الخميس، 25 يناير 2018

الخلاص من الوشم!


يُحيل عنوان رواية"الوشم"لرشا عدلي,لمدلول ظاهري واضح,يغدو علامة علي صاحبه,ومع غلاف الرواية الذي تتجاور فيه الأضداد(الصليب المعقوف ونجمة داوود)علي جسد فتاة يحيط بها هالة من دمار الحرب,يغدو المعني جلياً ويُعرف الكتاب من عنوانه,مع الصفحات نكتشف أن لا شئ في الدنيا يمكن تعريفه من وجهه الظاهري,فكل الشخصيات التي تظن البطلة اليهودية إيفا ضحية التعذيب النازي أنها تعرفها يتضح لها بمرور الزمن أنها لا تري إلا سطحها الظاهر الخادع.
يصعب تلخيص هذه الرواية لأحداث؛لأن مضمونها عاطفي خالص,فتاة مصرية تدين باليهودية ترحل مع أبيها الذي يداعبه أمل الثراء نحو فرنسا,بينما هي وأمها استوطنت فيهما مصر ويهجران منزل العائلة كأنهما تنتزعان جزءً من حياتهما وأحلامهما,بينما الأب والأخ لا يريان سوي وهم الثراء والغني,ثم يحدث في ألمانيا ما حدث ويسطع نجم هتلر وفلسفته النازية المقيتة الغاشمة,لتتحول حياة الأنثي الصغيرة إلي جحيم في بين رجاله ونساؤه المتوحشين الشاذين القساة,وتتحول لهيكل آدمي منزوع الحياة,يكتب لها النجاة وتعود لمصر لتجد لدي جارتهم القديمة ديدمونة-أو ديدو كما تحب منادتها- ملجأً وحناناً يحتويانها بروح صاحبتها الطيبة,علي عكس ما تبدو عليه من غلظة وجفاء,تنضم لمنظمة سرية تقاوم ضد الزحف النازي بقيادة روميل,وعن طريق علاقة عاطفية مع الضابط الألماني كلاوس فون ستافنبرج,الشخصية المحورية في عملية فالكيري التي هدفت لاغتيال هتلر المعروفة تاريخيا بـ"مؤامرة 20يوليو 1944",والذي جسد شخصيته سينمائياً توم كروز في فيلم"فالكيري"عام 2008.
هذا الضابط الألماني يبدو لإيفا في البداية أحد وحوش هتلر النازية التي ربيت لافتراس اللأبرياء وتسخر من وصفه بأنه"رجل أربعيني من عائلة ارستقراطية,درس الفلسفة والتاريخ واللغة اللاتينية كما أنه يعد كاثوليكياً متديناً,ولا يعتبره الكثيرون عسكرياً تقليدياً وذلك لاقتناعه بمبادئ الأديب الألماني جوته التي تدعو لدولة ألمانية قائمة علي المثل والقيلم الأخلاقية تقود العالم بمثل تلك القيم والأخلاقيات",تنجح إيفا في مهمتها لكنها تقع في عشق هذا الضابط الذي خالته عدوها,حيث أنه يعلن كراهيته لهتلر وسياسته وقام بتنفيذ محاولة الاغتيال الشهيرة,للإبقاء علي حياة من لا ذنب لهم إلا أن هتلر يكرههم,ولتخليص ألمانيا من هذا الطاغية القاسي...طوال الرواية تستند رشا عدلي لخلفية تاريخية بحثية,تنهض عليها شخصياتها الروائية,التي تصرخ ضد الحروب والقهر في كل أنحاء العالم.
تأخذ إيفا علي عاتقها الدفاع عن حقوق الإنسان وتطارد مجرمي الحرب بكل قواها النفسية التي صمدت أمام الأهوال,وبوجهها الجميل وجسدها الأنثوي ورأسها الصلعاء من أثر التعذيب!في لوحة تشكيلية تزيد إيماننا بالإنسان ولا تنسي إبراز ندوب الحرب.
في الرواية ملمح يشير إلي الحاضنة الرؤوم,أم الجميع,الحانية علي كل مواطنيها,مصر التي كان فيها الملاذ والحمي,مصر التي لملمت فيها آدميتها في بيت جارتها المصرية اليهودية ديدمونة التي نراها من داخلها حين تسرد قصتها المحزنة,في الوقت الذي كان فيه يهود العالم يئنون تحت وطأة التعذيب والقتل كان يهود مصر أصحاب ثروات ونجوم سينما,ومواطنين عاديين يروضون أيامهم في حارتهم,وتروضهم الأيام كما تروض جميع البشر!
في حمي سعيها لاسترداد حقها كيهودية عانت الويلات,تقام دولة إسرائيل,فتتحول إيفا اليهودية المتحمسة لعدوة لهذه الدولة التي فاقت بأفعالها الشريرة كل ما فعله هتلر ونيرون وستالين  وكاليجولا وكل الطغاة مجتمعين,حيث نصبت هولوكست أقبح وأبشع مما صدعت بها دماغ العالم لعقود وعقود استدراراً للعطف...والأهم للمال والتعويضات!إيفا هنا خرجت من دائرة التصنيف,فهي ليست امرأة وليست مصرية وليست يهودية وليست ضحية...هي إنسانة تري بقلبها وعقلها فتناصره وتشعر بالظلم غليظ الحذاء يدوسها فتصرخ لنفسها ولباقي البشر.
في حالات كثيرة أري مثل"فاقد الشئ لا يعطيه"مثلاً أحمق لا محل له من الحقيقة,كحالة إيفا,فالمطاردة المنبوذة المشردة,عادت من جديد لتمنح المأوي والاستقرار والتأهيل والأمان لكل ضحايا الحرب العالمية,بكل ما فعله قساة القلوب بأطفال بالكاد بدأو المشي وفتيات تحولت حياتهن من غنوة جميلة لكابوس فظيع,وأمهات انهدمت حياتهم وعانوا أبشع ميتة,ورجال وجدوا أنفسهم كالجرذان وسط مخالب لا تعرف الرأفة!
قدرة رشا عدلي علي نقل هذه الرسالة الإنسانية,نضجت إلي حد الإبداع فكانت رواية الوشم,إحدي الأعمال في حديقة الأدب المصري الذي يعاني من المتطفلين والتجار والأدعياء الذين يغطون ببريق الشهرة الكاذب علي أعمال حقيقية,تستحق اسم "رواية",رواية تثير الكثير من الشجن والتفكير وإعادة بناء مفاهيم,مع متعة سردية جذابة,لا تجعل من فعل القراءة عملاً مملاً ولا تجعل منه مجرد قتل للوقت...في الوقت الذي نحتاج فيه كل لحظة,لتأسيس جديد للثقافة المصرية,بعد أن تسلعت وتشيئت وتصدر واجهتها باعة الهراء,بطريقة إعلانية لامعة!
رواية الوشم فرصة للدعوة للخلاص من الوشوم,والنظر بتأن وبلا أحكام مسبقة عموماً,تحت الجلود فيتكشف العدو تحت قناعصديق ويتكشف الصديق تحت عباءة عدو!


الاثنين، 15 يناير 2018

الحدقة العربية


علي إثر يوم قاسِ في حياته المدرسية القاحلة,تعرض فيه للضرب المبرح والإهانة علي الملأ بسبب حبه الحقيقي للعلم وسرحانه في مؤلفات أصيلة سيدونها ومخترعات عجيبة يبتكرها,زاره في منامه ثلاث قناديل أضاءوا ظلان الدنيا عرفهم فور رؤيتهم,ابن سينا علي اليمين وابن الهيثم علي اليسار يتوسطهم البيروني,ينضح من أجسادهم حروف العربية في وتتشكل علي صورة أوراق ومعادلات ونظريات هندسية,حاول الاقتراب متلهفاً نحو نورهم المشع,فاختفوا كلهم وتناثرت حروفهم تحلق حوله, وبقي وحيداً مرة أخري في الظلام,وصوت رصين يرجع صداه في أذنيه"بما ورثته ستصير ما تتمني".
تذكر هذا اليوم وهو منكب علي وجهه في معمله,يضع اللمسة الأخيرة في اختراعه الجديد الذي سيضئ للمكفوفين طريقهم,بعد سنوات ظلوا يعمهون في السواد,يتخبطون في بعضهم فينزفون حيناً ويتشاجرون حيناً وأغلب الوقت يقتلون بعضهم خوفاً وطمعاً...حين تيقظ قرر محاربة الظلام بكل قواه,طلب المدد من أجداده في اللغة,من صاغوا الدنيا بحروف معدودة وشقوا فيها سبيلهم الباقي نوراً يستضاء به في الليالي الدوامس,وما كان أقساها!
أنهك نفسه وسط همسات السخرية "فاليوم ليس يوم علم!اليوم يوم لعب وصخب وزينة,يا عيني ستضيع شبابك,وصيحات التحقير"أتظن نفسك آتِ بما عجز عنه علماء العالم المتقدم,من دانت لهم الطبيعة واستسلمت لسطوتهم الأرض"وقول الزور والازدراء"ما هذا الهراء الذي تقوم به؟!قم وافعل لنفسك شئ مفيد,ألا يكفي أنك لم تحصل علي شهادة,انظر لنا ذوي شهادات وأعمال...لقد تأخرت سأتركك في هذا الذي تفعل,جميل سلِ نفسك ودعنا نقوم بجليل الأعمال.وداعاَ!"إيمانه أن الكل باطل كان طريقه نحو الحق.
ظل اللاعب يلعب وصاحب الشهادة الزور يعبث... في المجلات العلمية الراسخة كانت"الحدقة العربية"تنير دراساتها وأبحاثها,وصورته الهيثم دراسة حول تاريخ علم البصريات عند العرب بجوار ابن الهيثم الذي بدت عيناه ضاحكة بعد هم وتسهيد...

الخميس، 11 يناير 2018

الضفة الأخري


النزوع الصوفي في المطلق إبداع فني شديد الخصوصية,فالسيمفونية الخامسة لبيتهوفن تتلاقي مع أشعار الحلاج وصوت فيروز يتماهي مع صفاء الغزالي وتجليات أم كلثوم تتلاقي مع الطاقة العارمة لنجم الدين كبري,وهكذا في العموم...ربما يعبر عنها لكمة مايكل أنجلو لتمثاله المدهش للنبي موسي حينما انتهي من نحته وهو يتأوه "تكلم يا موسي"!!!
بالتأكيد تأوه اشتعالاً ورغبة في تحقيق ما فوق الواقع,هذا ما يرغب فيه المتصوفة,سعيهم المتواصل لرسم صورة فنية لأفكارهم قوامها الكلمة أو النغم أو اللون,يثبون فوق المعقول ليتركوا العاقل العادي في دوامة مزلزلة,متحيراً في فهم هذا الحس السريالي العجيب في أرواحهم المتألقة المحلقة في ملكوت مفارق للعالم الأرضي المحدود المقولب في قوالب وهمية,لا يتحرر منها إلا من كان له نزوع صوفي يسافر به في عوالم الخيال الرحبة!
"خضنا بحراً وقف الأنبياء علي ساحله"عبارة نسبت للبسطامي عند البعض وابن عربي عن البعض الآخر وأحالها البعض للسان ابن جميل,وهذه مشكلة وردت لأكثر من عبارة في تاريخ التصوف الذي هو جزء من التاريخ العربي المعتمد علي السمع والحفظ ثم لو قيض الله لأحدهم أن يدون,يُخلد في الذاكرة الإنسانية درر عظيمة خالدة,بالطبع مرور الزمان وتقلب القلوب يجعل الارتباك أمر بديهي لأي عمل بشري يضطلع بشأن التدوين,فيحصل الخلط والالتباس,فليس من سمع وسكن كمن جري ودوّن!
يُخيل إلي أن  هذه العبارة قالها البسطامي فهو أحب ذكر البحر كناية عن رحلته الصوفية لعل يتجلي له سر الكون الذي دأب الأفذاذ من الناس علي اكتناهه كلاً بطريقته"غصت في بحر المعارف حتي بلغت بحر محمد صلي الله عليه وسلم,فرأيت بيني وبينه ألف مقام,واقتربت من واحد فاحترقت","الناس بحر عميق والبعد منهم سفينة وقد نصحتك,فاحفظ لنفسك السكينة","كن بحراً لا تنتن","نعم القوم تكلموا من بحر صفاء الأحوال,وأنا أتكلم من بحرصفاء المنة,فتكلموا ممزوجاً,وأكلم صرفاً"
هذا العبارة يمكن تفسيرها بمنتهي البساطة من النظرة السطحية الأولي,فمن يكره التصوف لن يعدم أن ينسب لصاحب هذه العبارة كافة الشناعات التي يمكن أن تخرجه من الملّة,وربما استغفر الله بعد قولها,فها هو البسطامي يعلن أن وصل إلي ما عجزت عنه الأنبياء وخاض ما وقفوا أمامه عاجزين!
ومن يحب التصوف سيتنهد في ارتياح,فها هو البسطامي تحت رعاية أنبياء الله الذين سبقوه للضفة الأخري يخوض بحرهم الوسيع لعله يصل إلي ما وصلوا إليه من معارف ومكارم"آخر نهايات الصديقين,أول أحوال الأنبياء.
وهذه من ألاعيب اللغة العجيبة التي خلقت للصوفية أعداء لا حصر لهم وعشاق لا حصر لهم أيضاً.
المستوي الدلالي لهذه العبارة عندي هو حس إنساني شفيف جداً,يري ما لا يراه الآخرون ويسعي إلي ما رغبوا عنه,صحيح أنه خاض البحر ولكنه لم يصرح بالوصول التام للساحل,فهو إنسان في حالة صراع مع ما يجذبه للدنيا المادية وما يصبو إليه من حياة روحانية وسط دوامات البحر المخيف,إنني أتذكر رواية هيمنجواي"العجوز والبحر"حيث كان البحر كناية عن الواقع الذي يصارع فيه الإنسان هدفه المشاكس الخطير,معرض للأهوال والكوراث,لكنه كما قال الإنسان يمكن هزيمته لكن من المستحيل تدميره,نفس هذا البحر يخوضه البسطامي تحدياً لواقعنا العادي في سبيل ضفة حياتية جديدة,لم يكن جدير بها أي شخص آخر سوي الأنبياء,ضفة بكر نورانية تتلالأ وسط ظلمات البحر وبرودته وملوحته وقسوة رياحه,كل شخص من حقه أن يسعي لهذا البحر,بشرط أن يصفو ليراه ويعمل ليخوض.
تفسيرات كثيرة وردت علي لسان المتأولين بين مدافع ومهاجم,لكنني رأيتها مجردة من كل أمر,سوي أمنية لمفارقة ضفتنا الملوثة بشرور البشر الحاجبة لهم عن نور المطلق,وإشارة لهم أن هناك ضفة بعيدة تستحق المخاطرة والخوض وليكن ما يكون,فالسعي كان العظيم ولن يدفع فيها سوي كل عظيم!


الاثنين، 18 ديسمبر 2017

لو نموت معا!


أقابل يومياً الكثير من الموتي؛لأني واحداً منهم!هكذا حدثت نفسي بعد انتهائي من قصة "شرق النخيل"لبهاء طاهر,البطل مات يوم ضاعت أرضه وأحلامه ومات عمه وابن عمه,انعدم وعيه وغاب في دنيا الكحوليات,حيث لا تشعر بأحد ولا تتمني شيئاً,وفي بلادنا التعيسة كلنا موتي,منذ زمن طويل...أجل أعرف موتي كُثر وهم يعرفونني جيداً.
جلجلة وصخب أحداث يناير تنبعث من صفحات هذه القصة التي كُتبت في الثمانينيات عن مظاهرات الطلبة عقب هزيمة يونيو المرة-كم هزيمة مرة أصابتنا-وهو ما أصابني بالوجل والحيرة,كأنه عود أبدي نيتشوي,ندور في حلقة مفرغة الحاضر يكرر الماضي,ذات الأخطاء وذات الغباء,كأنه داء لا يريد مفارقتنا,داء الانهزام والاستسلام,والعذر بيّن ظروف عامة جعلت من ظروفنا الخاصة وأشيائنا الصغيرة لأدوات تعذيب,لا أريد الانجراف لحديث السياسة فقد كرهته منذ زمن بعد أن أصبح الوضع مقززاً,وسقطت كل الخطط الحالمة التي وعدنا أنفسنا بها,كما وعد البطل نفسه أن يستر أرض جده وفشل فضاع وشاب شبابه حتي أضحت السنون تأكله وهو في مكانه,فكيف يتقدم من لا يملك أرضاً يقف عليها,من لا يملك فكرة,من لا يملك إرداة من لا يملك حلماً,هنا يبدأ الواقع البديل المرتبط بالخمر والسكر,حيث الجنان مفتوحة وكل ما يشتهي المرء يجده في خياله.
هذه القصة كعادت قصص بهاء طاهر تصيبني بحالة شجن تلازمني لأيام طوال,هذا الأديب ذو النظرة الوديعة يحمل بين طيات أعماله مشارط جراحية قاسية جداً,يعيد التشكيل والتركيب كجدلية لا تنتهي,ففي أجواء قاتمة تدور قصته,بما فيها من وصف صادق لحالة طلبة الستينيات وتأججهم بحماس تغذيه ثقافة كانت متألقة أيامها,ويشعله حالة هزيمة كاملة حولت مصر لمندبة كبري,هذا الصدق انعكس في الوقت الحاضر,حيث وجدت فيها نفس ما عاصرناه تقريباً,صورة تكاملية في صفحات معدودة مكثفة للحالة المصرية العامة في فترة من الفترات,بحس إنساني مرتبط بنبض الحياة البسيطة,منطلقاً نحو قضايا كبري,كالقضية الفلسطينية وسطوة مراكز القوي والعمل السياسي والاعتصامات.
كان العنوان الجانبي"لو نموت معاً"كأنه يستهل مرثية طويلة لحياة تعسة,وحيدة,مؤلمة,رغبتها الوحيدة هي الموت مع شئ ما...



الخميس، 14 ديسمبر 2017

هيا نخترع شاعراً


في نوفيلا البرتغالي أفونسو كروش"هيا نشتر شاعراً"يتم شراء الشعراء في ديستوبيا كابوسية,هذه الرواية تذكرني بروايات أخري في تاريخ الأدب العربي,لم يكن فيها الشاعر يشتري بل يُخترع اختراعاً,وتنسب له قصصاً وأشعاراً وتصبح جزءً من نسيج الوعي الجمعي عن مرحلة انقضت وتاهت في مغارة التاريخ,ونحاول الوصول إليها عن طريق تدوين ما كان شفاهياً تتناقله الألسن,وحاول أن تحكي حكاية لأحدهم ثم يحكيها لفلان ثم لعلان وتحكي لك مرة أخري،فلن تتعرف فيها حكايتك الأصلية,أو كما قال ديورانت عن مؤرخي الصين أنهم سجلوا كل الوقائع ما حدث منها ومالم يحدث!
تم تصنيف القصائد العربية تحت أسماء عدة منها ما عُرف باليتيمة كعينية ابن زريق المؤثرة أو يتيمة دعد التعليمية!الثانية ظهرت في القرن الثالث الهجري ولجورجي زيدان العذر في اعتبارها أحد قصائد الشعر الجاهلي,فليست هذه هي روح القرن الثالث أو حتي الثاني الهجري,حيث التجدد والانفتاح وظهور المسائل الفلسفية وهجر المعاني القديمة كالبكاء علي الأطلال بل والسخرية مما كان يهز الناس هزاً كقول أبي نواس متهكماً علي امرؤ القيس أحد أعلام الشعر العربي"قل لمن يبكي علي رسم درس ما ضر لو كان جلس"!!ربما تكون هذه القصيدة وقصتها من وضع أحد النحاة أو اللغويين أو القصاصين الذين انتشروا في هذه الفترة؛لشغل الناس عن الصراع السياسي والتشاحن الطائفي والعراك العنيف المتعصب,بحكي القصص والنوادر التي تثير التسلية والمتعة ولا تفجر الأحقاد الحزبية,ومع مرور الوقت أضيفت لها أبيات وأبيات وكم من أبيات جليلة لا يعرف قائلها أو يشُكك فيه,فمن قديم وسوء الظن بالرواة والأخبار قائم في الأذهان علي استحياء وتردد,حتي فجر العميد هذه القضية في رؤيته للشعر الجاهلي بأسلوب منهجي,فأضحي مجنون ليلي الذي امتلأت بأخباره الكتب والمعلقات المؤسسة للأدب العربي وأسماء فخمة وأبيات حكيمة كلها يعاد فيها النظر ويسلب منها الوجود,الغريب أن وسط كل هذه الضجة صمد اسم عجيب لا ذكر له ولا شأن وهو دوقلة المنبجي الذي تنسب له هذه القصيدة اليتيمة,ويأخذ فيها الدور البطل في حبكة درامية مرتبكة,تنتهي بذروة درامية تخيلها الرواة,والبيت الذي يستدلون به عليه عجيب"فإن تتهمي فتهامة وطني وإن تنجدي فإن الهوي نجد"تسمعه الأميرة التي سعي إليها فكان في سعيه مقتله,علي يد شاعر آخر أو كبير حي آخر-حسب المؤلف!-طمع أن يحوز رضا الأميرة بهذه القصيدة التي عرفت من هذا البيت أن هذا الشاعر الزائف هو قاتل بعلها فأعدمته,ربما كانت هذه الأميرة تتمتع بالجمال لكن حسها الأدبي ليس علي ما يرام,فتهامة هي  المكان المرتفع من الأرض وبهذه التسمية سميت المنطقة الجغرافية,وعلي نفس الشاكلة نجد هي المكان المنخفض وعلي كل القصة بصمات الوضع فيها لا تحتاج لمحقق!
بهذه الطريقة يمكن القول أن شاعر القصيدة اليتيمة هو نفسه شاعر قصيدة"تعلق قلبي طفلة عربية"المنسوبة لامرؤ القيس وأشعار الزير سالم وأبي زيد الهلالي وعشرات غيرها في تراثنا العربي,شاعر مجهول تبعه آخرون مجهولون أثروا في الذائقة الأدبية وحبكوا قصص خالدة أحببناها وعشنا فيها وفي فترة من حياتنا صدقناها وتأثرنا بأبطالها العلامات في ثقافتنا العربية,وفي أحيان كثيرة كانت القصة توضع والقصيدة تنظم ثم يُخترع لها شاعراً ما,كما حدث مع المدعو دوقلة المنبجي في قصص واقعية لم تدون,تحت عنوان"هيا نخترع شاعراً"!

الجمعة، 3 نوفمبر 2017

تجليات الروح

في المستقبل سيصبح لكل إنسان روبوت خاص به يساعده في الطبخ وفي تربية الأطفال وفي قيادة الطائرات وفي التعليم عندها سيصير  أمراً عادياً مثلما يملك الواحد منا هاتفاً ذكياً اليوم,هذه هي رؤية العلماء في البلاد المتقدمة الواعية لمستقبل الإنسانية العاملين عليه اليوم,وقد تكون الروبوت صوفيا المبهرة المخيفة... "السعودية"!-عجبت لك يا زمن!-بداية حقيقية لشراكة بين البشر والآلات,في عالم يفوق قصص وأفلام الخيال العلمي غرابة,قد يمنحون سر الحياة العجيب من الوعي والإدراك والفطنة وحسن التدبير,لكنهم يسنقصهم "الروح"هذا المفهوم الغير مفهوم علي الإطلاق ومع ذلك نشعر به مع كل نفس وكل لحظة,كيان أثيري غامض خفي يربطنا بالوجود من حولنا,ويقيم أجسادنا لمواصلة التجول في ميدان الحياة الفسيح اللولبي,حيث تتشعب الطرق وتتختلف الاتجاهات,تُكتشف العوالم وتتطور العلوم,تقوم الحروب وتبني الحضارات,تكتب النصوص الخالدة وترسم اللوحات ويقوم المعمار البديع,وبمجرد أن تغادر الروح الجسد يقع أرضاً ذلك المخلوق الضعيف الذي شق في صخور الحياة قديماً علومه وفنون ,واليوم يشق في المعادن والكهرباء والذكاء الاصطناعي حضارة جديدة من الآلات الذكية والتكنولوجيا المثيرة,تجعل السؤال عن حقيقة الروح سؤال مصيري في زمن تزحف فيه الآلات حول الإنسان وتتفوق عليه وتجعل كا مافات من ماضيه كوم(كون) والقادم كوماً(كوناً)آخر.
لنبدأ في شرح عبارة"هواها يرد الروح"من السبب القريب المباشر البيولوجي.
مع كل شهيق نحصل عليه من خزان الهواء الطبيعي علي الأرض,تُرد الروح من جديد بعد أن ضاعت في الزفير السابق,حيث تقوم الدورة الدموية بعملها في رد الروح من جديد بعد أن فقدها الإنسان,كأنه يحيا طوال فترة وجوده بين الحياة والعدم وهو يعد نفسه أحد سكان بيت الحياة,مطمئناً لليوم آملاً في الغد!
منذ أن اكتشف الطبيب المصري محيي الدين التطاوي عام1924 مخطوط ابن النفيس"شرح تشريح القانون"وهو يطالع في مكتبة برلين وهو أحد الطلبة في جامعة فرايبورغ الألمانية فصاغ بعد نضال أطروحته"الدورة الر ئوية تبعاً للقرشي"بعدما تبين له أن ابن النفيس هو أول من تحدث عن الدورة الدموية كما نعرفها الآن وحيث ذكر أن للقلب تجويفان لا ثلاثة كما قال الأطباء الأوائل,وبأن الدم يتجه إلي من التجويف الأيمن إلي الرئة,ويختلط بالهواء داخلها,ثم يعود للرئة عن طريق الشريات الوريدي ثم إلي التجويف الأيسر بالقلب,منطلقاً إلي بقية أعضاء الجسم,وهكذا تصير الروح المتعلقة بالهواء في عنصرها المادي تقوم برحلات لا تنقطع بين الرئة والقلب,ومن عباراته:"إن القلب لما كان من أفعاله( توليد الروح)وهي إنما تتكون من دم رقيق جداً,شديد المخالطة لجرم هوائي,فلابد وأن يحجل في القلب دم رقيق جداً وهواء ليمكن أن يحدث الروح من الجرم المختلط منها,وذلك حيث تولد الروح,وهو في التجويف الأيسر"
بهذه الطريقة البيولوجية يُرد الهواء من جديد في الروح.
وبما أن لي روح فسأعتمد عليها لأتمكن من معرفة أي شئ يمكن أن يرد الروح بالمعني المجازي,ببعث الرغبة في الحياة والمشاركة الوجدانية في هذا العالم الملغوم الخطر,يأتيني علي الفور الحب والغرام وإيجاد النصف الثاني الذي هو الروح في حد ذاته"هواها يرد الروح"المحبوبة حين تتجلي علي مرآة القلب فتصبح هي الهواء الذي يتنفسه المرء,وتخطر لي أمي العظيمة إيزيس وإعادتها الروح لأوزوريس بعد رحلة زادها الأمل ومطيتها العمل وواحتها الارتباط الروحي...رحلة لم تجد شاعرها العظيم بعد ليضعها فوق الإلياذة والكوميديا الإلهية والفردوس المفقود والسيرة الهلالية في الوعي البشري العام رغم كونها مبثوثة في كافة آداب العالم حتي صرخ منها جوته لأنهما لا يبرحانه,إيزيس من ضاعت روحها بعد موت أوزوريس فعزمت علي البحث عن أجزائه وجمعها من جديد وبعث الروح فيها لتعود لها روحها.
سمعت عن امرأة مرضت بمرض خطير ولم يرج لها الشفاء,أُجريت لها جراحة كانت هي أملها الضعيف,اندهش الطبيب من نجاحها وسرعة تعافيها,ما كان يؤلمها أن زوجها من ذوي النفوس القاسية منع أطفالها الصغار من زيارتها في المستشفي طوال أيام مرضها؛لخلاف مع إخوتها الذين مكثوا معها,عادت إلي المنزل ورأت أولادها وفي صباح اليوم التالي فاضت روحها لمستقرها الأبدي,قال الناس أن روحها كانت معلقة حتي تري أطفالها,هي السبب الأساسي في رد الروح لها وحين ملأت عينها منهم وتشبعت روحها بهم,سلبت الروح التي ردت لها في فترة مرضها..
لكل فرد في هذا العالم هوي/هواء خاص به يرد له الروح لو أنصت لصوت ذاته بعيداً عن ضجة وهراء عديمو الفكر الغوغائيين الذين يحتلون الكرة الأرضية علي مر الأزمان,لو فارق المادة الفاسدة المفسدة وتشبث بمخالب نسر وقلب عصفور بالنداء الباطني فيه فسيُرد له الروح,ويحيا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان ومن التصاق بفعل الإحياء الذي لا يعني ميلاد المرء قدر ما يعني مقارعته لوجوده,ليغدو فصلاً جديداً في رواية الحياة المدهشة.
ليس كل هواء يمكنه توليد الروح بهذا المعني المغاير للمعني البيولوجي الذي لا يخضع لإرادة أحد,فالحب يمكنه اتخاذ شركاء عدة,مثلما أحب الكاتب الفرنسي العظيم فيكتور هوجو باريس ووصفها بأنها"المدينة التي وُلدت بها روحي"هذا الهواء مختلف هواء يثير الذهن ويحيي الموهبة,فالتهبت في موقد هذا القلب الإنساني الكبير حرارة الحياة,وولدت للأدب الإنساني الجائع  جان فالجان وكوزيت المعذبة وأحدب نوتردام كوازيمودو والغجرية إيزميرالدا,هواء تخمر عن أرواح لها براح في قلب الكون,نفس الهواء في القاهرة يرد الروح في قلب نجيب محفوظ فتتولد روائع الحرافيش والثلاثية والقاهرة الجديدة وبداية ونهاية,وهكذا كل أديب في مدينته التي كتب عنها وأحبها,فرد له هواها الروح,وكل فنان ومبدع له هواه الخاص ليرد له روحه فتخرج السميفونيات والأغاني والأفلام والروايات واللوحات.
"قد رأينا من خلق السودان على العموم الخفة و الطيش و كثرة الطرب فتجدهم مولعين بالرقص على كل توقيع موصوفين بالحمق في كل قطر و السبب الصحيح في ذلك أنه تقرر في موضعه من الحكمة أن طبيعة الفرح و السرور هي انتشار الروح الحيواني و تفشيه و طبيعة الحزن بالعكس و هو انقباضه و تكاثفه. و تقرر أن الحرارة مفشية للهواء و البخار مخلخلة له زائدة في كميته و لهذا يجد المنتشي من الفرح و السرور مالا يعبر عنه و ذلك بما يداخل بخار الروح في القلب من الحرارة العزيزية التي تبعثها سورة الخمر في الروح من مزاجه فيتفشى الروح و تجيء طبيعة الفرح و كذلك نجد المتنعمين بالحمامات إذا تنفسوا في هوائها و اتصلت حرارة الهواء في أرواحهم فتسخنت لذلك حدث لهم فرح و ربما انبعث الكثير منهم بالغناء الناشئ عن السرور. و لما كان السودان ساكنين في الإقليم الحار و استولى الحر على أمزجتهم و في أصل تكوينهم كان في أرواحهم من الحرارة على نسبة أبدانهم و إقليمهم فتكون أرواحهم بالقياس إلى أرواح أهل الإقليم الرابع أشد حراً فتكون أكثر تفشياً فتكون أسرع فرحاً و سروراً و أكثر انبساطاً و يجيء الطيش على أثر هذه وكذلك يلحق بهم قليلا أهل البلاد البحرية لما كان هواؤها متضاعف الحرارة بما ينعكس عليه من أضواء بسيط البحر و أشعته كانت حصتهم من توابع الحرارة في الفرح و الخفة موجودة أكثر من بلاد التلول و الجبال الباردة و قد نجد يسيراً من ذلك في أهل البلاد الجزيرية من الإقليم الثالث لتوفر الحرارة فيها و في هوائها لأنها عريقة في الجنوب عن الأرياف و التلول و اعتبر ذلك أيضاً بأهل مصر فإنها مثل عرض البلاد الجزيرية أو قريباً منها كيف غلب الفرح عليهم و الخفة و الغفلة عن العواقب حتى أنهم لا يدخرون أقوات سنتهم و لا شهرهم و عامةً مأكلهم من أسواقهم. و لما كانت فاس من بلاد المغرب بالعكس منها في التوغل في التلول الباردة كيف ترى أهلها مطرقين إطراق الحزن و كيف أفرطوا في نظر العواقب حتى أن الرجل منهم ليدخر قوت سنتين من حبوب الحنطة و يباكر الأسواق لشراء قوته ليومه مخافة أن يرزأ شيئاً من مدخره وتتبع ذلك في الأقاليم و البلدان تجد في الأخلاق أثراً من كيفيات الهواء و الله الخلاق العليم و قد تعرض المسعودي للبحث عن السبب في خفة السودان و طيشهم و كثرة الطرب فيهم و حاول تعليله فلم يأت بشيء أكثر من أنه نقل عن جالينوس و يعقوب بن إسحاق الكندي أن ذلك لضعف أدمغتهم و ما نشأ عنه من ضعف عقولهم و هذا كلام لا محصل له و لا برهان فيه و الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم."
يعزز كلام ابن خلدون هذا علاقة الهواء بالروح بالمعني بالمفهوم التطبيقي,حيث يري أثر الهواء في نفس الإنسان وسلوكه ورؤيته للحياة, ما يخصنا هنا هو آلية التفكير التي حاولت بلورة العلاقة بين الروح والإنسان,فالهواء هنا يرد الروح للإنسان أيضاً وهذه الروح تنعكس بحسب حالة الهواء,بل تؤثر في الأمم والمجتمعات فالسودان غير فاس بسبب حرارة وبرودة الجو,ولطالما نوّه مفكرون كبار أن الجو الحار عندنا هو سبب تخلفنا بلانا بالكسل والإهمال,بينما البلدان الباردة تكثر في الصناعة والعمل وتتقدم بها الحضارة بصورة مطردة...فكيف بنت مصر وجيرانها الشرقيون حضارات مذهلة نمت وغذت الدنيا بآدابها وفنونها وثقافتها؟!... مع ذلك للجو أثر في حياة الإنسان الروحية الدينية فما أجمل للهندي القابع في مناطق يغلي هواؤها من حالة السكون والتأمل لينتج لنا فلسفات عميقة,ونظريات تدعو للسلام والسكينة في عالم يُنسي فيه الجسد وتطفو الروح في قاربها المفارق لعالم الأرض في جندول السماوات الصافية,بعيداً عن حرارة الأرض الغير محتملة.
يردد الناس في مصر عبارة"هواها يرد الروح"كإحدي التجليات لثقافتنا الأصلية,كصدي من قصة الخلق المصرية,حيث كان خنوم خراط البشر يصنعهم أجسادهم من طمي النيل علي عجلته الفخارية,ثم ينفخ فيها آمون(المحتجب) من روحه لتصير بشراً سوياً,هذه الفكرة التي تمظهرت في ديانات البشر بصور شتي...ربما يكون معني قولهم"هواها يرد الروح"  أن الروح كانت ضائعة في حاجة لمن يردها,أو كأنها في الأصل مفارقة للذات وتحتاج لمؤثر خارجي ليعيدها لنفسها.




الأربعاء، 18 أكتوبر 2017

شجون زيدانية

شجون زيدانية
هربت ذهنياً من هذا العالم حين سالت دماء الحضارة السورية صخراً ومنحوتات تبكي زمن مجيد,كانت فيه سوريا مشاركة في فعاليات العقل الإنساني منذ بدأ يزدهر ويلد ما نراه الآن عجائب,أثر ذلك فيّ علي المستوي الشخصي كثيراً قنعت من حياتي العملية بموقعي في هذه المتاهة الخطرة المسماة بالسوق والتجارة أجادل علي الجنيهات وأقف مهزوماً أمام التوسلات,رغم أني عشت حياتي كلها غير عابئ بالماديات لإيماني بأن مصيرها للفساد,وغير مهتم بالمال لا أسعي خلفه ولا انتظره,تأتي لي الفتاة تريد شراء جهازها فأري اشتياقها وإصرارها علي الكثير والغالي,فأترك العمل وأنظر متحسراً"اللي مفروض ندي له الاهتمام ده كله الحب والوفاء والإخلاص والتفاهم مش شوية سجاد ومفروشات معرضين زيهم زي أي حاجة في الدنيا إنهم يقدموا أو يتقطعوا أو يحصلهم أي حاجة"يتأثرن قليلاً ويؤمن علي كلامي ثم يعدن للاختيار وتعبئة الأكياس!
مع الوقت فقدت أي رغبة في معرفة أي شئ يدور حولي من أحداث بين الدم والهراء,أتخيل الأخبار اليومية راقصة تخرج علي المسرح فجأة فيقفز فريق من الناس يطبلون ويضربون الصاجات ويتشقلطون علي الأرض,تنتهي الفقرة وتدخل راقصة أخري(خبر آخر)فيعود المولد ينتصب من جديد فينسي الناس الراقصة(الخبر) القديمة...وهكذا!
ظلت أسئلة يوسف زيدان وحدها هي ما يشحن ذهني ويعذبه,منذ بدأت قبل سنوات ولي معها ذكرياتيوسف زيدان...وأنا,هي من تفتح لي نافذة علي الكون,كشخص لم يتلق تعليماً في كافة سنواته اللاتعليمية لم أتمكن من فتحها بنفسي,ففرحت من قلبي حين وجد يده تشير هنا وهناك للتاريخ للعلم للفلسفة للفن للدين للحب لكل ما يجعل الإنسان إنساناً,فأصبحت أهم شئ في يومي سؤال يطرحه خير لي من"بيعة"-ياللاسم البشع-أكسب فيها مبلغاً محترماً وسمعة تجارية لأنني رغم كل الضغوط في كار التجارة الزئبقي بداخلي نداء"النفس تبكي علي الدنيا وقد علمت أن السلامة فيها ترك ما فيها"لكن الدنيا لا تريد أن تتركني!يوسف زيدان نفسه حين كان يظهر في برامج ويتكلم عن الإسراء والمعراج أو صلاح الدين لم أكن أشاهدها خشية أن أجد صورة قتيل هنا أو تفجير هناك أو مصيبة هنا أو مولد منصوب هناك,وعموماً أمثال هذه القضايا ما خفي فيها كان أعظم!لكن النظرة السطحية المتغلغلة في العين المصرية لم تعد تري سوي ما تريد أن تراه,أو بالأحري ما يريد غيرها أن يجعلها تراه,لكني حين سمعت أنه سيتكلم عن الكتب أدرت التلفاز لأول مرة عن إذاعة البرنامج الثقافي وماسبيرو إف إم وقناة ماسبيرو زمان وجلست لعلي آخذ دفقة جديدة تحرك ما ركد بداخلي بفعل فاعل مجهول,المجتمع,الناس,الظروف,الحياة,الوجود أو لأكن شجاعاً وأقول أنا نفسي!
بعد الحلقة ظننت كشخص ساذج سئم من كثرة العباقرة حوله مما جعله يردد:"هو كله بقي مفتح وبيفهم؟!كلها بقت معلمين؟!أومال المغفلين والبهايم اللي ودونا في داهية راحوا فين؟"أن الكلام كله سيكون عن دور الكتاب والثقافة والتعليم وقد يظهر جروب علي الفيس بوك يشارك فيه المهتمون عن كل كتاب سيتكلم عنه,وربما ناقش علي صفحته الكتب,وتبدأ موجة جديدة من موجاته الكهربائية التي يصدمون بها أشباه الموتي لعلهم يعودون مجدداً للحياة,لكن ولأن كله أصبح معلم وفاهم ومفتح وأنا المغفل الأخير في هذا العالم,تحولت الحلقة لمولد منصوب وبعدت عن مسارها,أعتقدت إنه عن قصد وعمد,فلو لم يتم التعمية عما قاله وأثر في الناس ليفتحوا الكتب وينبشوا في الأفكار فسيتوقف سوق الكلام الخايب والتافه والمستفز,وسيصبح كل شخص سيد رأيه الذي تعب في تكوينه بحثاً وقراءة وفهماً,وبدل فتح التليفزيون فتنفتح حنفية الإعلانات سيُفتح الكتاب وتنهمر حنفية الأفكار,لكن المولد نُصب وكان صاحبه هذه المرة "أحمد عرابي".
طالما هزني عرابي في طفولتي وخاصة صورته فوق جواده بشاربه ووجهه المصري العادي وكلامه الحامي كفلاح يقول للغولة عينك حمرا,يقف في مواجهة الخديوي الذي يبدو كأنه يستعطفه,بعدها لا أذكر أين قرأت أن هذه الواقعة لم يحكها سوي عرابي!ثم ربطت هذا بكلام عبد الله إمام عن حالة الفلاح المصري قبل جمال عبد الناصر,واهتزت صورة عرابي ,لكن بقي المثال وكلام يوسف زيدان أيضاً لم يمح هذا المثال...الحلم!
حسناً...عرابي فوضوي براجماتي أو بطل قومي موضوع مهم لكن الأهم منه أن نقرأ عنه لنكون رأياً خاصاً بالسلب والإيجاب,وهذا كان مضمون كلام زيدان فلماذا ترك المفتحين العباقرة المضمون وتمسكوا بالقشرة الهشة,ألم يقرأو مثلاً يوماً لمستشرق يحلل الإسلام والنبي والقرآن والمجتمع القرشي تحليل نقدي يهاجم ويعلن عن نظريات تمس صميم الصورة المثالية الغير معترفة بأي أسباب أرضية,ليدركوا أن اتفاق كل الناس علي أمر واحد ضرب من الجنون والخبل حتي ولو كان هذا الأمر مقدس وتابو محرم الاقتراب منه عندهم!
يؤكد زيدان إننا مجتمع يقرأ وأرتعب,فلو كان هذا حال مجتمع يقرأ فما هو حال المجتمع الذي يقرأ,يهاجم عبد الناصر وأنا أُعجب به,يطرح نظرة مختلفة عن عرابي فأتقبلها,لعلمي أن لكل شخص في هذا الحياة عالمه الخاص هو حر فيه له الحق في تشكيله كما يشاء كما يقول المثل"كل واحد في نفسه سلطان"ليس لأحد الحق في الحجر علي ما يقول وخاصة حين يصدر من رجل ندر نفسه للفكر والثقافة فأنتج ورأي ثمار ما زرعه طوال عمره كتباً ومحبين وقراء,ليقول ونسمع نحن ونناقش...لكن ما حدث مفزع تركوا ابن سينا وابن النفيس وهايزنبرج وبرتراند رسل وويل ديورانت وأبو نواس وصلاح عبد الصبور وكل الأفكار المبهجة التي عرضها وخرج فريق من الناس الذين يبغون التشويش علي الناس ويرفضوا وصف عرابي بالفأر ومعارضة بناء المساجد والتشكيك في القرآن؟!من وصف عرابي بالفأر ومن شكك في القرآن ومن عارض بناء المساجد؟!ماذا حدث؟! من قال؟! أين نعيش؟!هل هذا حقيقي؟!من أنتم؟!يبدو أنني سأموت ولن أعرف كالقذافي من أنتم؟!
في المرات القليلة التي قابلت فيها يوسف زيدان لم أستطع مجرد الكلام,كنت أراه هضبة كبيرة من الأوراق والكتب والمجلدات,كنت أشعر بالهيبة الشديدة ولم يتمكن هو ببساطته وتوجيهه الحديث لي ذات مساء سكندري علي الشاطئ واستفساره عما أقرأ أو أكتب وتشجيعه المتواصل أن يذوب هذه الهيبة بل زادها بجمعه بين هذا وذاك,وشعرت بالغيظ من عمر أديب كلما ضحك محاولاً تخفيف وقع الكلام.
وأنا من موقع البسيط في خضم السيرك المجتمعي البائس وبشجن يثيره فيّ كلما سمعت ندواته علي اليوتيوب وبطاقة النور التي يفتحها لي بأسئلته التي أدين لها,أناديه أن يعتلي جواد المعرفة هو بذاته ويواجه سلطة جديدة مخيفة دمرت العقول,وأن يستمر ويعمل ويحرك البركة الآسنة المتعفنة,لعله في يوم ينبت علي ضفافها زهرة تصيح في وجه المسوخ:لأنه مهد لي الطريق أنا نبتت هاهنا!

أشعر أنني فقدت القدرة علي أكثر من هذا,فأنا حقاً مرتبك وفزع ومؤرق مما حدث...لكن بحلقات جديدة عن الكتب وأسئلة جديدة وندوات جديدة,ربما يتكشف لي ما يدفعني علي الاستمرار...إنه الصراع الأبدي بين المهرج الساحر القديم الذي يقنع الجمهور بأنه علي حق وبأنه هو المتحكم الصادق المتمكن في أمور الناس,وبين العالم الموضوعي الذي يأخذ بالأسباب ويبحث ويدفع الناس علي التفكير الذي من شأنه أن يهتز عرش الساحر الكذاب الذي كان هو أول متسلط علي الناس بألاعيبه وضجته الفارغة...وما زال الصراع قائماً عندنا كأننا نعيش قبل آلاف الأعوام!