السبت، 14 أبريل 2018

سوريا...حبيبتي الجريحة



سوريا...حبيبتي الجريحة
"رن الشاكوش في حلب,سمعه الدمنهوري من غير ما يسأل عرف إن النغم سوري"هكذا عبر بلدياتي الشاعر حامد الأطمس عن شفافية العلاقة بين مصر وسوريا,وخص بالذكر مدينتي دمنهور,قال هذا في زمن مضي كانت فيه مصر وسوريا بلداً واحدة في تجربة ملهمة لم يُكتب لها الاستمرار.
عاودتني هذه العبارات في هذه الليلة,لكن ليس هناك شاكوش يدل علي البناء والإصلاح  والتعمير,وإنما وسط  سماع ضربات وصراخ وبكاء عمره أكبر من عمر الوحدة!سنوات مرت منذ اندلاع الحرب في سوريا الجميلة صاحبة الحضارة العريقة,الآهلة بالفنانين والمثقفين,العامرة بالخيرات,الراسخة كوتد من أوتاد التاريخ مع شقيقتها مصر,لتصبح  مرتعاً للمرتزقة والمسلحين من كافة بقاع الأرض,مأساة حقيقية  أرقتني وأبعدتني عن الأخبار التي تعج بالقتلي والمصابين والمنازل المهدمة,طوال هذه السنوات كلما مر عليّ اسم سوريا ارتج قلبي بين ضلوعي,وفرت الدموع من عيني ساخنة ملتهبة كمن يبكي علي عزيز رحل,ودعوت من قلب يفور حزناً وعطفاً لمصر وشعبها وجيشها العظيم بالأمن والسلام في محيط يُقتلع فيه المدن لتغدو خرابا والناس لتصبح لاجئين يبحثون عن لقمة وسقف,وقد كانوا في بيوتهم معززين مكرمين,وعندما رأيت ذات يوم بنت سورية تفيض رقة وجمالاً وتشيع من قسماتها سمات عز غابر انقضي تتسول من أصحاب الحوانيت في ذلة,أظلمت الدنيا في عيني وتمنيت لو يعود الزمن للوراء لتأخذ الأحداث مساراً مختلفاً,لكانت هذه الفتاة اليوم عروس ترفل في عز أبويها وتتألق مع عريسها آملة في حياة جديدة,وتساءلت والألم يعصر روحي وجسدي:يا إلهي ربما تكون هذه أفضل قريناتها حظاً,فما بال الأخريات"واهتز قلبي كفقاعة وانفثأ"!
الآن  أتخيل حال الأخريات,وأنا أري الكل يضرب الكل في معجنة تاريخية,وأفكر أي ملعون اخترع الأسلحة,وأي فكر نتج عن زنا عقلي مع  نصوص دموية ظن ملاعين الأرض أنها مقدسة تدعو للحرب والتدمير,فجرت الدمار علي شعوب وأمم,وأصبحت اليوم سوريا  بسبب ذلك ساحة حرب...
وأعود بذاكرتي لحرب العراق,كنت طفلاً تعديت العاشرة,جالساً في أحد أيام التعذيب الذهني في منظومة التعليم المصري المجرم,وسمعت المدرسون يتحدثون عن"العراق, صدام,بوش,سقوط تمثال,دخول الأمريكان,العلوج,الصحاف,بوش مرة أخري"وفي المنزل شاهدت القصف والليل يصبح نهاراً,الكل كان مذهولاً ومتأثراً,ليل نهار لا حديث سوي عن العراق,بدأت هذه الكلمة تصبح جزءً من وعيي وعندما كبرت قليلاً,وقفت تحية إجلال للسومريين والآشوريين والبابليين,وأحببت العراق,عراق المتنبي ومهدي الجواهري والحلاج وبدر شاكر السياب وكاظم الساهر,عراق هارون الرشيد وبغداد التي أصبح اسمها علماً علي الرفاهية والعظمة الحضارية...لكنني عندما بحثت عنها وجدتها ممتلئة بعمائم موقوتة تنفجر  في وجه بعضها البعض مخلفة ضحايا بالمئات,وتداعي الخيال وسط واقع مؤسف.
واليوم سوريا...سوريا...سوريا حبيبتي تدق عاصمتها دمشق القنابل ليلاً,ومن دمنهور أسمع أصوات صرخات رعب وألم مثلما سمعتها علي أيدي الفجرة الدواعش,والفجر من نافذتي يعلن عن مولد يوم جديد...يوم جديد من حزن وألم علي وطني سوريا ووطني العراق ووطني اليمن ووطني ليبيا...كل قلاع المجد القديم تتهاوي!!!!!!ويدي علي قلبي أدعو لوطني مصر بالأمن والسلام ولجيشها العظيم بالتوفيق والسداد...يا سوريا...يا دمشق...يا أهلي هناك سامحوني أرجوكم ليس لي إلا الدعاء كملجأ أخير للضعفاء والمهزومين ودموع غزيرة تكفي ليسبح فيها أجساد أطفالكم الطاهرة...من قلبي أردد ماقاله توفيق زياد"أناديك...
 أشد علي أياديكم
وأبوس الأرض تحت نعالكم
وأقول أفديكم
وأهديكم ضيا عيني
ودفء القلب أعطيكم
فمأساتي التي أحيا
نصيبي من مآسيكم"

الثلاثاء، 3 أبريل 2018

لماذا لم أقل أني أحبه؟!


لماذا لم أقل أني أحبه؟!
طالما اغتظت ممن يكتبون عن الراحلين عقب وفاتهم ويملأون الدنيا صخباً,وكنت أقول"في حياتهم كانوا أحوج لهذه الكلمات الجميلة,لماذا ننتظر الموت مجئ الموت حتي نصرح بإعجابنا وحبنا؟!"حتي جاءت هذه الليلة الحزينة التي رحل فيها أحمد خالد توفيق,الواحة الجميلة التي كنت أستظل بها وسط صحراء القسوة والهراء,وتعلمت ضمن ما تعلمت في أيامي أن مرارة الموت تطفح منها مشاعرنا الصادقة,وطالما ظل الإنسان علي قيد الحياة تغرنا الدنيا أن هناك فرصة مؤجلة لكل شئ.
في البداية ظننت الأمر من ألاعيب إبريل ولعنت وسببت في سري كل كدباته التي مثل هذه حتي تأكد الخبر...أحمد خالد توفيق مات!!!!بكي قلبي قبل عيني وتجلي لي الموت وحشاً فظيعاً,وسقطت فجأة كل صغائر يومي الحقيرة التي شغلت بالي في طريقي للمنزل من العمل,وكل خططي تبخرت,ولم يعد في داخلي سوي نشيج مكتوم يصرخ بدون صوت"لماذا لم تقل أنك تحبه؟!"
انقطعت عن الكتابة في هذه المدونة لأسابيع انشغالاً بأسباب المعيشة,ومخزناً في ذهني مشاريع عدة لموضوعات كثيرة ولم أتخيل أن عودتي ستكون في نعي صاحبي الجميل-ليتني ماعدت- الذي لم أره ولم يعرفني,لم يعرف بوجود محمود قدري الساكن في مدينة دمنهور الذي قضي معه ساعات من أجمل ساعات عمره,حينما كنت ألجأ له طلباً للفائدة والمتعة,وكان صاحبي الجميل كريماَ...كريماَ لدرجة أنني كنت أستكثره علي نفسي وأتعجب من فرط جماله وحيويته,عشت معه ساعات مرضه الأخيرة كما حكي لي في مقالاته,وهنأته في سري بالسلامة"هاتروح وتسيبنا لمين يا عم أحمد؟!وهو فيه كام أحمد خالد توفيق في حياتنا,يللا بقي ارجع  زي زمان وكلمنا عن كل حاجة حلوة في الدنيا,كمل كلامك عن الأفلام الأجنبي والروايات الحلوة والفنانين والأدباء الجُمال اللي خلتني نعرفهم ونعيش معاهم...حمد الله عالسلامة يا أخي!...وحتي لو مارجعتش ربنا يخليك لولادك"
لماذا لم أقل أني أحبه؟!
قلبي بداخلي يرتعش...ياللموت!!!"واهتز قلبي كفقاعة وانفثأ"أهكذا كان يشعر أمل دنقل؟!لكني قلبي ينفطر حزناً عليه,لو انفثأ لاستراح لكنه معبأ بكافة المشاعر المتضاربة,صحيح الموت علينا حق,لكنه "علينا"وليس "لينا".
يااااه...يشاركني في هذا الألم آلاف ممن تربوا علي يدي هذا الرجل,آه لأول مرة في حياتي يقترب الموت مني لهذه الدرجة,فأشعر بالهلع علي كل من أحب...الحزن يعم الجمهورية  كلها في المدن والريف في السواحل والصعيد,يكاد تلفحني صوت زفرات الصدور المشتعلة حزناً وفقداً...أراه الآن في غرفة كل من تعلق ماثلاً أمامه في خياله بأشكال متعددة,فهو الصاحب لبعضهم والأب لبعضهم والمعلم لبعضهم وربما الحبيب لبعضهن,صور كثيرة عجزت عن تخيله بها في حياته لكنها بعد رحيله صارت حية أمامي!
يسألني من في المنزل"مالك"فيخرج صوتاً ضعيفاً غريباً أنكر صدوره مني"أحمد خالد توفيق...مات"وأتذكر أني ختمت الخامسة والعشرين كان أحمد خالد توفيق خلالها جزء من حياتي,حياتي التي أصبحت ماضياً غريباً هذه الليلة,كأني فقدت فيها جزءً من نفسي,نفسي التي تعذبها وتعذبني,فجأة نتصالح كصديقين نعزي بعضنا في موت أحمد خالد توفيق.
يا صاحبي الجميل الراحل,اعذرني أني لم أكتب عنك من قبل فأنا لا أتكلم؛لأني لا أجد من يسمعني,فقط أكتب حتي لا تسوء حالتي!لقد كنت تمثل لي شيئا عادياً لا غني عنه فمن فرط وضوحك وأهميتك لم أفطن إلي ذكرك.
يا صاحبي الذي لا يعرفني,كما كنت صاحب آلاف وآلاف لم تعرفهم لكنهم يحفظون وجهك ويرتاحون إلي صوتك,ها أنت راحل حيث كل من أحببناهم بدءً من جدنا إيمحوتب العبقري وانتهاء بهوكينج,عزائي أنك ستجالسهم هناك وتنظر لنا من بعيد وربما تطرأ علي ذهنك واحدة من عباراتك اللطيفة المحببة للجميع,فيها الطرافة واللطف والرقة كما تعودنا,آخذاً معك بهجتنا التي كنت أنت مصدرها.
ستجد كل أحبابك هناك يا صاحبي الجميل ولأننا أصدقاء قدامي فسلم لي عليهم,وأوصيك بنجيب محفوظ قبّله لي وشد علي يديه,واربت علي كتف نجيب سرور,واسأل داروين وأرسطو آينشتاين  كثيراً,ودردش مع ماركيز ويوسف إدريس ويوسف شاهين,وداعب توفيق الحكيم وأم كلثوم,وتمشي مع عبد الوهاب وسامي السلاموني,واسهر كثيراً مع يحيي الطاهر عبد الله  وأحمد زكي ومارلين  مونرو وفاتن حمامة وصبري موسي وخيري شلبي,وناقش إدوارد سعيد ورجاء النقاش ويحيي حقي واستفهم  من نيوتن ونابليون والاسكندر وأمل دنقل ومحمود درويش,وأنت تعرف بقية الأحباب الذين لا تنتهي أسمائهم حتي نلحق بكم,وبلادنا بعون الله آمنة مستقرة وجيرانها الحزاني المفجوعون في أمان وسلام,فقد رحلت يا صاحبي وعقارب الساعة تنزف حزناً ودماً وقلق,أعرف أنك كنت متألماً لما يحدث من مصائب,متمنياً الخيروالسلامة للجميع كما يليق بصاحب قلب كبير مثلك.
يا صاحبي وداعاً مؤقتاً,وحتي وصول أحبابك تمتع بما عندك من صحبة وبهجة,وكلما أردنا لقائك فعنوانك في قلوبنا,سنفتح أي صفحة ونجالسك...آه يا أحمد؟!أأصبحت ذكري يا صاحبي؟!


الخميس، 25 يناير 2018

الخلاص من الوشم!


يُحيل عنوان رواية"الوشم"لرشا عدلي,لمدلول ظاهري واضح,يغدو علامة علي صاحبه,ومع غلاف الرواية الذي تتجاور فيه الأضداد(الصليب المعقوف ونجمة داوود)علي جسد فتاة يحيط بها هالة من دمار الحرب,يغدو المعني جلياً ويُعرف الكتاب من عنوانه,مع الصفحات نكتشف أن لا شئ في الدنيا يمكن تعريفه من وجهه الظاهري,فكل الشخصيات التي تظن البطلة اليهودية إيفا ضحية التعذيب النازي أنها تعرفها يتضح لها بمرور الزمن أنها لا تري إلا سطحها الظاهر الخادع.
يصعب تلخيص هذه الرواية لأحداث؛لأن مضمونها عاطفي خالص,فتاة مصرية تدين باليهودية ترحل مع أبيها الذي يداعبه أمل الثراء نحو فرنسا,بينما هي وأمها استوطنت فيهما مصر ويهجران منزل العائلة كأنهما تنتزعان جزءً من حياتهما وأحلامهما,بينما الأب والأخ لا يريان سوي وهم الثراء والغني,ثم يحدث في ألمانيا ما حدث ويسطع نجم هتلر وفلسفته النازية المقيتة الغاشمة,لتتحول حياة الأنثي الصغيرة إلي جحيم في بين رجاله ونساؤه المتوحشين الشاذين القساة,وتتحول لهيكل آدمي منزوع الحياة,يكتب لها النجاة وتعود لمصر لتجد لدي جارتهم القديمة ديدمونة-أو ديدو كما تحب منادتها- ملجأً وحناناً يحتويانها بروح صاحبتها الطيبة,علي عكس ما تبدو عليه من غلظة وجفاء,تنضم لمنظمة سرية تقاوم ضد الزحف النازي بقيادة روميل,وعن طريق علاقة عاطفية مع الضابط الألماني كلاوس فون ستافنبرج,الشخصية المحورية في عملية فالكيري التي هدفت لاغتيال هتلر المعروفة تاريخيا بـ"مؤامرة 20يوليو 1944",والذي جسد شخصيته سينمائياً توم كروز في فيلم"فالكيري"عام 2008.
هذا الضابط الألماني يبدو لإيفا في البداية أحد وحوش هتلر النازية التي ربيت لافتراس اللأبرياء وتسخر من وصفه بأنه"رجل أربعيني من عائلة ارستقراطية,درس الفلسفة والتاريخ واللغة اللاتينية كما أنه يعد كاثوليكياً متديناً,ولا يعتبره الكثيرون عسكرياً تقليدياً وذلك لاقتناعه بمبادئ الأديب الألماني جوته التي تدعو لدولة ألمانية قائمة علي المثل والقيلم الأخلاقية تقود العالم بمثل تلك القيم والأخلاقيات",تنجح إيفا في مهمتها لكنها تقع في عشق هذا الضابط الذي خالته عدوها,حيث أنه يعلن كراهيته لهتلر وسياسته وقام بتنفيذ محاولة الاغتيال الشهيرة,للإبقاء علي حياة من لا ذنب لهم إلا أن هتلر يكرههم,ولتخليص ألمانيا من هذا الطاغية القاسي...طوال الرواية تستند رشا عدلي لخلفية تاريخية بحثية,تنهض عليها شخصياتها الروائية,التي تصرخ ضد الحروب والقهر في كل أنحاء العالم.
تأخذ إيفا علي عاتقها الدفاع عن حقوق الإنسان وتطارد مجرمي الحرب بكل قواها النفسية التي صمدت أمام الأهوال,وبوجهها الجميل وجسدها الأنثوي ورأسها الصلعاء من أثر التعذيب!في لوحة تشكيلية تزيد إيماننا بالإنسان ولا تنسي إبراز ندوب الحرب.
في الرواية ملمح يشير إلي الحاضنة الرؤوم,أم الجميع,الحانية علي كل مواطنيها,مصر التي كان فيها الملاذ والحمي,مصر التي لملمت فيها آدميتها في بيت جارتها المصرية اليهودية ديدمونة التي نراها من داخلها حين تسرد قصتها المحزنة,في الوقت الذي كان فيه يهود العالم يئنون تحت وطأة التعذيب والقتل كان يهود مصر أصحاب ثروات ونجوم سينما,ومواطنين عاديين يروضون أيامهم في حارتهم,وتروضهم الأيام كما تروض جميع البشر!
في حمي سعيها لاسترداد حقها كيهودية عانت الويلات,تقام دولة إسرائيل,فتتحول إيفا اليهودية المتحمسة لعدوة لهذه الدولة التي فاقت بأفعالها الشريرة كل ما فعله هتلر ونيرون وستالين  وكاليجولا وكل الطغاة مجتمعين,حيث نصبت هولوكست أقبح وأبشع مما صدعت بها دماغ العالم لعقود وعقود استدراراً للعطف...والأهم للمال والتعويضات!إيفا هنا خرجت من دائرة التصنيف,فهي ليست امرأة وليست مصرية وليست يهودية وليست ضحية...هي إنسانة تري بقلبها وعقلها فتناصره وتشعر بالظلم غليظ الحذاء يدوسها فتصرخ لنفسها ولباقي البشر.
في حالات كثيرة أري مثل"فاقد الشئ لا يعطيه"مثلاً أحمق لا محل له من الحقيقة,كحالة إيفا,فالمطاردة المنبوذة المشردة,عادت من جديد لتمنح المأوي والاستقرار والتأهيل والأمان لكل ضحايا الحرب العالمية,بكل ما فعله قساة القلوب بأطفال بالكاد بدأو المشي وفتيات تحولت حياتهن من غنوة جميلة لكابوس فظيع,وأمهات انهدمت حياتهم وعانوا أبشع ميتة,ورجال وجدوا أنفسهم كالجرذان وسط مخالب لا تعرف الرأفة!
قدرة رشا عدلي علي نقل هذه الرسالة الإنسانية,نضجت إلي حد الإبداع فكانت رواية الوشم,إحدي الأعمال في حديقة الأدب المصري الذي يعاني من المتطفلين والتجار والأدعياء الذين يغطون ببريق الشهرة الكاذب علي أعمال حقيقية,تستحق اسم "رواية",رواية تثير الكثير من الشجن والتفكير وإعادة بناء مفاهيم,مع متعة سردية جذابة,لا تجعل من فعل القراءة عملاً مملاً ولا تجعل منه مجرد قتل للوقت...في الوقت الذي نحتاج فيه كل لحظة,لتأسيس جديد للثقافة المصرية,بعد أن تسلعت وتشيئت وتصدر واجهتها باعة الهراء,بطريقة إعلانية لامعة!
رواية الوشم فرصة للدعوة للخلاص من الوشوم,والنظر بتأن وبلا أحكام مسبقة عموماً,تحت الجلود فيتكشف العدو تحت قناعصديق ويتكشف الصديق تحت عباءة عدو!


الاثنين، 15 يناير 2018

الحدقة العربية


علي إثر يوم قاسِ في حياته المدرسية القاحلة,تعرض فيه للضرب المبرح والإهانة علي الملأ بسبب حبه الحقيقي للعلم وسرحانه في مؤلفات أصيلة سيدونها ومخترعات عجيبة يبتكرها,زاره في منامه ثلاث قناديل أضاءوا ظلان الدنيا عرفهم فور رؤيتهم,ابن سينا علي اليمين وابن الهيثم علي اليسار يتوسطهم البيروني,ينضح من أجسادهم حروف العربية في وتتشكل علي صورة أوراق ومعادلات ونظريات هندسية,حاول الاقتراب متلهفاً نحو نورهم المشع,فاختفوا كلهم وتناثرت حروفهم تحلق حوله, وبقي وحيداً مرة أخري في الظلام,وصوت رصين يرجع صداه في أذنيه"بما ورثته ستصير ما تتمني".
تذكر هذا اليوم وهو منكب علي وجهه في معمله,يضع اللمسة الأخيرة في اختراعه الجديد الذي سيضئ للمكفوفين طريقهم,بعد سنوات ظلوا يعمهون في السواد,يتخبطون في بعضهم فينزفون حيناً ويتشاجرون حيناً وأغلب الوقت يقتلون بعضهم خوفاً وطمعاً...حين تيقظ قرر محاربة الظلام بكل قواه,طلب المدد من أجداده في اللغة,من صاغوا الدنيا بحروف معدودة وشقوا فيها سبيلهم الباقي نوراً يستضاء به في الليالي الدوامس,وما كان أقساها!
أنهك نفسه وسط همسات السخرية "فاليوم ليس يوم علم!اليوم يوم لعب وصخب وزينة,يا عيني ستضيع شبابك,وصيحات التحقير"أتظن نفسك آتِ بما عجز عنه علماء العالم المتقدم,من دانت لهم الطبيعة واستسلمت لسطوتهم الأرض"وقول الزور والازدراء"ما هذا الهراء الذي تقوم به؟!قم وافعل لنفسك شئ مفيد,ألا يكفي أنك لم تحصل علي شهادة,انظر لنا ذوي شهادات وأعمال...لقد تأخرت سأتركك في هذا الذي تفعل,جميل سلِ نفسك ودعنا نقوم بجليل الأعمال.وداعاَ!"إيمانه أن الكل باطل كان طريقه نحو الحق.
ظل اللاعب يلعب وصاحب الشهادة الزور يعبث... في المجلات العلمية الراسخة كانت"الحدقة العربية"تنير دراساتها وأبحاثها,وصورته الهيثم دراسة حول تاريخ علم البصريات عند العرب بجوار ابن الهيثم الذي بدت عيناه ضاحكة بعد هم وتسهيد...

الخميس، 11 يناير 2018

الضفة الأخري


النزوع الصوفي في المطلق إبداع فني شديد الخصوصية,فالسيمفونية الخامسة لبيتهوفن تتلاقي مع أشعار الحلاج وصوت فيروز يتماهي مع صفاء الغزالي وتجليات أم كلثوم تتلاقي مع الطاقة العارمة لنجم الدين كبري,وهكذا في العموم...ربما يعبر عنها لكمة مايكل أنجلو لتمثاله المدهش للنبي موسي حينما انتهي من نحته وهو يتأوه "تكلم يا موسي"!!!
بالتأكيد تأوه اشتعالاً ورغبة في تحقيق ما فوق الواقع,هذا ما يرغب فيه المتصوفة,سعيهم المتواصل لرسم صورة فنية لأفكارهم قوامها الكلمة أو النغم أو اللون,يثبون فوق المعقول ليتركوا العاقل العادي في دوامة مزلزلة,متحيراً في فهم هذا الحس السريالي العجيب في أرواحهم المتألقة المحلقة في ملكوت مفارق للعالم الأرضي المحدود المقولب في قوالب وهمية,لا يتحرر منها إلا من كان له نزوع صوفي يسافر به في عوالم الخيال الرحبة!
"خضنا بحراً وقف الأنبياء علي ساحله"عبارة نسبت للبسطامي عند البعض وابن عربي عن البعض الآخر وأحالها البعض للسان ابن جميل,وهذه مشكلة وردت لأكثر من عبارة في تاريخ التصوف الذي هو جزء من التاريخ العربي المعتمد علي السمع والحفظ ثم لو قيض الله لأحدهم أن يدون,يُخلد في الذاكرة الإنسانية درر عظيمة خالدة,بالطبع مرور الزمان وتقلب القلوب يجعل الارتباك أمر بديهي لأي عمل بشري يضطلع بشأن التدوين,فيحصل الخلط والالتباس,فليس من سمع وسكن كمن جري ودوّن!
يُخيل إلي أن  هذه العبارة قالها البسطامي فهو أحب ذكر البحر كناية عن رحلته الصوفية لعل يتجلي له سر الكون الذي دأب الأفذاذ من الناس علي اكتناهه كلاً بطريقته"غصت في بحر المعارف حتي بلغت بحر محمد صلي الله عليه وسلم,فرأيت بيني وبينه ألف مقام,واقتربت من واحد فاحترقت","الناس بحر عميق والبعد منهم سفينة وقد نصحتك,فاحفظ لنفسك السكينة","كن بحراً لا تنتن","نعم القوم تكلموا من بحر صفاء الأحوال,وأنا أتكلم من بحرصفاء المنة,فتكلموا ممزوجاً,وأكلم صرفاً"
هذا العبارة يمكن تفسيرها بمنتهي البساطة من النظرة السطحية الأولي,فمن يكره التصوف لن يعدم أن ينسب لصاحب هذه العبارة كافة الشناعات التي يمكن أن تخرجه من الملّة,وربما استغفر الله بعد قولها,فها هو البسطامي يعلن أن وصل إلي ما عجزت عنه الأنبياء وخاض ما وقفوا أمامه عاجزين!
ومن يحب التصوف سيتنهد في ارتياح,فها هو البسطامي تحت رعاية أنبياء الله الذين سبقوه للضفة الأخري يخوض بحرهم الوسيع لعله يصل إلي ما وصلوا إليه من معارف ومكارم"آخر نهايات الصديقين,أول أحوال الأنبياء.
وهذه من ألاعيب اللغة العجيبة التي خلقت للصوفية أعداء لا حصر لهم وعشاق لا حصر لهم أيضاً.
المستوي الدلالي لهذه العبارة عندي هو حس إنساني شفيف جداً,يري ما لا يراه الآخرون ويسعي إلي ما رغبوا عنه,صحيح أنه خاض البحر ولكنه لم يصرح بالوصول التام للساحل,فهو إنسان في حالة صراع مع ما يجذبه للدنيا المادية وما يصبو إليه من حياة روحانية وسط دوامات البحر المخيف,إنني أتذكر رواية هيمنجواي"العجوز والبحر"حيث كان البحر كناية عن الواقع الذي يصارع فيه الإنسان هدفه المشاكس الخطير,معرض للأهوال والكوراث,لكنه كما قال الإنسان يمكن هزيمته لكن من المستحيل تدميره,نفس هذا البحر يخوضه البسطامي تحدياً لواقعنا العادي في سبيل ضفة حياتية جديدة,لم يكن جدير بها أي شخص آخر سوي الأنبياء,ضفة بكر نورانية تتلالأ وسط ظلمات البحر وبرودته وملوحته وقسوة رياحه,كل شخص من حقه أن يسعي لهذا البحر,بشرط أن يصفو ليراه ويعمل ليخوض.
تفسيرات كثيرة وردت علي لسان المتأولين بين مدافع ومهاجم,لكنني رأيتها مجردة من كل أمر,سوي أمنية لمفارقة ضفتنا الملوثة بشرور البشر الحاجبة لهم عن نور المطلق,وإشارة لهم أن هناك ضفة بعيدة تستحق المخاطرة والخوض وليكن ما يكون,فالسعي كان العظيم ولن يدفع فيها سوي كل عظيم!


الاثنين، 18 ديسمبر 2017

لو نموت معا!


أقابل يومياً الكثير من الموتي؛لأني واحداً منهم!هكذا حدثت نفسي بعد انتهائي من قصة "شرق النخيل"لبهاء طاهر,البطل مات يوم ضاعت أرضه وأحلامه ومات عمه وابن عمه,انعدم وعيه وغاب في دنيا الكحوليات,حيث لا تشعر بأحد ولا تتمني شيئاً,وفي بلادنا التعيسة كلنا موتي,منذ زمن طويل...أجل أعرف موتي كُثر وهم يعرفونني جيداً.
جلجلة وصخب أحداث يناير تنبعث من صفحات هذه القصة التي كُتبت في الثمانينيات عن مظاهرات الطلبة عقب هزيمة يونيو المرة-كم هزيمة مرة أصابتنا-وهو ما أصابني بالوجل والحيرة,كأنه عود أبدي نيتشوي,ندور في حلقة مفرغة الحاضر يكرر الماضي,ذات الأخطاء وذات الغباء,كأنه داء لا يريد مفارقتنا,داء الانهزام والاستسلام,والعذر بيّن ظروف عامة جعلت من ظروفنا الخاصة وأشيائنا الصغيرة لأدوات تعذيب,لا أريد الانجراف لحديث السياسة فقد كرهته منذ زمن بعد أن أصبح الوضع مقززاً,وسقطت كل الخطط الحالمة التي وعدنا أنفسنا بها,كما وعد البطل نفسه أن يستر أرض جده وفشل فضاع وشاب شبابه حتي أضحت السنون تأكله وهو في مكانه,فكيف يتقدم من لا يملك أرضاً يقف عليها,من لا يملك فكرة,من لا يملك إرداة من لا يملك حلماً,هنا يبدأ الواقع البديل المرتبط بالخمر والسكر,حيث الجنان مفتوحة وكل ما يشتهي المرء يجده في خياله.
هذه القصة كعادت قصص بهاء طاهر تصيبني بحالة شجن تلازمني لأيام طوال,هذا الأديب ذو النظرة الوديعة يحمل بين طيات أعماله مشارط جراحية قاسية جداً,يعيد التشكيل والتركيب كجدلية لا تنتهي,ففي أجواء قاتمة تدور قصته,بما فيها من وصف صادق لحالة طلبة الستينيات وتأججهم بحماس تغذيه ثقافة كانت متألقة أيامها,ويشعله حالة هزيمة كاملة حولت مصر لمندبة كبري,هذا الصدق انعكس في الوقت الحاضر,حيث وجدت فيها نفس ما عاصرناه تقريباً,صورة تكاملية في صفحات معدودة مكثفة للحالة المصرية العامة في فترة من الفترات,بحس إنساني مرتبط بنبض الحياة البسيطة,منطلقاً نحو قضايا كبري,كالقضية الفلسطينية وسطوة مراكز القوي والعمل السياسي والاعتصامات.
كان العنوان الجانبي"لو نموت معاً"كأنه يستهل مرثية طويلة لحياة تعسة,وحيدة,مؤلمة,رغبتها الوحيدة هي الموت مع شئ ما...



الخميس، 14 ديسمبر 2017

هيا نخترع شاعراً


في نوفيلا البرتغالي أفونسو كروش"هيا نشتر شاعراً"يتم شراء الشعراء في ديستوبيا كابوسية,هذه الرواية تذكرني بروايات أخري في تاريخ الأدب العربي,لم يكن فيها الشاعر يشتري بل يُخترع اختراعاً,وتنسب له قصصاً وأشعاراً وتصبح جزءً من نسيج الوعي الجمعي عن مرحلة انقضت وتاهت في مغارة التاريخ,ونحاول الوصول إليها عن طريق تدوين ما كان شفاهياً تتناقله الألسن,وحاول أن تحكي حكاية لأحدهم ثم يحكيها لفلان ثم لعلان وتحكي لك مرة أخري،فلن تتعرف فيها حكايتك الأصلية,أو كما قال ديورانت عن مؤرخي الصين أنهم سجلوا كل الوقائع ما حدث منها ومالم يحدث!
تم تصنيف القصائد العربية تحت أسماء عدة منها ما عُرف باليتيمة كعينية ابن زريق المؤثرة أو يتيمة دعد التعليمية!الثانية ظهرت في القرن الثالث الهجري ولجورجي زيدان العذر في اعتبارها أحد قصائد الشعر الجاهلي,فليست هذه هي روح القرن الثالث أو حتي الثاني الهجري,حيث التجدد والانفتاح وظهور المسائل الفلسفية وهجر المعاني القديمة كالبكاء علي الأطلال بل والسخرية مما كان يهز الناس هزاً كقول أبي نواس متهكماً علي امرؤ القيس أحد أعلام الشعر العربي"قل لمن يبكي علي رسم درس ما ضر لو كان جلس"!!ربما تكون هذه القصيدة وقصتها من وضع أحد النحاة أو اللغويين أو القصاصين الذين انتشروا في هذه الفترة؛لشغل الناس عن الصراع السياسي والتشاحن الطائفي والعراك العنيف المتعصب,بحكي القصص والنوادر التي تثير التسلية والمتعة ولا تفجر الأحقاد الحزبية,ومع مرور الوقت أضيفت لها أبيات وأبيات وكم من أبيات جليلة لا يعرف قائلها أو يشُكك فيه,فمن قديم وسوء الظن بالرواة والأخبار قائم في الأذهان علي استحياء وتردد,حتي فجر العميد هذه القضية في رؤيته للشعر الجاهلي بأسلوب منهجي,فأضحي مجنون ليلي الذي امتلأت بأخباره الكتب والمعلقات المؤسسة للأدب العربي وأسماء فخمة وأبيات حكيمة كلها يعاد فيها النظر ويسلب منها الوجود,الغريب أن وسط كل هذه الضجة صمد اسم عجيب لا ذكر له ولا شأن وهو دوقلة المنبجي الذي تنسب له هذه القصيدة اليتيمة,ويأخذ فيها الدور البطل في حبكة درامية مرتبكة,تنتهي بذروة درامية تخيلها الرواة,والبيت الذي يستدلون به عليه عجيب"فإن تتهمي فتهامة وطني وإن تنجدي فإن الهوي نجد"تسمعه الأميرة التي سعي إليها فكان في سعيه مقتله,علي يد شاعر آخر أو كبير حي آخر-حسب المؤلف!-طمع أن يحوز رضا الأميرة بهذه القصيدة التي عرفت من هذا البيت أن هذا الشاعر الزائف هو قاتل بعلها فأعدمته,ربما كانت هذه الأميرة تتمتع بالجمال لكن حسها الأدبي ليس علي ما يرام,فتهامة هي  المكان المرتفع من الأرض وبهذه التسمية سميت المنطقة الجغرافية,وعلي نفس الشاكلة نجد هي المكان المنخفض وعلي كل القصة بصمات الوضع فيها لا تحتاج لمحقق!
بهذه الطريقة يمكن القول أن شاعر القصيدة اليتيمة هو نفسه شاعر قصيدة"تعلق قلبي طفلة عربية"المنسوبة لامرؤ القيس وأشعار الزير سالم وأبي زيد الهلالي وعشرات غيرها في تراثنا العربي,شاعر مجهول تبعه آخرون مجهولون أثروا في الذائقة الأدبية وحبكوا قصص خالدة أحببناها وعشنا فيها وفي فترة من حياتنا صدقناها وتأثرنا بأبطالها العلامات في ثقافتنا العربية,وفي أحيان كثيرة كانت القصة توضع والقصيدة تنظم ثم يُخترع لها شاعراً ما,كما حدث مع المدعو دوقلة المنبجي في قصص واقعية لم تدون,تحت عنوان"هيا نخترع شاعراً"!