الأحد، 13 أغسطس، 2017

يونج ضد فرويد

الشغف المشترك والإعجاب المتبادل وحده هو القادر علي إطلاق الحديث بين شخصين,لحوالي ثلاثة عشر ساعة متواصلة بلا انقطاع,فقط كلام ونقاش وتقليب المواضيع لتتضح أبعادها وتنضج معانيها...هكذا كان لقاء يونج المحلل النفسي الشاب,بأبو التحليل النفسي فرويد الشهير "من حل اللغز الذائع الصيت,وكان أشد الرجل اقتداراً"قول سوفوكلس الذي نقش علي ميدالية أهداها له تلامذته في عيد ميلاده,طبعت ليها صورة أوديب وهو أمام أبي الهول يحل اللغز وينقذ المدينة ويعيد لها الاستقرار,بفضل التفكير واستخلاص نتيجة علمية كان من شأنها قتل الوحش!
هكذا ينظر لفرويد من قبل تلاميذه"الفرويدين"حيث يجلونه بشدة ويأخذون كلامه مقدساً ويدافعون عنه بكل الطرق,مسحورين بإنجازه وسحر اسمه وسعة تأثيره,حتي جاء من اعتبره فرويد خليفته في مجال التحليل النفسي ومثار إعجابه وتقديره كان يسميه أحياناً ابنه ووريثه, وكان يعتبره هو المفكر الأصيل بين تلاميذه الرجل الذي سيخوض بالبشرية في دنيا التحليل النفسي علي غرار عيسي بعد بينما فرويد سينظر لها فقط من بعيد كموسي!جاء يونج لينبذ الكثير من آراء فرويد ويتبني رؤاه الخاصة بالنفس البشرية,متحدياً بذلك سلطة الأب محاولاً قتله والتمرد عليه بحسب نظرية فرويد!!!
قد أُعجب يونج بفرويد منذ أن تعرف عليه عن طريق القراءة والمراسلات وحين قابله اعتبره أهم شخص عرفه قدر فطتنه وذكاؤه اللتان ليس لهما نظير,لكنه كان كأرسطو مع أفلاطون حين قال الأول"إني أحب أفلاطون ولكني أحب الحقيقة أكثر"وكألفريد آدلر خرج يونج عن عباءة فرويد,باحثاً عن هويته وهوية الإنسان,واليوم يدين العالم لفرويد ويونج لتأسيسهما مدرسة التحليل النفسي وبلورة اتجاهها المعروف الآن,حيث بدأ الغوص في أعماقه لتحديد عواطفه ودوافعه مخاوفه وطموحه تاريخه النفسي ومستقبله في عالم يثير الجنون والانتحار,كان لكل واحد منهما رؤيته الخاصة,مما أثري الحياة العقلية في مجال التحليل النفسي"لولا اختلاف الرأي يا محترم . لولا الزلطتين ما لوقود انضرم"بهذه الطريقة يتم دفع ركاب الحضارة والتقدم,بالجدل والنقاشات واستقلال الرأي والثقة في الذات والجهر بالاعتقاد الشخصي المبرأ من الهوي القائم علي أسس علمية,ليس  بالتبعية وتقديس ما لا يقدس واعتبار أن ليس في الإمكان أبدع مما كان,أو كما أرسل يونج لفرويد مقتبساً قول نيتشه"المعلم السيئ يكون جزاءه أن يظل المرء مجرد تلميذ,لماذا,إذن ينبغي أن لا تتجرأ علي مقامي؟أنت تبجلني,لكن ماذا لو سقط موضع تبجيلك واحترامك يوماً؟إحذر حينها ألا يضربك الصنم الساقط من عل ضربته القاضية!أنت لا تبحث عن ذاتك حينما تجدني,ككل الأتباع أتمني أن تخسرني لتجد ذاتك,فقط حينما تنفيني من داخلك يمكنني العودة إليك"
اختلف يونج مع فرويد في
1-اعتبر فرويد أن اللاوعي هو مركز الأفكار المكبوتة,والذكريات,وأن محركه الأساسي الجنس والعدوانية,رآه مخزناَ,لرغباتنا الجنسية,وينتج عنه الهيستيريا,والهيستيريا كانت مصطلحا شهيراً في زمن فرويد,نعرفه الآن باسم المرض النفسي.
ثم جاء تقسيمه للنفس الإنسانية لثلاثة أجزاء"الهو,الأنا,الأنا الأعلي"الهو يشكل دوافعنا ورغباتنا اللاواعية وعلي رأسها الجنس,غير مقيد بأي مانع من أخلاق أو حضارة أو دين أو ضمير,هو فقط يسعي لإشباع شهواته,الأنا هو إدراكنا الواعي,ذكرياتنا وأفكارنا التي تتيح لنا التفاعل مع الواقع المعاش,الأنا الأعلي وهو الضمير الرقيب علي التصرفات,الذي يمثل الأخلاق الاجتماعية المقبولة.
يونج أيضاً قسم النفس لثلاثة أجزاء بالإضافة إلي تقسيم اللاوعي داخل الهو,للاوعي الفردي واللاوعي الجمعي,بالنسبة إلي يونج يتضمن الوعي الفردي كلاً من الذكريات المكبوتة والحرة,واللا وعي الجمعي هو وعاء خبراتنا ومعارفنا التي ولدنا بها.
كان لاهتمام يونج بتاريخ الأديان والروحانيات تأثير كبير علي فهمه للنفس الإنسانية,فظهرت مفاهيمه للمندالا والصور الذهنية الأولية.
-2تأثير فرويد الشهير لتفسير أحلام الفرد ومن خلالها يمكن تحليل رغباته ودوافعه ومخاوفه وآلياته الدفاعية قلقه واضطرابه,شق به طريقاً ملكياً للوصول إلي نفس وعقل الإنسان,حيث يتيقظ في النوم ما كبته وأخفاه طوال النهار,يتحرر من الأنا والأنا الأعلي وينطلق حراً,معبراً عن أعماق الإنسان,ووظيفة المحلل النفسي هي رد هذه الرموز التي ترد في الحلم إلي معناها الصحيح.
الأحلام عند يونج تعتبر النافذة السحرية علي اللاوعي,وعلي عكس فرويد لم يكن يري أن كل محتويات الأحلام بالضرورة عبارة عن رموز جنسية متنكرة تنتظر تأويلها,فمثلاً العصا هي القضيب والفرو أو الطريق الزلق الناعم هو المهبل,وصف يونج الأحلام كمركز لصورنا الذهنية الرمزية,ويمكن تفسير الأحلام طبقاً لتجربة الحالم نفسه.
رفض يونج فكرة"قاموس الأحلام "حيث يتم تفسير الأحلام حسب قواعد ثابتة,فالأحلام تهمس لنا بلغة مختلفة مكونة من رموز وصور و مجازات,تشكل عالم الفرد الخارجي كالشخصيات والأماكن التي يراها الفرد والداخلي كالمشاعر والرغبات والاعتقادات.
وافق يونج علي أن الأحلام تعكس الكثير من أحداث الطفولة كما أكد فرويد في تفسير الأحلام لكنه رآها أيضاً مصدراً للتنبؤات ومصدر فذ للإبداع.
3-الجنس واحد من أكبر النزاعات بين فرويد ويونج إن لم يكن هو الأكبر علي الإطلاق,ففي حين تعتبر الرغبات الجنسية هي كل شئ عند فرويد حيث هو الدافع الخفي خلف كل سلوك,شارحاً لهذا المفهوم من خلال استعانته بالتراجيديا اليونانية من خلال عقدة أوديب وإليكترا,حيث تعتبر الرغبة في المحارم هي الرغبة المكبوتة لدي الطفل ثم تتطور فيما بعد عبر حياته الجنسية وتتجه لنساء أخريات
رفض يونج عقدة أوديب واعتبر أن العلاقة بين الطفل وأمه تقوم علي الرعاية والاهتمام وليس الرغبة الجنسية,واعتبر أن فرويد بالغ كثيراً في تقديره لأهمية الجنس,أن الجنس ليس سوي مظهر واحد من مظاهر القوي الدافعة للإنسان.
4-ككارل ماركس اعتبر فرويد أن الدين طريقاً للهرب عند الناس,وأنه استمراراً لحاجة الطفل لأب يحميه فجاءت فكرة الدين؛لتظلل حياة الإنسان طوال عمره بالحماية والرشاد وأنه يجب أن يحد.
اعتبر يونج الدين جزءً محورياً من حياة الإنسان,وعرض طريقة للتواصل اللاواعي بين البشر,فالرموز الدينية حاضرة في كافة الأديات وتُأول بمعني واحد.
5-الباراسيكولوجي
تشكك فرويد في هذه الخوارق دوماً,والمشهد في فيلم"طريقة خطرة"يوضح جيداً حاثة تصدع المكتبة عندما ربط يونج حدوثها بارتفاع درجة حرارة حجابه الحاجز وتنبأ بأن صوت الطقطقة سيحدث مرة أخري.
ظل يونج طوال عمره مؤمناً بالتزامن والخوارق في اللاشعور,وربما ورث هذا الإيمان من أمه التي كانت لها سابق تجارب في عالم الماورا ئيات,واهتمامه بتحضير الأرواحفي طفولته وحوادث كثيرة في تجاربه مع العلاج النفسي تظهر لنا دور المصادفات والخوارق في هيكلة ذهنه.

 وظهر مبكراً في اهتمامه بتحضير الأرواح في طفولته وحوادث كثيرة في تجاربه مع العلاج النفسي تظهر لنا دور المصادفات والخوارق في هيكلة ذهنه.


الخميس، 10 أغسطس، 2017

ماذا تبقي للمسرح المصري؟


كلما شاهدت التهريج المبتذل المُشوه لصورة المسرح المقدسة في الأذهان,يتوغل في أعماق الجمهور,فيرتبط عندهم اسم المسرح بهذا الهراء الهزلي الذي يبث معاني السطحية والاستسهال باسم أبو الفنون,فكرت في داخلي من من الكوادر علي قيد الحياة في إمكانها بعث المسرح الجديد المصري,المسرح الذي أعرفه بتوفيق الحكيم ألفريد فرج علي سالم محمود دياب ميخائيل رومان صلاح عبد الصبور نجيب سرور أعمال البرنامج الثقافي المُلهمة العظيمة,محمود مرسي سميحة أيوب كرم مطاوع سناء جميل سهير المرشدي وعشرات الأسماء والأسماء في قائمة شرف المسرحي,يقفز في ذهني جلال الشرقاوي ومحفوظ عبد الرحمن-شفاه الله فشجرة الثقافة المصرية العارية لا تحتمل ورقة أخري تسقط -وفاروق جويدة.
وبنص فاروق جويدة ورؤية جلال الشرقاوي وبطولة محمود يس,سميحة أيوب,مدحت مرسي,أشرف عبد الغفور,قدم المسرح المصري واحدة من روائعه"الخديوي"قبل أن يخربه عيال النفط الباحثين الفارغين الباحثين عن الضحكة الرخيصة,والإثارة الجنسية والرقصة المبتذلة والقصة الساذجة,فتنزاح عظمة المسرح جانباً لصالح من يأتون طمعاً في سهرة ماجنة وليلة بين أحضان حسناء,أراها الآن متحسراً علي ما أصاب"مسرح مصر"من ضربة قاضية جعلت المهرج فناناً والفنان عاطلاً!
ألفت صوت سميحة أيوب من المسرحيات الإذاعية,أراها بأذني عبر صوتها وأطرب لها حين تفرح وأحزن حين تبكي,تهزني كسناء جميل وأمينة رزق,حين تتتجليان في الفصحي جلالاً وعظمة,ويقدمان أشهر الشخصيات المسرحية العالمية,وتزداد ألقاً صورة وصوتاً في دور أزهار حبيبة الخديوي القديمة المحبة لوطنها المتنبئة له بالسقوط والمدافعة عنه بالكلمة والحماسة حين يهوي بفعل  السفلة والأوغاد الذين تعجب صلاح عبد الصبور كيف ترعرع هذا الكم منهم في وادينا الطيب!
محمود يس في دور الخديوي...كيف كل هذا الرسوخ علي أرضية المسرح والخفة في تحليق الروح؟!هذا الصوت"الكلثومي"كما وُصِف يخترق السمع,فنعيش مع الخديوي حالماً في عالمه الوردي,بينما الشعب يئن من الجوع والحرمان,يحلم بالأوبرا في وطن يحلم بالرغيف,وبدار الكتب وعصا السلطة الغليظة تدق علي رأس الشعب,وبجنينة الحيوانات والوحوش نهبوا المنازل وقطعوا الطرقات,فكان لابد من السقوط والتعري في المزاد وسط السماسرة والتجار الحقراء,أهل الغرب السارق والشرق الغافل,أصحاب اللحي والبهلوانات,وككل الناس للخديوي نقاط ضعف فهو ككل الرجال يهوي النساء ويتاح له فرصة ارتشاف رحيقهن علي هواه,وككل الحكام تعميه السلطة فيقتل "صديق"صديق العمر الذي رفض أن يصبح كبش فداء,ظن أن المال هو الحل,هو النهضة,هو الجالب للأمان والازدهار,ونسي أهم مشروع...الإنسان.جري نحو القروض ولو اتجه نحو الارتقاء بالتعليم ورعاية أهل الفن والأدب وتخطيط جيد للسياحة لكنا أعظم الشعوب وسالت الأموال بقوتنا الناعمة,بدلاً من مد اليد وإتاحة الفرصة للدخلاء ليحكموا ويسيطروا سواء لبسوا بذلة أو عقال.

كلما عشت مع أثراً فنياً وتركت واقعي البغيض,حين أفيق من نشوة الفن وأري القبح حولي ملء السمع والبصر,أشعر بالغثيان وربما أردد مع الخديوي الذي ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعاً"ماذا تبقي لي؟...ماذا تبقي لي؟"

الخميس، 3 أغسطس، 2017

العلاج علي فراش فرويد

كانت طريقة التداعي الحر التي تبناها فرويد بمثابة إعادة الحياة للذكريات والمشاعر والرغبات المكبوتة في عقل الإنسان,أشياء انطمرت بفعل الزمن القادر علي تبديد وتغيير الجميل والقبيح في حياة الفرد,وبعد تجارب عدة تبلورت علي يده في شكلها الأخير المعروف:يستلقي المأزوم نفسياً علي الأريكة في وضع الاستعداد للنوم,حيث يكون العقل متحرراً من الكوابح البغيضة في عالم اليقظة,ويستسلم للحكي والكلام,ومن خلال الكلام يتجلي للمعالج النفسي ما يعاني منه صاحب النفس القلقة.
هذه هي الطريقة التي جعلتنا نكتشف عالم "نورا كامل",الفتاة الوحيدة المقيدة في مجتمع فسد منذ زمن,وكلما شكي أحدهم من عفونة الجو حوله حولوه لهدف لإطلاق طاقة العنف والوقاحة التي أصبحت جزء من الحياة المصرية اليومية.
تحكي نورا علي بروح"شهرزادية"للمحلل النفسي فرويد كل ليلة قبل النوم جزءً من معاناتها مع نفسها والعالم المحيط بها,لجأت للتفسير العقلي المنظم وهربت للفضفضة الحرة مع أحد أهم علماء القرن الماضي,في إشارة إلي أن المنجي الوحيد لأزمات الإنسان هو العلم والمنهج العلمي القائم علي أسس ودلائل علمية,ففرويد كما أخبرها-في خيالها-ليس حاكماً عليها أو ناقداً أخلاقياً عليها أن تخجل منه,بل هو ممثل لروح المنهجية التي تسعي للفهم والمعرفة,وهما أصعب بمراحل من الحكم الفوري.
تسرد نورا لفرويد وهي علي فراشها الذي نسبته له ماضيها وذكرياتها,بصورة صادقة.الصدق هو سبب الإعجاب الأول بهذه الرواية صدق المشاعر وصدق التعبيرات,تحكي له عن وجهها الآخر صديقتها مريم,عشقها لأحضان رجل بعيد عنها يكتفي منها بمكالمات جنسية تؤجج مشاعرها وتترك شهوتها ملتهبة,حتي تطفئها بصورة غير اعتيادية مع أول رجل يتلقاها في أحضانه,وبالصدق مع الذات وعدم إخفاء تفاصيل ألمها تجد الحب الحقيقي الذي يتفهم ويتقبل ويسامح,وهما الفضيلتان المنسيتان في المجتمع المصري,فالكل ينكر ويحاكم ويقتل ,الكل خائف لا يثق في نفسه يتهرب من مسئولية الشراكة وثمن الصدق,رغم أن مريم مارست الجنس في اتجاه مختلف لا يؤدي إلي فقد العذرية,إلا أنها تشعر أنها فقدت عذريتها يوم أن تاهت في الطريق وأصبحت تسعي في لهفة لأول سراب يقابلها في صحراء الحياة,فقدت عذريتها الداخلية التي تجعل المرأة تهب نفسها للحبيب ليصيرا شخصاً واحداً مكتملاً في لحظات النشوة حيث يجربان لذة الإنسان الأولي ومتعته التي يصبو إليها,لكن مريم تهب نفسها في ظروف شاذة بلا روح ولا عاطفة غير إطفاء شهوة عند الرجل وتعويض حرمان عند الأنثي,ممارسة آلية تفقد العذرية من اللحظة الأولي,علي عكس الهبة العاطفية بتجدد العذرية مع كل مرة كأنها أول مرة.
أما نورا فهي مزيج من عُقد المجتمع المصري التي تتوالد بصورة مخيفة,حيث تصبح مثار اشتباه لمجرد كونها أنثي,فيفرض عليها الحجاب الظاهرة الاجتماعية المستحدثة في المجتمع,لإخفاء أزمته الكبري المتمثلة في المرأة والجنس,وكلما أنكر أو حاول الإخفاء تستفحل الأزمة,وتتفجر لو أظهرت الأنثي ساقاً أو أبرزت نهداً أو ردفاً,تجد كل من يحاول وأدها علي الطريقة الحديثة بالحجب والحجر,يتولّه ويشتعل رغبة,فتزيد حالات التحرش والاغتصاب بصورة لم يعرفها المجتمع من قبل,ولو ناقش الأدب ظاهرة الجنس بثوب إيروتيكي فني,يصبح كمن يضغط للمريض علي مكمن ألمه فيصرخ منادياً بالمنع والكف متفادياً الكشف عن نقطة ضعفه,وما يحسب لنهلة كرم هي مناقشتها للجنس بأسلوب جرئ,سبقته لها كتب التراث بصورة أكثر جرأة وتحرراً...طبعاً لم تكن توصف هذه الأعمال وقتها بالجرأة والتحرر,فقد كان للناس شغلاً أهم من مكافحة رغبة أساسية في حياة الإنسان.

تضغط الحياة اليومية علي نورا فتهجر حلمها في الكتابة,وترتدي قناع يرضي الأم والأب وبلدها والمجتمع والناس,مجرد فتاة عادية تعمل لكسب الرزق بلا روح أو رغبة أو تفكير عملها هو تقسيم الناس لفئات حسب مستواهم الاجتماعي والمادي في إحدي شركات التسويق,لكنها هي نفسها لا تدري كطبقة وسطي مجهولة الملامح -نسأل الله لها الرحمة والسلوان-لأي فئة تنتمي كما لا تدري أهي أنثي كما يخبرها جسدها أم طفلة كما يصمم أهلها,مسلوبة الهوية والإرادة تسير وسط زحام الحياة,خطوتها التالية انتظار العريس ثم إنجاب الأطفال وزيادة عدد أشقياء الإنسانية علي حسب شطارتها,حتي تقابل من يعيد لها حلمها كما أعاد فرويد لها ذكرياتها,الشاب الوسيم المثقف المتفتح زياد,لكن المفارقة أنه عقيم لا ينجب,بصورة تدعو للتشاؤم من زيادة أعداد أمثاله ممن يرون الحياة بمنظار مختلف,بدلاً من منظار القطيع الذي أضلنا إلي السبيل المعوج...علاقة نورا بزياد ربما يفهمها تلميذ فرويد المنشق عنه كارل يونج,فهو المؤيد لعلم نفس التخاطر والظواهر العجيبة في علم النفس التي نشأت بين الاثنين,في إشارات تدل علي أن العالم أكثر تعقيداً وغموضاً من أن يوضع كله في كفة التحليل العقلي,تنتهي الرواية بزياد مرفوضاً من أهل نورا لعقمه وبنورا وقد تجرأت علي نشر روايتها باسمها الحقيقي,ناظرة للسماء لتعطي إشارة لزياد علي سلوكها طريق آخر غير طريق الضعف الذي أضاعه من يدها بعد أن وجدت نفسها,جاءت النهاية سريعة ومفاجئة وكان الأجمل بعض التفاصيل قبل البتر بهذه الطريقة المتسرعة...نهلة كرم سردت أحلام وانهيارات وطريقة خلاص جيل مفقود من السجلات,جرت كل حياته في سرعة عجيبة حتي أصبح الزمان فجأة خلفه بعد أن كان أمامه يحلم به,جيل دُفع به في صخب الحياة وهو لا يحمل سلاح من تعليم أو تربية أو ثقافة وهو الآن مطالب بإصلاح سفينة الوطن,وهي مهمة لن تتحقق إلا بأن يواجه عيوبه الخطيرة ومشاعره المكبوتة المخيفة بفعل تدمير ممنهج منذ عقود لتصير هذه اللحظة الحرجة بكل إحراجها وقذراتها وفشلها الفظيع واقعاً مراً...وليس له تحلية سوي العلم والعمل والفن كمعرض مريم والأدب كروايتي نورا المفترضة ونهلة الواقعية,التي كسرت ما يسمي بالتابوهات,ومن قرر هذه التابوهات في العقول يسلب من الإنسان أهم مشاعره ويحولها لأعماق ذاته فتزيد ظلاماً وإرباكاً ولا تنطلق إلا علي فراش فرويد...

الخميس، 27 يوليو، 2017

لأن هذا العالم لا يطاق


"قل لي ماذا كانت تصبح كلماته لو لم يستشهد؟!"
هكذا يتساءل صلاح عبد الصبور في"مأساة الحلاج"التي يصب من خلالها نقمته وسخريته علي قتلة الحلاج,ويظهره كمناضل سياسي ينتمي للناس في مواجهة فساد السلطة الحاكمة,المتآمرة علي قتله بهذه الصورة الانتقامية البشعة,كأن كل شرور الدنيا انحبست في نفس الحلاج كصندوق بندورا,وهو بكلامه وبسلوكه يصرفها ليفسد في الأرض,فيكون جزاؤه الجلد والصلب وقطع الأطراف والحرق ونثر الرماد ثم الطواف برأسه بين الناس!!!!
هذه المسرحية تزيح وجه الحلاج كصوفي خانته اللغة,فاصطدم بها اصطدام مدوي كانت نتيجته صيحات من قلب مفعم بنار الحب والوله لحد الشطح العارم,ظهر منها قوله بالحلول والإلوهية,لتركز علي وجهه الآخر كمعادي للسلطة وخطر علي النظام القائم بسبب تأثيره في الناس وظهوره في وقت قاتم من تاريخ بغداد,حيث الخليفة المقتدر بالله الصبي اللاهي المشغول بجاريته الرومية وقصوره وحدائقه,الذي أضاع ملكه وظهرت في عهده أزمات اقتصادية تأثر بها فقراء بغداد وكان القضاء ميزان العدل بين الناس في عهده غاية في الفساد والسذاجة وكعادة الخلفاء يموت مقتولاً في صراع جنوني دموي علي الحكم والسيطرة,مستخفياً بلقب يربط بينه وبين اسم من أسماء الله,بينما الوزير حامد سئ السيرة ضال المسيرة,هو الذي تولي أمر محاكمة الحلاج مع القاضي أبو عمر نموذج السادية والتوحش...وقد أكثر التاريخ من ذكرهما لمحاكمتهما الحلاج محاكمة هزلية,تذكرنا بمحاكمات شبيهة في التاريخ وإن كانت تقترن كثيراً بمحاكمة جان دارك.مخيف هذا العالم الذي يتحكم فيه السياسيين العاديين الذين يجيدون التسلق والمراوغة,والقضاة الفاسدين منكمشي الضمير ممدي الكروش,في مصائر صفوة الإنسانية المتوهجة المشتعلة بلهيب علوي لا يبصرونه,سواء تجلي فنياً أو علمياً أو أدبياً أو دينياً,يهوون بسرعة وبلا روية بسيفهم القاسي علي رقاب المتفردين الخارجين عن القطيع الذي يسوقونه صم, بكم ,عُمي ن نحو الهاوية"وإذا جروك إلي أسفل الجذع كمنصور فاثبت بشجاعة,لأن هذا العالم لا يطاق"أجل,لا يطاق كما قال الشاعر الفارسي محمد القوهستاني قبل أن يشنق بأمر من تيمور تبريز مشيراً للحسين بن منصور الحلاج!...لكن كيف نثبت وهو لا يطاق؟!
مأساة الحلاج وآلامه كانت في ناره المشتعلة في قلبه وتميزه ونجاحه في لم الأتباع عبر أسفاره العديدة,وعقد صلات مع وجهاء القوم,وطلاقة لسانه في التأثير فيهم حتي كاتبه أهل الهند بلقب "المغيث" أي المعين وأهل سركسان "بالمقيت"أي القادر علي الإطعام,وناداه الناس في بغداد باسم"المصطلم"وهو الرجل الشديد القادر,فماذا تبقي للحكام والسادة وفقهاء السلاطين,وكيف يكون رد فعلهم والحلاج يسحب البساط من تحتهم.
ربما كان موقف السلطة مع الحلاج مقارنة بغيره ممن شطحوا مثله وأكثر وتركوا في سلام,ماداموا بعيدين عن الجماهير وزرع الأفكار فيهم,يعبر عنه المثل الشعبي"حبيبك يبلع لك الزلط وعدوك يتمني لك الغلط"جلبوه للحكم وحبسوه بسبب إيجاد بديل للحج إلي مكة وهي فكرة لم تكن جديدة ولا من بنات أفكار الحلاج ونفذت بالفعل بصور محدودة لكنها وردت في كتبه,لكنه تمني الغلط من العدو,والحج بالنسبة للحكومات ليس مجرد شعيرة دينية بل هو امتزاج وتوحد واندماج في المجموع في مكان محكوم منه تنتشر الدعوات وتتأجج الشعارات,ويستعلن أمر السلطان.
صاح به الوزير حامد"كم تكتب-ويلك- إلي الناس (تبارك ذو النور الشعشعاني)ما أحوجك إلي الأدب"يظهر هنا حقد وغيظ الوزير علي الحلاج,الذي يقول ما لا يعلمه الوزير,يقول كلامه الخاص المميز الدال عليه الذي أدخله لأول مرة في المعجم الصوفي واستخدمه ابن عربي فيما بعد,ربما تدل هذه العبارة علي السبب النفسي الذي ألب عليه الأعداء وشاع الحقد في نفوس معاصريه الأقزام القابضين علي السلطة,وهو يرون ابن حلاج القطن وذكره يسمو في المدن عليهم وألسنة الناس تذكره وهم في خمول خلف أسوار القصور وأفخاذ الجواري,بينما الشعب يتوجع من سياسة الاستغلال الضريبي الفاحش الذي أذاقه الجوع وعلمه الثورة,وقد خشيت أن يتحول الحلاج إلي ثائر يجمع حوله الأتباع مندداً بالظلم والقهر.
يمكننا الجدل حول شخصية الحلاج الصوفي إلا أننا في نهاية المطاف سنجمع علي إنه لا يستحق القتل,فضلاً عن كل هذا التنكيل المبالغ فيها الذي يشع حقداً وكراهية,عبارة الوزير هذه تكشف عن فن إلباس التهم لأي هدف للسلطة لتصير العبارة والإشارة والإلماح والخروج عن السائد من التعبيرات والأفكار والنظريات والسلوكيات,بمثابة جريمة لابد من العقاب,وفي حالة الحلاج كان العقاب بشعاً ومخيفاً"وعندما يكون القلم في يد غادر يكون منصور علي الجذع بلا مراء,مادام للسفهاء هذه الأبهة وهذه العظمة,لقد صارلزاما عليهم(قتلهم الأنبياء)"علي حد قول جلال الدين الرومي في المثنوي.
هذا الاتهام وتلك اللهجة التعنيفية التي ترتدي مسوح الإلتزام والهداية,هما ذاتهما ما نراهما الآن في حالة جلد مجانين العربدة الجنسية وشهوة التسلط المستترة باسم الخلافة الخرافة فتاة بسبب استخدامها الفيسبوك أو لأنها ارتدت البنطلون أو إطلاق الأعيرة النارية في الهواء أثناء صلاة الجمع لإثارة فضول الناس للخروج والقبض علي من لم يكن منهم في المسجد يصلي حينها فاعتقل"عناصر الحسبة",أو الجلد بسبب محادثات هاتفية واعتباره زنا,والجلد علي مساعدة شاب لامرأة مسنة حيث أن صلة قرابته لا تسمح له بلمسها جسدياً,أو غرامة لارتداء الكعب العالي...هي نفس الحالة العجائبية من أشخاص غاية في الشذوذ والتسلط والوحشية,يستمتعون بملذات الفرج والبطن بلا حد عن طريق السبي والاغتصاب وإشباع لذتهم السادية في الضرب والتعذيب,بينما المحكومين ينزفون دماً وكرامة وحرية كما هي العادة,هذه هي طبيعة المحاكمات التي تنكل بالبشر باسم الإله دفاعاً عن دينه كما يدعون مع أن الله هو القائل"إن الله يدافع عن الذين آمنوا"ولم يطلب من المخلوقين قتل بعضهم دفاعاً عن الخالق!!كثيرون كالوزير حامد وقليل كالحلاج,ذهب القليل ولم يبق إلأ أمثاله من المتسلطين الشهوانين ينقضون علي عباد الله بالسيف والسوط,فتنهار البلاد تحت وطأة ركوبهم أكتافها,ويقتل أو يهرب أو يختفي قسراً أمثال الحلاج,ممن اشتعل فكرهم وقلبهم وحاولوا شق طريق جديد للحياة,بسبب اتهامات هزلية تخلص من أمثالها العالم المتحضر ومازلنا نحن كما كنا منذ ألف عام!
"الناس في بلادي جارحون كالصقور"كما وصفهم صلاح عبد الصبور-مرة أخري!-ينقضون بمخالبهم الحادة علي العصافير المغردة بالشعر الرقيق,يالقسوة الزمان حين يقتل شاعراً له أبيات رقيقة كهذه مثل هذه القتلة البشعة:
يا نسيم الريح قولي للرشا
لم يزدني الورد إلا عطشا
لحبيب حبه حبه ملأ الحشا
إن يشا يمشي علي خدي مشي
روحه روحي وروحي روحه
إن يشا شئت وإن شئت يشا
لأنه يحتاج للأدب لقوله"تبارك النور الشعشاني"كما رأي الوزير والقاضي...ولا حول ولا وقوة إلا بالله هو العالم بما في النفوس مصرف تصاريف الدهور,واهب الموت والحياة موجد القاتل والمقتول وعنده يجتمعان يوم لن ينفع مال ولا بنون,فاللهم من مثل هذا العالم الذي لا يطاق"لا تدخلنا في تجربة,لكن نجنا من الشرير"



الاثنين، 24 يوليو، 2017

بين حياتين

الفن هو الوسيلة الأمثل لاستعادة المفقود,وتعويض الغياب"يا موت هزمتك الفنون جميعها"وبذلك الذي أعلنه درويش منتصراً علي الموت,تستدعي"ماهي" صديقتها المتوفاة عايدة,عن طريق إعادة كتابة يومياتها بصياغة مختلفة,لتصبح بطلة"أكابيلا".
في رواية مي التلمساني تنقسم الذات ووتتغير الهويات,لا تتقبل ماهي نفسها كامرأة حياتها عادية ليس بها إثارة ولا تحرر حياة عايدة,بينما عايدة تعاني من اضطراب حياتها المتمثل في الشيزوفرينيا,وصراع شخصيتها الفنية ورغبتها في الاستقرار مع حسام مع ما أدركته صديقتها جيداً"أدركت أن ماهي مهما أحبت فلن تتورع عن الكذب ولا عن سرقة من تحب وأن رغبتها الصادقة في الامتلاء كانت تشدها رغماً عنها إل ثقب هائل من الفراغ المرعب".حاولت تعويض ذلك بالفن والجنس حيث يتشبع الروح والجسد ويكتمل الناقص بالخيال والاتحاد الجسدي,فيصبح الإنسان ملكاً علي ذاته يري الدنيا من علِ كأنها حلم هو الحقيقة الوحيدة فيها.
في منتصف الرواية تسلم ماهي لعادل كاتب القصة الهاوي مسرحية"لعبة الحب والمصادفة"لمارييفو,وهي تعالج بصورة كوميدية تبادل الهويات والحيوات حيث تصبح الخادمة سيدة والخادم سيداً والعكس,حتي يتمكن كلاهما من الحكم علي بعضهما بصورة غير متحيزة,كأن الحقيقة لا تتبدي إلا بخوض تجربة تنافي مانحن عليه بالضبط,وحينها يتكشف لنا ما نخبئه تحت القناع الاجتماعي المفروض علينا,أو الذي نرتديه للنال رضي الناس ونختلط بالمجتمع من خلاله بصورة طبيعية.
مع اليوميات تتماهي ماهي مع عايدة وتؤثر عليها,وتجبرها علي أن تعيد حساباتها فتشتري شقتها وتصادق كريم أحد أفراد شلة عايدة الروائي العابد لكل النساء اللواتي يعجبنه,بدون وعي-أو بوعي-تتحول ماهي من خلال فعل الكتابة لعايدة جديدة,كاتمة كافة الأصوات المتداخلة في حياتها والتي تشوش علي جوهرها؛لتغني أغنيتها الخاصة"أكابيلا صوت منفرد بلا موسيقي تصاحبه,وحيد ومنفلت ورائق"وتنتهي الرواية بشبح عايدة يحوم في شقتها ويؤثر علي حياة ماهي...دورها في التشظي جاء بين حياتين,واحدة تجد نفسها فيها وواحدة مفروضة عليها....

الجمعة، 14 يوليو، 2017

آلام الطيبين

آلام الطيبين
تُستفتح الرواية بعبارتين,الأولي لبهاء طاهر"كل الأرواح جميلة...وكلها طيبة"والثانية لتوماس هاريس"إن جروح الماضي لتذكرنا دوماً بأن الماضي قد كان حقاً"...
بين هاتين العبارتين تتأرجح شخصيات الرواية الرئيسية, الطيبة المتأصلة في النفوس والحلم بعالم أجمل تسير فيه سفنها بهدوء وسط موج الحياة الغادر, رغم كل الجروح التي التي أصابتها في الماضي بسيوف الأقدار التي حكمت عليها بالوجع, وترويها عن طريق الفلاش الباك في إسلوب تطهري يشبه أدب الاعترافات.
يمنح أحمد سلامة في روايته"محطة الرمل"القارئ قطعة "بازل"مع كل فصل حتي تكتمل صورة كل شخصية,لكن يظل نور لغزاً حتي الصفحات الأخيرة,نور الطبيب الذي يتعذب بذنب إهماله لمريض عجوز,بغواية من نجوي التي تثيره جنسياً فيتركه في العناية وحده رغم اضطرابه النفسي,ليقتنص منها لذته وحين يعود يجده منتحراً فيترك الطب وتزيد عليه حدة نوبات الصرع.
وحين أقارن شخصية نور المعذبة في الرواية التي انتهت حياتها المهنية بتركه وربما الاجتماعية بسبب خيانتها لضميرها المهني لدرجة أنه يتمني القصاص الوحشي من نفسه"لكم أن يصفعني أحدهم فوق وجهي,أن يأخذني من رأسي ويلقي بي في أقرب مقبرة ويدفنني حياً جزاء لما فعلت","....وأخذت أنظر للبحر وأرغب بشدة لو يخرج موجه كي يبتلعني ويدفنني في قاعه"بأشباه الأطباء الذين أفرزتهم جريمة التعليم في مصر المصممة علي شقلبة كيان المجتمع بعدم وضع كل مواطن في مكانه المناسب,ممن يتاجرون في الأعضاء ويرتكبون بأيديهم الأخطاء القاتلة,والمتكسبين من آلام الناس وأملهم في الشفاء,من يقسون علي المريض وأهله بسبب وبلا سبب,أجد أن نور يقسو علي نفسه في مجتمع ربما يراه شخصاً حساساً زيادة عن اللزوم!!!
زهرة التي فقدت زوجها الصعيدي ليلة زفافهم,لاستهتاره برفع علم الشرف من نافذة البيت,فهم يريدون المنديل أحمراً بلون الدم,مسايرة للأغنية المقززة ذات الإيقاع المقبض التي تغني في الأفراح الشعبية"قولوا لأبوها إن كان جعان يتعشي,قولوا لأبوها الدم بلّ الفرشة"يسكب عليه اللون الأحمر فيهللون ويطلقون الأعيرة النارية,ثم يسكب عليه لوناً آخر وآخر وآخر,فيسهمون ويغضبون لسخريته منهم,وفي الفجر يكون مضروباً بطلقة جزاء لما فعل,تريحه من هم الحياة وتظل زهرة تنزف منها طوال عمرها,ويزداد ألم الجرح ويتقيح بلمسة من نور حين يسألها في جاليري منير عن طلاقها,ولأول مرة تشعر المرأة الأربعينية أنه مر عشرون عاماً علي فقدها حبيبها الذي يشبه نور,فتنهار باكية ويصاب نور بحساسيته وعقدة ذنبه التي يكفي مسها مساً خفيفاً لتتحول لحبل يخنق رقبته,فيصاب بنوبة صرع ويكاد يحتضر بين يديها.
منير الرسام البوهيمي الشهواني من الناحية الجنسية الذي ولد مسيحياً يقع في هوي فتاة ولدت مسلمة,في مجتمع ترك العلم والعمل والمعرفة والبحث والفن وكل ما يمت للإنسانية بصلة ليتفرغ بكل وقاحة فجة,ليصنف الناس ويضع بينهم الفروق الدينية والاجتماعية والمادية وكل ما من شأنه أن يحيل الحياة جحيماً, وتتلخص الأنوثة الفياضة بمعاني الحياة والشرف والأمانة في "جلدة"غشاء البكارة, تنفجر المشكلة ويكاد أن تتحول لفتنة طائفية بعدما علمت عائلة سلمي إنها ليست بكراً فيهرب من منير وتختفي سلمي من حياته إلي الأبد ولا نعرف حقيقة أمرها هل هي ملاكاً كما قال منير وليست كاللواتي ينامن في أحضانه أو اخطأت مع أحدهم,أو كما قالت جورجيت أنها ربما تعرضت لحادث وهي طفلة أو ربما ولدت هكذا,سلمي التي غيرت منير وحولت طاقته للفن والرسم ليصبح شهيراُ في مجاله,ويغدو حلقة اتصال زهرة ونور صديقه الوحيد...لكنه مازال يبحث عن سلمي وينتظرها.

حبيبة الجميلة التي كان جمالها سبباً ليخاف منها الناس ولا يقتربون منها أو ليوقع بها من يطمع ارتشاف رحيقها ذي النكهة الأوروبية,إضافة لما عانت في طفولتها من أم مستهترة لا يمكن أن يؤمن علي طفلة معها,وهروب أبيها لأمريكا,ثم سفرها هي له لتتزوج هناك من رجل شاذ سادي سلبها كرامتها وسعادتها محولاً فراش الزوجية الذي يسمو بالمحبين فوق الأرض متحداً عليه جسدين قررا الاتحاد حباً وشغفاً,إلي مكان إذلال وقهر وسادية تحول الجنس من سر الحياة ولذة الحب إلي كرباج يهوي بالإنسان للقاع, تعود لمصر كارهة لأبيها ولأمها رافضة توسلاته وبكاؤه لتسامحه,ثم تتعرف بنور في السفارة الأمريكية التي كان سبب وجودها الحقيقي فيها أنها تريد العودة لأمريكا لرؤية والدها ولم شملهما,يدبرنور  هذا اللقاء لهدف سيشكل صدمة حين الانتهاء من الرواية التي نسج الكاتب فيها خيوطه اللغوية المحملة بطابع سردي شيق,استخدم فيها خلفيته الطبية ليستخرج الوجع من داخل شخصياته علي صفحات الرواية,فيتلقهاها هو من قلب شخصياتها,فينسي من الجاني ومن المجني عليه,حين يطغي الألم والكآبة والتوهان في تعقيدات الدنيا علي الرؤية النقدية لعمل أدبي,أروع شهادة له هو ما يرسمه علي القلوب من بهجة أو أسي.

الجمعة، 7 يوليو، 2017

التخلص الشعري

كأن الشاعر يتخلص من معيشته في الحياة الواقعية,ويسكن في بيت من الشعر يضع في اسمه أو صفته أو كنيته,وهذه الظاهرة تميز معظم الشعراء الفرس,حيث يمتلكون علي الأقل تخلص شعري واحد يستدل به عليهم في ملكوت الشعر حيث مملكة الخيال الخصب,التي تمنح من الحرية والتحليق والاختيار ما تضن به الحياة الواقعية,وربما يتوراي الاسم الحقيقي ليتصدر الاسم الشعري كما غلب اسم"الفردوسي,وحافظ ,وسعدي"علي أسمائهم الحقيقية,يقابل هذا الأمر في العربية طريقة وضع اللقب أو استخلاص لقب للشاعر من أبياته ذاتها.
من أشهرهم
بابا طاهر:وقد لقب بـ"بابا"من باب الإجلال حيث يقصد به الشيخ أو المرشد,في قول ما ترجمته:"استجاب الخالق لنداء قلبي,أنت سند من لا سند له,كلهم قالوا طاهر بلا رفيق,الله معي فما حاجة إلي رفيق"
حافظ الشيرازي:اسمه شمس الدين,وقد داوم علي قراءة القرآن وحفظه وتضمينه معانيه في أشعاره,وقد يرجع تخلصه الشعري لهذا السبب,أو لسبب آخر أنه كان موسيقياً يعزف الناي وعازف الناي عند الفرس يطلق عليه"حافظ",وقد ورد في ما ترجمته"لم أر أحلي من شعرك يا حافظ بسبب القرآن الذي يحويه صدرك"و"لا تتردد عن الذهاب لجنازة حافظ,فحتي لو كثرت ذنوبه سيدخل الجنة"
جلال الدين الرومي صاحب المثنوي:وقد اكتسب اسم"خاموش"وتعني الصمت والسكون في قول ما ترجمته"اصمت فالكون ملئ بالصموت,ولا تدق طبل الكلام لأن الطبل الفارغ يصدر صوتاً"
وبسبب علاقته القوية بشمس الدين تبريز قيل أنه اتخذ اسم صاحبه كتخلص شعري له في قوله"أصبحنا بحب شمس تبريز متكلمين بالحب وصامتين في الحب"و"ياشمس تبريزي تكلم!عن سر ملك الملوك,إذا لم يكن هناك حديث أو صوت أو لون أو رائحة,فمتي يسطع النور بدون شمس"بالإضافة إلي لقبه الشهير"المولوي:"أنا ذلك المولي الرومي الذي يتناثر الكلام من فمه,لكن عند الحديث فأنا غلام للشيخ عطار"
أو قد يكون التخلص الشعري علي حسب المهنة,كتخلص فريد الدين النيشابوري باسم"فريد الدين العطار"أو أبو الفتح عمر بن إبراهيم باسم"عمر الخيام"
أو يأخذ تخلصه من اسم ممدوحه,كمشرف الدين بن مصلح,المعروف باسم"سعدي"نسبة للمدوحه"أبو بكر بن سعد"
هذه طريقة التخلص الشعري في الشعر الفارسي ويقابلها عند الشعراء العرب طريقة وضع ألقاب الشعراء,أما التخلص الشعري في الشعر العربي فهو حسن الانتقال من غرض إلي غرض في القصيدة الواحدة,ورغم روعة هذا التنقل الانسيابي من غرض لغرض آخر,فقد تعرضت القصيدة العربية بسبب لنفي وحدة القصيدة واعتبارها أجزاء شعرية مخلخلة وضعت فوق بناء شعري,تفتقد وحدة الشعور النفسي خالية من التماسك الفني.
ومن الشعراء أصحاب الألقاب الشعرية المأخوذة من شعرهم"الأعصر,المتلمس,تأبط شراً,الحطيئة,الأحوص,الفرزدق,النابغة ,المثقب العبدي..............,.............."
وهناك شعراء التصقت بهم ألقاب الرواة والأمراء"صريع الغواني,أبي نواس,الأخطل"
ومنهم من امتزجت أسمائهم بأسماء حبيباتهم,فرقت بينهم الحياة وجمعهما التخلص الشعري كلاهما في واحد"جميل بثينة,مجنون ليلي,كثير عزة,قيس لبني"
ومنهم من استخدم اسمه في شعره كجرير وعنترة