السبت، 27 فبراير، 2016

رجال الكتيبة "طابا"

رجال الكتيبة "طابا"


كيف تخبر جيهان ابنها علي ذو السبع سنوات,أن سبب غياب والده النقيب يحيي عطا الطويل سببه سفاح مجنون اسمه ملاديتش يسعي لإبادة شعب كامل من علي أرض البوسنة؟من سيُفهم هذا الصغير الذي يبكي ويتساءل عن والده الغائب مع الكتيبة المصرية طابا المتوجهة لهناك لحفظ السلام ومساعدة البائسين المنكوبين من الحرب,بطبيعة عمله الذي يفرض عليه حين سماع نداء الواجب أن يترك أغلي ما عنده ويستعد فوراً لأي مهمة,مقدماً روحه برضي وسعادة فداء...ولو كان يملك روحين وثلاثة لقدمهم واحدة تلو الأخري.
لا تريد أن تجرح قلبه البرئ بآثام الحياة وشر البشر الذين يلوثونها تحت ذرائع براقة,تكمن خلفها قساوة قلوبهم ودموية نواياهم...سيتكفل الزمان بهذا الفعل من تلقاء نفسه!ستحكي له عن البوسنة في الغد حيث والده,لكن ليست بوسنة الدم والدمار والقتل,ستبسط له ساردة بما يناسب طفولته رواية إيفو أندريتش البديعة"جسر علي نهر درينا"عن جسر حجري تاريخي كان شاهداً علي تاريخ البوسنة والهرسك, بُني ليصل البوسنة بالصرب وهما يومئذِ إقليمان يتبعان الدولة العثمانية!
في ثوبها المنزلي البهيج جلست علي الأريكة تهدهد علي في حضنها الدافئ حتي ينام,بمجرد أن سكن علي صدرها تحول بصرها نحو صورة زفافها المعلقة في إطار أنيق علي الحائط:فتاة جميلة بياضها يشرق من الصورة,وشعرها ينساب علي كتفيها سارحاً إلي كتف يحيي وابتسامتها تغزو قلب الثكلي فتشيع فيه الأمل,خلفها عريسها يمسك خصرها برقة غير مهتم بالصورة غائباً عن الدنيا يتأمل وجهها الملائكي,يساعده تقارب طولهما علي الكشف عن وجهها من مكانه.
لم تتمالك دموعها ففاضت علي خديها,داعية الرحمن أن يرجع لها حبيبها سالماً كرامة للصغير ولقلبها المحزون.
نفس الصورة يحملها معه النقيب يحيي أينما حل,أخرجها في نفس الليلة من محفظته وظل يتأمل فيها,فجأة هربت من رأسه طلقات الرصاص المدوية وصراخ المحاربين وأنين الجرحي واستغاثات المدنين خرجت من نفسه سراييفو كأنه ليس فيها,حلت فقط أغنية سيد درويش التي كان يتغني بها لجيهان صباح زفافهما"أنا وحبيبي في الغرام مفيش كده ولا في المنام أنا وحبيبي,أحبه حتي في الخصام وبعده عني يا ناس يا ناس حرام",يبدو اللوم علي وجه جيهان وهي تشعل له بشفتيها الورديتين سيجارة فيتناولها منها وعلي الفلتر رائحتها الزكية:
-خصام؟!...ربنا يبعد عنا الخصام.
تحسس الصورة بحماس هامساً بابتسامة حزينة"وبعده عني يا ناس حرام"! لم يخرجه من سرحانه سوي صوت زميله الطبيب النقيب بولس يوحنا يهتف مشيراً لمكان خال بجانبه:
-يحيي...لا تجلس وحيداً هكذا.
-أنا قادم يا يوحنا
تحرك يحيي ببطء من مكانه بعد أن أعاد الصورة لمكانه,لركن من الخيمة وجلس علي حشية متهالكة وجودها كعدمه.بجوارها يرقد ممداً جريحاً رجل مجهول الهوية جاء به جندياً من الصعيد, سقط أمام باب الخيمة نازفاً من طلق ناري في كتفه عالجه يوحنا الليلة السابقة ولم يفق حتي الآن,فجأة انطلق صوت ضعيف ينطق الإنجليزية:
-أين أنا؟
أجابه يوحنا:
-أنت في أمان...أنت وسط الجيش المصري!
-هل من يكلمني مصري؟
-أجل
قال الرجل الممد باللغة العربية وهو يتنهد في ارتياح:
-حسناً...الحمد لله
غاب عن الوعي مجدداً.
دهش الاثنان لدي سماعهما الرجل يتكلم العربية, نظرا لبعضهما في تعجب.
-ملامحه ولكنته تنفي كونه عربياً...فمن أين جاء؟!
قالها يحيي متحيراً.
النوم والراحة ذكري بعيدة لأيام خلت من زمن, بالنسبة لجنود وضباط الكتيبة طابا,عمل متواصل لا يتوقف لحظة بدأب كدأب أجداهم العظام وهم يبنون الهرم ويشيدون الكرنك,وهم يحفرون القناة ويبنون السد, في الحرب وحوش مفترسة لمن يجرؤ علي الاقتراب,وفي السلم يعالجون المريض ويحملون العاجز ويطعمون الطفل ويحمون المرأة. مما جعل سمعة الكتيبة المصرية بين أهالي البوسنة مثالاً حياً علي تفرد الجيش المصري وصدق شهادة العدو قبل الصديق له في كلمات خلدها التاريخ-سيبكون بعد ذلك بسنوات حين عودة الكتيبة لمصر مطالبين ببقائها بينهم علي أرض البوسنة رافعين علم مصر في مظاهراتهم وسيناشد بيجوفيتش مصر بما يطالبه به شعبه! وحين سينبئ الجندي حلمي العربي النقيب يوحنا أو كما يناديه بلهجته البورسعيدية"الضوكطور" بمطلب البوسنيين سيهتف وسط زملائه فخوراً "دولا مين ودولا مين؟"فيردون عليه بسعادة"دولا عساكر مصريين",دولا مين ودولا مين؟","دولا ولاد الفلاحين".
مرت ساعات الليل الباردة عليهما ثقيلة,ساهرين خارج الخيمة بالسلاح مستعدين للصمود أمام الموت نفسه صمود الأبطال,يحب يحيي الغناء من كل قلبه,لكل حالة يعيشها لديه أغانيه الخاصة بها,غني في قلبه من أغاني المقاومة"أنا صاحي يا مصر أنا صاحي سهران وفي حضني سلاحي,واللي يكسر عزيمتي واللي يقلل من قيمتي يحرم عليه صباحي"وتداعي لذهنه كيف كان رائد الصاعقة الذي دربهم في الكلية الحربية يغنيها أثناء ركضهم كالأسود بحماسة تمحو تعب قدميه وتهدئ دقات قلبه التي تدوي كطبلة في احتفال قبيلة إفريقية في حفل راقص هيستيري,وإيمان يدفعه للدوران حول الكرة الأرضية جرياً بكل قوته بلا توقف,يرددها خلفه الطلبة بصوت تهتز له الجدران.
سرح قليلاً في حركة السحاب ولعبتها مع البدر,تغطيه وتكشفه,تعدو خلفه وتهرب من أمامه,تخايل لعينيه وجه جيهان علي صفحة البدر ينظر له مطمئناً في سكينة,ملامحها الطفولية البريئة مع عطر الأنوثة الذي يفوح من تفاصيل جسدها حولا برودة الصقيع في لحمه ودمه لدفء يبعثه الأمل في العودة ليريح جسده المتعب في حضنها"سأعود,حتماً سأعود يا جيهان,ولا ألف حرب تقدر أن تخطفني منك,قريباً سأعود وسنتمشي علي النيل وقت العصر كما كنا نفعل أيام خطبتنا,سأعود للنيل ولكِ...جيهان مالي بسن البشر إلاكِ"
اقترب يوحنا من يحيي,بنية بدء سلسلة من الأحاديث يقطعان بها الوقت,ووجدت النية ما يماثلها عند يحيي فدخلا في نقاشات عدة بدأت بأفكار فلسفية حول فائدة الحرب العظمي للتطور الحضاري علي مر التاريخ- حقيقة فعلاً للأسف-وانتهت بتفضيل زواج الحب علي زواج الصالونات!قبل أن يسمعا صوت الجريح ينادي من الداخل طالباً جرعة ماء.
-لتهنأ مصر وتطمئن بوجود رجال مثلكم فيها!
-ولينصر الله البوسنة يا سيد مرجان.
تعرف الضابطان عليه,الأستاذ مرجان مدرس اللغة العربية في مدرسة ثانوية بالبوسنة-أو هكذا كان-,رجل لا يتعدي الخامسة والأربعين,له شارب خفيف ولحية يعطيانه وقار يفوق سنه,أصيب برصاص الصرب وهو يهاجمهم في كمين مع مجموعة من رفاقه الوطنيين.
-هل الإصابة خطيرة يا دكتور؟
-كلا كل ما يلزمك الراحة حتي تتماثل للشفاء.
-الراحة؟!الراحة ووطني منهك؟!حرمت علي نفسي كل ما يريح حتي يخرج الصرب أو تخرج روحي...للمرة الثانية والأخيرة!
-المرة الثانية؟
تساءل يحيي
-أجل المرة الأولي خرجت حين قصفوا منزلي واغتصبت زوجتي.
تجلي الاهتمام والألم في عينيهما فتحرك مرجان قليلاً؛ليستند علي الحائط,أغمض عينيه وتكلم ببط كأنه يحكي حلماً يراه:
-خديجة...الفتاة التي كنت أدرس لها اللغة العربية والقرآن في المدرسة,نوع من الجمال لا تراه مرة واحدة,بل تستكشفه يوماً بعد يوم,جمال الروح والشكل,لن أصفها,لكن يكفي أن أقول أن حياتي القاحلة لم تورق أزهاراً ولم تتحول لبساتين وورود إلا حين عرفتها,عرفتها فعرفت نفسي,مازلت أذكرها حين أتتني بعد انتهاء الحصة وهي تطلب مني قراءة بردة الإمام البوصيري في مديح المصطفي معها,كانت مولعة بهذه القصيدة وبعد زواجنا كنت أسمعها تتغني بها بالعربية في تأثر واضح.عزمت العزم وتقدمت لها وتم كل شئ في صفاء وسلام,وحين بدأت الحرب طمئنتها بكل السبل,لكن قلبها لم يهدأ كان يحدثها بشر وويل سيقعان لنا,ظهر ذلك علي وجهها الذي ذبل وروحها التي نزلت للحضيض,والكوابيس التي تهاجمها في الليل مرات عدة...كانت رقيقة وطيبة فعلمت أن الغلاظ المتوحشين سيقطفون زهرة عمرها,ويدوسونها بأقدامهم الثقيلة,مع أول القصف انهار نصف المنزل,وليتنا كنا فيه,دخل علينا مجموعة من الجنود كسروا لي ضلعاً وهشموا أسناني,وحين شبعوا مني قيدوني و توجهوا لها,ثم بدأوا يتناوبون اغتصابها طوال اليوم,ربما دخل عليها ثلاثة أو أربعة في وقت واحد,عليكما أن تتخيلا كيف كان حالي,كنت أشعر أني أنزف والدماء تسيل من بين فخذي كما كانت تسيل منها,كانوا يأكلونها ويعضونها!شعرت إني أنا المُغتَصَب,توسلت لواحد منهم أن يرديني قتيلاً لكنه لم يسمعني لوهن صوتي,عندما حل المساء تركوها فيها الرمق,قامت بصعوبة,ظننتها في البداية متوجهة نحوي,لكنها كانت تسير كالمنومة,تناولت سكين مرمي من الأرض ونحرت نفسها بلا تردد؛فخرجت روحي عندها,وحين أفقت كدت أن أفعل مثلها,لكن دمي الذي يغلي أبي إلا أن يشرب من دماء المحتلين,فمنعت عن نفسي راحة الموت,وانضممت لرفاقي الفدائيين نقتص منهم كيفما أمكننا...الأستاذ مرجان المدرس الطيب,ترك إصبع الطبشور ودفتر الدرس وأمسك بالبندقية والقنبلة,وهاهو الآن جريحاً يتداوي بين يدي جنود وضباط يحصنون بلادهم مما يحيق ببلدان أخري,فتلك بشارة خير والله,أن أوقعني الله وسط الكتيبة "طابا",لطالما تمنيت أن ألقي أفرادها الأبطال.
استمع يحيي لمرجان وهو يفكر في جيهان ويوحنا في خطيبته جورجيت, الآمنتان في منزلهما وسط حيهما الطيب وجيرانهما الخدومين...تحسسا علم مصر المرسوم علي كتف الأفارول في وقت واحد بلا اتفاق مسبق,يطمئنان به ويُطمئنانه.
وتحسساه أيضاً حين عودتهما لأرض الوطن,هذه المرة بسعادة وفخر,شاعران أن الدنيا لو وقفت ضد الوطن فلن تقدر الدنيا أن تمسه بسوء طالما هما يتنفسان,ولو استشهدا,فمكانهما لن يخلو علي مر الزمن,دوماً هناك من يقفون حصناً حصيناً يحيط بحدود مصر,برها وبحرها وجوها,حصن صلب يستعصي اجتيازه مهما بلغت شيطانية العدو,حصن باق علي مر الأجيال,كل جيل يأخذ مكانه فيه ويضحي بروحه ودمه فداء لتراب الوطن,ليست تضحية مجانية بل تضحية تكلف المعتدي غالياً,تضحية يحركها العقل وينفذها الجسد.
تمشي يحيي مع جيهان علي شاطئ النيل وثالثهما علي,يرتدي بذلة عسكرية صغيرة علي مقاسه,أظهرته يبشر بسيماء قائد عظيم,جعله يحيي يردد خلفه بقوة وعزم وحماس التقطهم الصغير من أبيه:
"وتنساب يا نيل حراً طليقاً             لتحكي ضفافك معني النضال

وتبقي مدي الدهر حصناً عريقاً       بصدق القلوب وعزم الرجال"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق