لو سلكنا دربه وبعلم كعلم أهل العلم في زمننا,ومنذرة من انسلاخنا من هويتنا المصرية الفرعونية المطعمة بدعائم يونانية ورومانية بلسان عربي مبين في طريقنا لسلوك درب النور علي الطريقة الأوروبية المذهلة!
اليوميات بين ما فات والآت

توطئة للكلام....
الحمد لبارئ اليد,المُقسِم بالنون والقلم وما يسطرون,العليم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم,خالق كل هذا لصنعة الكتابة,أشرف الصناعات وأتم الاعتبارات,وصف رب الملائكة,الملائكة أنهم"كراماً كاتبين",له الحمد؛لأنه أورثني ما علمه لجدي فتفضل علي أهل السماء بعلمه الأسماء كلها,و علي جعلي بعين ويد وعقل,فأكتب دون وسيط ولا عويل أ ُملي عليه لآفة العمي أو العجز,الحمد لله ربي خالقي في أحسن تقويم,من تعجز الألفاظ علي الإحاطه بذاته,فكيف نصف بالشئ,من ليس مثله شئ,والصلاة والسلام علي النبي العدنان المصطفي سيد الأنام,محمد الذي في نفسي شمسين وقمرين.

محمد سيد الكونين والثقلين و         الفريقين من عُرب ومن عجم
مولاي صل وسلم دائماً أبدا           علي حبيبك خير الخلق كلهم
يارب بالمصطفي بلغ مقاصدنا        واغفر لنا ما مضي يا واسع الكرم
وليس هناك مدح بعد مدح مولانا البوصيري أنار الله قبره ووقاه عذابه,وسمع دعاؤه حين دعا:
والطف بعبدك في الدارين إن له           قلباً متي تدعه الأهوال ينهزم
اللهم الطف بي معه فأنا عبدك,ولي مثله قلباً متي تدعه الأهوال ينخرم.
بالكتابة نويت أن أفرج عن نفسي بتسجيل يومياتي في بر مصر,بعد دخول الفرنسيين للقاهرة يومي هذا الذي أكتب في مغربه,بعد هزيمتهم للماليك الملاعين في فترة ساعة إلا ربع!!!بتشكيلاتهم العسكرية المنظمة وأسلحتهم المتطورة,وقدرتهم علي الضرب والنزال,فولي إبراهيم بك مراد بك ومن معهما أدبارهم للفرنسيين ووجوهم نحو الهرب تاركين البلاد التي استعبدوها بلا معين غير المعين وكفي به معيناً,قبل ذلك كان الأمراء-مجهولي الأنساب عبيد الأسياد, المتأمرين علي المصريين!!!-"لو جاءت كل الإفرنج ما يقفوا قبالتنا وبالخيول ندوس أعناقهم"!ولا حول ولا قوة إلا بالله.
مذ ورود أخبار ورود الفرنسيين وأنا أتمثل قول جل من قائل:"وتري الناس سكاري وما هم بسكاري ولكن عذاب الله شديد"اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك يا أرحم الراحمين,اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا يارب,ونجنا مما تخبئه لنا الأقدار,ولا تأخذنا بذنوبنا يا غفور,اغفر وارحم ما لنا من راحم سواك ولا لدينا ملجأ إياك يا رب العالمين,اللهم تجاوز عن هفواتنا وذنوبنا ولا تجعل يد الظالمين فوق أيدينا
"بجاه من بيته في طيبة              حرم واسمه قسم من أعظم القسم
مولاي صل وسلم دائماً أبدا          علي حبيبك خير خلق الله كلهم

مع وصول خبر قدوم الفرنسيين القاهرة,هرب خلق كثير من وجههم من أعيان وأمراء وعلماء,أنا لا يهمني سوي القسم الأخير...خرج أستاذي حسن العطار مولياً وجهه نحو أسيوط وأستاذي الجبرتي نحو أبيار,عاونتهما في جمع رحالهما خوفاً من نوايا الفرنسيين غير المعلنة.
الكل مرتعب والشوارع فرغت والشمس لم تغرب بعد...استرها يارب
الحق أني أظن في علماء الفرنسيين الذين سمعت عن مجيئهم مع العسكر خيراً,تعلمت كلامهم علي يد مغربي يجاور في الأزهر معي اسمه حسان السوري,مجاور وداعر في ذات الوقت,لا ينفك عن غلام جميل يطارده ولا جارية ممتلئة الأرداف إلا وأخذ نصيبه منهما!اتفقت معه منذ أربع سنوات علي تعليمي الفرنسية,مقابل أن أقرأ معه علوماً لا يعرفها الأزهر,ولم أعرفها إلا بمخالطة المشايخ الكبار وعلي رأسهم شيخي حسن العطار,كالأدب العربي والتاريخ والفلك والكيمياء والهندسة والجغرافيا.
لما أتقنتها دخلت علي العطار والجبرتي وهما في صحبة إسماعيل الخشاب,وكنت مقرباً للثلاثة يسمح لي بالدخول عليهم وسماع مسامراتهم الممتعة:
 Bonsoir, je parle français, messieurs-
ظن الثلاثة أن مساُ أصابني,فبينت لهم معني قولي وإتمامي دروس الفرنسية,فصاح بي الخشاب متفكهاً كعادته:"خيبك الله,أما كنت حفظت لك المتنبي أو المعري أنفع لك من لغة الفرنجة التي لن تنفعك... "قهقه وحده في حين لمحت في نظرتي العطار والجبرتي إعجاباً وتشجيعاً...آه ما أبعد ذلك اليوم عن اليوم!!
أظن فيهم خيراً,وتحدو أفكاري عاطفة تخبرني أن الأيام ستنتسج لي معهم أقدار عظيمة في مسار حياتي...فقد رفعني الله حين تعلمت لغتهم!عاجز عن استلاب الخوف من داخلي رغماً عن ذلك,فما قيل عن قوة أسلحتهم مرعب!وما باليد حيلة ليس عليّ سوي الانتظار,ما أجمل قول الشافعي كأني أفكر فيه الآن لأول مرة:
دع الأيام تفعل ما تشاء            وطب نفساً إذا حكم القضاء
ولا تجزع لحادثة الليالي          فما لحوادث الدنيا بقاء
تعزيني والله أشعاره في ذم الحياة وفساد طوية الناس,وأقول لو لقي هذا العالم الجليل من الناس ما جعله يشكو شكواه المرة,فماذا أستحق أنا؟!

يوم آخر...
ليتني أغرق دوماً في بحر المعرفة والعلم ولا ينجيني أحمق يدعي الخير لي,العلم لذة بالمعلوم يتبعها عذاب بنفس سبب اللذة ثم لذة جديدة بمعلوم جديد...
أدخلني الفرنسيون للمجمع العلمي الذي أنشأوه بفضل إجادتي للفرنسية وحاجتهم للمترجمين,يشجعونني ويشجعون كل من وجدوا لديه رغبة في المعرفة والتعلم,آه لو كان كل الفرنسيين في مصر كالعلماء والفنانين,وليحترق حملة السلاح بنار أسلحتهم وتنجو الأرواح ويتفرغ العباد لعبادة رب العباد الذي لا يعبد إلا بالعلم.
كتب,كتب,كتب...اقرأ فاعطش للعلم ويزيدني العلم عطشاً,أترجم ما يطلبون وأقرأ ما يطلب عقلي.
ساعات تمر عليّ أغيب فيها عن الوجود...حتي وصلت سيمون اليوم!
أول فرنسية أراها في حياتي,سمعتها تحدث إدوارد الجالس بجانبي مخبرة إياه عن ميلادها في الأسكندرية لأب فرنسي رحالة استقر به المقام في مصر, وأم مصرية ومجيئها القاهرة في الأيام الماضية كي تعمل في المجمع العلمي,انتبه إدوارد لدخولي,أشار نحوي وقال:
-حسين المصري...الذي حدثتك عنه...مترجم جيد,وستجدين عنده ما تطلبين
وضعوا بعد اسمي"المصري",وأحيانا يقولون "المصري"فقط...
مدت لي يداً بضة بيضاء,تلامست كفانا وأصابتني رعدة قوية...يا الله إنني رأيتها محاطة بهالة كهالات القديسين في الصور المسيحية!
وجه ملائكي جميل كيف خلقته يارب؟!...استغفر الله العظيم!
ابتسمت عن أسنان ناصعة مفرجة شفتيها الرقيقتين:
-سيمون...زميلتك الجديدة بالمعهد.
داعبتني كأنها تداعب طفلا:
-هل تقبلني معكم؟
قلت شاعراً بحرارة في وجنتي:
-يشرفني يا آنسة...
-قال لي إدوار أنك متعمق في الأدب العربي...
لم أعرف بم أجيب
أكملت:
-أريد من يقرؤه معي ويشرح لي غوامضه...وفي المقابل سأقرأ معه الأدب الفرنسي وأشرحه له.
هذا يعني أني سأقضي وقتاً طويلاً بجوارها,أشم هذا العطر وأري تلك العينين وأتأمل هذا القد...وجهها...وجهها...وجهها!
كان لابد أن أتكلم,قلت مغالباً اضطرابي الممتزج بالفرحة-لرؤيتها أكثر من قراءتي للأدب الفرنسي-:
-هل عندك أعمال فولتير؟


يوم آخر

أخذتني لمنزلها بعد انتهاء العمل وقد مر علينا أسبوع,تركتني لدقائق,وعادت بالقهوة,قمت مسرعاً لملاقاتها وحملها بدلاً عنها:
-صنعتها لك بيدي..
-سلمت يداك
-ما رأيك في فكرة فكرت فيها...كل واحد يتحدث لغة الآخر في حوارنا,أنا مثلاً أتحدث بالعربية وأنت بالفرنسية
-سيكون غريباً....ولم ليس العكس؟
-لو أردت العكس فليكن..
نظرت لعينيها الزرقاء وشعاع الشمس الداخل من المشربية يجعلهما كفيروزتين:
-ليكن ما تريدين أنتِ...
قامت بخفة وقالت بالعربية:
والآن نقرأ-
أجبتها بالفرنسية
-هيا بنا
-أعرف أنك متشوق لفولتير,لكن ما رأيك قبلاً أن نبدأ بالسلام...
مددت يدي لها مسلماً,ضحكت ضحكة رجت قلبي بهجة .
-لا ليس هذا السلام,ما رأيك أن نبدأ في القراءة والنقاش حول السلام؟
-للسلام وجه آخر أود أن نبدأ به...الحب.
ابتسمت لي بدلال ومالت بجانب رأسها فانسدل شعرها الذهبي...
تباً! ماذا قلت لها ؟هل فضحت لهجتي شعوري ناحيتها!
-السلام هو الوجه الآخر للحب,الحب جوهر الحياة وكل ما عداه عرض !
وضعت عقلة إبهامها في فمها وتساءلت تكلم نفسها:
- ماذا في مكتبتي يتكلم عن الحب...؟تري هل أحضرت شيئا عن أبيلار وهلويزة؟
كادت تقوم من مقامها لكنها عدلت عن ذلك واتجهت لي بوجهها وقالت:"كنا يوماً مثلكم اليوم أيها المصريون,نحيا جهلة بؤساء همجيين,لا دين قويم يهذبنا ولا علم نعتمد عليه,التعاليم المسيحية عجزت عن تأديب نفوسنا بالنسبة لأبسط الأشياء كالنظافة؛فكانت القذارة والقرف في أوروبا مضرب الأمثال! -سامحني في اللفظ-كنا نمشي وسط برك من الخراء نكاد نغرق فيها! أما عن العلم فلا نسمع عنه حتي ولا نعرف بوجوده,أثناء تلك الأيام القذرة نشأت واحدة من أجمل قصص الحب في التاريخ,عام 1079ولد بطل القصة,الفيلسوف الفرنسي الشهير"أبيلار"داعية العقل والتفكير,كان من فرط إعجابه بكم أيها العرب يسمي كل فيلسوف"عربياً!"بل وفي مراحل من تاريخنا الأوروبي كنا نتهم من يفكر أو يسعي للتعلم خارج أطر الكتاب المقدس بأنه أصبح مسلماً...أجل كما تقولون في قرآنكم"وتلك الأيام نداولها بين الناس",ترك حقوق ميراثه في الشرف لإخوته وكان أبوه من النبلاء مفضلاً العلم علي الميراث,رحل لباريس حيث درس هناك ثم أصبح أستاذاً تهوي إليه الأفئدة لفصاحته وحسن بيانه.
وحين نقول التعليم في تلك الفترة فنحن نعني مجموعة من الكهنة احتكروا الكتاب المقدس وفرضوا علي الناس تعاليم وأفكار مثيرة للضحك تماماً كما لديكم اليوم!وكما قلت لك أبيلار رجل يدعو لأمر بسيط,استعمال العقل الذي خلقه لنا الله كما خلق الدين أيضاً,وربما عاش الإنسان بلا دين لكن من المستحيل أن يعيش بغير عقل!هاج عليه الظلاميون واضطروه للهجرة من باريس,وحين أصبح في الخامسة والثلاثين عاد إليها!
باريس وقتها مدينة بائسة جاهلة,في المساءتفرغ من الناس ويحوم فيها الذئاب,كان غريباً أن تجد فيها فتاة مثقفة تتقن اللغات وتعشق الموسيقي والشعر اللذين يحبهما ويمارسهما أبيلار,كأن الرب خلق تلك الفتاة لأبيلار كما خلق حواء لآدم,رأي أبيلار هلويز فأحبها واحتال ليصبح أستاذاً لها ووافق عمها علي ذلك,أصبحا يجلسان جلستنا هذه يحدثها وتحدثه,شاع بينهما الحب وعرفاه في نظراتهما ,فأسلمت له جسدها وأسلم لها جسده يتعشقان بعضهما ويغرفان عسل الحب الشهي,حتي عرف الناس بعلاقتهما ووقعت مقطوعة شعرية ألفها لها في يد العوازل فافتضح الأمر لدي عمها وطرد أبيلار من بيته,وحبسهاعنه,تحايلت هلويز كما تحايل أبيلار من قبل وأخذت تلقاه حتي حدث ما حدث ووضعت ولداً سماه أبوه "اسطرلاب"حباً في الآلة الفلكية الشهيرة عند اليونان!!
عرف عمها بهذا فثار ولم يرض حتي اقترنا...من عارض هذا الزواج؟هلويز! كانت محبة لأبيلار بدرجة تفوق المعقول,هنا تبدأ أولي تضحياتها,رفضت الزواج؛لأن أبيلاركان ينوي سلوك السلك الكنسي ,خشيت أن يعرقل زواجهما ترقيه قائلة"إني أفضل أن أكون عشيقتك علي أن أكون زوجة إمبراطور"ولم يجدا حلاً إلا أن يتزوجها سراً, عادت علاقتهما وعاد الناس يعيرون العم فثار مجدداً وأعلن زواجهما, حين واجهوا هلويز بالنبأ,أنكرت فضغطوا عليها وأحضروا إنجيلاً تقسم عليه,فما ترددت وأقسمت خوفاً علي مستقبل أبيلار,فعاد العم ومنعها عنه,ففرت لدير قريب ليلتقيا هناك في أمان,وعرف العم بذلك,فماذا فعل...أنت رجل وستدرك كم كان قاسياً ومرعباً انتقامه,استأجر عصابة ورشا خادمه,ودخلوا عليه في الليل أثناء نومه, معهم موسي حادة وخصوه وتركوه يصرخ في دمائه!
لم يتركه وتعقب الخادم وأحد الجناة وحاكم العم واستصفت المحكمة أملاكه...
هلويز...
المضحية بشرفها قبل الزواج وبعده المحبة الوفية,لاقت من أبيلار جحوداً فاق حزنها عليه,صارحها بعدم ثقته فيها بعد فقده ذكورته ونصحها بالبقاء في الدير ورحل هو لدير آخر يكتب ويعلم,تاركاً قلبها مدمي وروحها جريحة ليس من اتهامها والحط من شأنها فقط...لبعدها عنه!
لم يزل أبيلار ينادي بسلطان العلم والعقل ليكون فوق سلطان الكهنوت,حاكموه في الدير وأمروا بإحراق كتبه فثار الرهبان للظلم الواقع علي رئيسهم فطردوه...
طردته الدنيا فعمل دنيا مخصوصة,تغلب علي الخيبة والمرارة,بني خصاً من الطين والقصب,وأكب كدأبه علي العلم,فأخذ التلامذة يسعون إليه وجاوروه بأخصاص مبنية بنهجة,وألف كتاباً سماه"تاريخ ما حل بي من كوارث"قرأته هيلويز فراسلته مراسلة عابدة دير لقس,راجية أن يهديها لملكوت السماوات مثلما أدخلها ملكوت الحب,أجابها بسطر جعلها تفيض حزناً وكآبة:"من أبيلار الأخ في المسيح إلي هلويز الأخت في المسيح"أهكذا يتنادي العاشقان,أهكذا يخاطب المرأة التي بقيت تحبه وهو لم يعد أصلاً رجل...يا للرجال!
هل حين يفقد الرجل شهوته الجنسية يموت الحب يا حسين,أليس الحب ما بين  قلبين يتحابان أم فقط هو ما بين فرجين يتناكحان؟!
لم تيأس وبقيت علي حبها تراسله باكية,وتستعيد معه ذكريات حبها راضية منها بقلبه,أما هو فظل يعظها ويزهدها في الحياة والحب باسم الدين ورضاء المسيح!
برمت به الكنسية كلها فحكمت عليه,ورحل هارباً لروما وفي الطريق مات!أعادوا جثته لمدينته الكوخية ودفنوه فيها,رحلت إلي قبره هلويز المسكينة وبقيت ملازمة قبره ترعاه وتحفظ عهده أتدري كم عاماً22عاماً!!قضتها بجوار قبر لم يبق فيه غير عظام بالية,لما أتاها الأجل دفنت معه كما أوصت,فتلاقيا في القبر بعد أن فرقتهما الدنيا...لهفي عليك يا هلويز يا محرومة من الحب والسعادة..."
آخر كلامها بدأت دموعها تسيل وحين انتهت زاد بكاؤها وارتجافها,فضاقت الدنيا في عيني وأظلمت ولمت نفسي لأني السبب,اقتربت منها لا أعرف ما أفعل,ربتُ علي كتفيها مواسياً,لدهشتي أطبقت علي يدي في قوة وارتمت في حضني,عندها خارت مقاومتي وفتحت بوابة قلبي,ارتميت واحتضنتها بقوة,حتي تمددت من ضغطي عليها علي الأريكة فانكشفت ساقيها وسقطت عمامتي,التهمت شفتيها كجائع لم يأكل من أيام,أخرجت لي لسانها فمصصته ومصت هي لساني,شعرت بحرارة فرجها الساخن,رفعت قميصها الأبيض وفتحت ساقبها فطالعني بزغبه الأصفر اللطيف,دخلت فيها بحشفتي.
-آه...إني عذراء!
شهقت من الألم واللذة,أخرجت الكلام من فمها وسط تأوهاتها"أحبك...لا تتوقف"
لا أشعر أني ارتكبت خطيئة الزنا...حبنا عقد نكاحنا!
أفرغت فيها لذتي ثمان مرات,خرجت من عندها فجراً,ضاحكتني مودعة علي الباب"ألا تود أن تودعهما؟!"أشارت لثدييها,انحنيت أدعكهما وأقبلهما,دفعتها للداخل وأكملناها عشرة!
يوم آخر

اشتعلت القاهرة بالغضب ضد الفرنسيين,من أيام...الفرنسيون عندي برقبة المماليك كلهم!..في العلم...والأدب,أما في الحرب والضرب فلعنة الله علي السلاح وحامله!
بقيت في منزل سيمون طوال مدة الهياج العام مستعداً بالنبوت والسكين,خوفاً عليها من قاتل أو مغتصب,سمعت بأن السفلة يقطعون رأس البنت ليأخذوا ما عليه من حلي وذهب!
بجواري جلست تصلي وهي ترتجف وترسم علامة الصليب مبتهلة لصورة يسوع المصلوب...لكل منا صليبه الذي يتألم عليه في هذه الدنيا!أخذت رأسها في حضني وقبلتها وقلت بحرارة:
-لا تخافي...لن يؤذيني أحد!
نظرت لي باسمة مستعجبة بوجهها الشاحب...
-لن أسمح لأحد أن يؤذيني فما بالك بك وأنتِ أغلي علي من نفسي,ومادمت معافاً لن أسمح لأحد أن يقع بصره عليك حتي,حين يجئ القاتل سأطعنه بهذه (أشرت للسكين)في قلبه,ولو كان لصاً سأوثقه وأجعلك تضربينه بهذا(أشرت للنبوت)علي عجيزته.
ضحكت في خجل أنثوي أخذ قلبي,ارحت رأسها في حجري,وأنا أملس علي شعرها بيدي,حتي غلبها النوم
آلمني اعتدائهم علي المسيحيين,هؤلاء المسيحيون دوماً مضطهدون,لا يرتاح لهم بال ولا يهدأ لهم قرار-عدا أغنيائهم وذوي النفوذ بالطبع!!-,أسوأ المعاملة يلقونها وأفظع تمييز يعيشون فيه,محرومون من حقوقهم العادية للعيش كالمسلمين؛لذلك لما جاءت الحملة انقلبت الآية ,استقووا ببني دينهم علي المسلمين,فوجد هؤلاء الفرصة للانتقام من هؤلاء...اللهم نجنا شر الفتن واغفر للمؤمنين نصاري كانوا أو مسلمين,فوالله لا يدخل الإنسان جنة خالقهم إلا بقلوبهم وعملهم لا للمكان الذي يصلون فيه أو بالاسم الذي يطلقونه علي بديع السماوات والأرض...
لم يهدأ الناس إلا بعد دك المدافع الدنيا علي رءوسهم,حتي اعتقدوا بقيام القيامة مما عاينوه,بولاق أصبحت خرابة مهدمة
قال لي الجبرتي وأنا في بيته أطمئن عليه بعد الدم والهول:
-حشرات الشعب وحرافيشه المسئولين عما يحدث من خراب وقتل,بتوجيه المعممين فارغي العقول,وجدوا في الضرائب الفرنسية فرصة ليفلت عيارهم...
علمت بدخول الخيل الأزهر,تبول فيه الجند وتغوطوا وسرقوا الكتب والمخطوطات....يا ملاعين يا أولاد الزنا,ملعونة البطن التي أنجبت من يدنس بيت الله عز وجل بنجاسته...أوهمنا ساري عسكر بونابرت بتبجيله للدين الإسلامي لدرجة انتظار البعض إعلان إسلامه!
يوم آخر
شاب الفتور علاقتي بسيمون لفظائع الجند وجنونهم في سحق التمرد...ثم خجلت من نفسي,ما ذنبها؟
صالحتها بإطلاعها علي مخطوطة ابن الهيثم"ماهية الأثر الذي يبدو علي وجه القمر"
-أما أنا فسأكتب يوماً عن "ماهية التكوين في وجه سيمون الجميل"!
-إذن لا تجعله حزيناً!
يا لها من امرأة,ويا لفنونها في الفراش,أطلعتني علي نجوم الفلك,أنزلتني أعماق البحار,لامست حد الكون,وكله كون ولما تلعقني وألعقها كون!
عقب فراغنا قلت:
-لما تهدأ الأمور سنتزوج
أعلم إنها تنتظر مني تلك الكلمة:
أشرق وجهها واحتضنتني بقوة مبتهجة,تهتز من الفرحة علي السرير ولم تتركني إلا بصفعة ضعيفة علي مؤخرتها الرجراجة...
يوم آخر
ذهبت نحو المطبعة لطلب مطبوعات من بحوث العلماء, وجدت مارسيل وحوله جنود وعلماء,يحوطون حجراً غريب الشكل,أدخلوه حجرة صغيرة وعينه عليه الحرس,علمت منه بأنه حجراً اكتشفه الضابط بوشلار في رشيد ويأمل العلماء بإمكانية حل كتابة الفراعنة بهذا الحجر,نقلت هذا الخبر لحسن العطار فعبس:
-كنا نحن أولي بمعرفة أجدادنا...
تأملني قائلاً:
- جيلكم هو الخط الفاصل بين جهل مضي ونور سطع,ليس لكم حجة للبقاء في الظلام بعدما شاهدتموه من عجائب الفرنسيين في كل المجالات,أتذكر كيف اندهش الجبرتي والسادات في محضر تجاربهم الكيميائية,وظن بعض الشيوخ بوجود جن في القنينة التي تغير لونها وفرقعت,فارتاع القوم وسخر منهم الفرنسيين...لسنا سوي....
لم يكمل كلامه وأشار لي بالانصراف
يوم آخر
عندها حق سيمون,نابليون مفتون بالأسكندر حالماً بسلطنة شرقية تأتيه بعبقريته الحربية كالقائد المفتون به,عاد اليوم للقاهرة من عكا,سخر مجاور صعيدي "الجزار قطع الفرنسيين وعلقهم علي بوابة عكا كالخرفان,عادوا مع كلبهم الراعي مسلوخين"لا ينفك الناس كارهين للفرنسين لغزوهم بلادهم,العجيب أن منهم المؤيدين للعثمانيين الغازيين أيضاً,لكن لأنهم مسلمين فهم يتصورون أنهم أفضل لإسلامهم من الفرنسيين,ولقد شهدوا من هم الفرنسيين ومعاملتهم العادلة بما لا يقارن بالأتراك الظلمة,وصدقهم وأمانتهم في البيع والشراء.
العلماء هم من قدروا الفرنساوية حق قدرهم وتأثروا بهم وإن كانوا يخفون ذلك حتي لا يتحرش بهم العوام ويتهمونهم في دينهم.
عجيب والله حال المسلمين زيفوا الدين وعاشوا بلا عقل,خانعيين للظلم والجهل ظانينه قدر الله وأمره,تعالي الله عن ذلك علواً كبيراً!
يوم آخر
قابلت سليمان المجاور الشامي في حي الصناديقية,سلمت عليه,وفي اليوم التالي صعقت بقتله كليبر,يقول الجبرتي أن الحلبي أهوج مدسوس ومدفوع له مع تأمينات وتسهيلات لوالده في الشام لتسيير أموره المالية,بشرط قتله لكليبر,عافت النفسي الطعام ثلاث أيام وبكيت دمع عيني,لمرآه مخوزقاً ببشاعة...اعترف وحاكموه بالعدل وكانت الخزوقة أصلاً هي سلو بلادنا تحت الحكم العثماني الغاشم الجهول,الجبرتي معجباً جداً بالمحاكمة والشهود والمحامي,ومستغرباً لعدم قتل الفرنسيين له فوراً كفعل المماليك والعثمانيين!
يوم آخر
ذهبنا لمشاهدة مسرحية يلعبها الفرنسيون بجوار الأزبكية...يا لروعة الأدب,"هاملت"اسم لن أنساه ما حييت,معذب خالد بعذابه في قلبي,أي بطن أنجبت من يكتب مثل هذا الكلام,بكيت علي موته المأساوي في النهاية,توحدت معه أثناء العرض,اهتزت قلبي لكماته وهو يتحدث عن الموت مع صديقه هوراشيو وحفار القبور يحفر قبراً,عندما أمسك الجمجمة وراح ينعي صاحبها وكان مضحك الملك,عرفت كم هي رخيصة الحالية,وغالية في آن!مؤلفها اسمه"وليام شكسبير"...شكسبير يا لعبقريتك عابرة الأمم والأزمنة!
-هذه أول مرة في حياتي أري مثل الملاعيب,وأعرف المسرح!
طلبنا قهوة ونحن جلوس في واحدة من المقاهي المفتتحة بفضل الفرنسيين,وهم لهم نظام وقوانين حتي في أكلهم وشربهم.
-حظك عظيم لاختيارهم الليلة شكسبير,وشغفي العظيم هاملت!
سمعت جنديين يتحدثان عن طفل مصري,أعجب القائد ديزيه؛لشجاعته وصلابته وهجومه علي العسكر, فقطع ذراعه,ومع ذلك بقي صامداً لا يريد البوح بأسماء المقاومين,وقال عنه"لو تربي هذا الولد جيداً لكان قائداً عظيماً"
يوم آخر
زرت سيدي ومولاي الحسين الإمام المرتجي,صليت في رحابه,دعوت الله أن يمنحني قوة كقوة عمر بن الخطاب ودرة كدرته,لأدور الضرب بها علي أقفية السفلة في جامع الشهيد العظيم,يأكلون المكسرات ويرمون القشر,يتعري البلهاء مظهرين السوأتين,فيعتقد العوام فيهم الولاية ويتبركون بهم,بل ربما تحرش أحدهم بصبي حلو القسمات ورأس الإمام علي بعد خطوات منه....لعنة الله عليهم وعلي ما يعتقدون...
تداعت علي خيالي أحداث يوم كربلاء,بكيت بدمع عيني,علي مصيرحبيبي الحسين وآل بيته,ذل زينب وعذاب فاطمة وحزن سكينة,حبيبي يقطع رأسه زياد بن الدعي ويطوف به,حبيبي تضرب ثنيتيه وهو ميت عطشان مذبوح...ليتني كنت معك أحميك بجسدي أو علي الأقل مع المختار الثقفي أنتقم لك من قاتليك رافعاً شعار"يا لثارات الحسين" !
يوم أخير
أتوا بسفن فرنسية,ورحلوا علي متن سفن إنجليزية,يلخص هذا الحدث,فشل الحملة وبونابرت في مصر(عسكرياً),انهزم الفرنسيون أمام الإنجليز للمرة الثانية في أبي قير,ثم تم ترحيلهم لفرنسا من قبل إنجلترا,غيرت الحملة وجه مصر للأبد,بدلت حياتي جعلتني ثلاثة,أنا وسيمون-زوجتي الآن- وبنتنا الحلوة الصغيرة زينب,أسميتها علي اسم السيدة زينب بنت علي رضي الله عنها وعن آل بيت النبي الأطهار,لعلها تكون وجيهة في الدنيا بعلمها كسميتها بنت الزهراء وعلي الإمام المرتضي....
فرح الناس بذهاب الفرنسيين-عوام جهلاء!!-وعودة العثمانيين الظلمة الظلاميين,أخاف علي مستقبل ابنتي وسط هؤلاء الناس  لا دين لهم ولا عهد,يدعون الإسلام وما رأينا فيهم إسلاماً ولا عرفنا فيهم مسلمين,متي يتركون وادينا يتجه لنور العلم والمعرفة؟متي نتحرر من هؤلاء؟
متي تعود مصر للمصريين كما يخطط المعلم يعقوب القبطي؟
هل سأعيش لهذا اليوم...أتمني أن تشهده زينب وأحفادها!

الحيوة الخامسة
رجال علي التل
"لقد خلقنا الله أحراراً ولم يخلقا تراثاً أو عقاراً,فوالله الذي لا إله إلا هو إننا لا نورث ولا نستعبد بعد اليوم"
الزعيم أحمد عرابي
"الولس هزم عرابي"
المشهد الوحيد..مشهد النهاية
يفتح الستار والقائد محمد عبيد خلف مدفعه,يطلق منه القذائف,وحوله جنود صرعي,وآخرون يهربون من المعركة ثم يدخل  أميرالاي من يسارالمسرح
الأميرالاي(للفارين):عودوا إلي أماكنكم لا تسلموهم مصر,لا تسلموا أمكم لمن يغتصبها(يمسك جندي من رقبته ويقول مهدداً وهو يعلم والجندي يعلم أنه لن يقم بتهديده):عد بالأمر العسكري!لا تفر وإلا أطلقت عليك النار.
الجندي(يفك حصاره حول رقبته):سنموت...سنموت كلنا...الخونة فتحوا للإنجليز الطريق,موتنا لن يحمي الوطن,سنموت بلا ثمن(يخرج هارباً)
عبيد(للأميرالاي):اترك الجبناء وكن مع الشجعان,مازالت في مصر شجعاناً حتي وهم يعرفون أنهم ملاقون منيتهم.
الأميرلاي(بحرقة):الخيانة من داخل الجيش!!!
(يدخل جندي مشعثاً مغبراً)
الجندي(وهو يلهث):سيدي دقائق وسيصل الإنجليز لك,إن المعركة حسمت,بعد كل خططنا وتحصيناتنا سقط التل في يد الإنجليز.
عبيد(لنفسه في سعادة):يا لمتعة الموت في سبيل الوطن...الله....لو أموت ألف مرة فوق مدفعي!
الأميرالاي(للجندي):فعلام بقائنا في الحياة إذن,لنموت فداء لأرض مصر
عبيد(لجنوده):كل واحد فيكم يلتحم بمدفعه,وينصهر فيه,كل واحد يحمل سلاحه,وينزرع في الأرض كنخل القري,كل واحد يتوجه بقلبه لربه,وببندقيته للعدو...عند أمري اضربوا ولا تتوقفوا حتي تتوقف دقات قلوبكم
ستار
يدخل من يمين المسرح جندي يرتدي ثياباً عسكرية كملابس الجيش المصري اليوم
الجندي (للجمهور):هذا جدي,لم يقل انصهروا ككلمة تعبيرية بل انصهر فعلاً علي مدفعه بفعل الحرارة الصادرة من ضرباته وباروده,ذاب في حب وطنه,قال البعض أنهم رأوه في عدة مدن بعد موته!!!أصبح ولياً من أولياء الصالحين,هذا محمد عبيد البطل المصري العظيم,لولاه ما كانت الثورة العرابية,هو منقذ عرابي من محبسه ضارباً بعرض الحائط سلطة الخديوي,يقول البعض أنها مبالغة في موته,قلبي يؤمن بها,أقسم أنني مستعد للموت منصهراً علي مدفع في سبيل حياتي آه...(يعيد بشفاهه قول عبيد,بينما يسمع الجمهور صوت الممثل الذي قام بدور عبيد مسجلاً كأنها ما يزال حي بداخل الجندي)" يا لمتعة الموت في سبيل الوطن...الله....لو أموت ألف مرة فوق مدفعي!"
يرفع علم مصر وسط المسرح,ويحييه,يخرج من يسار المسرح في مشية عسكرية



الحيوة السادسة
هلوسة العملة السودا...جنس وانتحار

"الدنيا اوضه كبيرة للانتظار
فيها ابن ادم زيه زي الحمار
الهم واحد .. والملل مشترك
ومفيش حمار بيحاول الانتحار
عجبي"
صلاح جاهين

صاحبي إيه وزفت إيه؟!يخرب بيته وبيت أمه!كده,كده يخدعني ويخوني,وهو بيسخر مني,لا مش ممكن,كان عايز يسرق مني حلمي ليه,عملت له إيه؟! يلا ولا هازعل نفسي(..)أمه مطرح ماهو قاعد خليني,خليني في البنت الحلوة اللي قدامي في الترام دي,يا سلام عالبزاز الحلوة!إيه ده يا ناس؟ليه كده؟ليه تخبي بجورنال,صورة مين دي؟حسني مبارك الرئيس الجديد,يا تري مخبي إيه انت كمان بعد عمايل السادات السودا,يا بنت سيبي الجورنال دي وانتبهيلي,أيوة كده,مالك سرحانة ليه,ولابسة نضارة سودا,مفكرة نفسك نادية لطفي في الفيلم؟طب والله إنت أحلي,بياض وحلاوة وجسم,لو ترفعي الجيبة سنة كمان فوق الركبة,يا لهو بالي  أمه...الله يخرب بيتك وبيت أمك,قال صحبي قال؟!دنيا الواحد ما يآمنش فيها لأخوه...ولا لنفسه!إيه تدويرة الهانش الجامدة دي,مش ممكن ده السنتيان حردته باينه من تحت البلوزة,يا خسارة اديتني ضهرها ونزلت,مع السلامة يا حلوة,طب ما كنت تجيبي بوسة طاب...قال صاحبي قال,علي النعمة لافضحك وأقول علي تاريخ حياتك الأسود,من أول ما كنت بتمسك البت نعمة تحت السلم,وتقعد تلعب فيها وتعمل كل حاجة إلا أنك تفتحها وتروح منزل نجاستك عليها من ورا وهي عيلة مش فاهمة حاجة,لحد ما بقيت شخصية وسخة قذرة معفنة,أنا اللي كنت فاكرك صاحبي,نفسي أقولك بطريقة زكي رستم"روح يا شيخ الله يخرب بيتك"لازم أنساك وانسي عملتك السودا,وأكمل حياتي,مع إنك برضه هاتفضل فيها يا وسخ,ومش هاقدر أسيبك,عارف ليه؟لأنه ماعنديش صاحب غيرك,ماعرفتش أعمل صاحب غيرك!روح يا شيخ الله يخرب بيتك.
أخيراً وصلت البيت,تعالي يا إسراء,تعالي البنت في الترام بوظت أعصابي,أيوة أول ما هدخل البيت,هتلاقيني زانق فيكي وأروح واخدك عالسرير,أومال أنا متجوز ومتنيل ليه,ماهو عشان كده,حب وماعرفتش أحبك,اللي حبيتها زمان حبت واحد تاني,ليلة الدخلة لما كنت رومانسي وحنين معاكي,بابوسك من كل حتة وكل سنتي,ما قرفتش من أي حتة!!كنت بتخيلك هي.ولما الصبح طلع لقيتك انتي,صحيح حلوة وجسمك جامد لكن قرفت منك,كل اللي عايزة منك,أني أفرغ جواكي وانتقم منك,هددتيني تقولي لأبويا إني باضربك وألطشك بالقلم علي وشك لما بانام معاكي,طب وحياة ربنا ما تقدري عارفة ليه؟لأنك حبيتي كده خلاص,بقيتي مستنية ضربة علي مقعدتك تسخنك وقلم علي وشك يهيجك,تعالي بقي يا سافلة...
قال صاحبي قال..روح يا شيخ الله يخرب بيتك,أنا دعيتها في الصلاة والله وقولت"اللهم افسد عليه كل ما يحب كما أفسد عليّ ما أحب"لازم الواحد برضه يصلي لربنا,أومال هايعيش من غير دين,الله يرحمك يا ست,فعلاً:
إذا الإيمان ضاع فلا أمان                  ولادنيا لمن لم يحيي دينه
ومن رضي الحياة بغير دين                فقد جعل الفناء لها قريناً
يا سلام عالفن...يا سلام عالعظمة...روح يا شيخ الله يخرب بيتك والبيت اللي جنب بيتك,حارق قلبي يا ابن الكلب ومعكر دمي,ليه كده يا أخي حرام عليك؟!
مفيش علاج لهم الواحد غير الجنس,لازم يتخلص من اللي جواه بأنه يفرغه جوه حد تاني,ده مبدأ في الحياة,تعالي يا بنت يا إسراء تعالي,نامي علي بطنك,نامي...يا بنت مش حرام!نامي بس,سيبيلي نفسك مش هايوجع ولا حاجة,تغيير انتي مازهقتيش من نفس المكان كل مرة ده احنا بقي لنا سنتين أهو متجوزين,عايزين نعمل زي الفيلم اللي شوفناه عالفيديو,ده أنا جبته بطلوع الروح أيوة فاكراة الولية اللي فيه كانت نايمة ازاي نامي زيها,بس أنتي نضيفة الأول ولا تروحي الحمام...يلا روحي اغسلي نفسك كده ونضفيها كويس عشان مش عايز قرف...قال صاحبي قال!
....شوفتي كانت حلوة إزاي...ماهو يا بت اللذة بتزيد بشوية ألم...باقولك إيه؟ما تيجي نعملها تاني...بواسير إيه يا بت ما تخافيش مش هايجيلك بواسير!
كل شوية يقولك الدعم والفقرا والأغنيا والنيلة,عايزين نعيش بني آدمي بس والباقي كله مقدور عليه,ومن الحاجات اللي لازم نعملها إن كل واحد حر يقول اللي هو عايزه ويعمل اللي هو عايزه,عايزين حرية يا ناس,تقاليد إيه وزفت إيه,التقاليد دي اللي عملها ناس قبلينا كانت حياتهم كده,احنا حياة تانية وناس تانية,ليه نعيش زي ما عاشوا؟!
ليه كده يا أخي حرام عليك...أنا لو كنت اتجوزت البنت اللي حبيتها ماكنتش بكيت علي حاجة,لكني خلاص اتاخدت مني كل حاجة فعايز أهبش في أي حاجة واللي يحصل يحصل.
الحياة دي أكبر خدعها حصلت في الكون ماشوفتش لعبة أقذر منها والله,عذاب وألم وقرف وفي الآخر ثعبان أقرع يلوش أمك في القبر زي ما سمعت من واحد بيقولوا له شيخ,معقولة هو ده مصيري,يا حوستي السودا!
هو الواحد المفروض يعيش ليه أصلاً,إيه لازمة الحياة,وإيه سبب وجود الإنسان علي الأرض,الذرة الهايمة في الفضا دي,ولا ليها عازة أصلاً,الحياة وحشة وعايزة ناس وحشة,عشان كده أنا مش لازم أعيش فيها...
سامع صوت القطر جاي من بعيد,خليني في نص الشريط بالظبط قدامه ,أهوه شايفه جاي من بعيد,ده قرب مني,ده هايدوسني بيني وبينه ثانية...ليه كده يا أخي حرام عـ.......
3

لفظه الميكروباص وانطلقا,الميكروباص لحاله وسامح لعيون إيزيس,يعرف أنها تنتظره علي السطح متظاهرة بالجلوس علي اللابتوب في لتكتب مقالتها الصحفية في هدوء,كيف تعلم مواعيد قدومه,دون أن يخبرها,جاء مبكراً أو متأخراً يجدها تطل في شرفة سطح منزلها ساهمة يتدلي من عنقها صليب ذهبي,هل تكون تنتظره من لحظة خروجه حتي عودته!...تعملها هو أدري بها,تربيا سوياً بل وكادا يكونان إخوة في الرضاعة,لولا تطوع خالته لرضاعتها تخفيفاً عن أمه قبل مرضها الذي ماتت فيه,من يوم وعي علي الدنيا,وجد إيزيس علي صغرها تقوم بدور الأم,مرة ذهبت للمطبخ وأشعلت البوتاجاز وكادت تحرق الشقة بمن فيها,لولا استيقاظ أمها علي رائحة دخان يملأ الشقة,ضربتها أمها يومها بقسوة وظلت تبكي مدافعة عن نفسها
-سامح قال: أنا جائع يا إيزيس وأبي ليس هنا,أردت إطعامه.
ما أخفته حينها أنها حاولت إرضاعه من حلمتيها!ظنت أنها ستدر لبناً يشبعه,كان يوماً!مد يده نحو مؤخرتها,استيقظ خوفها الأنثوي,القت يده بعيداً:
-لا تتحرك سأذهب للمطبخ وأعود!
معقول هل مر عشرون عاماً...
لوح لها بيده,مؤذناً بإشراق شمس ابتسامتها,لوحت له ودعته للصعود.السطح بجوار السطح,يفصلهما سور بسيط يقفز عليه فيكون في عندها,جلسا داخل حجرة أثثتها بلمساتها الأنثوية,فصنعت تحفة بأدوات بسيطة...
-ما أخبار مقالك اليوم؟
لو لم يكن يرسب في لصراعه مع كهان التخلف العلمي علي كراسي الأساتذة لكان مشي مع الماشيين الساذجين وأصبح اليوم مهندساً يسأله الناس عن عمله.
-أريد الكتابة عن "عدنان إبراهيم"...
هي مصدر ثقافته الأول,أبوها ثقفها علي المصادر والمراجع,عرف الأستاذ وليم في الشارع بتوزيعه الكتب والمجلات علي من يريد,وفي الغالب لا يستردها,ويظل يشتري ويعطي,لم يتوقف عن ذلك إلا بخناقة حامية تركت علي إثرها المنزل وهي تصيح:
-الرزق ضيق والبنت كبرت وتحتاج جهاز,وأنت تضيع مالك علي الكتب,التي يأخذها الناس,والمسيح لن أعود إلا لو توقفت عن تبديد نقودنا القليلة.
يقول عنها أبوها:
-جمال عقلها يزيد علي جمال وجهها.
سأل:
-عدنان إبراهيم من؟
-مجدد الإسلام في هذا القرن كما أري,عالم كبير,وخطيب جليل...لابد أن تسمعه علي اليوتيوب.
"يا لبراءة هذه البنت,الكون عندها بسيط والحياة ليست معقدة,لعنك الله يا رجل,أتترك هذه الملاك وتذهب لتزني بعاهرة تبيع فرجها لمن يدفع"خاطب نفسه مؤنباً...
-إيزيس... الصراحة راحة كما يقولون..
نظر في عينيها الممتلئة حنو عليه بمناسبة ودون مناسبة...اختلجت نظراته في توتر,وأكمل جاهداً متشجعاً بابتسامتها الملائكية
-أنتِ تعلمين وأنا أعلم أننا...يعني...
أمسك يديها بين يديه,مر بها علي وجنته وسط ذهولها واضطرابها:
-أنا أحبك...أنقذيني من هذا العالم وخبئيني في حضنك
ارتمي عليها,فاحتضنته والسعادة تخترق ضلوعها,أخذت تبكي وتضحك...حتي خافت علي نفسها اضطراب العقل.
-تعال في حضني وابق بين نهدي محصناً يا حبيبي
-أتذكرين يوم حاولت إرضاعي؟أنا اليوم جائع...جوع من نوع آخر..
قبلها فوجدها مستسلمة,داعب نهديها شاعراً بأنفاسها الساخنة علي رقبته...تمادي فهم بخلع بنطاله
انتفضت كما انتفضت منذ عشرين عاماً:
-لا يجب علينا أن نتمادي...
-لكن...!
بحسم أنهت الموضوع:
-لا يعني لا...
عدلت ملابسها وخرجت للشرفة.أشعل سيجارة وخرج ورائها.
-أنا آسف...
-ليس بين المحبين أسف...صدقني لو كنت استسلمت لك لبعدنا عن بعضنا للأبد...
محقة!
احتضن خصرها وقبل رأسها:
-أعاهدك أمام الله أن تكوني حبيبتي للأبد...ويوماً سنكون زوجين أمام القانون والناس.
رفعت رأسها للسماء ودعت في حرارة:
-اسمع منه يا رب
-يا رب
4
لولا أمي شهرزاد لكنت ضعت...
انقلبت الأوراق السابقة,باكتمال القمر بدراً ووجدت بجوارها رسالة
"ولدي وحبيبي...
الحياة رواية لا تنتهي,والروايات حياة تستعاد مراراً,حتي الآن لم أعطك رواية,بل قصص قصيرات عابرة عن حيوات الرجل في روايتك,مادمت تقرأ هذا الكلام,لابد أن البدر يسطع في سماء الله,بعد انتهائك من قراءة الرسالة,ستجد ست روايات جديدة,تليق بفتاتك إيزيس الجميلة,المرأة رواية جميلة عميقة,تحتاج التأمل والتبصر والفهم,لم أرد إعطائك لها,حتي تمر بتلك الرحلة الطويلة عبر الأزمنة,الآن أستطيع ائتمانك علي حيوات إيزيس,متأكدة من جدارتك بها...الآن اذهب واقرأ ودون...واطلع علي الدنيا في صورة امرأة,واعرف أن الدنيا ليست سوي امرأة"































ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق