الخميس، 27 يوليو، 2017

لأن هذا العالم لا يطاق


"قل لي ماذا كانت تصبح كلماته لو لم يستشهد؟!"
هكذا يتساءل صلاح عبد الصبور في"مأساة الحلاج"التي يصب من خلالها نقمته وسخريته علي قتلة الحلاج,ويظهره كمناضل سياسي ينتمي للناس في مواجهة فساد السلطة الحاكمة,المتآمرة علي قتله بهذه الصورة الانتقامية البشعة,كأن كل شرور الدنيا انحبست في نفس الحلاج كصندوق بندورا,وهو بكلامه وبسلوكه يصرفها ليفسد في الأرض,فيكون جزاؤه الجلد والصلب وقطع الأطراف والحرق ونثر الرماد ثم الطواف برأسه بين الناس!!!!
هذه المسرحية تزيح وجه الحلاج كصوفي خانته اللغة,فاصطدم بها اصطدام مدوي كانت نتيجته صيحات من قلب مفعم بنار الحب والوله لحد الشطح العارم,ظهر منها قوله بالحلول والإلوهية,لتركز علي وجهه الآخر كمعادي للسلطة وخطر علي النظام القائم بسبب تأثيره في الناس وظهوره في وقت قاتم من تاريخ بغداد,حيث الخليفة المقتدر بالله الصبي اللاهي المشغول بجاريته الرومية وقصوره وحدائقه,الذي أضاع ملكه وظهرت في عهده أزمات اقتصادية تأثر بها فقراء بغداد وكان القضاء ميزان العدل بين الناس في عهده غاية في الفساد والسذاجة وكعادة الخلفاء يموت مقتولاً في صراع جنوني دموي علي الحكم والسيطرة,مستخفياً بلقب يربط بينه وبين اسم من أسماء الله,بينما الوزير حامد سئ السيرة ضال المسيرة,هو الذي تولي أمر محاكمة الحلاج مع القاضي أبو عمر نموذج السادية والتوحش...وقد أكثر التاريخ من ذكرهما لمحاكمتهما الحلاج محاكمة هزلية,تذكرنا بمحاكمات شبيهة في التاريخ وإن كانت تقترن كثيراً بمحاكمة جان دارك.مخيف هذا العالم الذي يتحكم فيه السياسيين العاديين الذين يجيدون التسلق والمراوغة,والقضاة الفاسدين منكمشي الضمير ممدي الكروش,في مصائر صفوة الإنسانية المتوهجة المشتعلة بلهيب علوي لا يبصرونه,سواء تجلي فنياً أو علمياً أو أدبياً أو دينياً,يهوون بسرعة وبلا روية بسيفهم القاسي علي رقاب المتفردين الخارجين عن القطيع الذي يسوقونه صم, بكم ,عُمي ن نحو الهاوية"وإذا جروك إلي أسفل الجذع كمنصور فاثبت بشجاعة,لأن هذا العالم لا يطاق"أجل,لا يطاق كما قال الشاعر الفارسي محمد القوهستاني قبل أن يشنق بأمر من تيمور تبريز مشيراً للحسين بن منصور الحلاج!...لكن كيف نثبت وهو لا يطاق؟!
مأساة الحلاج وآلامه كانت في ناره المشتعلة في قلبه وتميزه ونجاحه في لم الأتباع عبر أسفاره العديدة,وعقد صلات مع وجهاء القوم,وطلاقة لسانه في التأثير فيهم حتي كاتبه أهل الهند بلقب "المغيث" أي المعين وأهل سركسان "بالمقيت"أي القادر علي الإطعام,وناداه الناس في بغداد باسم"المصطلم"وهو الرجل الشديد القادر,فماذا تبقي للحكام والسادة وفقهاء السلاطين,وكيف يكون رد فعلهم والحلاج يسحب البساط من تحتهم.
ربما كان موقف السلطة مع الحلاج مقارنة بغيره ممن شطحوا مثله وأكثر وتركوا في سلام,ماداموا بعيدين عن الجماهير وزرع الأفكار فيهم,يعبر عنه المثل الشعبي"حبيبك يبلع لك الزلط وعدوك يتمني لك الغلط"جلبوه للحكم وحبسوه بسبب إيجاد بديل للحج إلي مكة وهي فكرة لم تكن جديدة ولا من بنات أفكار الحلاج ونفذت بالفعل بصور محدودة لكنها وردت في كتبه,لكنه تمني الغلط من العدو,والحج بالنسبة للحكومات ليس مجرد شعيرة دينية بل هو امتزاج وتوحد واندماج في المجموع في مكان محكوم منه تنتشر الدعوات وتتأجج الشعارات,ويستعلن أمر السلطان.
صاح به الوزير حامد"كم تكتب-ويلك- إلي الناس (تبارك ذو النور الشعشعاني)ما أحوجك إلي الأدب"يظهر هنا حقد وغيظ الوزير علي الحلاج,الذي يقول ما لا يعلمه الوزير,يقول كلامه الخاص المميز الدال عليه الذي أدخله لأول مرة في المعجم الصوفي واستخدمه ابن عربي فيما بعد,ربما تدل هذه العبارة علي السبب النفسي الذي ألب عليه الأعداء وشاع الحقد في نفوس معاصريه الأقزام القابضين علي السلطة,وهو يرون ابن حلاج القطن وذكره يسمو في المدن عليهم وألسنة الناس تذكره وهم في خمول خلف أسوار القصور وأفخاذ الجواري,بينما الشعب يتوجع من سياسة الاستغلال الضريبي الفاحش الذي أذاقه الجوع وعلمه الثورة,وقد خشيت أن يتحول الحلاج إلي ثائر يجمع حوله الأتباع مندداً بالظلم والقهر.
يمكننا الجدل حول شخصية الحلاج الصوفي إلا أننا في نهاية المطاف سنجمع علي إنه لا يستحق القتل,فضلاً عن كل هذا التنكيل المبالغ فيها الذي يشع حقداً وكراهية,عبارة الوزير هذه تكشف عن فن إلباس التهم لأي هدف للسلطة لتصير العبارة والإشارة والإلماح والخروج عن السائد من التعبيرات والأفكار والنظريات والسلوكيات,بمثابة جريمة لابد من العقاب,وفي حالة الحلاج كان العقاب بشعاً ومخيفاً"وعندما يكون القلم في يد غادر يكون منصور علي الجذع بلا مراء,مادام للسفهاء هذه الأبهة وهذه العظمة,لقد صارلزاما عليهم(قتلهم الأنبياء)"علي حد قول جلال الدين الرومي في المثنوي.
هذا الاتهام وتلك اللهجة التعنيفية التي ترتدي مسوح الإلتزام والهداية,هما ذاتهما ما نراهما الآن في حالة جلد مجانين العربدة الجنسية وشهوة التسلط المستترة باسم الخلافة الخرافة فتاة بسبب استخدامها الفيسبوك أو لأنها ارتدت البنطلون أو إطلاق الأعيرة النارية في الهواء أثناء صلاة الجمع لإثارة فضول الناس للخروج والقبض علي من لم يكن منهم في المسجد يصلي حينها فاعتقل"عناصر الحسبة",أو الجلد بسبب محادثات هاتفية واعتباره زنا,والجلد علي مساعدة شاب لامرأة مسنة حيث أن صلة قرابته لا تسمح له بلمسها جسدياً,أو غرامة لارتداء الكعب العالي...هي نفس الحالة العجائبية من أشخاص غاية في الشذوذ والتسلط والوحشية,يستمتعون بملذات الفرج والبطن بلا حد عن طريق السبي والاغتصاب وإشباع لذتهم السادية في الضرب والتعذيب,بينما المحكومين ينزفون دماً وكرامة وحرية كما هي العادة,هذه هي طبيعة المحاكمات التي تنكل بالبشر باسم الإله دفاعاً عن دينه كما يدعون مع أن الله هو القائل"إن الله يدافع عن الذين آمنوا"ولم يطلب من المخلوقين قتل بعضهم دفاعاً عن الخالق!!كثيرون كالوزير حامد وقليل كالحلاج,ذهب القليل ولم يبق إلأ أمثاله من المتسلطين الشهوانين ينقضون علي عباد الله بالسيف والسوط,فتنهار البلاد تحت وطأة ركوبهم أكتافها,ويقتل أو يهرب أو يختفي قسراً أمثال الحلاج,ممن اشتعل فكرهم وقلبهم وحاولوا شق طريق جديد للحياة,بسبب اتهامات هزلية تخلص من أمثالها العالم المتحضر ومازلنا نحن كما كنا منذ ألف عام!
"الناس في بلادي جارحون كالصقور"كما وصفهم صلاح عبد الصبور-مرة أخري!-ينقضون بمخالبهم الحادة علي العصافير المغردة بالشعر الرقيق,يالقسوة الزمان حين يقتل شاعراً له أبيات رقيقة كهذه مثل هذه القتلة البشعة:
يا نسيم الريح قولي للرشا
لم يزدني الورد إلا عطشا
لحبيب حبه حبه ملأ الحشا
إن يشا يمشي علي خدي مشي
روحه روحي وروحي روحه
إن يشا شئت وإن شئت يشا
لأنه يحتاج للأدب لقوله"تبارك النور الشعشاني"كما رأي الوزير والقاضي...ولا حول ولا وقوة إلا بالله هو العالم بما في النفوس مصرف تصاريف الدهور,واهب الموت والحياة موجد القاتل والمقتول وعنده يجتمعان يوم لن ينفع مال ولا بنون,فاللهم من مثل هذا العالم الذي لا يطاق"لا تدخلنا في تجربة,لكن نجنا من الشرير"



الاثنين، 24 يوليو، 2017

بين حياتين

الفن هو الوسيلة الأمثل لاستعادة المفقود,وتعويض الغياب"يا موت هزمتك الفنون جميعها"وبذلك الذي أعلنه درويش منتصراً علي الموت,تستدعي"ماهي" صديقتها المتوفاة عايدة,عن طريق إعادة كتابة يومياتها بصياغة مختلفة,لتصبح بطلة"أكابيلا".
في رواية مي التلمساني تنقسم الذات ووتتغير الهويات,لا تتقبل ماهي نفسها كامرأة حياتها عادية ليس بها إثارة ولا تحرر حياة عايدة,بينما عايدة تعاني من اضطراب حياتها المتمثل في الشيزوفرينيا,وصراع شخصيتها الفنية ورغبتها في الاستقرار مع حسام مع ما أدركته صديقتها جيداً"أدركت أن ماهي مهما أحبت فلن تتورع عن الكذب ولا عن سرقة من تحب وأن رغبتها الصادقة في الامتلاء كانت تشدها رغماً عنها إل ثقب هائل من الفراغ المرعب".حاولت تعويض ذلك بالفن والجنس حيث يتشبع الروح والجسد ويكتمل الناقص بالخيال والاتحاد الجسدي,فيصبح الإنسان ملكاً علي ذاته يري الدنيا من علِ كأنها حلم هو الحقيقة الوحيدة فيها.
في منتصف الرواية تسلم ماهي لعادل كاتب القصة الهاوي مسرحية"لعبة الحب والمصادفة"لمارييفو,وهي تعالج بصورة كوميدية تبادل الهويات والحيوات حيث تصبح الخادمة سيدة والخادم سيداً والعكس,حتي يتمكن كلاهما من الحكم علي بعضهما بصورة غير متحيزة,كأن الحقيقة لا تتبدي إلا بخوض تجربة تنافي مانحن عليه بالضبط,وحينها يتكشف لنا ما نخبئه تحت القناع الاجتماعي المفروض علينا,أو الذي نرتديه للنال رضي الناس ونختلط بالمجتمع من خلاله بصورة طبيعية.
مع اليوميات تتماهي ماهي مع عايدة وتؤثر عليها,وتجبرها علي أن تعيد حساباتها فتشتري شقتها وتصادق كريم أحد أفراد شلة عايدة الروائي العابد لكل النساء اللواتي يعجبنه,بدون وعي-أو بوعي-تتحول ماهي من خلال فعل الكتابة لعايدة جديدة,كاتمة كافة الأصوات المتداخلة في حياتها والتي تشوش علي جوهرها؛لتغني أغنيتها الخاصة"أكابيلا صوت منفرد بلا موسيقي تصاحبه,وحيد ومنفلت ورائق"وتنتهي الرواية بشبح عايدة يحوم في شقتها ويؤثر علي حياة ماهي...دورها في التشظي جاء بين حياتين,واحدة تجد نفسها فيها وواحدة مفروضة عليها....

الجمعة، 14 يوليو، 2017

آلام الطيبين

آلام الطيبين
تُستفتح الرواية بعبارتين,الأولي لبهاء طاهر"كل الأرواح جميلة...وكلها طيبة"والثانية لتوماس هاريس"إن جروح الماضي لتذكرنا دوماً بأن الماضي قد كان حقاً"...
بين هاتين العبارتين تتأرجح شخصيات الرواية الرئيسية, الطيبة المتأصلة في النفوس والحلم بعالم أجمل تسير فيه سفنها بهدوء وسط موج الحياة الغادر, رغم كل الجروح التي التي أصابتها في الماضي بسيوف الأقدار التي حكمت عليها بالوجع, وترويها عن طريق الفلاش الباك في إسلوب تطهري يشبه أدب الاعترافات.
يمنح أحمد سلامة في روايته"محطة الرمل"القارئ قطعة "بازل"مع كل فصل حتي تكتمل صورة كل شخصية,لكن يظل نور لغزاً حتي الصفحات الأخيرة,نور الطبيب الذي يتعذب بذنب إهماله لمريض عجوز,بغواية من نجوي التي تثيره جنسياً فيتركه في العناية وحده رغم اضطرابه النفسي,ليقتنص منها لذته وحين يعود يجده منتحراً فيترك الطب وتزيد عليه حدة نوبات الصرع.
وحين أقارن شخصية نور المعذبة في الرواية التي انتهت حياتها المهنية بتركه وربما الاجتماعية بسبب خيانتها لضميرها المهني لدرجة أنه يتمني القصاص الوحشي من نفسه"لكم أن يصفعني أحدهم فوق وجهي,أن يأخذني من رأسي ويلقي بي في أقرب مقبرة ويدفنني حياً جزاء لما فعلت","....وأخذت أنظر للبحر وأرغب بشدة لو يخرج موجه كي يبتلعني ويدفنني في قاعه"بأشباه الأطباء الذين أفرزتهم جريمة التعليم في مصر المصممة علي شقلبة كيان المجتمع بعدم وضع كل مواطن في مكانه المناسب,ممن يتاجرون في الأعضاء ويرتكبون بأيديهم الأخطاء القاتلة,والمتكسبين من آلام الناس وأملهم في الشفاء,من يقسون علي المريض وأهله بسبب وبلا سبب,أجد أن نور يقسو علي نفسه في مجتمع ربما يراه شخصاً حساساً زيادة عن اللزوم!!!
زهرة التي فقدت زوجها الصعيدي ليلة زفافهم,لاستهتاره برفع علم الشرف من نافذة البيت,فهم يريدون المنديل أحمراً بلون الدم,مسايرة للأغنية المقززة ذات الإيقاع المقبض التي تغني في الأفراح الشعبية"قولوا لأبوها إن كان جعان يتعشي,قولوا لأبوها الدم بلّ الفرشة"يسكب عليه اللون الأحمر فيهللون ويطلقون الأعيرة النارية,ثم يسكب عليه لوناً آخر وآخر وآخر,فيسهمون ويغضبون لسخريته منهم,وفي الفجر يكون مضروباً بطلقة جزاء لما فعل,تريحه من هم الحياة وتظل زهرة تنزف منها طوال عمرها,ويزداد ألم الجرح ويتقيح بلمسة من نور حين يسألها في جاليري منير عن طلاقها,ولأول مرة تشعر المرأة الأربعينية أنه مر عشرون عاماً علي فقدها حبيبها الذي يشبه نور,فتنهار باكية ويصاب نور بحساسيته وعقدة ذنبه التي يكفي مسها مساً خفيفاً لتتحول لحبل يخنق رقبته,فيصاب بنوبة صرع ويكاد يحتضر بين يديها.
منير الرسام البوهيمي الشهواني من الناحية الجنسية الذي ولد مسيحياً يقع في هوي فتاة ولدت مسلمة,في مجتمع ترك العلم والعمل والمعرفة والبحث والفن وكل ما يمت للإنسانية بصلة ليتفرغ بكل وقاحة فجة,ليصنف الناس ويضع بينهم الفروق الدينية والاجتماعية والمادية وكل ما من شأنه أن يحيل الحياة جحيماً, وتتلخص الأنوثة الفياضة بمعاني الحياة والشرف والأمانة في "جلدة"غشاء البكارة, تنفجر المشكلة ويكاد أن تتحول لفتنة طائفية بعدما علمت عائلة سلمي إنها ليست بكراً فيهرب من منير وتختفي سلمي من حياته إلي الأبد ولا نعرف حقيقة أمرها هل هي ملاكاً كما قال منير وليست كاللواتي ينامن في أحضانه أو اخطأت مع أحدهم,أو كما قالت جورجيت أنها ربما تعرضت لحادث وهي طفلة أو ربما ولدت هكذا,سلمي التي غيرت منير وحولت طاقته للفن والرسم ليصبح شهيراُ في مجاله,ويغدو حلقة اتصال زهرة ونور صديقه الوحيد...لكنه مازال يبحث عن سلمي وينتظرها.

حبيبة الجميلة التي كان جمالها سبباً ليخاف منها الناس ولا يقتربون منها أو ليوقع بها من يطمع ارتشاف رحيقها ذي النكهة الأوروبية,إضافة لما عانت في طفولتها من أم مستهترة لا يمكن أن يؤمن علي طفلة معها,وهروب أبيها لأمريكا,ثم سفرها هي له لتتزوج هناك من رجل شاذ سادي سلبها كرامتها وسعادتها محولاً فراش الزوجية الذي يسمو بالمحبين فوق الأرض متحداً عليه جسدين قررا الاتحاد حباً وشغفاً,إلي مكان إذلال وقهر وسادية تحول الجنس من سر الحياة ولذة الحب إلي كرباج يهوي بالإنسان للقاع, تعود لمصر كارهة لأبيها ولأمها رافضة توسلاته وبكاؤه لتسامحه,ثم تتعرف بنور في السفارة الأمريكية التي كان سبب وجودها الحقيقي فيها أنها تريد العودة لأمريكا لرؤية والدها ولم شملهما,يدبرنور  هذا اللقاء لهدف سيشكل صدمة حين الانتهاء من الرواية التي نسج الكاتب فيها خيوطه اللغوية المحملة بطابع سردي شيق,استخدم فيها خلفيته الطبية ليستخرج الوجع من داخل شخصياته علي صفحات الرواية,فيتلقهاها هو من قلب شخصياتها,فينسي من الجاني ومن المجني عليه,حين يطغي الألم والكآبة والتوهان في تعقيدات الدنيا علي الرؤية النقدية لعمل أدبي,أروع شهادة له هو ما يرسمه علي القلوب من بهجة أو أسي.

الجمعة، 7 يوليو، 2017

التخلص الشعري

كأن الشاعر يتخلص من معيشته في الحياة الواقعية,ويسكن في بيت من الشعر يضع في اسمه أو صفته أو كنيته,وهذه الظاهرة تميز معظم الشعراء الفرس,حيث يمتلكون علي الأقل تخلص شعري واحد يستدل به عليهم في ملكوت الشعر حيث مملكة الخيال الخصب,التي تمنح من الحرية والتحليق والاختيار ما تضن به الحياة الواقعية,وربما يتوراي الاسم الحقيقي ليتصدر الاسم الشعري كما غلب اسم"الفردوسي,وحافظ ,وسعدي"علي أسمائهم الحقيقية,يقابل هذا الأمر في العربية طريقة وضع اللقب أو استخلاص لقب للشاعر من أبياته ذاتها.
من أشهرهم
بابا طاهر:وقد لقب بـ"بابا"من باب الإجلال حيث يقصد به الشيخ أو المرشد,في قول ما ترجمته:"استجاب الخالق لنداء قلبي,أنت سند من لا سند له,كلهم قالوا طاهر بلا رفيق,الله معي فما حاجة إلي رفيق"
حافظ الشيرازي:اسمه شمس الدين,وقد داوم علي قراءة القرآن وحفظه وتضمينه معانيه في أشعاره,وقد يرجع تخلصه الشعري لهذا السبب,أو لسبب آخر أنه كان موسيقياً يعزف الناي وعازف الناي عند الفرس يطلق عليه"حافظ",وقد ورد في ما ترجمته"لم أر أحلي من شعرك يا حافظ بسبب القرآن الذي يحويه صدرك"و"لا تتردد عن الذهاب لجنازة حافظ,فحتي لو كثرت ذنوبه سيدخل الجنة"
جلال الدين الرومي صاحب المثنوي:وقد اكتسب اسم"خاموش"وتعني الصمت والسكون في قول ما ترجمته"اصمت فالكون ملئ بالصموت,ولا تدق طبل الكلام لأن الطبل الفارغ يصدر صوتاً"
وبسبب علاقته القوية بشمس الدين تبريز قيل أنه اتخذ اسم صاحبه كتخلص شعري له في قوله"أصبحنا بحب شمس تبريز متكلمين بالحب وصامتين في الحب"و"ياشمس تبريزي تكلم!عن سر ملك الملوك,إذا لم يكن هناك حديث أو صوت أو لون أو رائحة,فمتي يسطع النور بدون شمس"بالإضافة إلي لقبه الشهير"المولوي:"أنا ذلك المولي الرومي الذي يتناثر الكلام من فمه,لكن عند الحديث فأنا غلام للشيخ عطار"
أو قد يكون التخلص الشعري علي حسب المهنة,كتخلص فريد الدين النيشابوري باسم"فريد الدين العطار"أو أبو الفتح عمر بن إبراهيم باسم"عمر الخيام"
أو يأخذ تخلصه من اسم ممدوحه,كمشرف الدين بن مصلح,المعروف باسم"سعدي"نسبة للمدوحه"أبو بكر بن سعد"
هذه طريقة التخلص الشعري في الشعر الفارسي ويقابلها عند الشعراء العرب طريقة وضع ألقاب الشعراء,أما التخلص الشعري في الشعر العربي فهو حسن الانتقال من غرض إلي غرض في القصيدة الواحدة,ورغم روعة هذا التنقل الانسيابي من غرض لغرض آخر,فقد تعرضت القصيدة العربية بسبب لنفي وحدة القصيدة واعتبارها أجزاء شعرية مخلخلة وضعت فوق بناء شعري,تفتقد وحدة الشعور النفسي خالية من التماسك الفني.
ومن الشعراء أصحاب الألقاب الشعرية المأخوذة من شعرهم"الأعصر,المتلمس,تأبط شراً,الحطيئة,الأحوص,الفرزدق,النابغة ,المثقب العبدي..............,.............."
وهناك شعراء التصقت بهم ألقاب الرواة والأمراء"صريع الغواني,أبي نواس,الأخطل"
ومنهم من امتزجت أسمائهم بأسماء حبيباتهم,فرقت بينهم الحياة وجمعهما التخلص الشعري كلاهما في واحد"جميل بثينة,مجنون ليلي,كثير عزة,قيس لبني"
ومنهم من استخدم اسمه في شعره كجرير وعنترة




الأحد، 2 يوليو، 2017

"كلها أنت"!

أزمة السينما في مصر هي ذاتها أزمة الأغنية:افتقاد النص الفني الصادق,المعبر عن حالة إنسانية تلمس النفس الإنسانية,تشير لنقصها كما تلامس سموها,أشعر أني محاصر بين البلطجية وأرباب السواق وأصحاب الكيف,الذين سيطروا علي الساحة وأصبح صوت الفنان الحقيقي متواري في الظل,يكدح ويعمل متواري عن عين جمهور أصمّه الصخب وأعماه الصياح والأداء المبتذل رافع راية الهراء,وسط محيط تضربه أمواج داكنة من بحر آسن ملوث عازم علي إغراق الحياة الفنية بكل ما يجعلنا محط سخرية من القريب والغريب.
لكننا رغم كل السوء الذي نسبح فيه,مازالت هناك علامات تطمئننا علي حال الثقافة المصرية,لا ننكر أنها نادرة وخافتة وتأتي علي فترات متباعدة,لكنها علي كل حال موجودة,مازالت الجينات الفنية تتوارث من الأجداد الذين غنوا وكتبوا أغانيهم علي الجدران والبرديات,لتصيح "هذه هي مصر التي لا تعرفونها...مصر الحقيقية,لا مصر التي تاهت في المهرجانات وغناء المساطيل المنحط"...من هذه العلامات أغنية "أحلي نوجا".
يكون جوني وزميله أنطونيوس في ذروة مزاجهما الفني الرائق حين يقتربان من عالم نجيب سرور,كما حدث في أبناء نجيب سرور يجمعون رماد حلمهحين يعيدان الكرة يعالجان مرثية سرور لآمال طفل محروم مما يجد الأطفال في مثل سنه,برؤية جديدة تضيف للنص وتبرزه,فالمتكلم في القصيدة الأصلية نجيب نفسه ولا يظهر الطفل/الطفلة إلا منادياً"نوجا...نوجا أحلي نوجا"في الأغنية وبأداء مؤثر تولد أمامنا شخصيته الطفولية الساذجة البريئة التي أسقطت من القصيدة,هذا الطفل هو من يعطف في الواقع علي الرجل الكبير,فهو يندهش لحزنه وتكشيرته التي يمكن إبدالهما بالسعادة والفرحة لو اشتري منه النوجا!"ليه يا عمو تكون مكشروالفرح موجود معايا ؟!أنت بس يا عمو أشر قول لحزنك لأ كفاية,قولي نوجا هاتلي نوجا تلقي للأحزان نهاية"لو كان العالم مملكة للأطفال بتصوراتهم الساذجة الحلوة,ما عرف الدم والعنف والتدمير الذي يسيل من قلب الكرة الأرضية منذ نشأتها,لكن الزمن يفعل فعله وتدور الأرض وتنمو الأطفال ليصير منهم سيوفاً تنغرس في أمهم التي حملتهم علي ظهرها!
يتكلم أنطونيس بلسان الطفل البرئ,بينما نجيب الشاعر الذي جرب معني الأبوة,يجزع ويخاف حين يداهمه الطفل,يضطرب ويتمزق:"
أتبيع الحلوى يا ولدي
من غيرك كان ليأكلها
لولا مهزلة فى بلدى .. ؟!
" نوجا .. نوجا .. أحلى نوجا .. "
فى نصـف الليـل تغنيهـا
عريانـا فى برد الليـل
أنا مثلك لم أعرف يوما أفراح الطفل
و عرفت الأحزان المرة
و رضعت العلقم من مهـدي
لم أعرف ما طعم الحلوى ..
" نوجا .. نوجا .. أحلى نوجا .. "
أحلى نوجا ؟!
كلها يا ولدى .. ملعون من يأكلهـا ..
غـيرك أنت ..
و لتقطع كف تخطفهـا مثل الحـدأة ..
يا كتـكوتى .. من ثغرك أنت ..
يا مثـل الورد البري
يا أطهر من أى نبى
يا أحلى من أحلى نوجا
يا كبدى .. أتبيع النوجا ؟
" نوجا .. نوجا .. أحلى نوجا ..
ثم يفكر في نفسه هو"ابن الشقاء ربيب الزريبة والمصطبة"ما كان يمنع أن يكون هو الذي ينادي في الشوارع"نوجا...نوجا...أحلي نوجا"من أجل سد رمقه:
ما كان بعيداً أن أصبح مثلك أنت
فأنادي"نوجا يا نوجا"
ما يمنع أن يصبح ولدي يوماً أنت"
ثم يوجه رسالته للطفل ليلقيها في وجه العالم الغافل:
قلها للقرن العشرين!...فليبنوا من فوق الموتي أهرام المال
وليلقوا للفقر الضاري بالأطفال
ليبيعوا للناس النوجا في نصف الليل
"نوجا...نوجا...أحلي نوجا"
الحوارية في الإغنية بين العم المشفق(جوني) والطفل/الطفلة المحروم(يوسف,ريم)حوار بين جيل يلوم نفسه علي ما جنت يداه ويراه الآن حياً متجسداً في أطفال تبني بها مستقبل الأمم,بينما هنا يسرحون في الشوارع المكدسة المزدحمة بعفاريت السكك, بحلوي يجري ريقهم عليها رغبة في لذة طفولية عادية لكنهم محرومون من تذوقها"ولتقطع كفاً تخطفها مثل الحدأة من ثغرك أنت",ومع ذلك قلوبهم مليئة بالطهارة والمحبة,وأصواتهم تنضح بالبراءة والخير.
أشعار نجيب كصفعات من يد محبة,لا تبث الوجع الجسدي بقدر ما تثير دموع الحزن والتطهير من قلوب جعلتها يده تشعر بغيرها.

كلما سافرت بقطار الدرجة الثالثة ورأيت الأطفال يتراكضون بالعسلية والبسبوسة والعلكة معرضون للسقوط والموت,يتمثل لي صوت نجيب سرور الذي أعشق سماعه ممثلاً في مسرحيات إذاعة البرنامج الثقافي العظيمة,يلطم قلبي و يدير رأسي بقوة نحو هؤلاء الأطفال ويتنهد من أعماقه المتعبة العامرة بالفن والثقافة في عصر السفاهة"أتبيع الحلوي يا ولدي؟!من كان غيرك ليأكلها لولا مهزلة في بلدي"وتهمس شفتاي"كلها أنت"