الاثنين، 9 يوليو 2018

"أصوات"سليمان فياض


"أصوات"سليمان فياض



تجسدت وصية الأديب الروسي العظيم أنطون تشيكوف في الإيجاز والحذف,في جمل سليمان فياض المركزة ذات الدلالات المتعددة,فعبر ما يقرب من مائة وعشرين صفحة يطلق سليمان الحكيم-كما كان يُلقب-سهمه في قلب عيوب الشخصية المصرية وأسباب تخلفها,التي استفحلت الآن وأصبحت أثقال تنوء بها البلاد,بروايته التي استلهمها عن قصة حقيقية حدثت في الريف المصري,فأعمل فيها موهبته وخياله وأنتج للأدب المصري واحدة من روائع الأعمال التي ناقشت جدلية الصراع بين الشرق والغرب,ومن خلالها يؤكد مقولة الشاعر الإنجليزي "كبلنج":"الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا"...للأسف تتأكد هذه المقولة يومياً!
بأسلوب مقطر من صفاء اللغة وينبعث منه عطر الموهبة  يحكي سليمان عن  قرية الدروايش(لاحظ دلالة الاسم)التي ترمز لمصر كلها,يبدأ الرواية بصوت المأمور وهو يسرد بدايات الحدث عن حامد وزوجته سيمون الفرنسية وعودتهما من الخارج,من الصفحة الأولي تكتشف أنك أمام روائي من درجة رفيعة,من طينة هؤلاء السحرة الذين يسلبونك الشعور بالزمان والمكان ويخطفونك لعوالمهم البعيدة في سماوات الفن,وينهيها بالمأمور مرة أخري كممثل للسلطة التي بين يديها تدور الأحداث وهو يسأل الطبيب رمز الوعي التائه أو الغياب الذي للأسف يمثل الوعي"الذي يعرف الموت معرفته بالحياة,قلت  له هامسا:
-قل لي ....ماسبب الموت الحقيقي؟
كان الطبيب شارداً,فقال باضطراب,والدهشة مرتسمة علي وجهه:
-نعم.آه...موتنا,أم موتها."
وبين البرقية الممهدة للعودة وهذه النهاية الأليمة لمقتل سيمون,يغوص فياض في عالم القرية المصرية,الحجر الرئيسي في بناء الوطن,التي كلما أهملناها تفاقمت مشكلات مصر وجفت منابع النوابغ والمبدعين وتهاوت آمال التقدم.
والأصوات متعددة في هذه الرواية سمعناها كلها إلا صوت سيمون؛لأنها هي "الآخر"في الرواية التي تمحورت حولها(أنا)كل الشخصيات,المجتمعة حول المجهول الغريب,هي الغرب بعلمه وتقدمه وعنفوان شبابه ,ونحن...من نحن؟أخشي أن أقلو أننا نتلخص في عالم الرواية في كتيبة الإعدام من النساء اللواتي تحفزن حين رأين شعر إبط سيمون الطويل فقررن تطهيرها وختانها!!!للأسف هذه العقلية التي كشفها فياض في السبعينيات,هي اليوم مركز الثقل والجاذبية التي تدور في فلكها الحياة اليومية  المصرية,حتي رؤيتهم للأجنبي هي هي لم تتغير,لا نلاحظ منه إلا الظاهر:ماذا يلبس كيف يأكل وما هي سلوكياته الشخصية؟وإذا ما خالفت ما وجدوا عليهم آبائهم أصبح هو السائر في الضلال!!!وليس أمامه إلا أن أن يصبح شبيههم أو لا مكان بينهم,وهذه هي بوادر التطرف والتعصب التي نمت في الشخصية المصرية وليست مقصورة فقط علي المصابين بالعصاب الدين والهوس بوهم  الأفضلية علي سائر الخلق,بل المواطن العادي هو أول من يمارس التمييز والتعصب ضد المرأة مثلاً أو المختلف معه في الدين أوالرأي السياسي ثم يكون هو أول ضحايا هذا التعصب وهو ما يظهر في شخصية المجرمة نفيسة وشريكاتها في جريمة الختان.
حتي محاولات من أرادوا محاكاة سيمون جاءت مضحكة فهم يبحثون عن "الشوكة"ليأكلوا بها مثلها ويراقبون طريقتها في الأكل ليفعلوا مثلها..المظاهر...المظاهر...المظاهر القاتلة هي من جنت علي سيمون وعلينا نحن أيضاً,مأساتنا" لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية"
بعيون الغريب وهو ليس دوماً أعمي ولو كان بصيراً كما يقول المثل,تتساءل سيمون عن سوء حال قرية الدراويش"لماذا يبدو المرض علي وجوه الناس؟لماذا يزرع الناس بدون ماكينات؟لماذا يمشي الأطفال حفاة؟
إن اسئلتها تقتلني وكنت أقول لنفسي:
"هذه هي بلادي.وهؤلاء هم قومي"
هكذا كانت إجابة زوجها حامد,أما محمود بن المنسي الذي يتقن لغتها ويحلم بالسفر إلي باريس؛للحصول علي الشهادات الحقيقية والعلم المنهجي بعيداً عن السبهللة  عندها حين  سألته:"لماذا لا تستخدمون الآلات في مزارعكم؟
فأجبتها بما استطعت عن الجهل,وكثرة السكان,وقلة رأس المال والاستعما الإنجليزي.
فعادت تعبر لي عن أسفها وتعتذر حين رأتني منفعلاً بما أقول,وكأنها هي السبب في كل ما حدث,وكأنها نكأت في قلبي جراحاً,قديمة ومنسية"
لم يحاول أحدهما وهما يمثلان المثقفين من الدروايش!-يالمفارقة الجملة-أن يبحث عن إجابة علمية صادقة لما طرحته من أسئلة وهكذا بصورة ما يشاركان فيقتل سيمون,فعلي عاتقهما تقع مهمة البحث والسعي نحو الارتقاء ولكن عجزهما الفاضح وقلة حيلتهما أما أسئلة سيمون,تفضح القدرة الحقيقية لمن نضمهم لفئة المتعلمين وهم في حقيقة الأمر لا يزيدون كثيراً عن غيرهم من العوام,وبهذا العجز أو الإهمال أو أيا كان ما تسميه يفتح حامد ومحمود الباب لنفيسة وزينب وأم أحمد وبقية العصابة في خاتمة الرواية التي صيغت بطريقة وحشية أجبرتني علي إغماض عيني وعلامات الألم مرسومة علي وجهي من البشاعة التي لاقتها سيمون علي أيديهن وهن يرتكبن جريمة الختان وفي دواخلهن الغيرة والحقد وربما الرغبة في الانتقام لأنوثتهن الضائعة بنفس الطريقة الهمجية.

الأربعاء، 30 مايو 2018

مأساة السيد"هومو"


يتناول صبري موسي في آخر أعماله الروائية الصادرة في بداية الثمانينيات"السيد من حقل السبانخ,عالم المستقبل وعن طريقه يتمكن من تشريح الماضي والحاضر,ويطرح عشرات القضايا هنا وهناك في كافة مناحي الحياة الإنسانية في عمل روائي راسخ كبقية أعماله الباذخة وعلي رأسها رائعته"فساد الأمكنة"أول خيط شدني إلي عالمه الثري وأعماله المتفردة رغم اسمه المتواري في خفوت كما يليق بناسك قضي حياته صادقاً مع نفسه,فلم يلتفت للأضواء والمناصب وفي النهاية وصل,حيث اسمه  وهو متوفي متألقاً براقاً بينما الكثير ممن يملأون الدنيا الآن صخباً حولنا منطفئون.
هذه رواية الغرابة فكل مافيهاغريب ففي  الثمانينيات كناعالم ثالث-اليوم عالم  عاشر!-ومع ذلك نجد رواية خيال علمي متمكنة تناقش دنيا المستقبل محلقة فوق الواقع واللحظة الآنية؛لتتنبأ بالمستقبل.
ونحن نري تهديدات الحرب النووية بين قادة العالم بصورة مزرية ومقيتة التي تهدد كوكب الأرض وفي المقابل  نقف شهود علي كفاح إيلون ماسك العظيم لفتح أغوار الفضاء السحيق واستعماره نتذكر "هومو" رجل السبانخ,وهو مواطن مستقبلي  يعيش بعد الحرب الإلكترونية التي دمرت الأرض ولم يعد منها سوي جزء صغير يحتوي عالماَ تتحكم  فيه الآلة في كل شئ,لدرجة تبدو فيها الروبوت صوفيا كنسخة بدائية لفيلم صامت من بداية السينما مقارنة بفيلم أفاتار!الآلة هي السيد المتحكم بينما يعيش البشر أنفسهم كالآلات,كل شئ مخطط ومدروس بنظام مبرمج,بل أن الآلات أحياناً أكثر حساسية وابتكاراً من بعض البشر,هذه العالم المتقدم حلت فيه كل المشاكل ولكن بقيت مشكلة واحدة فقط...هذه الحياة ليست بشرية,هكذا في لحظة تفكير خارج المنظومة تنقلب حياة هومو,وحين أتذكر هومو يقترن به صوت الفنان الكبير جلال الشرقاوي في سباعية من إنتاج الإذاعة الذهبية,إذاعة البرنامج الثقافي المنبع الوحيدالراقي تقريباً وسط غوغاء الإعلام وجعجعة الإعلاميين الفارغة من المعاني والمضامين,هذا الصوت العميق الممتع كما في كافة أعماله قادرا علي تجسيد الشخصية تجسيداً حياً,ولطالما سافرت علي جناح صوته مع علماء العرب في برنامج"كتاب عربي علم العالم",وشاركه في السباعية بدور "بروف"الفنان خالد الذهبي المغرد في سرب البرنامج الثقافي تغريداً شجياً يزرع المعلومة بروعة أداؤه وصوته الذي لاينسي فهو الخديوي إسماعيل في مسلسل الصبية والميجور وعزيز عيد في مسلسل محمد تيمور وفولبون في مسرحية الثعلب لبن جونسون وغيرها الكثير من كنوز البرنامج الثقافي العامرة للعقول النهمة,بل إني لو خيرت بين كنز علي بابا والاحتفاظ بمتعة الاستماع لإذاعة البرنامج الثقافي ما ترددت في اختيار الاستماع الذي يحلق في في دنيا أخري جميلة,بها الأدب والفن والثقافة وأنا في مكاني سارح مع أصوات شكلت وجداني...ومع ذلك لا أعفيها من تهمة التراجع تبعاً للانهيار الذي أصاب كافة المجالات.
نعود من جديد للسيد هومو في حقله ولزوجته السيدة ليالي ولصديقة دافيد,وهنا الأسماء تثير فينا كوامن المعارف الأولية,فهومو هو الأصل الذي يتفرع منه إنساننا العاقل الأول في سلسلة التطور المزدهرة,وليال المحبة تشير إلي السكن وسكون الرجل في قلب امرأته المحبة,أما دافيد فهو داوود بالعربية فيشير إلي التراث التوراتي الذي يشكل نسبة كبري من رؤية أهل الأديان للعالم,المنقول بدورة من الحضارات القديمة كمصر وسومر,وهنا ينقسم البطل إلي اثنين هما بأفكاره المتمردة الثائرة علي المجتمع والمفاهيم,ودافيد المحافظ الذي يود بقاء الحال علي ماهو عليه,أما بروف فهو البرهان والدليل والحجة علي فساد النظام.Proof
يندفع هومو في طريقه ليدفع ثمن المعرفة والاطلاع علي الكتب القديمة كدون كيشوت الذي فتنته القراءة,فأراد عالماً خاصا له وحده,هكذا هومو أراد العودة إلي الطبيعة الأم والاحساس بكينونته كفرد لا كترس في آلة,كجندي محمود درويش الذي حلم بالزنابق البيضاء بغصن زيتون بطائر يعانق الصباح فوق غصن ليمون,بعيداً عن سيطرة الآلة الجهنمية الآخذة بخناقه,يشجعه علي ذلك بروف,وعقب مداولات ونقاشات مثيرة للتفكير والدهشة,عرض فيه صبري موسي آراء الثقافتين بصورة منطقية متماسكة حتي إننا نحتار إلي أي كفة نميل فمما لا شك فيه أن العلم هو كل شئ في حياة الإنسان وأقصد هنا العلم بالمعني الشامل,هو السيد الحقيقي في الحياة وبدونه لا نغدو بشراً,ولو امتلكنا كل ثروات الأرض أين سنقضي حاجتنا بصورة صحية لولا العلم,وللعلم ثمن فادح يدفعه الكل فالموبايل اليوم أكبر حارق للساعات الثمينة التي لن تعود والتلفاز يغزو العقول البسيطة بصورة مخيفة وآلات الحرب الذكية تدمر أطفال العالم بلا رحمة ومع ذلك العلم هو ما يجعلني أكتب هذه الكلمات علي الشاشة وتقرأها أنت,هو أعمال إيمحوتب وحم إيونو وأرسطو وجاليليو البيروني وابن الهيثم وابن سينا ونيوتن وآينشتاين وكل هذه السلسلة العظيمة حتي كارل ساجان وهوكينج وبيل جيتس وإيلون ماسك,هؤلاء هم نجوم الحقيقيون في العالم من أضاءوا لنا الدنيا وحاولوا فهمهما تاركين آثاراًلا تمحي,لكن هومو حسه الفني المرهف يرفض كل هذه الضغوط علي روحه المقيدة فهو يبحث عن ذاته الضائعة وسط الكبسولات الهوائية وأنابيب الغذاء ولقاءات الجنس الحر وملهي المناقشات العامة,يود استكشاف الطبيعة القديمة المنجذبة لها روحه ويقرر "الخروج" قائلاً"لقد أمضيت أكثر من نصف عمري الآن..أعيش تلك الحياة المنظمة المنتظمة,إلي أن توقفت في تلك اللحظة العجيبة وفاتتني السيارة الهوائية ...من لحظتها بدأت المتاعب...ولكنني الآن أشعر وكأن كابوساً جثم علي صدري ثم انزاح..إنني أشعر الآن بالراحة بعد أن انتهي الأمر بقرار الخروج"...وهنا تبدأ مأساة السيد هومو الحقيقية,فقد منحه النظام حق الخروج للطبيعة التي أصبحت وحشاً شاهراً سيفه في وجه من قرروا الخروج معه هو وبروف,كالإنسان منا حين يخرج من رحم أمه الدافئ الحنون ليلقي به في الدنيا المريعة,يشعر هومو بالندم والغباء لاتخاذه هذا القرار الذي ظن أن فيه راحته وسعادته,ويهرع بمركبته المصممة خصيصاً لهذا الهدف التي لم تحمه من أنياب ما سعي له بنفسه,في مفارقة تراجيدية تحدث لنا كل يوم,حيث تمن آلامنا في آمالنا"وذات يوم كان أحد المواطنين يتنزه مع صديقته في سيارتهما الهوائية الخاصة بالقرب من تلك البوابة الخارجية الضخمة..فشاهدا من خلف الزجاج السميك رجلاً مشعث الملابس,رث الهيئة,يبدو متهالكاً خارج البوابة,وهو يدق علي زجاجها بكلتا يديه في يأس.
ودققت المرأة النظر وقالت لرجلها:
-انظر  هناك...أليس هذا هو هومو رجل السبانخ..؟
وقال الرجل وهو يشيح بوجهه:
-نعم إنه هو..هيا نبتعد عن هذا المكان..
وقالت المرأة بأسف وهي تتبعه مبتعدو:
-أما زال يدق الباب..؟هل نسي أن الزمن لا يعود إلي الوراء؟!"
وبهذه النهاية المؤلمة يفجعنا صبري موسي بمصير السيد من حقل السبانخ,من فر من قدره إلي قدره ولم يجد سوي بوابة مغلقة وإلي الآن يقف بالقرب منها يدق علي زجاجها.

الأحد، 27 مايو 2018

أمل صلاح


لا أذكر أني  تحمست لنادِ أو شاركت في نقد أو تحليل أي مباراة,ولولا لعبي للبلايستيشن  في صباي مع الرفاق –وقت أن كان لي رفاق-ما أدركت بديهيات هذه  اللعبة.
منذ تفوق محمد صلاح الباهر بدأت تجذب انتباهي,ولم أعد أنظر لتكدس الناس أمام المقاهي علي أنه علامة علي الفراغ أو محاولة لقتل اليأس بانتصارات وهمية؛فالآن هؤلاء الناس يشجعون أنفسهم في صورة محمد صلاح,سليل الفراعنة العظام,هذا  الوجه قد أكون تخيلته كواحد من بين تلامذة إيمحوتب أو بتاح حتب,أو شاهدته في قادش وسط جيش رمسيس الثاني يذود عن شرف البلاد والجيش ,أو ربما قابلته صدفة في دمنهور مدينتي شاهداً علي ميلاد حورس,أو مصلياً في جامع المرادني أو كنيسة السبع بنات التاريخيان,أو واقفاً هناك يرقب جيش نابليون يدخل المدينة أو عند مدينة رشيد يلقي بالحجارة علي حملة فريزر...أجل أعرفه من زمن...واليوم أراه يبكي قهراً بسبب "اعتداء"تعرض له في الملعب؛فشعرت بالألم يغزوني كأني أنا من انطرح أرضاً يئن!
كلما برز نجم صلاح أكثر كلما ارتفعت معنوياتي للعلا,رغم أنه وسط الكاميرات والفلاشات وتهليل المشجعين,وأنا غارق في أوحال الحياة,ومع ذلك أرفع  رأسي سعيداً وأنا أري ندي في العمر يسبق الجميع بسنوات ضوئية نحو المجد بعزيمته وصبره وبدايته المتواضعة ومواقفه النبيلة كأحد أبطال السير الشعبية,يرفع اسم مصر في الدنيا,الاسم الذي انطفأ كثيراً في السنوات الماضية مع اختفاء أمثال صلاح في كل المجالات,فحدث ولا حرج عن قوتنا الناعمة التي غدت خيبتنا وعارنا,وسط الأدب المبتذل والغناء الهابط والسينما الأونطة,وتواري الرموز وموت الرواد,يظهر  اسم محمد صلاح باعثاً علي الأمل,فإن كان محمد صلاح فعلها فأنت وأنا نقدر أيضاً,هذا الأمل يدفعنا للاستمرار وسط كل المعوقات.
كل لحظة يثبت فيها صلاح أنه ليس بالأمل الكاذب,فمن يملك التربع علي عرش قلوب الأطفال في أنحاء العالم قبل الكبار,وهي قلوب لا تسكن إلا بالمحبة والإخلاص,ويجمع الفرقاء علي الإعجاب به,ويذكرنا بتاريخنا السامي  ومانستحقه حقاً...والليلة تتنكر الدنيا فجأة,فتنقلب الابتسامة الواثقة لبكاء ودموع عجبت لك يا زمن وعجبت أكثر لبعض الناس الذين يأكلون الناس,وتحول الانتشاء الذي أشعر به إلي ألم حاد يعتريني ويعتصر دمعي من قلبي,أهكذا يا دنياي من الثري إلي الثريا,ألم تشفقي علي من يمثل لهم هذا الفتي الفرحة الوحيدة في دنياهم وأنا منهم؟
تذكرني سقطته بالدرما اليونانية وسطوة القدر علي البشر,وكان هذا اللاعب المتسبب في ذلك يد القدر لينطر البطل أرضاً,وسأظل مع الكثيرين نفوسنا مطروحة أرضاً إلي أن يعود صلاح ساكناً في رصانة ومبتسماً في ثقة كأبي الهول,قد تكون هذه بداية سلسلة جديدة من رموز وطنية مشرفة جديدة من العلماء رغم انحطاط وقذارة نظام التعليم,والفنانين رغم الغث الرخيص المنتشر كالجراد,والأدباء رغم الهراء المنشور,وتكون فاتحة لتأسيس جديد للثقافة المصرية,ثقافة لا تعرف سوي الموهبة والعمل والإرادة.

الأربعاء، 9 مايو 2018

بئر سحيق وارتفاع شاهق

روايات دوستويفسكي شبيهه بالنظر إلي بئر سحيق من  ارتفاع  شاهق,هذه البئر هي النفس الإنسانية المعقدة والارتفاع هو موهبة دوستويفسكي العظيم...هذه الاسم الذي يصيبني بالشجن ويصوب لي سهام الرجفة منذ أن أنهيت روايته الجريمة والعقاب قبل سنوات,وقفت أمامها مشدوهاً متألماً.هذا الكاتب أشار للإنسان وقال"هاهو قد اكتشفته لكم فأصبحتم تنظرون لجوهره بدلاً من التحديق الأبله  في مظهره".
يتبع هذا الاسم  في ثقافتنا المعاصرة اسم مترجم قدير التصق به فضمن لنفسه الخلود بجواره بين قراء العربية,هو سامي  الدروبي  الذي نقل دوسويفسكي بشحمه ولحمه لنا في خدمة جليلة لن ينساها له  عشاق دوستويفسكي أبداً.

الأربعاء، 25 أبريل 2018

الخروج من الشقة


أدرت المفتاح في طبلة الباب,ممنياً نفسي باللجوء إلي كهف الوحدة وقوس قزح الصمت,عقب يوم طويل لاقيت فيه ما يلاقي الواحد من أقداره في الحياة,عدت منهزماً ككل يوم أحمل داخلي الحلم وتحاوطني خيبة الرجاء,وأتذكر مقولات المُسنات في أسرتنا"خيبة الأمل راكبة جمل!"..أشعر أن الجمل يسير فوقي بتؤدة المتمهل ليزيد آلامي!
رأيتهم وجوههم في المرآة المعلقة أمام مدخل الشقة,ثلاث رجال يستقبلونني بأقفيتهم العريضة,ووجوهم تتجه شطر المرآة!جفلت علي الفور وكدت أركض-وأنا رجل مضطرب الأعصاب تملأني الهواجس المخيفة ,تقبض علي طمأنينتي بأنيابها الحادة فالحمد لله إنني لم أصب بسكتة قلبية-لولا أن وجدت رابعهم كان يقف خلفي دون أن أشعر,فاصطدمت به بشدة أوجعت عظامي,وأطلقت تأوهاً عالياً يجمع بين الألم وطلب النجدة,ربما لو سمعته في فيلم سينما لتأثرت وسالت عيناي بالدمع,لأول مرة منذ أن دخلت أركز في وجوههم,حين تلفت حولي خوفاً وطمعاً,راعني مظهرهم القبيح ,الصالة بها بصيص من نور تبينهم من خلاله,وجوه قبيحة ورائحة منتنة كادت روحي تخرج منها,طوقني الأربعة من كل الجهات,نفس الأعين العكرة ذات النظرات الوقحة,هي هي العيون التي أقابلها كل ساعة,لكن هذه المرة علي غير انتظار,نفس الرائحة التي كنت أقنع نفسي ألا وجود لها وإنها تتهيأ لي كسبب نفسي لنفوري من الناس,الآن فقط أتأكد منها.
قبضوا علي رقبتي وتحركنا في الظلام نحو الطاولة الخشبية,أجلسوني فوقها ورقدوا علي كراسيّ الهشة المسكينة,سمعتها تئن تحت مؤخراتهم الثقيلة.
لا أعرف ما الذي أنطقني الجبن أم الزبد...آسف! الجبن أم الشجاعة فمنذ أن حدث لي ما حدث وأنا أهذي أحياناً...لا طوال الوقت أهذي حتي أنهم وضعوني في عنبر المجانين ,وبجواري الآن يقبع المهدي المنتظر يحاول إقناع هتلر بالعدول عن حرب عالمية ثالثة,ويقفز بينهما لأعلي, حامي الأرض من ضربات النووي شاهرا طاسة يوجهها نحو السماء صارخاً"احذر يا ترامب!تأدب يا كيم يونج"
-ماذا تريدون؟
رد أحدهم:
-بل ماذا تريد أنت؟
-لا أريد شيئاً...
-كارثتك أنك لا تريد شيئاً,تتمني في خيالك فقط لكنك لا تريد في أعماقك,قانعاً بيومك التافه السخيف يتكرر طوال سنوات عمرك!
-كلا أريد...أريد أن تتركوني أنام لأتمكن من استقبال يوم سخيف آخر!
هزأ الآخر وهو يجذبني من ياقة معطف لم يفلح بوقايتي من برد ديسمبر القاسي,فتركني داخله أرتجف بارد الأطراف وأرنبة الأنف:
-اذهب ونم في الشارع,فهذه شقتنا.
استجمعت أرواح المرحومين أبطال الإلياذة وهم يمزقون بعضهم بلا رحمة في ساحة الوغي,فصرخت-لكن في صوت خافت!-:
-هذه شقتي أنا...سأعفو عنكم!لن أستفسر عن كيفية دخولكم ولا ما ألحقتموه بي من فزع,فقط ارحلوا الآن وسأنسي كل شئ
علت القهقهات من الجهات الأربع,كأن العالم بأسره يسخر مني ويضحك عليّ, تلقيت صفعة من واحد منهم لم أتبين من هو تماماً فقد كانت مباغتة وسريعة,تلون وجهي بالحمرة غضباً وخجلاً وغيظاً من قلة حيلتي وهواني علي الناس.بكيت بحرقة وعلا صوت صراخي وأخذت أرفس وأضرب وهم لا يتحركون لا يشعرون,شتمت بكل قواميس السباب القذر,حطمت المرايا والأثاث,هرعت نحو النافذة ألعن النائمين وصوتي يرن في فضاء الشارع ويجلجل في جنباته,تكالب الأربعة عليّ أطرافي الأربعة,شلّوا حركتي وأسروني...آه تلك الرائحة تكاد روحي تزهق من شدة بشاعتها,كأني أُلقي بي في مرحاض عمومي لم يدخله عامل نظافة يوماً.
جردوني من ملابسي في عز البرد بلا رحمة وجروني نحو الشارع عنوة,بعد أن أشبعوني ضرباً.
ركضت والدموع تملأ عيني حتي قابلتني سيارة بيضاء,نزل منها رجلان ملابسهم بيضاء,ملوحين لي برداء أبيض فردت لهم ذراعي فألبسوني إياه بالمقلوب وأحكموا وثاق يدي حول خصري.
يقولون أنني أتخيل كل ما حدث وأن شهادة الجيران تكذب جميع أقوالي...آه الكلاب أولاد الأفاعي نجحوا فعلاً في إخراجي من الشقي,ورموني هنا,أتعرض لضربات الطاسة الطائشة في سبيل حماية الكوكب!

رواية كشهقة الموت هي


يستقي سعيد نوح روايته"كلما رأيت بنتاً حلوة أقول يا سعاد"من شهقة الموت الأخيرة التي قد تخرج الروح بعدها بسنوات,فالتجربة التي عايشها صاغها في عمل روائي ينضح بحفيف أجنجة عزرائيل تُسمع بين طيات الرواية أسفاً علي وجود الإنسان في الحياة قبل أن تأسف علي موته,كم  هو رخيص الإنسان وسهل اقتناصه بمدفع الموت الحاصد لما لا عدد له من الأرواح البشرية,بعضها يقترب من الملائكة كسعاد والكثير منها لم يخرجوا من همجيتهم الشيطانية.
هذه الرواية جرح نازف لا تطبيب له سوي الكتابة ففي التذكار ما يسلي الروح عن حرمانها,فيستعيد الرواي الحكاية من أولها,ويكتب سيرة الفقد والفقيدة,بشخصية رئيسية تموت فتظهر شهادات من عايشوها؛لأن ما يتركه الإنسان العادي في هذه الحياة ليس إلا ذكري,فأنا وأنت لن نظهر في كتب التاريخ ولا النشرات الإخبارية,غير الأسرة والمعارف لن يذكرنا أحد,وكل من عرف سعاد كلهم يحبونها بدءً من أبيها وأمها لزملائها في العمل,حتي هويدا مشاعرها رمادية,رغم غيرتها لا تقدر علي كراهيتها بل وتحولها بعد وفاتها إلي شخصية صوفية تطلب منها المدد.
"كلما رأيت بنتاً حلوة أقول يا سعاد"مرثية طويلة لمآل الإنسان في الحياة,نص منسوج بمرارة المعايشة المباشرة مع الموت الذي يظل علي الدوام"لا يوجع الموتي,الموت يوجع الأحياء".

الاثنين، 23 أبريل 2018

قراءة في مسلسل نابليون والمحروسة 2


يعالج المثقف الفرنسي رقية وينزع الخيط "التحصين"عنها,يدفن أبيها ويرسم لها لوحة لساعة الوداع,ويسعي  لإلحاقها عند انسبائها في المحروسة.
البيت الجديد يضم الأسرة القاهرية المكونة من الأب الحداد"هادي الجيار"والابن الأكبر حسن"بهاء ثروت"وشقيقه علي"شريف سلامة"وأختهما زينب وعلي رأسهم خديجة سيدة الداربكل ما تحمله الكلمة من معاني المسئولية والاحتواء,لا يختلف الحال كثيراً في الشمال عن الجنوب,الأزمات واحدة تطحن الكل.
لولا ديكور عادل المغربي وأزياء سهي حيدر لوقع هذا العمل في فوضي عارمة بالنسبة للمرئيات البصرية,قام شوقي الماجري بعمل كونشيرتو بصري من الديكور والملابس يعزف مع الكاميرا لوحات تشكيلية لمصر في القرن الثامن عشر,ملابس الشعب وديكور بيوتهم بالمقارنة مع ديكور وملابس قصور المماليك وأعضاء الحملة  يبرز لنا ببلاغة الصورة عمق الاختلاف بين أطراق الملحمة التي نحن بصددها,الصورة والضوء والديكور والملابس يذكرانني بأعمال رامبرانت بصورة كبيرة.
وكما وقع دينون في هوي رقية يقع علي هو الآخر,ثنائية جديدة تظهر ضمن الأحداث,الفرنسي والمصري يسعيان لقلب الأرملة الثكلي,وهي غائبة في عالم آخر...تعيش بروحها مع الموتي الغائبين الأحباب المختفين,لكن تبقي الحياة هي الحياة لابد أن تستمر مهما بلغت بشاعة قسوتها,والمأساة السورية اليوم دليل حي علي جاذبية الحياة واستمرارها ولو علي ذروة قمة الآلام,واستناداً لجينات الإنسان المرتبطة بالحياة تقبل رقية خطبة علي,ووسط هذا الانشراح القصير في مسار الأحداث تموت ورد"أروي جودي زوجة حسن علي يد زوجها المتعصب...بهاء ثروت طاقة فنية لاتجد حتي اليوم من يستغلها بصورة كاملة,ولن تجده طالما يتعامل الجمهور الحالي مع الهراء الذي يقدمه هذا الشئ الذي تجرأ علي اسم مصر وألصقه بالتهريج البائس الذي يقوم به وسمي نفسه زوراً"مسرح مصر"في بجاحة لا حد لها,فالفرق المسرحية الحقيقية لم تفكر أن تحتكر اسم مصر العظيم الهائل رغم ما قدمته من أعمال تفخر بها مصر وتذكرها بالحنين والتبجيل!!المهم نعود إلي ما يستحق الحديث عنه.
لماذا قتل حسن ورد رغم عشقه لها وغرامها به.عشق الأضداد ورد الحنون وحسن الغليظ,ورد المتفتحة وحسن منغلق الذهن ضيق الصدر؟
ورد تهوي الجمال كأي جميلة علي أرض مصر,وللفرنسيون ولع وخبرة بالجمال والفن,وعندما قرر نابليون تحويل خط مصر من الانحدار علي قضبان العثمانيين إلي التقدم علي قضبان الجمهورية الفرنسية,أقام بعض دور الترفيهومنها التيفولي علي حديقة الأزبكية,وهو مكان للموسيقي والرقص ولألعاب المراهنات ومقصقف للمشروبات,حرمه المصريون علي أنفسهم كنوع من المقاومة!!!تلك هي الأزمة التي ستؤدي إلي قتل ورد,فقد خرجت مع صديقتيها لهذا المكان السحري بالنسبة لامرأة في القرن الثامن عشر في ولاية-مصر ولاية!!!!!-عثمانية متخلفة لا تعرف من الدنيا إلا القليل,وتتفاقم الأحداث عند ركوبها مع زوجة أجد الفرنسيين العربة,فيراها زوجها ويشهم رأسها"بلا وعي",طريقة قتل حسن لورد تكشف عن نفسية حسن,فهو بلا وعي ولا ثقافة تجعلانه يقبل ما قبله أبوها الحاج منصور"صبري عبد المنعم"بتفهم,جسن لا يري في الفرنسيين إلا"كفرة"هكذاببساطة!!هذه الذهنية السطحية هي المتسيدة اليوم,موضوعات معقدة خطيرة تستغرق من الباحث فيها عمره,يحكم فيها ضيقو الأفق غائبو الوعي  بكلمة أو كلمتين بكل ثقة الجهل المتفشي,مريحاً ذهنه من التفكير لكنه يتعب نفسه حتي الموت!مثل حسن الذي قتل زوجته بغياب وعيه ضرباً علي الرأس.