الجمعة، 16 أكتوبر، 2015

هرم الحب

هرم الحب

الألم الساكن دوماُ في أعماق نفسه كضيف ثقيل,يؤذي روحه و بدنه,متسللاً لهما في وقاحة كل لحظة من حياته,لم يكن يجد بداً من الانهزام أمام ابتسامتها الجميلة الصافية,ويحل محله شعور بالارتياح والانعتاق من فداحة الوجود البشري,وصعوبة الحياة وسط كل هذا الهراء في مجتمع وصل للقاع الأول الذي نعرفه,وفي طريقه مخلصاً لقاع جديد سيصبح ظاهرة جديدة من الظواهر الطبيعية الخارقة!تحت عنوان"الناس الذين قُضّوا وفي ضميرهم أنهم خير أمة في الناس".سيكون مثار أبحاث حقيقة في جامعات حقيقية ونظام تعليمي حقيقي لا يعرفه أهل المنطقة الغارقة في الأوهام.
وصف وجه منة عصي علي الكلمات,الموسيقي هي الأجدر بوصفه,فهي لغة الملائكة,والملائكة فقط هي القادرة علي التواصل مع ملائكيتها المصاغة في جسدها البشري الفائر قبل أوانه.
في عيد ميلادها السابع عشر,كانت اكتملت امرأة ناضجة الأنوثة,استوت علي يد خراط البنات,قدها يجبرك علي الالتفات,وبعد الالتفات لابد من التأمل في هذا التجسد لمفهوم"الجسد الأنثوي",جسد نموذجي,تشعر بدفئه وأنت عنه بعيد,بينما تفكر في متعة من سيقضي ليالي الشتاء القاسية بين استدارات هذا الجسد,تصعد للوجه,فتفاجئك البراءة التي تجعلك تخجل من أفكارك,ولا يمكن إلا أن تتنهد وأنت تري لمسة إلهية فيه,تضرب نظرية التطور في مقتل,الطبيعة عاجزة عن تكوين مثل منة...وهل لمنة مثل؟!
تزيدها الابتسامة قاتلة الألم فتنة,تشعل رغبة كريم المحمومة في تقبيلها وهو يحضنها بذراعيه,ويملس برأسه علي شعرها السارح علي كتفيها في ملكوت قدها.
في السادسة عشر وكان هو يرتحل نحو العشرين تأكد أن حياته ارتبطت بها للأبد,عرفها منذ الطفولة,التي عاشها تقريباً قضاها تحت شرفتها كابن خادم المنزل,الذي يسكن في البدروم,فكان هو تبعاً لذلك خادمها وخادم أخيها,وإن كان هذا الوصف لا يطلق علي أحد في مدينة كدمنهور,لم تعرف البذخ الفاحش في الغني ولا الفاقة اليائسة في الفقر,ظل اسمه عندها كريم,وبالكامل كريم ابن عم عبد الرازق.وهي عنده منة,البنت الرقيقة التي ظل يلعب معها بالاسكوتر أمام المنزل علي الرصيف,الاسكوتر وقتها كان غريباً علي الشارع- نادر السكان-,فوّكلت له حمايتها من الأطفال الأشرار الذين يريدون خطفه أو تكسيره حقداً أو علي أقل تقدير إجبارها علي التنازل لهم ليلعبوا به كما يحلو له,وبسبب هذه المهمة أصبح مرهوباً من أطفال الشارع كله,لم يكن أقواهم ولا أصلبهم,بل لو أردنا الدقة لقلنا أن دفعة متوسطة القوة من أحدهم كفيلة أن تطرحه أرضاً.حتمية الدفاع عنها خلق فيه قوة هائلة,فغدا كالرصاصة لو انطلقت لابد أن تصيب وتدمي,نظرتها الشاكرة له كانت تجعله يشعر أنه كبطله المفضل حينها"باتمان",وجهها الذي يفيض سعادة وهي تلعب مطمئنة في وجوده جعلته لا يتواني عن مواجهة"الكلارك"نفسه,الطفل الذي أطلق عليه أهل الشارع هذا الوصف لضخامته وقوته التي تفوق سنه بكثير,فكان حقاً اسم علي مسمي,له كرش ضخم مرعب,ويدان لا يتحكم فيهما سوي الغضب والرغبة في التدمير ورأس قادرة علي كسر رأسه الهش لكنها فارغة العقل,وهذا ما يزيدها خطورة عند الضرب!
لما أعيا الأشقياء الحيلة في اختراق جدار كريم حول منة,لجأوا للكلارك,بمجرد أن وقع بصر كريم عليه وحوله الآخرين يهللون عرف سبب مجيئه اصفر لونه,فبالأمس فقط تسبب في ثلاث غرز لأحدهم,نظرت له منة وفي عينيها الخوف,فخُلق البطل.قبل أن يقترب منها بجسده الضخم,ماداً ذراعه الأيمن نحوها ليدفعها عن الاسكوتر,كانت قبضة كريم تغرز في كرشه بفعل ضربة قوية,تأوه لها الاثنان!!هجم عليه الكلارك فتنحي فجأة من أمامه,ليسقطه في الهواء وتتلقاه الأرض,انتهز الفرصة,وراح يكيل له اللكمات والضربات وسط ذهول الأطفال,ولم يوقف سيل ضرباته إلا الحاج سعد,الذي استدعي أبو الكلارك وعنفه وحذره من اقتراب ابنه ناحية ابنته مرة أخري,وككل غني نافذ الكلمة بسبب ماله الذي يمنحه القدرة علي التهديد والترغيب,لم يمتنع الكلارك وحده عن مضايقة منة,بل خضع كل أطفال الشارع لهذا التهديد الذي يشملهم ضمناً.
ومع ذلك كانت حنون لا تستمتع بلعبتها أغلب الوقت,فلو رأت طفل أو طفلة ينظران لها وهي تلعب وفي عيونهم شوق للتجربة,تنازلت بسرور ليلعب من يريد,وبتلك الطريقة صادقت أمل ومحمد,وبالطبع صادقهما كريم,ومع السنوات ازداد الود والألفة بين الأربعة,الذين يتجمعون حول الطاولة في النادي,يحتفلون بعيد ميلادها ,البنتان  في الثانوية العامة,والولدان في الآداب كريم في قسم المسرح وأحمد في الفلسفة,هكذا المسميات...في الحقيقة ليست إلا ككل مؤسسات(اللاتعليم في مصر)خرابات عشش فيها الجهل وأطاحت الضحالة بالبقية الباقية من وعي الشعب الغارق تحت أكداس الجهل الخانق.
-كريم...صورني!
اعطته هاتفها,فوجه لها الكاميرا,بدت هيلين مضرمة حرب طراودة أمامها,فتاة عادية لا يستحق أن يموت من أجلها أخيل وهيكتور تاركا الحسرة للأم والزوجة ,ويتغرب أوديسيوس عن حبيبته الوفية بينلوبي.ظهرت علي الشاشة بفستان أبيض مُقلم بخطوط سوداء,أو أسود مخطط بخيوط بيضاء,لم يتسطع التحديد!ظلت ملابس البنات واكسسوارتهن وأشيائهن العجيبة غريبة صعبة علي استيعابه! واضعة يدها اليسري فوق خصرها اللحيم, ضحكت للصورة فتوقف الزمان السرمدي,وانتقل لسمعه صوت الانفجار الكبير الذي شكل كل هذا الهمّ الجاسم فوق صدور الناس باسم الـ"الحياة",سرح في عينيها الضاحكة البريئة كعين طفل وليد فتح عينه لأول مرة علي العالم,استيقظ علي صوتها يأتيه ضاحكاً:
-كريم...صورت؟!
ضغط علي زر,وأعطاها الموبايل,فهتفت:
-هيا...والآن سيلفي!
صورت الثلاثة الذين وقفوا في صف واحد باسمين في سعادة ,منة في المقدمة,خلفها كريم-مستمتعاً بعطرها-ثم أمل وأحمد وخلفهم التورتة مطبوع عليها وجه منة بالحلوي,صورة ستتحول عند الأربعة في نفس اليوم للصورة الشخصية علي الفيس بوك,بتاريخ 21مارس 2010.
مسكت السكين الكبير وسألتهم مداعبة:
-من سيأكل شعري؟
أجابتها أمل وسط ضحكاتهم:
-هاتي
-وعيني؟
-أحمد يحب العيون.
أكد أحمد:
-أكلت في العيد الماضي عين الخروف
لاح الاشمئزاز علي وجه البنتين"يع!!!".
-ولمَ الاشمئزاز يا بنات...ده حتي اسمها الجوهرة!
نظرت لكريم باسمة:
-لم يبق إلا خدي وشفتاي.
عند العاشرة مشت البنتان للمنزل,وأغري الدفء الذي أشاعه أواخر مارس في الجو الشابين بالسهر علي المواجه لمكتب البريد من ناحية ومن ناحية أخري يقع خلف جامع التوبة,في موقع فريد جعل له ثلاث مداخل يحيطون باتساعه الكبير كمبني من زمن الثلاثينيات علي التقريب,الزمن يطل من جدرانه المتهالكة العارية من الطلاء,السقف عال والأبواب كذلك,كعادة الطراز المعماري لتلك الفترة.
شوارع المنطقة كلها عالية؛فسميت بـ"الأرض العالية",وللناس تفسير غريب لهذه الظاهرة الجغرافية أدي لمصائب,مستندين بذلك لحقائق تاريخية تشهد بأن دمنهور هي أقدم مدينة في العالم ما زالت باقية لليوم,حيث يعتقدون أن سبب علو هذه المنطقة وجود بحر من الآثار الفرعونية التي لا تقدر بثمن أسفلها,فأصبحت أخبار الحفر تحت المنازل بالاستعانة بالجن! مما يؤدي لتصدعها وتشريد شبه دورية!
اتجها لمجلسهما المفضل في زقاق جانبي ضيق,مقابل للزقاق الآخر خلف جامع التوبة-المساحة كبيراً حقاً بالنسبة لمقهي- في نهايته يقع مكتب توكيل إعلانات للصحف,لم يتوقف أحمد عن الحديث في الامور الفكرية والفلسفية طوال الطريق,بينما كريم يكتفي بهزات من رأسه مع التمتمة بكلمة "أكيد",ممتلئاً كلياً بمنة ليس في عقله ولا روحه براح لأي دخيل عليها.
-...والجنس أيضاَ من الموضوعات التي من شأنها تغيير رؤية الإنسان للكون,فلا عجب أن تجد في هذا المجتمع من يصنع منه تابوه محرم,حتي يظل الأمر علي ما هو عليه,فهو في ذهنية أغلب الناس مرتبط بالدنس والحيوانية!!! أي حمق يتسرب في العقول,أصل الحياة وأمتع ما فيها,بل والهدف الإنساني الأول ولو أنكر المنكرون يصبح دنساً...فما هو الطهر إذن,الكبت والتعتيم علي إنسانيتنا وجوهرنا,مما يجرنا لما نحن فيه الآن؟
قالها أحمد وابتسم بدون أن يلاحظ كريم,تذكر موقفاً , أولي ثانوي قبل بدأ اليوم (الدراسي- الهرائي )وإسلام السمين المكور بطريقة تثير الضحك مهما قاوم من يراه,يمد رأسه ناحيته يسأله هل رأي فيلم(.....)فأجاب بالإيجاب,فعاد يسأل بجدية جعلت مظهره غاية في الغرابة,مركزاً عينيه في عيني أحمد وبلهجة من يستكشف أمراً خطيراً هل رأيت البنت(ذكر اسم إحدي ممثلات الإغراء),أتتخيل نفسك تضاجعها وأنت تمارس العادة السرية؟" ووقف ينتظر الجواب,ذهل أحمد من السؤال المباغت ولم يعلق فتراجع إسلام بجسده الغريب يعدل بنطلونه ويلقي نظرة علي الحوش"هيا الطابور بدأ"...في المساء كانت الممثلة الجميلة ضيفة أحلامه الجنسية المجنونة.
أكمل وهو يتابع شخصان يدفعان سيارة معطلة أمامهما:
-سأكتب في المدونة الأيام المقبلة عن فن الجنس وعلومه,لأساهم في تعديل الصورة الذهنية,عن سر الحياة وسبب استمرار الوجود البشري.
رد كريم ببرود:
-جميل,فكرة جيدة!
سحب نفساً من النارجيلة وخرج معه تساؤله:
-كريم...مالك؟
-لا شئ
فقال بيقين:
-لا هناك ما يغيبك عن الوعي,منذ فترة طويلة ولو صدق حدسي فهي امرأة.
لاح الإنكار الباسم في وجهه فصاغ ما هو متأكد منه في لهجة سؤال:
-منة؟أليس كذلك؟
اضطرب حتي كاد يسقط كوب الشاي من يده:
-هل جننت؟!
ركن ذراع النارجيلة علي الطاولة,ونظر له بتفهم وثقة:
-أتخفي عليّ ما يعذبك؟! لم يكن هذا عشمي في صداقتنا!
تراجع في مقعده هامساَ:
-كنت أحاول أن أخفي حتي عن نفسي.
ضحك ضحكة قصيرة أثارت استفزازه:
-لا...الأمر واضح جداً,وليس من المستبعد أن تشعر هي به.
صاح موزعاً بين الارتياح للتنفيس عن نفسه والخوف مما يضمره هذا الحب:
-هل مشاعري واضحة لهذه الدرجة؟
-لقد وضحت لي في النظرات و السلام والكلام والابتسام,فما بالك بالبنت التي تتوجه لها هذا المشاعر؟!
قرّب السيجارة المشتعلة لظهر كفه شاعراً بعذاب الحريق:
-معاملة الحاج سعد الطيبة,لا تنفي كوني أنا وأبي مجرد خدم له بالمعني المكشوف.
توقف كلامهما بغتة بعد أن ألقي هذه الحقيقة بلا مواربة.
وجد أحمد فرصة الإفلات من قلق الصمت في ظهور شنودة فجأة أمامهما يسحب كرسياً,تصنع الابتهاج متغنياً بكلمات يوجين بوتيير في نشيد الأممية"بجموع قوية هبوا لاح الظفر,غد الأممية يوحد البشر" مداعباً إياه ليساريته المتطرفة وهوسه بالسياسة والثورة,اعتبرها تحية له اتسعت ابتسامته:
-البرادعي سيرجع قريباً من الخارج.
-وسيعود مرة أخري من حيث جاء!
غاب بقية حديثهما عنه,و وقعت عبارة"غد الأممية يوحد البشر"في نفسه كعلاج سحري لمشكلته العاطفية,ران ببصره للسماء وحلم بعالم سعيد,عالم لا سادة فيه ولا عبيد.
تحول صوت أم كلثوم"يا حبيبي طاب الهوي ما علينا لو حملنا الأيام في راحتينا"إلي سحابة ارتفعت به للسماء السابعة؛منة في هيئتها الملائكية يفوح منها عبير السلام,فيطغي علي كل نوازع النفس الشريرة,ويحل محل الفزع والاضطراب اللذين يزلزلان الإنسان المعاصر.
بابتسامة انفتحت لها زهور الربيع,وتداعي بنيان الزمان,استقبلته وأشارت بالجلوس بجانبها,أطاع والتصق بها حتي أصبحا جسداً واحداً,واكتملا لأول مرة في حياتهما,رفت عصفورتان عليهما في مودة,وحضنهما النسيم في حنان,مد ناحيتها بصره متأملاً:
-أهذه هي الجنة التي وعد بها الله المتقين؟
اتسعت ابتسامتها:
-لا
نظر حوله مستفهماً
-إذن فأين أنا.
-هذه جنة العشاق,وهي أيضاً من وعود الله ولو لم ترد في كلامه.
وضع راحتيه علي خديها,فاستنامت عليهما في لذة,مغمضة العين مبصرة بالقلب,داعب شفتيها بشفتيه ثم التهمهما تقبيلاً.
استفاق علي صوت أبيه يوقظه همساً:
-اصح الست منة هنا
سخط علي الكون كونه وود لو يعض جدران الحجرة,ما أبشع الواقع,ليت الروح تظل محلقة أبداً في دنيا الأحلام....لكن...منة!عادت العبارة ترن في أذنه وعينيه ما زالت مغمضتان متشبثتان بالحلم الجميل.
تنزل منة كل أسبوع البدروم قبل أن تصعد لشقتها, للـ"كنز"كما كانت تسمي الكتب المصفوفة من الأرض حتي السقف,كل مورده المالي الضئيل ابتلعته أكشاك النبي دانيال,بالمناصفة مع منافذ الهيئة العامة للكتاب وأكشاك باعة الصحف والمجلات...الحق أنه كان يفخر بمكتبته فخراً لا مزيد عليه,ولطالما عجب من أحمد الذي يكتفي بالكتب الإليكترونية,وزاد عجبه لما أخبره أنه لم يعد يستريح مع الكتاب الورقي ويفضل عليه الإليكتروني,وقال كأنه يقرر حقيقة علمية استندت للتجريب والملاحظة سنوات"الـpdf أول إنجاز عظيم في القرن الحادي والعشرين".
أحياناً تجئ وهو غائب وأحياناَ في وجوده,وفي كل الأوقات حجة كي تراه لو اشتاقت له,الحب يستعر في قلبها ناراً ولا تجرؤ علي البوح ولا علي الإيحاء,كما يفعل كريم بنظراته وتصرفاته معها,الحب سجين في قلبها كمعظم بنات هذا الزمن في المجتمع الذي زرع في كل قلب خرافات وسفالات دمرت الشخصية وعاثت في العقل إفساداَ.
رش علي وجهه الماء وخرج ليجدها منحنية علي الرف السفلي,فتسمر وثبت بصره علي انحناءاتها الجذابة,قبل أن يعود لرشده,ويصدم الكرسي عمداً ليشعرها بوجوده,اعتدلت بسرعة في حياء جعله يسخط علي النظرات التي سددها لها.
-هل أيقظتك؟
-لا,أبداً.
"كنت نائماً أحلم بك"
مدت له يدها بمسرحية "سيرانو دي برجراك" لإدمون روستان من سلسلة روائع المسرح العالمي,في طبعة مر عليها واحد وخمسين عاماً,لكنها مع ذلك ما زالت تحتفظ بوضوح صفحاتها:
-أعجبتني,وأبكتني...شخصية تُنقش في خيالك لا تنساها أبداً.
-أيهما...سيرانو أم روكسان؟
-سيرانو المعذب الوفي.
وضعها علي الرف قائلاً:
-لو كنت مكان روكسان وعلمتِ أن هناك من يحبك ولا يستطيع التصريح بحبه ماذا كنتِ فاعلة؟
سرعان ما ندم علي هذه السؤال.
ظهر الاضطراب علي منة وهي تنقر علي خشب المكتبة بأناملها الرقيقة:
-ولم لا يصرح؟
كأنه ينفي عن نفسه تهمة,رفع كتفيه ومد شفته السفلي:
-وما أدراني...الله أعلم.
نظرت في الأرض مخفية ابتسامتها.
أشار للمكتبة:
-هل تودين مسرحية أخري؟
ضحكت وهي تضع ملازم الدروس الخصوصية علي الطاولة:
-لا حيلة لي.جعلتني شغوفة بالمسرح,حتي أنني أفكر بالالتحاق معك السنة القادمة بقسم المسرح.
-لو كنتِ تحبين شيئاً في مصر فأبعديه عن نظام التعليم الخرب,فسيجعلك تلعنينه كل ساعة.
أجابت بلا وعي:
-لكني أريد أن أكون معك...
نظر في عينيها بدهشة,وتراجعت هي في وجل مستدركة:
-أريد أن أكون معك لتشرح لي ما سيستغلق علي فهمه.
أعطاها مسرحية"إيولف الصغير"لإبسن وهو يغير مجري الحديث:
-مسرحية تجرد النفس الإنسانية من الأستار التي تتخفي خلفها أفظع وأجمل ما فيها,لا أدر لمَ كنت أشعر بالخوف أثناء قراءتها.
أخذتها من يده مودعة,وشيعها بنظرات تفيض شوقاً وحرماناً.
في السادس من يونيو قتل,وفي التاسع كان الإنترنت مزدحم باسمه وصورته الوديعة وحكايته المؤلمة"خالد سعيد"اسم تردد علي كل لسان وجريمة اهتز لها المجتمع المصري,رأي الشباب بين صورته قبل القتل والتعذيب فرأوه واحداً منهم وخاف كل علي مصيره,فقد يكون هو الضحية غداً,ورأوا صورته بعدهما فغضبوا له,منهم من تظاهر ومنهم من تحدث ومنهم من تعاطف بقلبه مستعيناً بأضعف الإيمان,أصبح أيقونة ودليل حي علي جبروت جهاز الداخلية القمعي المُهين للشعب المصري.
اتصل شنودة بأحمد يومها,وهو يغلي من الغضب:
-ما العمل مع هؤلاء الأوباش؟!إلي متي هذا الظلم,أليس في الدنيا حق و قانون؟!قد تكون أنت المقتول غداً...قد أكون أنا.
وأغلق الهاتف فجأة في وجهه,وبدا من صوته أنه يبكي.
وعاد بعيد يومين"ضربوه حتي الموت!هل أصبحنا شعباً من النعاج,نُذبح ولا نملك من أمرنا شيئاً إلا الفرفرة عند طلوع الروح,كذابون يلفقون المسرحيات البائسة لينجوا من فضيحتهم العالمية,اسأل كريم ما ينسجونه حول شخصيته وتصرفاته تندرج تحت أي نمط درامي,سيقول لك مسرحية هزلية تبكي دماً من كثرة الضحك...آه أود لو أنتقم له ولو بروحي"وللمرة الثانية يغلق الهاتف فجأة.
شعر المصريون أنهم كلهم مهددون,فتعالت صيحات الاحتجاجات,ولبست الأسكندرية السواد حداداً علي شهيدها,ووقف المئات متشحين به علي طول شارع الكورنيش,وفي القاهرة المثل.

بكت منة حين رأت وجهه مشوهاً كأن حيوان افترسه وارتعدت من بشاعتها,ودخلت في نوبة اكتئاب زاد منها اضطرابات دورتها الشهرية,فكانت تبكي وهي تسير في الشارع وحدها أو و هي تستحم وصورته لا تفارق خيالها وتمنعها النوم خوفاً من الكوابيس.
أحمد قرر ألا ينجب أبناء طالما ظل في مصر,أما كريم ففكر أن ينضم كشنودة لدنيا السياسة طمعاً تنفيساَ عن حزنه علي مقتل خالد سعيد,وكان هذا قرار المئات من الشباب,ممن اختنقوا بعفونة المجتمع الموروثة منذ أجيال طويلة,لكنهم وقفوا وقالو "كفي,لن نجني علي أبنائنا كما جني علينا آبائنا,لا بد أن يكون هناك حل ما,لا بد من حدوث شئ يقلب الموازين وإلا ستنقلب الموازين علينا ونتحطم تحتها جميعاً حاكمين ومحكومين".فكانت صيحتهم وصفحتهم"كلنا خالد سعيد".
صحبه شنودة لجلسة في منزل الرفيق مصطفي حيث يتداولون ويتناقشون وربما طبعوا منشور أو بيان ممهور باسم"شباب بيحب مصر" حول حادث أو أزمة,المنزل مازال قائماً بمعجزة,لو سمع الحاج أبو مصطفي أحداً يدب علي الأرض بقدمه صرخ فيهم كلهم"ستوقعوا المنزل الذي يأوينا يا أولاد الكلب,سننام في الشارع,وحينها لن تنفع أمه الغلبانة وأخوته البنات أحاديثكم التافهة"
دار الكلام وسخن الحديث فتكلم الكل, حتي أن كريم تناسي خجله أمام الغرباء ونسي أنه لم تمر عليه ساعة بينهم وأخذ يناقش بحماس,عدا علي الشناوي ظل صامتاً ولما اتجهت له الأبصار قال ببساطة:
-الثورة...مصر أمامها طريقين لا ثالث لهما,إما أن يرثها الابن المدلل الذي لا يعرف عنها شيئاً فتسقط لعشرات السنين يدوسها الأقزام في الداخل والخارج,أو تشتعل الثورة فتصعد مصر لعنان السماء ونقطة ومن أول السطر.
تطلع له الكل في صمت,وحين انتهي انثالت التعليقات الجاد منها والساخر"انتهي عصر الثورات","هل في مقدور الإنسان المصري الذي يبحث عن لقمة العيش أن يثور وهو الذي لا يجد الوقت لينام؟!","نحن مجتمع نهري ساكن لا نعرف الثورة","هل تشاهد فيلمي بين القصرين و رد قلبي كثيراً؟","الثورة تعني التضحية,ونحن ضحايا,كيف يضحي الضحية؟!"
ثبت عينيه علي عيني كريم-ربما لأنه الوحيد الذي وافقه بهزة من رأسه-,مسح الحجرة بجدرانها المائلة الآيلة للسقوط في أي لحظة وسقفها المكون من عروق الخشب والصفيح,وتلا من قصيدة الكعكة الحجرية لأمل دنقل :
"أيها الواقفون علي حافة المذبحة
أشهروا الأسلحة
سقط الموت وانفرط القلب كالمسبحة
والدم انساب فوق الوشاح
المنازل أضرحة
والزنازن أضرحة
والمدي...أضرحة
فارفعوا الأسلحة
واتبعوني
أنا ندم الغد والبارحة
رايتي:عظمتان وجمجمة
وشعاري:الصباح!"
أخذ كيس أصفر به قطعة قماش؛سيفصلها قميصاَ, فتح الباب المثقوب مفكوك المفاصل,ألقي عليهم السلام وخرج.
بعد قليل عادت الكلمة مرة أخري في أحاديثهم"الثورة",وهل يعقل أن يثور شعب تم تجهيله وإفساده وتخريب عقله وتدمير فنه وتشويه ثقافته,شعب يجهل تاريخه المجيد وثقافته المبهرة,متبنياً ثقافة بدوية غريبة عنه,يحكمها العقال والنقاب...من يعلم؟!كل شئ جائز.
تعرف كريم في تلك الجلسات علي صاحب المنزل مصطفي برغش,شعر من كلامه بإلحاده الفلسفي الراسخ,وإيمانه العميق بالإنسان فقط لا غير حتي أنه علق فوق سريره عبارة"الإنسان هو الحل",وعلي الشناوي مدرس اللغة الإنجليزية الذي بات يتحدث عن الثورة أكثر من أي شئ آخر,قال له مرة وهما في انتظار اكتمال الجمع"أشعر بها تقترب,صدقني هذا التنبؤ واضح جداً في الصحافة الأجنبية,لابد أن تطلع عليها",وحسن ياسين وإبراهيم القباني,كلاهما موظف في شركة الكهرباء,وغيرهم ممن كانوا يترددون علي مجلسهم بغرض حب الاستطلاع أو السخرية الخفية.
بدأ طوفان المدارس والجامعات يكتسح البيوت بغير طائل,التحقت معه منة بآداب مسرح,في حين فضلت أمل التجارة,قبل أن تفتح الجامعات(معامل الحيونة)أبوابها,التقاه الحاج بترحاب سعد قادماً من مروره علي محلات الملابس التي يمتلكها,جالساً علي كرسي والده أمام العمارة:
-كيف حالك يا وحش؟
-الحمد لله؟
سأل دون أن ينتظر جواباً:
-ها,الدراسة الأسبوع القادم؟خلي بالك من منة,عينك عليها لا تغفل,(شدد علي كل حرف من حروفه)هذه أختك وأنت هناك أخوها مكان عمر بالظبط,إياك أن يقترب منها شاب من الذين.....كما تعلم!
-لا أحتاج لتوصية عليها يا حاج.إنها في عيني!
أخرج من جيبه ورقة بمائتي جنيه ووضعها في جيب بنطاله عنوة رافضاً سماعه"معي نقود والله,لا أريد"...رفع نظره لشرفة منة,وحمد الله أنها لم تر أبيها يحسن إليه  بماله,وإن كان يذوب خجلاً لما يرتدي ملابس أخيها القديمة,ويشعر بها ناراً علي جسده تحرق جلده كلما قابلها بها.
منة...ستذهب معه وتعود معه بجانبه في المواصلات!!سيجالسها بحرية بعيداً عن أعين الرقباء,بعيداً عن جو دمنهور الذي يذكره بمكانته الوضيعة منها,الأسكندرية...الأسكندرية أخيراً.
لأول مرة يشعر بالبهجة لبدء الدراسة,لم ينم ليلتها لحظة,خرج يضرب في شوارع دمنهور علي غير هدي,من شارع الشونة حيث يعيش أسفل حجرة منة,إلي الكوبري العلوي لشارع السجن لصلاح الدين للمحطة,ليعود في الصباح الباكر يحلق ذقنه ويهندم حاله,ويتصل بها لتسرع في النزول ,لابد أنها الآن ترتدي ملابسها الجديدة وتزين نفسها؛لاستقبال مرحلة جديدة في حياتها. دخن ثلاث سجائر يشعل واحدة من الأخري.
سمع دقات كعبها العالي علي درجات السلم فتوقفت درجات قلبه,فرشت خيالها علي الأرض قبل أن تبدو لعينيه مبتسمة في حماس...بهية...صبية...مزروعة في قلبه قبل أن تتكون الخلية الأولي للحياة علي الأرض.
جاهد ليخرج أي كلمات فقال بصوت أنكره:
-لو كل يوم تأخرتِ هكذا فسنلتمس إنشاء قسم مسائي لنا.
مر اليوم الأول وهو بجوارها لم يتركها لحظة,دخل معها وحضر ما يسمي محاضرات,نفس الهراء الذي قيل له وسيقال إلي أن تنزل صاعقة من السماء تطهر النظام التعليمي في مصر,رأي أعين الشباب الخارج تواً من نظام الفصل بين الجنسين,جائعة نهمة تلتهم كل بنت وتبحث عن أي فريسة سهلة,و بنات حالمات هائمات,يحتضن الكتب مقلدات بطلات أفلام الأبيض والأسود.قطع أي محاولة للحديث معها بأي حجة من الحجج المفتعلة,وكانت تنظر له نفس النظرة المطمئنة الهادئة حين كان يحميها صغيرة أثناء لعبها,وقبل العصر سلمها لأمها الحاجة نجاة.
استقبلتها شزراً,مازالت معركة الحجاب مشتعلة بينهما,الأب يميل للأم لكنه لم يجبر ابنته يوماً علي أمر,ومع ذلك يطالبها في رفق بارتداء الحجاب...تشعر بضغط هائل من كل من حولها بسبب شعرها,مع أنها لم تلبسه بالضرب ولا بالانخداع ولا مسايرة للناس كأمل! قال لها أحمد هذا المعني في حديثهما بواسطة الإنترنت, حين استعلنت الأزمة بالترغيب في الثواب والترهيب من العقاب: مجتمع أزمته الأولي شعور النساء,ويربط غلاء الأسعار بسفورهن وخفضها بحجابهن مما يعبر عن وعيه الذي لا يفرق بين المرأة والسلعة...لا لن تلبسه لأنه ليس من أركان الدين الإسلامي ولا من زخارفه ,إنما هو رداء مستورد من أهل الصحراء والجاز المكبوتين جنسياً,ومن خطورته أن تتميز المسلمة عن المسيحية بالضبط كالزبيبة القبيحة التي هي في الأصل بيكتيريا ومرض جلدي ناشئ من اختلاط ماء الوضوء علي الجبين بالتراب وآثار أقدام المصلين علي السجاجيد!ونصحها ألا تدخل في جدل مع أهلها حول صحة فرض الحجاب حتي لا يعتدون عليها,ويرغمونها عليه.
أما فهي فتساءلت,هل مما يرضي خالق هذا الكون اللانهائي العجيب الغامض,أن ترتدي أنثي الإنسان قطعة من القماش علي رأسها لتغطية الشعر النابت عليه,هل هذه هي طريقته ليميز الصالحة من الطالحة,ورددت"تعالي الله عما يصفون".
أسبوع جر أسبوع وهكذا...نسي نفسه معها ونست نفسها معه,بعد فترة قصيرة سئمت جهل وتخلف وسوء معاملة من يطلقون علي أنفسهم"أساتذة",وهم لا يجيدون القراءة ولا الكتابة من الأساس!لمحت له في الترام برغبتها في التزويغ من هذا الجو المدمر,ولم يكن لينتظر أن تصرح,هو يعرفها كما يعرف نفسه لن تطيق أن تظل خلف أسوار تلك البقعة الكريهة سبب تخلف المجتمع المصري.
-لكن أين سنذهب؟
انفرجت شفتاها باسمة عن أسنان متلألأة,مخرجة يدها لتغوص في أمواج الهواء:
-الأسكندرية واسعة!
-إذن نبدأ من البحر.
مشيا من الشاطبي حتي سيدي جابر,شعرها يتطاير مع هبات النسيم وابتسامتها تفيض علي البحر تملأ فراغه من البهجة المشبعة بسعادة منة,ليس البحر بجديد عليها,كل صيف تقضي الأسرة أسبوعاً أو يزيد في شقتها في المندرة يمكن من خلالها رؤية البحر,الجديد هو وجوده معه,كأن الدنيا خلت من الدنيا ولم يبق إلاهما  في المدي المفتوح علي السماء.
-أنا جائعة جداً...تعبت من المشي,لنسترح قليلاً.
-انتظري هنا,سأذهب لابتياع ساندوتشات.
عاد لها بعد دقيقة يصطحبها معه,شاعراً بالخوف عليها لتركها وحدها عرضة لأي معاكسة...ألا يكفي شعوره بالخيانة نحو والدها الذي استأمنه عليها, لم يشجعها علي شئ,ولم يغرها بشئ,هي التي تعي فساد الجو الجامعي,هي التي جذبتها المدينة-مثلما فعلت معه-كنداهة لا يمكن الخلاص منها.


-اختفت ملامح لا حصر من المجتمع المصري في العقد الأخير,وحلت ملامح جديدة,غيرت معالم وجهه تماماً,جعلته قبيحاً بائساً,يفتقد الدفء والحميمية.
بهذا رد أحمد علي كريم وهو يحكي له عن حنينه للمسحراتي وهم جلوس علي كراس بلاستيكية أمام المنزل,ولصانع الكنافة اليدوي ولفانوس رمضان البسيط الجميل يحمله مع في صلاة الفجر,وبوجي وطمطم,وبكار.
من صوت راديو بعيد انساب لأذنيهما صوت مصطفي إسماعيل يرتل بمقام النهاوند:"كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً"
انتفض كعادته حين يمس وجدانه شعور يتلاقي مع مصادفة عابرة:
-أين فن التلاوة المصرية مثلاً؟!هل يتخيل عاقل أن يُستبدل الحصري والمنشاوي وعبد الباسط ومصطفي إسماعيل,بمقرئي القبور الوهابية الصحراويين بطريقتهم المنفرة المُدعية,تسمعهم لا روح ولا فن ولا حتي صوت حسن,مجرد كلمات يصفونها لتدخل من أذن فتخرج من أخري,لقد دخلت امرأة أجنبية الإسلام علي صوت الحصري,حين سمعته يتلو آيات الكتاب,فدنت منه متأثرة تخبره بأن أداؤه وصوته يوحيان لقبلها أن ما يقوله هو الحق من عند الله,فشهد إسلامها ووعدته أن تتعلم اللغة العربية,تخيل لو كانت هذه المرأة استمعت لمن يغزون القنوات التليفزيونية والمواصلات اليوم؟!في فرنسا وبنفس السبب أسلم علي يديه عشرة دفعة واحدة.
وصلت منة بسيارة العائلة مع أمها,نزلا أمام العمارة,لما أّمنت عين أمها وعين علاء السائق وانخدعت بتشاغل أحمد بالنظر لهاتفه,أشارت لكريم بيدها في مرح وسعادة وهي في مدخل البيت متممة بشفتيها بلا صوت علي أمل أن يقرأ حركتها"كريم...كيف حالك؟",لم يسعه إلا أن يحرك حاجبيه لأعلي وعضلات وجهه كلها تجيبها أنه سعيد لمرآها...مرآها,مرآها الشهي كعسل مصفي,الدافئ كحضن الحبيبة,السخي كبحر فياض من الحنان.أغلقت خلفها الباب وعيناها مثبتتان عليه وعينه مثبتتان عليها,صك الباب هدوء شارع بالكاد يتكون جنيناً في منطقة مازالت غير مأهولة.
قال أحمد بطريقة ذات مغزي:
-منذ أن التحقت منة بقسمك وأنت مرتد لسنة أولي مسرح؟
-لا أقوي علي فراقها...
ضحك بصوت عال وقال بصوت خافت:
-لا...إنكما  تحبان بعضكما,ظننت السأم تسلل لك...ألم تتصارحا؟
-تكفينا لغة القلوب,لا حاجة لنا بالكلام...أتمني أن أراك يوماً عاشقاً؟
-لم تجذبني فتاة حتي اليوم.
-إن مواصفاتك قاسية.
-لعلي أجدها يوماً...ليتني أجدها؛أنني أتشكك وأجادل في كل شئ,وليس في قلبي من إيمان إلا بالحب؛لذلك تجدني رغم حيرتي الدينية وتمردي علي الإجابات الجاهزة في أي موضوع,شديد التعلق بالصوفية,هم عشاق لمحبوب عظيم لم يعرفوه إلا بقلوبهم ولا رأوه إلا بروحهم.
صدح من هاتفه مطلع سيمفونية كارمينا بورانا"يا حظي متقلب أنت كالقمر,أحيانا تمنح وتغني,ودوماَ تمنع وتحجب".علي الشاشة ظهر اسم شنودة,سأله عن مكانه,فدله,جاء بعد ربع ساعة,متجهماً,لم يبال بمناغشات أحمد التي يستمتعان بها في بهجة ومودة خالصة:
-كل سنة وأنت طيب يا حاج شنودة؟اوعي يكون الصيام تاعبك.
لم يرفع بصره من علي الأرض التي يحدق بها سارحاً,أدرك أحمد أن هناك أمر حدث,انقلبت لهجته للجدية التامة:
-مالك يا ابني؟
نظر ناحية السماء متنهداً:
-لا أعرف ماذا أقول لك؟الكل يظن أنني وأندرو صديقان حميمان,لكثرة ظهورنا معاً منذ ما يقرب من اثني عشر عاماً,لكننا في الواقع لم نتعامل لحظة بنية صافية,لا أعرف هل أنا السبب أم هو,أم إننا أُجبرنا علي الجلوس سوياً والخروج سوياً,هو لم يجد من يصادقه وكنت أنا مثله,فارتبطنا ببعضنا,في نظامنا اللاتعليمي يُكال المديح للمعوقين ذهنياً ويحصلون علي أعلي الدرجات,أندرو كان متوسط الذكاء فكان له السبق عليّ في المدرسة والدروس,طالما عيروه بصحبتي وغاظوني بشطارته فقد كنت أنا البليد في عرفهم,مرة أوقفني مدرس الرياضيات لأحل مسألة من تلك المسائل المشروحة بطريقة خاطئة منفرة,وكان هذا الرجل المعقد يعرف أنني لا أفهم منه شيئاً عجزت بطبيعة الحال عن الإجابة,فطلب من أندرو أن يحلها فحلها,فقال المعقد"ليعطنا الله العمر ولنر أين ستكون أنت وأين سيكون صاحبك الذي يجاورك"تكرر هذا المعني مع كل الفئة المجرمة  المسماة"مدرسين"تمر السنوات ويلتحق بكلية الهندسة,واحدة ممن يصفهم العقل المصري الخرب بـ"كليات القمة",اليوم هو يتخرج بعد رسوب وقلة أدب عاني منها وسوء معاملة,وفوق كل ذلك لا يعرف في الميكانيكا التي تخصص فيها شيئاً لا هو ولا من معه؛لأن المنوط به التدريس أصلاً لا يعرف شيئاً,لدرجة أن أحد زملاؤه التحق بورشة سيارات كصبي ميكانيكي تحت يد أسطي أُمي علي أمل أن يتعلم منه,بعد خمس سنوات قضاها في كلية الهندسة قسم الميكانيكا!!!المهم,هذه الأيام يتردد علي العامرية لانهاء أوراق,وهو يحكي لي توقف فجأة,لمع في عينيه بريق شرير,وقال متلذذاً في نشوة وغرور بلهجة مرعبة"إنهم عاملونا باحترام لأننا فقط طب وهندسة,أما أنت ستري معاملة أخري"...احتملت سطحيته وطفيليته كثيراً أما في هذه اللحظة,وددت لو أحطم رأسه,اعتذرت بعذر كاذب وتركته وسرت بلا وعي حتي اتصلت بكما.
ضحك كريم ضحكة مفتعلة يحاول أن يداوي بها جرح شنودة,هو يعرف كم هو حساس ولأي مدي يمكن أن تجرحه كلمة أو حتي نظرة:
-أوهذا ما يحزنك؟لقد ظننتهم يتعقبون الشيوعيين أمثالك ليشنقوا بأمعائهم آخر متطرف ديني ثم يغرقون بدمائهم الحكام المستبدين!
ابتسم كريم:
-أعرف أندرو وأعرف كم هو سطحي وبائس عقلياً,لكن ما حكاية"طفيليته"هذه؟
-يعيش علي أفكاري وكلامي,يحفظه ثم يعيده علي أسماع الناس ليبدو مثقفاً!!!بل وأحياناً يجادلني به,الأدهي أنني حين التحقت بقسم الصحافة نشرت في موقع إليكتروني مفتوح لأي كلام في أي كلام,ولو حتي سببت الأعراض وكتبت قصصاً جنسية فاجرة,سعدت لا أعرف لماذا!غار من سعادتي وفي ليلتها كان قد نشر هو الآخر عدة سطور حفظها عني ممتلئة هراء وأخطاء لغوية لا يقع فيها طالب ابتدائية أرسلها لي مشفوعة بتحقير لي حاول أن يلبسه ثوب الدعابة,حين بدا علي وجهي الحزن في اليوم التالي لفعلته التي اطفأت فرحي,زاد من ألمي بقوله"يا شنودة أخبرتك من قبل,مجالكم هذا أي أحد يدخل فيه بسهولة,أما عندنا فلابد أن تكون علي الأقل أستاذ دكتور"الأستاذ الدكتور إنجليزيته فضيحة,معلوماته كارثة,خبرته صفر,عقله موبوء,تفكيره مرحاض عام,يخرج من عنده "الطالب"يبحث عن أسطي في ورشة سيارات يعمل عنده صبي مقابل أن يعلمه,ثم يقول لي الأحمق"عاملونا باحترام لأننا طب وهندسة,أنت ستري معاملة أخري"...لقد سئمت من هذا المجتمع حقاً.لقد تعبت فيه, طوال عمري وأنا أكدح وأتعلم وأفكر وأقرأ وأخزن معارف يتطفل عليها أمثال أندرو,يعيرني الجاهل بمعاملة سيئة سأتلقاها في خدمتي العسكرية,نجا هو منه؛لأنه"طب وهندسة",اللعنة ماذا لو كان عندنا مستشفي أو مصنع بجد أو كلية طب وهندسة بجد أو حتي شبه جد,ماذا كان قال لي؟ المعاني البلهاء كتلك لا تسمع بها في أوروبا أو اليابان أو أمريكا أو في أي مجتمع عاقل,مع أن هؤلاء هم الذين يعالجون الدنيا ويصنعون لنا نحن العجزة الجهلة الإبرة والصاروخ...نسيت هو أيضاً محروم عاطفياً يخاف من المرأة,وقر في صدره أنه لا يستحق الحب,ينفث عن أزمته بتجريحي.لست غاضباً ولا مغتاظاً,إنني فقط أشعر بتقزز لا حد له,هل تعتقدا أن شعب يعاني هذا الكم الهائل من الفساد النفسي والانهيار العقلي بإمكانه إنجاز أي عمل في الوجود...رحم الله أبطال حرب أكتوبر والروح التي خاضوا بها ملحمتهم الخالدة,ماتت معهم الروح المصرية الحقيقية,تري لو سمع شهيد أو بطل منهم عن هذ الموقف,كيف سيكون رد فعله,هل سيسخط أو سيبكي؟
-كبر دماغك يا راجل,كلمة وعدت,ليس في هذا البلد أكثر من الأغبياء والمتخلفين,99ممن حولك توقف نموهم العقلي عند سن المراهقة,لم ولن يصلوا يوماً للبلوغ الفكري,فالمنشأ فاسد والجو المحيط بنا مفسد.
أكمل كأنه لم يسمعه:
-كان يجلس معنا آخرين,بعضهم ضحكوا وبعضهم من أهل"الطب والهندسة"نظروا لي بإشفاق ولبعضهم بفخر...سئمت حقاً هذا المجتمع المريض,تعرضت لمضايقات سخيفة وتعليقات جارحة لأني مسيحي مرت عليّ كلها بلا أثر,لعلمي بمدي انحطاط العقل المصري,ولإيماني أن مصر هي مصر ولو حتي سكنتها أجيال متخلفة في زمننا هذا,لكن أن يصل الأمر للتفرقة علي حسب اسم الكلية التي التحقت بها-هذا إن كان هناك كليات أصلاً-,فهذا كثير,كثير عليّ فعلاً,ليتك رأيت نظراته ونظراتهم,أقسم أن المجتمع جن ولا أمل في النهوض به,وكلهم غير مرغوب فيهم من الجنس الآخر,لا تجربة ولا علاقة,يتقدمون عن طريق الصالونات فيرفضون,أكيد هذا السبب أساسي فيما وصلوا له من تفاهة وتخلف.
-لا تحمل الأمر أكثر ما يحتمل يا حاج شنودة,كل سنة وانت طيب رمضان كريم,هل ستصوم هذه السنة أم ككل سنة؟
لم يتمالك نفسه شنودة فابتسم رغماً عنه.طيب القلب بشهادة كل من عرفه,لو جاء أندرو الآن وسلم عليه بمودة أو داعبه بصفاء لاختفي من قلبه أي أثر لغضب أو كراهية,مثال متجسد للمثل الشعبي"كلمة توديه وكلمة تجيبه".
امتدت الجلسة رائقة صافية تختلس لها منة النظر من شرفتها بين حين وحين, حتي شق الليل قرآن الفجر المنبعث من محطة القرآن الكريم,المذاعة في أرجاء الشارع من أوله لآخره بميكروفون جامع الحاج سعد "مسجد السعد"المتبرع ببنائه علي قطعة أرض يملكها علي ناصية الشارع.
سعي كريم نحو المسجد,منذ زمن لم يدخله,حتي الجمعة تضيع عليه لسهره طوال الليل يقرأ ويفكر ويتأمل ويتعذب,يتسامي روحياً مع كلام المتصوفة وعقلياَ مع علماء الكلام والفلاسفة,ثم يجئ (الخطيب!!)باعتقاداته المضحكة وأسلوبه الهزلي يحطم ما بناه أمس, الليلة ممتلئ لآخره,الشيخ عبد الرحيم في مجلسه الثابت مولياً ظهره للناس ووجه ناحية قبلة رب الناس,يبدو الشيخ كولي من أولياء الله,صوفي له كرامات,لا يتكلم إلا كلمة أو اثنتين في الحالات الطارئة,لم يخرج من المسجد منذ ثلاث سنوات,يقسم البعض أنهم شاهدوه في مسجد آخر يؤذن بينما يقسم الآخرون أنه في هذه الساعة كان يؤذن في مسجد السعد معهم,لم يره أحد يأكل قط ,يقدم له الطعام فيضعه فيقدمه لقط شارد أو كلب جائع!!! مما صنع حوله هالة جعلت الكل يعتقد في سر إلهي اختصه به المولي,يقبل الطلبة يده في الامتحانات وتزوره العاقرات أملاً في الشفاء.
دون النظر للساعة,بإلهام باطني أو من فرط التكرار,يقوم في موعد الصلاة لينادي المؤمنين باسم الله الأكبر,يفدون له تلبية لنداؤه,كلما شعر بدخول فرد,تهلل صوته وزاد من قوته,الصوت ليس جميلاً,لكنه صادق يشعر بكل كلمة وكل معني,في الآذان والإقامة.المسجد الليلة مزدحم لآخره,صلي الفجر داعياً لمنة بالسعادة والراحة في الأرض والسماء,ولنفسه بالسكينة والاطمئنان ونسيان الهم والكرب اللذين يكبلان روحه ويعيقانه علي الكتابة"يا رب يا خالق القلم الذي به يسطرون نوّر لي بصيرتي الفنية للبدء في مشاريعي المسرحية,حيث تتجلي حقيقة خلقك ونفوسهم علي خشبة هي جزء من المسرح الكبير الذي صنعته أقدارك...يا الله".

"جامعتي الحقيقية هي كريم"هكذا كانت تقول لنفسها وهما يتجولان في الشوارع أو يقعدان علي الكورنيش أو كافيتيريا,علي الرغم من أنه يبدو أغلب الوقت شارداً ذاهلاً حالماً في عالم بعيد كل البعد عن العالم المحسوس كعادة الفنانين عموماً,تعرف هي جيداً كيف تجعله ينطلق في الحديث حتي يصدعها بكلامه,تجره لما يفكر فيه هو,تفتح موضوعاً ثقافياً أو علمياً أياً كان,لتجده تيقظ وتحول لشخص آخر يفيض بالحيوية,تلك الساعات تفتح فيها عقل منة علي الكون فكريم بقراءاته في كل الميادين عنده ما يقوله عن الذرة حتي يصل للمجرة,مثقف حقيقي نتاج سنوات طويلة قضاها منذ طفولته في دنيا الكتب,بدءً من مجلات فلاش وسماش وبلبل  التي يذكرها اليوم بجزل وسرور,أيام البراءة يستعيرها من عم كامل الخطاط صاحب مكتبة متوسطة الحال للكتب القديمة والمستعملة وبوسترات الممثلات ولاعبي الكرة,من هذه المكتبة تكون وعيه الأول علي العالم,يدخل لعم كامل وهو يكتب بخطه الجميل آية قرآنية أو بيت شعر قديم,وصوت أم كلثوم يغلف كل شئ"أقبل الليل يا حبيبي,أقبل الليل وناداني حنيني يا حبيبي"طبيعي لطفل لم يبلغ العاشرة أن يخاف هذا الصوت القوي الرنان ويشعر بالرهبة.
-عم كامل لماذا تحب أنت وأبي هذه المرأة التي تغني,إنها ليست جميلة وصوتها يخيفني؟
يضحك عم كامل ويمسح عدسات نظارته الغليظة:
-حين تكبر ستعرف,وستحبها كما أحبها أنا وأبيك.
-لا لن أحبها أبداً!
يتسلق السلم الخشبي صاعداً حتي ركن مجلة فلاش العالي,يتخير واحدة ويجلس أمام المكتبة يحلق بخياله مع الأبطال,ميدو وعائلته,علام,نظير,المواطن المطحون,البحار الغبي,وغيرهم,يضحك من قلبه ويبتهج لحياتهم,بداية تفكيره في عالم الأدب الرحب يرجع للحظة التي تمني فيها أن يعيش معهم,اشتعل عقله لتلك الفكرة,ومن يومها مازال يحرقه بلهيب ناره.
يا قلبي لو طاب لي زماني
وأنعم الدهر بالتداني
تبسم الفجر في عيوني
وغرد الطير في لساني
وبت من نشوتي أغني
والليل يروي الحديث عني
ياهدي الحيران في ليل الضني
قد غدوت الآن أدري من أنا
أنا طير رنان في دنيا الأحلام
أنا ثغر بسام في صفو الأيام
كنت وحدي بين أوهامي وأطياف المني
والتقينا فبدا لي يا حبيبي من أنا أين أنا
علي الكورنيش هيجت أم كلثوم مشاعرهما,بصوتها المنبعث من الموبايل,أحدث فيهما أثراً جميلاً,زاده جمال منظر الأحبة المتراصين علي يمينهما ويسارهما,التفت ذاهلاً عن كل شئ,جعل راحته تحت خدها الناعم,وقلبه يهتف بلا صوت"منة أنا أحبك",سمعته بلا كلام وجاوبته بقلبها"وأنا أحبك"لم تضطرب ولم تخجل,انتظرت هذه اللحظة زمناً,ابتسمت حاضنة ذراعه بذراعيها,ارتاحت برأسها علي كتفه,حينها قبلته قبلة خفيفة عليه,وألقت نظرة علي البحر والبر ممتنة من كل قلبها للحياة,وتمنت بصدق إيقاف الزمن لتدوم اللحظة للأبد.
الحب هو...هو الحب وكفي!
وقف بينهما وبين عاشقين بجوارهما,شاب ضخم علي وجهه الشر والغباء,طويل اللحية قصير الجلباب,في محاولة بائسة لإرجاع زمن ولي بخيره وشره,صرخ في الجمع:
-وفي نهار رمضان أيضاً هذه المسخرة يا أنجاس!!
قام الشاب المجاور رد عليه السب,وتشاجرا,صرخت الفتاتان وانتفض كريم وشاب آخر يحاولان الحيلولة بينهما,وبعد جهد تمكنا من إبعاد ذو اللحية وهو يلعنهم ويلعن الأرض التي يمشون عليها,وفي أعماقه يهفو للحظة كتلك مع حبيبة,حرمته منها الظروف المدمرة لأي حلم.
أيصفو القلب من كدر الأيام ويُنقي من شوائب البشر,ويعلو فوق الخسة والدناءة المركبتان في النفس الإنسانية؟أتجئ السعادة محملة علي جناح الحب؟...
استلت منة منه مرارة الزمان وآلام الوجود,فني فيها بكل كيانه,انحسر الكون أمام بصيرته المتفتحة عن كل الخيال والوهم المعششان فيه,جال ببصره يبحث عن حقيقة واحدة في الفراغ الكلي المحيط به,فراغ عجز عقله عن إعماره بأي هراء علي عادة البشر,لم يجد سوي منة الحقيقة الوحيدة في الدنيا التعسة.
طفولية بريئة,لم تلطخها الحياة بأقذارها,مازالت روحها طاهرة ومشاعرها نقية,نجت من الوقوع في هوة الأحقاد والغيرة,لم تجرح أحداً رغم أنها جُرحت مراراً,قلبها معمور بالحب والحنان,فظهر ذلك علي وجهها ألقاً وجاذبية,جعله يشع ملائكية ويقطر شهد البراءة.
منة...ليس كمثلها فتاة.
شارف رمضان علي الانتهاء,والحاج سعد يرتب للدعوة الخامسة لمائدة الإفطار الفخمة التي يحضرها لتجار الملابس الحيتان وأصحاب المصانع الضخمة في كافة أنحاء الجمهورية وأصدقائه ذوي النفوذ,تصطف عشرات السيارات كل مرة علي جانبي الشارع,يتضاءل كريم وتظهر خدمة والده وذله جلياً أمام عينيه,ينظف مكان هذا,ويأخذ عدة جنيهات من ذاك,يودع هذا بخضوع,ويستقبل ذاك محتملاً إهانته المكسوة بدعابة بصدر رحب,وابتسامة واسعة لسان حالها"زدني,يالك من خفيف الدم يا سيدي"يري كل هذا ويحز في نفسه وضعه ووضع أبيه المهين,يهرب من كل شئ لدنيا المسرح والخيال,قال لنفسه"لو لم أحول ألمي وعذاباتي لفن عظيم,فلأتجاهل كل شئ وألعن الدنيا وأصفعها علي قفاها بحذائي,ولآكل وأشرب وأبحث عن امرأة أنكحها وأعيش كما تعيش الدواب-والكثير من الناس-!أو أنتحر".
جاءت الدعوة الأخيرة قبل العيد بيومين,كالعادة رجال ممتلئون بذواتهم,سيارات فارهة,طعام فاخر,لفت نظره هذه المرة وجود شاب في مثل سنه شايف نفسه,عليه سيماء النعيم,وجد نفسه بدون وعي يقارن بينه وبين ذاته,لو أدخل الإنسان نفسه في مقارنة مع ناموسة أو ذبابة فسُيخرج نفسه خاسراً حسيراً,سينظر لآلامه وخيباته وحرمانه,وسيستنتج أن الناموسة أفضل منه,وربما تمني لو خلقه الله ناموسة أو حتي جاموسة,كل مقارنة سيعقدها خياله نتيجتها معروفة سلفاً,هو الخاسر,هو السئ,هو الذي ابتلاه الله بكل العلل,شعر كريم بضيق شديد,وذهب لحجرته في انتظار آذان المغرب,لأول مرة يتأملها بدقة,مكتب مستعمل من مخلفات منة القديمة,يحبه ويتدله فيه,ينام عليه محتضنه يبثه شوقه لها,عليه جهاز كمبيوتر يسدد أقساطه منذ ثلاث سنوات,جهاز راديو كان هدية من أبيه للمرحومة أمه أثناء خطوبتهما,ومع ذلك كعادة الصناعات الأصيلة مايزال يعمل,يتنقل بين محطتين فقط إذاعة البرنامج الثقافي,وإذاعة الأغاني,بورتريه لويليام شكسيبير علي الحائط الأيمن طلب من أمل أن ترسمه له وعلي الأيسر صورة لمحمد منير قابضاً علي المايكروفون كأنه يقبض علي قلبه يعتصره بين أصابعه ,سرير صغير تتدلي منه قدماه الطويلتان,جدرانها كئيبة جوها خانق,كحياته ومستقبله!عاد يفكر في الشاب الذي رآه ساخطاً علي كل شئ.
"لما تهل المغارب قلبي بيصبح قارب",يغني محمد منير هذا الكوبليه في رأسه عند كل مغرب,الغروب والصباح لا يتحتلفان علي الإطلاق,لدرجة أنه يشك هو في أيهما الآن!!نفس الألوان ونفس النسيم والشعور بمحال بقاء الحال علي ما هو عليه,خرج من الحجرة يدندن في نفسه"لما تهل المغارب قلبي بيصبح قارب,تليلي يا ليلة يصبح في عينكي هارب"بدأت أنوار الخيمة تضاء,وهل الفقراء مع المغرب واقفين أمام الخيمة يستعدون للطعام يمنون أنفسهم بوجبة شهية,ينظمهم عمال الحاج سعد في علي طاولات في أقصي الركن بجوار نصبة الطباخ,يجلس معهم كريم وأبيه وعمال الطباخ وعمال الحاج,يمزق قلبه الأطفال وهم يتملظون في انتظار نزول الطعام,الشحم يغطي واحد والتراب واحد آخر والعري يغطي الثالث....لكن البسمة تجمعهم كلهم خاصة حين تتسرب رائحة الأكل لهم,أدار لهم وجهه خشية أن تخونه دمعته لاعناً الفقر والحاجة والحرمان,ليجد أمامه المستورين وقد فُضحوا,جذبته يد طفل يعرف والده,موظف رقيق الحال يتساءل في براءة:
-عمو هل لديكم لحم؟
-أجل يا حبيبي
-هل أنت متأكد؟إن بابا يقول لنا أن اللحم لم تعد موجودة في العالم,لكني سمعته يقول لماما أنها وصلت لستين جنيهاً؟
ابتسم محاولاً التغطية علي ألمه وهو يتوقع السؤال الثاني:
-ممكن قطعة؟
-حسناً انتظر
دخل المطبخ وجاءه بطبق كبير وضع فيه ما طالته يداه,خطفه منه وجري خلف الخيمة,حيث كانت أخته في انتظاره,وضعا الطبق علي الرصيف والتهماه جائعين,أقسم ألا يدخل جوفه أياً من هذا الطعام,وعاد لحجرته يبكي وحيداً,وفكر أن صورة الأطفال المحرومة لن تمحي من ذاكرته بعد اليوم.عاد بعد انتهاء الإفطار ليساعد أبيه في خدمة المدعوين,رآه يتنقل يضبط حجر شيشة,يضع السكر في الشاي ويقدمه,يوزع الحلويات,يطارد القطط والكلاب الضالة ويبعدها.
حانت منه نظرة للشاب الشايف نفسه,قابعاً خلف عمود النور في كفه موبايل غالي الثمن يقدر بالآلاف وعلبة السجائر المستوردة والولاعة الأنيقة,مثبتاً بصره علي شرفة منة,في لا زمن لوي رقبته ناحية شرفتها,فرآها واقفة تشرب عصير قمر الدين,وتتفرج علي الجمع غير منتبهة لنظراته التي يغرزها في وجهها وجسدها.في عيني الشاب رغبة يعرفها جيداً؛هو نفسه جربها مع منة,تخيل نفسه يهجم عليه يضربه ويطرده يجئ الحاج سعد معترضاً فيصرخ في وجهه ,ويصرخ في وجه كل الناس,يقفز لشرفة منة وينزلها متعلقة برقبته,ويجري بها لمكان بعيد بعيد جداً,عوامة في نهر النيل تتأرجح بهما طوال الوقت,وهي نائمة في حضنه و جالسة علي حجره هكذا سيعيشان طوال العمر!
-يا كريم,اجري هات علبة سجائر مارلبورو بسرعة لسيادة المستشار.
أيقظه والده من أحلامه صائحاً, لم يسعه إلا التنفيذ!
عند دوران الاستاد وفي شارع جانبي يطل منه الفقر والفاقة,يقبع محل قريب له من بعيد,حتي أنه مع الوقت نسي صلة القرابة بالضبط ولم يسأله عنها يوماً,شاب ممن تخرجوا ميح وعاشوا ميح وسيموتون وهم ميح,وجد الشاب في كريم العقل الكبير فقربه منه وأكثر من دعوته للمجالسة والاستئناس,يشكو له كأخ وكريم ينصحه ويفسر مواقفه بما يليق بمسرحي يتكشف له من النفوس وفلسفة سير الأحداث ما يحتجب عن الجميع,أعطاه العلبة وهو يقول مداعباً:
-ما تجيب سيجارة,قل له العلبة وقعت مني ففتحت لوحدها وفقدت سيجارة طارت مع الهواء.
ضحكا سوياً:
-ارمها له وتعال سأطلب لنا شاي أثناء ذلك.
من ضمن ما صارحه به قبل أيام,أنه بعد أن كتب كتابه علي فتاة رضت بقلة ماله ورضي هو بالمثل بقلة جمالها,وجدها تصارح أمه أنها شبه ممسوحة الثديين,كشفت لها عن نفسها فسألها-هو سمين لحد ما –"هل مثل صدري أنا يعني؟؟فأجابته"يعني,تقريباً"مما يعني أنها تقريباً بلا ثدي!
ذهب ولم يعد,هو يعرف كم يكون عدوانياً حين يكون محبطاً,سيظل يلمز ويغمز,وسيعكر دمه أكثر مما هو متعكر,وكل امرأة تمر سيمسك رأسه عنوة ليلتفت لها صائحاً"انظر لتكوين هذا الصدر وحجمه,انظر كيف يرتج!!!"
أعطي المستشار سجائره ملقياً نظرة علي الشاب الجالس خلف العامود مازال هذه لكن الآن يجالسه عمرو أخو منة اقترب منه,ليشاهده عن قرب بحجة السلام علي عمر,لم تخب توقعاته,تلقاه عمرو ببرود لم يرحب به ولم يدعه للجلوس,فقط مد له يده ثم خطفها منه!مع ذلك تجلد وبقي مكانه واقفاً بجوارهما,مستخدماً أسلوب التناحة أخذ يصفه في عقله كأنه يقدم شخصية مسرحية"أبيض وسيم بعينان خضراوتان,و شعر أشقر,يمكن أن نقول عنه شاب جميل من شباب اليونان القديمة الذين كانوا يستهوون الرجال!أنيق معجب بنفسه,مهندم,صورة أخري من نرسيس"
التقط عدة عبارات من حديثهما دلت علي معيشته فترة بأمريكا مع أمه الأمريكية,جعلته ساخطاً علي كل ما يمت لمصر بصلة,ويتمني أن يعود هناك ليستقر إلي الأبد,لكنه يود لو يتزوج مصرية,فهو لا يثق ولا يستطيع حتي التقرب مع الأميريكيات,وبمجرد أن يتم مطلوبه سيعود في أقرب فرصة!والده صاحب مصانع ملابس وأدوات منزلية,يعرفه كريم من إعلاناته التي لا تنتهي في التلفاز,يظهر فيها نجمات السينما متولهات مدلهات في حب منتجاته التي تسعدهن وتريح أجسادهن وتزين مطابخهن,حتي أن واحدة حضنت الطاسة وقبلتها كأنها عشيقها المشتاقة إليه.
يود أن يتزوج...!منة!...النظرات! أنا...أبي عبد الرازق الخادم...عمرو الذي لا يحبني...الحاج سعد الذي يعطف عليه...يود أن يتزوج....منة...
استند علي عامود الخيمة لعله حتي يتماسك



استغرق الأستاذ سيد همام  الناقد والمترجم الستيناتي المغمور, عشرة أشعر لينهي ترجمته لكتاب ضخم عن ألف ليلة وليلة,وفي يوم السادس من أكتوبر ظهر في المقهي بعد انقطاع طويل,يحيط به كريم وأحمد وشنودة في ترحاب,أطلق عليه شنودة "البروف"فأصبح لقبه المحبب لهم,قبل عامين تعرف الثلاثة علي الأستاذ سيد في إحدي ندواته عن علوم السرد بقصر ثقافة دمنهور (البشع),قرأوا اسمه لأول مرة علي ورقة بيضاء"يسر قصر ثقافة دمنهور استضافة الأديب الكبير سيد إمام يوم 1/4/2008في ندوة بعنوان"تقنيات السرد في الأدب المعاصر",البروف دمث الأخلاق في معاملته وأدبه,هذا لا يمنع كون لسانه منفلتاً لآخر درجة بلا كابح,الشتائم والسباب عنده مسموح ضد كل ما لا يعجبه,والألفاظ التي نعتبرها نحن خارجة هي عنده واحدة من أهم عمليات فهم اللغة,بداية تعرفهم بهم تلك الليلة الشتوية,دخل بشعره المشتعل شيباً من كرور الزمن وتعاقب الفصول,وقامته المتوسطة وبشرته الداكنة,مرتدياً بالطو طويل ممسكاً عصا وعلي رأسه بيريه,مستوحياً مظهر توفيق الحكيم,في منتصف الكلام متشجعاً بخلو القاعة من النساء...الحق أن القاعة لم يكن بها سوي خمسة أفراد,أخذ في سرد أبيات في الوصف الجنسي ومحاسن المرأة,وسط ضحك الثلاثة,تبسط معهم في الحديث وداعبهم,ومن يومها التصقوا به غير عابئين ولا هو بفرق السن الهائل.
حكي له شنودة ليلة ذكري الانتصار موقف أندرو,صمت لوهلة قبل أن يقول:
-لا وجود لمثل هذه القيم المدمرة إلا في بلاد العالم الثالث,حيث سوء التربية,سوء التعليم سوء ظروف اجتماعية,ينتج عن كل هذا وغيره من المصائب بشر غير أسوياء,مرضي العقول والنفوس,يحتاجون لتأهيل فكري ونفسي...أضف أنه مرفوض من النساء وليس له علاقة بهن كما تقول,فطبيعي أن يلقي عليه بعضاً من قاذورات نفسه العفنة,حب المرأة زهرة ندية لا تنبت إلا في قلب كالأرض الطيبة,القلوب الأخري بها بكابورتات سد أنفك وأنت تمر بها.
سأله شنودة:
-لو سمع شهيد أو بطل من حرب أكتوبر ما قاله كيف ستكون ردة فعله يابروف؟
تنهد قائلاً:
-لقد رحمهم الله وقبضهم وهم في أحلي لحظات حياتهم,فلا تعذبهم باستعادتهم في هذا زمننا الردئ!...بدأت مأساة مصر في الربع الأخير من القرن الماضي والممتدة لليوم,بعد ملحمة أكتوبر العظيمة,باع السادات مصر وأفسدها قدر ما أمكنه هو وأعوانه الفاسدين,وزرعوا فيها كل ما تعانون أنتم اليوم منه,كان حكمه نكبة علي مصر أفقدها قيمتها وقامتها واستبدل العلم والثقافة والاشتراكية بالانفتاح والإيمان الغبي الجاهل الأعمي,وتجلي في زمنه التهريب والنفاق والفساد والجهل,وكل ما تفشي في الجسد المصري فأهلكه و أكله,تخيلوا بعد أيام عظيمة كتلك لو أدار البلاد رجل وطني كفء؟...كل من يدافع عنه إما مستفيد منه ومن عصره أو مضحوك عليه بكلمات وصفه بها الأفاقون كـ"داهية,ذكي,بطل الحرب والسلام"الحرب كانت ستقوم به أو بغيره,والسلام...السلام بالكلام!!!انظروا للدولة التي هزمناها اليوم وانظروا لحالنا,إسرائيل يحلم بها بعض الشباب,يودون الطفشان من هنا لقطعة من أوروبا...ربنا يطلعنا منها علي خير.
بقي كريم ساهماً,حدث ما توقعه ,تقدم أمجد الشاب المعجباني لمنة,حدث ما حدثه به قلبه,منة تبكي في الهاتف ولا تدري بم تجيب أبيها متعللة أن تركيزها كله في الدراسة,وأحمد أصر علي اصطحابه للمقهي حتي لا يصيبه خللاً لكثرة جلوسه في غرفته وحيداً,والحاج سعد أخبر حامد بيه والد أمجد أن منة مشغولة بدراستها وبعد امتحانات نهاية العام سيكون الرد خيراً بإذن الله,وعم عبد الرازق يشعر بكريم ويعرف ما يفكر فيه,لكنه لا يجرؤ حتي علي التصريح, ويدعو الله أن يكون مخطئاً.
الهزال والشحوب يعلنان احتلالهما جسده,الهم والعذاب يطلان من عينيه ونبرة صوته,نظر البروف لشنودة متسائلاً بعينه,تمتم بشفتيه لا أدري,التفت لكريم:
-الأستاذ سيد مستغرب من حالك...ماذا بك؟
-إرهاق من مسرحية صعبة أعمل عليها.
ضحك البروف:
-لو كل الأدباء هكذا لكانوا قضوا نحبهم في شبابهم...ماذا بك افصح للبروف عما يعتبك هكذا,وإلا والله زعلت منك.
نظر كريم لأحمد مطولاً وقال:
-احك لهما,هما مأمن سر,ولعلي أجد عندهما النصيحة.
حكي....
تركهم يتناقشون ويتداولون,بينما يجيل بصره فيما حوله,القهوجي الشرس المخيف,يصرخ في الزبائن أحياناً ويعاملهم بازدراء عجيب,شاب يستمع لأغنية شبابية سخيفة من هاتفه,بنت ناهدة تمر من أمام المقهي مسرعة خجلة في طريقها للدرس-ذكرته بمنة-وجه امرأة يبدو من نافذة العمارة القريبة,لم يستمع ما قالوه وحين لكزه أحمد,سائلاً فيم يفكر,أجاب بهدوء مخيف:
-أتمني لو تنشق الأرض وتبلعني في جوفها لأستريح من معاناتي علي ظهرها التعس.

طوال مجلسهما علي البحر أو في القطار أو في الترام,يبقي صامتاً أغلب الوقت,لم يعد هناك موضوع يثير رغبته في الكلام,وهي فقدت قدرتها أصلاً علي اجتذابه للحديث,ينظر لها بحزن وهي تنظر له بخوف,خوف من المستقبل المجهول,يبدو علي كليهما الألم المقيم,انسحب ماء الحياة منها بصورة مخيفة,انمحت الابتسامة المضيئة,انهارت الحيوية المعدية,حل في قلبها الخوف والوجل والتوتر,كلما تخيلت نفسها بين أحضان رجل غير كريم تسلمه جسدها,يروي رحمها بمائه شعرت أنه يحرقها بماء النار,لو قبلها فهو يصفعها لو لمسها فهو يجلدها علي جلدها,وهي ممن يعذبهم خيالهم وأوهامهم,فتتحول أمامهم حقيقة رهيبة مبكية.
وصوت البحر قادم من المجهول وأمواجه ترتمي علي شاطئه مرحة,تودع آخر أيام الصيف لترتطم بكل قوتها بعد أسابيع بالشاطئ مستعدية عليه بجبروت الطبيعة,ثنت ذراعها علي السور الحديدي لكوبري استانلي واستندت بذقنها عليه ترنو نحو الشاطئ المقابل الخفي المجهول, شاعرة بالنسمات اللطيفة تداعب شعرها ووجنتيها:
-لو كان الحب ينتصر في الحياة,ماكان هذا حال البشرية اليوم...يبدو أنه لا ينصفه غير أبطال الروايات والسينما!
خرجت منها الكلمات بصوت مشروخ وإحساس يائس.جاوبها بنفس الصوت والإحساس
-معظم قصص الحب العظيمة خرجت من أتون الحرمان والعذاب وانتهت نهاية مأساوية.
شعرت أن الكلام سيجر معه آلام.
-كريم...أريد أن أطلب منك طلب...اقبل دعوتي للغداء في سان ستيفانو.
-لكن...
-عشان خاطري.
ليس ضيق اليد فقط ما زرع فيه مقته للأماكن الفاخرة,بل استعلان ظلم الحياة للإنسان يتجلي فيها بوضوح,بذخ فاحش مجرم وسط شعب يبحث عن كسرة خبز وكوب ماء,يضحي في سبيلهما بحياته,وتجئ تقارير الأخبار ساردة قصصهم المأساوية,مع منة لا يعرف غير منة,داس علي نفسه,وذهب معها.
سلالم ومداخل ومحلات,بنات شباب,مال استهلاك,خليط مدهش,زحام شديد لكن لا أحد هناك.
-يوجد مطعم صيني هنا أكله جميل.
-حسناً هاتِ ما يعجبك,صيني صيني,الأرض بعد قليل ستتكلم صيني!
ظهر بجانبهما فجأة في انتظار الطعام,ممثل درجة ثالثة مغمور الاسم لكن وجهه معروف للجمهور معصباً رأسه بطريقة ملفتة بعلم البرازيل, ,يتميز بضخامة الجسد بدرجة مفرطة,دخل قبلهما بدقائق مع بنت كالعصفورة أجلسها علي طاولة وتركها لجلب الطعام,همست له:
-هذا الرجل الذي في فيلم....
-أجل أنه هو
خبطها في كتفها بغير قصد, وهو يخرج المال من جيبه,اعتذر لها بأدب,فابتسمت له برقة:
-عادي.
مرت دقيقتان وهو يختلس لها النظر,انحني عليها قليلاً:
-وجهك جميل جداً,ستحبه الكاميرا والجمهور لو دخلتي المجال السينمائي ستصحبين نجمة.
نظرت لكريم في سعادة,ودفنت عيناها خجلة في قائمة الطعام,تابع:
-فكري,سأعطيك رقم هاتفي,لو قررتي كلميني أستطيع مساعدتك.
-لا أظن أنني سأحتاجه,شكراً,لم يخطر لي علي بال أن أصبح ممثلة.
-خسارة!
لم يجدا طاولة وسط الزحام,خرجا لمقهي أمام المول الشهير الذي تكوم في أمامه في ركنه القصي صبي حافي القدمين مهلهل الثياب جالساً علي كرتونة شيبسي,أكلا وشربا الشاي وكريم طلب شيشة تفاحة,دفعت أيضاً ثمن المشاريب غالية الثمن لحد السرقة!تمشيا في طريق العودة علي الكورنيش,توقف كريم فجأة أمام بائع يفرش بضاعته علي سور الكورنيش الحجري,فرشة من الميداليات والحظاظات والخواتم الصفيح,أهداها ميدالية عليها اسمها وخاتم فضي,ألبسه لها وخيالها مخترق بأنه يلبسها دبلة الخطوبة,وصوت شادية يرقص في رأسها"يا دبلة الخطوبة عقبالنا كلنا,ونبني طوبة طوبة في عش حبنا,نتهني بالخطوبة ونقول من قلبنا يا دبلة الخطوبة عقبالنا كلنا"
ليس لها مؤتمنة سوي أمل,علاقة جميلة لم تشبها شائبة الغني أو الفقر وما يتبعهما من أمراض نفسية مستعصية,اقتربت أمل القادمة من طبقة أقل من المتوسطة من حياة منة الغنية المرفهة,الأولي لم تحسد الثانية والثانية لم تتعالي علي الأولي,البنتان كأختين,لم يعرفا إلا المودة الصافية,وهذا عين ما يسعي له شنودة ولم يوفق يوماً لصداقة كتلك لو اطلع عليها لتمني أن يصير مكان واحدة منهما,بددت صداقتهما كل عائق,حتي العائق الأكبر بالنسبة لفتاة...حظ أمل القليل من الجمال,جعلها شبه شفافة بالنسبة للشباب.
السر الوحيد الغارق في عمق قلب أمل,ولم تبح به لمنة:حبها لكريم.
أحبته في مراهقتها المبكر,ومالبثت أن أنكرت علي نفسها وتناسته معتبرة إياه حب طفولي ساذج,لكن الأيام لم تمحه من قلبها أبداً,بل زادته رسوخاً علي رسوخ,كتمت في قلبها هذا الحب,ولا ينفجر سوي دمع في الليل,البنات اللواتي اعتدن حمل المسئولية من صغرهن,وبدأن يصرفن علي أنفسهن بأي عمل منذ التحاقهن بالجامعة,ويحتملن في سبيل هذا مشقات يجزع منها الرجال,في أسرتهن والظلام هابط علي دنياهن يفرغن ضعفهن الذي لا يملكن رفاهية التعبير عنه بكاء ونواح,هكذا كانت أمل,صلبة في النهار كرجل,هشة في الليل كطفل وليد,تري في المرآة وجهها الضامر بارز العظم وملامحها الرجولية الموروثة عن والدها مغسولة بالدمع,تشعر حينها أنها تطهرت وارتاحت,كما لو كانت في قمة شهوتها الجنسية تعذبها الحرارة الكامنة في أعصابها, تأتي راحتها أخيراً,فتسترخي مرتاحة.

دخل علي الشناوي بعد ساعات من تنحي بن علي هاتفاً"الثورة,وحياة أمك منك له ستشتعل الثورة في أركان نظام مبارك لتقذفه من حالق عرشه كرفيقه الآخر"
انزاح للظل الهم الشخصي بالنسبة لكريم في هذه الأيام تاركاً للهم العام كل اهتمامه,ما حدث في تونس ملهماً وخطيراً وغير مسبوق,ينذر بتحول تاريخي في المنطقة العربية التي لم تسمع جغرافيتها من بحار وجبال وصحراوات ومزارع صوت الشعوب أبداً,دوماً صوت المعركة هو الأعلي"لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"وحين يتساءل أحدهم أي معركة؟بل من هو عدونا أصلاً,أو يتجرأ ويشير بدافع وطني أن معركتنا الحقيقية يجب أن تكون ضد جهلنا وغباءنا وتخلفنا عن العالم المتحضر,يصبح هو الهدف للمعركة,و"يذهب وراء الشمس",وهذه العبارة في الغرب علامة علي الدول العربية الاستبدادية,تذكر حتي في دراساتهم عن الحالة العربية,لدرجة أن حكوماتهم ترسل معتقليها ليتعذبوا"وراء الشمس"بالوكالة,بأدوات ونظم تتكلف مليارات لو صرف ربعها علي الشعب ما جاع فيه أحد.
فتح شنودة ملف الإخوان,ضحك الشناوي عالياً:
-هل تعرف بم أشبه تلك الجماعة المزروعة كسرطان في جسد الوطن؟بمسلسل كارتون شاهدته وأنا في الابتدائية اسمه"بينكي وبرين",عن فأرين يسعيان للسيطرة علي العالم يقومان بمحاولات غبية فاشلة مزرية كل ليلة تنتهي بمصيبة,الإخوان لهم نفس عقلية الفئران ,تشبههم حتي أغنية المسلسل"فئران للتجارب لا نعرف من أين"
شنودة الآن قطع علاقته تماماً بأندرو,أصبح لا يطاق,من كلام شنودة يأخذ كلامه ويعيد حتي كاد أن يتقيأ,أراد كما يفعل دوماً أن يثبت عبقريته الخارقة له,أخذ يتكلم في السينما وصورة مصر من خلالها,بنفس كلام شنودة الذي قاله من قبل,وخاصة العبارة التي سمعها منه قبل سنوات وحفظها"هذا نتيجة وليس سبباً"سحب نفساً من الشيشة,وسما بأنفه ناحية السماء,مخرجاً الدخان من أنفه وفمه:
-انظر للخليجي مثلاً كيف تقدمه السينما المصرية إنه....
بلا شعور وقف فجأة,شتم وسب لاعناً إياه بكل لعن,وتركه وهو يغلي ووجه محتنق الدم,سار غير نادم علي فراق هذا اللص الذي دأب علي تقليده وسرقته,رغم أنه يشعر له بالرثاء أحياناً...لجهله وضيق تجاربه وانعدام ذكاؤه...يكفي أنه يقارن مصر بالخليج!!!
انقسمت الآراء لـ"مصر ليست تونس"و"مصر ليست أقل من تونس",في العموم الحالة التونسية الثورية سيطرت علي خيال المصريين,وبدت الأيام تمر,الكل يترقب من يهون ومن يهول.
ثم عاد خالد سعيد من جديد للواجهة,الصفحة التي تحمل اسمه دعت الناس للنزول يوم 25يناير تعبيراً عن فيضان الكيل..ونزلوا.
قبل الخيانة الكبري المتمثلة في الانسحاب الشرطي من كل محافظات مصر في وقت واحد,عزم كريم أمراً أخبر به والده,ثار وقذفه بالكرسي بكل قوته فأصابه إصابة قوية آلمت ساقه بشدة,لكنه لم يلن ولا اهتم,بدأ يستعطفه محاولاً إثنائه بلا فائدة في النهاية أشعل سيجارة ورفع جلبابه لوسطه ثم جلس علي الأريكة وقال منغماً كل كلمة كشاعر بربابة:
-"غانم قاله روح يا ولدي لما يضرب السد راسك"هكذا قال غانم الزغبي الأحمر لولده دياب حين ظن في نفسه القدرة علي السلطنة والسيادة,وقفزه علي مكان أعلي منه...لكنك يا ولدي سيضرب السيف قلبك!
رن جرس باب شقة الحاج سعد المنهمك في متابعة القنوات الإخبارية,فتحت له منة,وقفت لثوان مبهوتة تتساءل عن سبب مجيئه بعينيها,تهرب من نظراتها,ولم يقطع هذا الموقف سوي صوت الحاج:
-ادخل يا كريم...ماذا يحدث للبلد,ماذا يريد هؤلاء الناس؟!
دخل كريم ولا يعرف ماذا حدث ولا ماذا قيل بالضبط,ما يذكره جيداً,أنه طلب يد منة من الحاج سعد واعداً إياه أن يصونها كعينه مؤكداً أنه لن يحبها ولا يريدها إلا بالملابس التي عليها,فانتفض الحاج سعد صارخاً"اخرج...ولا ترني وجهك بعد اليوم أبداً,ولو رأيته قسماً بالله,لن تري شيئاً في حياتك بعد ذلك"
كانت منة تتسمع حوارهما,فإذا بها فجأة تلطم خديها بقوة وتهرول لحجرتها.
لأول مرة يضرب ابنته,ضربها بوحشية كأنه يضرب رجلاً,لم يستطع عمر أن يزحزحه عنها إلا بعد جهد,وهو يصرخ فيها:"ماذا كان بينكما ليتجرأ هذا الكلب ويطلبك,ماذا أعطيتيه ووعدتيه ياقذرة ليقوي ذلك العفن علي النطق بهذه الكلمات؟الخطأ خطأي أنا من وثقت فيك ودللتك وعاملتك معاملة الأميرات, لامني عليها كل من حولي,من اليوم ليس لك عندي إلا الحذاء,والعريس الذي تقدم سأوافق عليه وستتزوجيه رغماً عنك ولو اضطررت لاقتيادك بحبل من رقبتك له يا سافلة,منذ اليوم لن تلمسي موبايل ولا كمبيوتر,ولا أي وسيلة اتصال,حتي تنتقلي لبيت زوجك"
بكت طويلاً ألماً وحزناً...حتي نامت من تعب البكاء.
خرج كريم حاملاً حقيبة لا يعرف أين يتجه,لم يجد أمامه سوي جامع السعد فدخل يجلس تحت عامود,الشيخ مولياً ظهره للدنيا مستقبلاً محراب ربه,دون أن يلتفت سمعه كريم يتكلم  لأول مرة في حياته:
-قبل ثلاثة أعوام,دخلت هنا في ليلة باردة كهذه يضربني المطر ويدوي الرعد في أذني,فررت من بيتي عقب وفاة زوجتي...حبيبتي"رجاء"رجائي الوحيد من الدنيا,عشت معها كل ثلاثين سنة,كانت هي كل حياتي,حرمها الله من الإنجاب,فكنت أنا ابنها وهي ابنتي,لم أفكر لحظة في الزواج من امرأة غيرها,وفجأة ماتت وهي بجانبي علي السرير تستعد للنوم,كنت أداعبها كأننا عروسان في شهر العسل,وهي تضحك وأنا أضحك لضحكها,وفي عز سعادتنا,ماتت!جريت مولولاً باكياً بالملابس التي علي حتي قادتني قدماي لهنا,والآذان يشق صمت الليل,صاعداً نحو السماء...نحو روحها,من يومها وأنا لا أعيش إلا بالآذان وللأذان...لعلها تسمعني.جئت لهنا وأنا عجوز ليس عمري ورائي وما سيجئ أقل مما فات...اذهب وقاتل.اذهب ابحث عن حبك...فعن طريقه ستجد ما تبحث عنه,ما دامت علي قيد وأنت كذلك,لا تيأس...يغير الله من حال إلي حال في لحظه,سبحانه.
قضي لياليه في ميدان الساعة وأمام مبني أمن الدولة المُقتحم والمحكمة المحترقة,طاف الشوارع والحواري في المظاهرات هاتفاً حتي بُح صوته,كانت دمنهور كلها تموج بالثورة والغضب,أول مدينة تجرأت علي اقتحام قلعة أمن الدولة,التي كان المرور من أمامها فقط يثير الرعب...لم ينس منة لحظة,بل لعله فعل كل ذلك من أجلها,في ليلة التنحي شاهد مع شنودة والبروف وأحمد,حمامتين أطلقهما الثوار من قفص حديدي,دلالة علي انعتاق مصر من الأسر الطويل المذل المهين,الذي أفقدها قيمتها وقامتها,حلم لو يصيرا حمامة,ويطيران بعيداً نحو السماء,شعر بالموبايل يتهتز,لم يسمعه وسط هتاف الجموع,ابتعد أمتار ليستطيع أن يستمع لأمل,وجدها تبكي من خلال بكاءها التقط كلمات"منة,في المستشفي العام,حاولت قطع شرايين يدها في الحمام".
جري,جري,جري,كما جري الشيخ عبد الرحيم من قبل,هذه المرة ليس هرباً بل مواجهة,ليس موت بل حياة, الحاج سعد واجماً كصنم مصفر الوجه تائه النظرات شبه غائب عن الوعي,والحاجة نجاة تشهق بالبكاء منهارة وبجوارها أمل تبكي في صمت,وعمر مطرقاً للأرض ,يبدو أن أحداً لم يشعر به.
-أين هي؟
قالها بثقة مخيفة ولو اعترضه أحد للكمه في وجهه بلا كلمة.
نظر له الحاج نظرة ميتة,كأنه لا يعرف من هو,بل كأنه لا يراه,أشارت أمل لحجرة مغلقة,وقامت معه,اعترضها ممرض كالح الوجه,دفعته بكل قوتها"هذا علاجها" ودخلت معه,نادت الطبيبة,وقفا علي الباب:
-هذا هو كريم الذي كانت تهتف باسمه في غيبوبتها.
-لنتركهما الآن.
ذهبت الطبيبة وبقيت هي علي مقربة منهما,تشاهد وتسمع,لاحظت جفون منة تتحرك فجأة,ويديها تتحسان السرير كأنهما تبحثان عن شئ,مسك كريم يدها باكياً:
-منة,لماذا...حياتك أغلي من أي شئ في الوجود!
بصعوبة نطقت اسمه:
-كريم.
خرجت تزف بشري عودة منة للوعي لأهلها الذين هرولوا لها.
بعد شهر كتب كريم قصتهما في مسرحية"هرم الحب" مثلت علي في إحدي المسارح الجماهيرية,حققت نجاحاً,وظهر اسمه مطبوعاً لأول مرة,وكتب عنه ناقد في جريدة"مسرحنا"مبشراً بمسرح جديد من رحم الثورة,حضر عرضها منة (بصفتها خطيبته وملهمته)وعائلتها,أمل,أحمد,البروف,شنودة.
ربت الحاج سعد علي كتفه مداعباً:
-ظننت أنك ستنتقم مني في المسرحية,وتظهرني بدور الشرير.
ابتسم كريم,مشيراً لمنة:
-أن تنجب ملاكاً,في هذا غفران كل ذنوبك...
خرجوا كلهم من المسرح مبتهجين يتقدمهم كريم ومنة متشابكي الأيدي.




















ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق