الخميس، 21 مارس، 2013

من محاورات أفلاطون



من محاورات أفلاطون


من الممكن أن يكون سقراط شخصية أدبية,ابتدعها أفلاطون,كي يقول علي لسانها ما يريد قوله,شخص لم يوجد أبداً,أو نبي مرسل من السماء دعا إلي التوحيد.
لكن من المؤكد أنه رجل حكيم,وفيلسوف حقيقي؛لأنه أدرك مبكراً جهله التام,ولما علم أنه لا يعلم شيئاً علي الإطلاق سعي للعلم والمعرفة,وبدأ يطوف علي الناس في شوارع أثينا وأزقتها,متسائلاً عن طبيعة الأشياء رافضاً أن يقبل أي إجابة كأمر نهائي مسلم به,مشككاً في آلهة الأولمب,يسأل لتولد الأفكار بنفسها,ربما كان سقراط هو الفلسفة ذاتها,وليس أبوها,وربما كان من وحي خيال أفلاطون,ليوجع دماغ أبونا وخلاص.

لم يع سقراط أحياناً ما يقوله,وربما لأنه وعاه عمل به وجلب علي نفسه الموت,وهكذا هي الفلسفة,سعي حثيث للموت,وتجربته بمختلف الأشكال,حتي عملية التخلص من الجسد الفاني والهروب منه إلي ما هناك.....فسقراط يقول مثلاً لأوطيفرون,في محاورة أوطيفرون:" إن الأثينيين لا يحفلون بالرجل إذا ظُنَّت فيه الحكمة,أما إذا أخذ يبث في الناس حكمته فإنهم عندئذ ينتحلون سبباً لغضبهم عليه"
إذن,ربما يكون سقراط بالفعل نبي,شخص يواجه العالم كله ويتحدي الموت ويلقاه هادئاً راضياً,حاملاً رسالته لهداية البشرية إلي نور العقل.ليس من المستبعد فقد بدأ خالد محمد خالد كتابه محمد والمسيح,بفصل كامل عن سقراط يمهد لمجيئهم,يظن العديد من المفكرين أن سقراط نبي,عدنان إبراهيم أحدهم مثلاً,سيرة حياته كما وصلتنا فعلاً مثيرة للتأمل.
في محاورة أفلاطون لأوطيفرون,تجده يتناول قضايا التقوي والعدالة,وهل هما واحد,ولمن نؤدي شعائرنا الدينية,أليس للآلهة,وكيف تستفيد من تلك الشعائر الآلهة,ولو كانت تستفيد منها,فهل تساوي إفادتنا لها ما نستفيده منها,وسبب الشات الفلسفي بينهما,ان أوطيفرون قد قام والده بقتل أحد العبيد,وذهب للمحكمة ليقيم الدعوي علي والده,وهناك يقابل سقراط الذي يتهمه البعض بالفجور,وحين يعلم سقراط بسبب مجئ أوطيفرون,يقرر أنه رجل في غاية التقوي,فمن يقيم دعوي علي أبيه,بسبب مقتل عبد فهو رجل خير,وسقراط متهم بالفجور,فلعل هذا الخير يقول لسقراط ماهي التقوي,لكن اوطيفرون,كالاخوان المسلمين,سوفسطائي عبيط,يظن أنه يخدم الآلهة لكنه في الواقع أحمق كبير,لا يعرف شيئاً علي الاطلاق,وحين يزنقه سقراط في الكورنك يخلع منه بحجة ضيق وقته,لكننا نزفه,بيع بيع بيع التقوي يا أوطيفرون يا عبيط.


في أسوأ الفروض سنعتبر أن حاجة الإنسانية لسقراط,دفعتها لاختراعه من العدم,فمن كان سيضرب أحد أروع أمثلة الشجاعة في محاورة الدفاع,يتحدي,يسخر,يسخط......يجابه الموت بلا اضطراب ولا وجل,باعتبار أن الموت أمر لم يختربه بعد,ما المانع من تجريبه,أليس من الممكن أن يكون شيئاً جيداً!
لم يدافع سقراط في محاورة الدفاع عن نفسه,بل دافع عنا نحن,البؤساء المضحوك عليهم في زحمة الحياة,شكراً يا عزيزي سقراط....تلامذتك أبديين يا معلم,ارقد في سلام يا أخي الفيلسوف,سيظل أتباعك في سعيهم الدءوب,ستظل رحلة التساؤل وإزعاج السلطة وتحقير   مدعي الحكمة ولو كانوا ملوكاً-كمرسي صاحب سلطانية الفلسفة الباكستانية- مستمرة,سنظل متسائلين مزعجين رغم أنف الجميع,سنظل نفكر رغم أنف التعليم ابن .... الذي يحطمنا عقلياً ونفسياً,سنموت نحن,ولتعش أنت يا معلم,عش في قلب كل من قرأ سيرتك,عش في قلب كل من يتبع خطاك,وهم كثر يا معلم,هم في كل جيل عاش بعدك....كل جيل مضي في الحياة علي خطي سقراط.


يتبع........وجوه سقراط وحكمته


نحن لم يصلنا عن طريق الروايات والرواة سقراط واحد,يُختلف حوله في حادثة أو فكرة أو مرحلة,بل وصلنا لو صح الجمع"سقاريط"متعددة,لها وجوه مختلفة وأفكار وكلمات متباينة,منسوبة كلها لاسم سقراط.
من الممكن جداً أن يكون سقراط ليس إلا شخصية أدبية ابتدعها أفلاطون؛لإيراد أفكاره هو في ثوب أدبي حلم في شبابه أن يرتديه مسرحياً,والواقع أن الحوارات الأفلاطونية عمل مسرحي جميل,تنبض فيه الشخصيات وتعبر عن نفسها بصدق وفلسفة وذكاء,لكن طبعاً لا أحد يغلب فيها سقراط الفيلسوف الداهية,من تخفي تحت ستار الجهل ليفضح غباء وادعاء الأثينيين,سقراط يشبه شخصيات الدراما اليونانية,كبطل يواجه قدره بشجاعة,شجاعة الفعل وشجاعة المعرفة,به كل مقومات البطل التراجيدي,معرفته كمعرفة أوديب,كلتا المعرفتين أدت لنهاية مأساوية خلدها التاريخ  الإنساني كأمثلة لا نمل تكرارها.
وليس من المستبعد أن يكون نبي,ومع غلق باب الاجتهاد والاكتفاء بما كان والسلام,هذا الرأي غير مقبول!!لكن حياة سقراط و(نبوءة معبد دلفي),والـ(صوت الإلهي)الذي قال عنه أثناء المحاكمة,نبذه لتعدد الإلهة,وإيمانه بالحياة بعد الموت في زمن وثني,لم يستسغ تلك الفكرة حين جاء المبشرون بالمسيحية بعد موت سقراط بقرون,وصف شيشرون له أنه:"أنزل الفلسفة من السماء إلي الأرض".....دلائل عديدة علي الأقل نفهم منها أن سقراط كان صاحب رسالة سامية,وأحد المختارين في العرف الديني لحمل الرسالة السماوية للبشر,وقد بدأ خالد محمد خالد كتابه عن محمد والمسيح بسقراط كبداية لهما.
وسقراط الفيلسوف,من استفز عقول أبناء أثينا للحركة,عن طريق الأسئلة,ثم الأسئلة,يعقبها طرح المزيد من الأسئلة,لتوليد الأفكار والمعاني والدلالات عبر الحوار المباشر,أمياً كان,وقيل أنه معاد للكتب,طريقته كانت تشبه طريقة أمه القابلة,فهو يولد الفكرة ونقيضها,الاستدلال والنفي,السلب والإيجاب من عقل محدثه,حتي يصل به إلي مايريده,مبتدعاً بذلك أسلوب إيهام المحاور أن الفكرة فكرته في حين أنها تخصك أنت وأنت من زرعتها في عقله بدون أن يعي,سقراط الفيلسوف الساخط المفكر في كل ما هو حوله,فلا يريح ولا يستريح,ألب شباب أثينا علي آبائهم,جمع حوله ألسنة وعقول لا تجعل المدينة في سلام نفسي بعيداً عن الحوار والجدل...والمعرفة!سقراط يحيلك للجحيم عينه بأسئلته وتكرارها,ووضع كل شئ محل شك وتساؤل ونقد,والإنسان العادي يصطلي بناره دون هوادة منه أو من تلامذته,السؤال باب لا يغلق علي الحياة,الحياة العميقة...والأهم أنه منظار قاتم للنفس.
وسقراط العبثي الهزلي كما عند أريستوفان وغيره من كتاب المسرح حتي أحمد عتمان في مسرحية حسناء في سجن سقراط-هو عند عتمان نصف ونصف-سقراط المجنون المبتدع الثائر علي الآلهة المتحذلق بالمنطق...فكرة كونه نبياً فكرة لابد أن ينظر لها بعين الإعتبار.
ثم سقراط السياسي.حين جاءت نبوءة دلفي بكونه أحكم البشر,هناك عبارة نطقها وأخري كررها,المنطوقة معناها أنه أحكم البشر؛لأنه الوحيد العالم بجهله بكل شئ,وهذا جحيم آخر فلابد للواحد منا أن يتأكد ويؤمن بشئ واحد علي الأقل ليتزن نفسياً ويقوي علي الاستمرار في الحياة,سقراط السياسي في تلك الحالة وهو المعارض للديمقراطية رغم أصوله المتواضعة,من ينادي أن:من يعرف هو الأحق بالحكم,الذي تعرض لمكائد سياسية أدت في النهاية لإعدامه,وكان في إعدامه خلوده,هل كان يريد بتلك العبارة التي تعترف أن حكمته تكمن في جهله,ثم محاولته إثبات النبوءة عن طريق البحث عن من يفضله حكمه,فيضع الجميع في موقف الحرج,ويكشف عنهم القناع الزائف,أن يبدأ حركة سياسية تطيح بالديمقراطية وقلب نظام الحكم الأثيني,حيث يصل ويحكم ويتحكم في الناس من يعرف فقط,دون الاضطرار لإعطاء حرية الكلام في المجالس السياسية لكل من هب ودب بدعوي المواطنة,مما يجعل الدولة في حالة من الفوضي والبلبلة بدعوي الديمقراطية.
اليوم الديمقراطية هي أنسب نظام حكم وأرقاها وخاصة في الغرب,حيث التعليم والعقول المستنيرة والوعي بالحقوق,واحترام القانون,وكانت أثينا في ذلك الوقت شبيهة بالغرب في تلك الأمور,لكن سقراط لم يكن ينتظر من الديمقراطية خيراً,هو يريد الحاكم الذي يعرف,وهو في الواقع علي حسب النبوءة من يعرف!!!بعد أن فضح جهل وغرور شعبه,والبارزين فيه,العبارة التي نطقها لتنم عن اعترافه بجهله,ربما كان يرمي بها علي القادة والحكام في زمنه,والبارزين في أثينا وشعبها؛ليصفعهم بحركة سياسية تأخذ من الفلسفة والسؤال رداءً للوصول للحكم...
أما "اعرف نفسك"فقد كانت موجودة علي معبد دلفي قبل سقراط,واستعادها سقراط مرة أخري ثم نُسبت إليه,ومن الممكن شرح تلك العبارة أن المعرفة وهي الفضيلة الأسمي ليست في مملكة هذا العالم الخارجي,الملئ بالأوهام والأخطاء التي أُخذت مع تكرارها الدائم علي أنها من المسلمات,إنما المعرفة هي أن يعرف الإنسان نفسه ويتأملها ويراقبها,العالم كما يراه الإنسان هو انعكاس داخله في الأساس,فلو عرف نفسه قد يصل إلي حقيقة هذا العالم,وسقراط وأفلاطون عندهم"الحقيقة",وليس"حقيقة",وشتان بين الدوجماطيقية والتصور الآني المرتبط بالشخص!فالمعرفة الزائفة هي معرفة الشخص للظواهر التي حوله ودرسها,وإغفاله لذاته وأسبابها,أما معرفة النفس فهي المعرفة الحقيقية التي يتخذها الواحد منا معياراً للفهم و الحكم علي الأمور,هي الباقية والحقيقية,وفعلاً كما يدور السؤال الشهير,ماذا تستفيد لو ربحت العالم كله وخسرت نفسك؟
سقراط كان يريد أن نفهم أنفسنا,فتلك هي الفضيلة التي طبقها علي نفسه,لقد مضي للموت بهدوء بعد أن فهم الموت تبعاً لفهمه لذاته,فلو كان عدماً فهو راحة,ولو لم يكن كذلك فتلك فرصة ليقابل أبطاله المفضلين في العالم السفلي,سقراط أراد بمعرفة النفس أن نعرف واقعنا وعالمنا,وحياتنا ثم موتنا,ووضع تصورات عن الدنيا والعالم ناتج عن حقيقتنا نحن وليس كما يُراد لنا أن نكون,سقراط رغب الناس في المعرفة علي أنها فضيلة عليا,وغفل عذاب تلك الفضيلة وقسوتها وحيرتها عند الكثيرين,بمعرفة النفس نؤمن بعمق وبصدق,وليس بمعرفة ما يُراد لنا أن نعرفه,وبخداع الناس والحواس لنا,سر تلك العبارة تكمن في كونه أحكم الناس,لأن سقراط أكثر من يعرف سقراط...وتلك كانت كفيلة أن يعرف كل شئ,ونتيجة لذلك أعلن جهله التام واعتماده علي الأسئلة حتي يتعلم؛كي يصل للفضيلة!

 في أسوأ الفروض سنعتبر أن حاجة الإنسانية لسقراط,دفعتها لاختراعه من العدم,فمن كان سيضرب أحد أروع أمثلة الشجاعة في محاورة الدفاع,يتحدي,يسخر,يسخط......يجابه الموت بلا اضطراب ولا وجل,باعتبار أن الموت أمر لم يختربه بعد,ما المانع من تجريبه,أليس من الممكن أن يكون شيئاً جيداً!
لم يدافع سقراط في محاورة الدفاع عن نفسه,بل دافع عنا نحن,البؤساء المضحوك عليهم في زحمة الحياة!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق