الجمعة، 24 يوليو 2026

البيروني... عقل متشعب ورؤية إنسانية

 

التراث العربي بحر عميق متخم بالجواهر والدرر، درسه المستشرقون بشغف فامتلأوا إعجاباً بهم، ومن ضمن هؤلاء المستشرق الألماني إدوارد سخاو الذي وصف البيروني بأنه أكبر عقلية ظهرت في التاريخ ويعتبره أكبر ظاهرة علمية ظهرت في الحضارة الإسلامية، وفي قوله هذا مبالغة، فلا يمكن أن نصف عالماً بأنه هو الأعظم علي الإطلاق، ولكن سخاو له العذر لأنه سلخ من عمره سنوات طوال يدرس أعمال البيروني وتعلق به، والبيروني لا يحتاج شهادة للتدليل علي سعة علمه وتأثيره المدوي في مسار العلم، فاسمه سبظل باقياً علي لائحة أكابر العلماء في التاريخ.

علي أرض خوارزم وتحديداً في قرية قرب مدينة كاث، ولد أبي الريحان البيروني ٩٧٣م، في تلك المنطقة الواقعة حالياً في أوزبكستان وسط آسيا، حضارتها كان لها صيتاً واسعا، وكانت نقطة تلاق للحضارات اليونانية والفارسية والهندية والصينية، هناك أمراً غامضاً في حياة البيروني يخص أسرته حسبما قال في قصيدة شعرية سجلها ياقوت الحموي:

وذاكراً في قوافي الشعر حسبي ولست والله عارفاً نسبي

إذ لست أعرف جدي حق معرفة وكيف أعرف جدي إذ جهلت أبي

إني أبو لهب شيخ بلا أدب نعم ووالدتي حمالة الحطب

فهل لم يكن البيروني حقاً يعرف نسبه، أم أنت تلك الأبيات لها معني فلسفي، قصده الاستهزاء بالأنساب والألقاب؟! المؤكد أن راعيه ومربيه هو أبو نصر المنصور علي بن عراق، أحد أفراد الأسرة الحاكمة في خوارزم، وكان عالماً في الرياضيات والفلك، تعرف من خلاله عالمنا علي هندسة إقليدس ونظريات بطليموس الفلكية، ما أعده للأعمال الكبري التي قام بها في مستقبل أيامه، وظل البيروني وفياً لفضل المنصور عليه معبراً عن سعادته بين أفراد هذه الأسرة، وقبل أن ينهل من علم المنصور في بداية حياته، تعرف علي عالم نبات يونانياً، ساعده البيروني في جمع البذور والأزهار والفاكهة، فاشتعل شغفه بالعلوم الطبيعية، وهكذا كانت طفولة البيروني مع علم النباتات والفلك والرياضيات، وأصبح ما في جوف الأرض وما علي سطحها وما يعلوها من كواكب ونجوم، هو شاغل البيروني طوال حياته، لقد أراد ذلك العلامة أن يشحن عقله بالدنيا وما فيها فترك آثاراً علمية خالدة تتباهي بها الثقافة العربية.

فما الذي فعله بالضبط ليستحق مكانته ؟

لم يكن لشخص مثل هذا أن يضيع عمره فيما لا نفع منه، في سن السابعة عشر استخدم حلقة مدرجة لرصد ارتفاع الشمس عند خط زوال مدينة كاث، وبذلك استطاع حساب عرض المدينة، ولما كان في الرابعة والعشرين تراسل مع ابن سينا الذي كان يصغره بسبع سنوات، فتناقشا في كتابي السماء والطبيعة لأرسطو، وبنية الكون والقوانين الفيزيائية المؤثرة في حركة الأجسام، والجسيمات الغير قابلة للانقسام(الذرات)، وطبيعة الحرارة وكيفية انتقال الضوء، وبعد ذلك بعامين يكتب "الآثار الباقية عن القرون الخالية"، ليتدارس تاريخ البشرية منذ أصوله الأولي، شارحاً نظام التقاويم المختلفة عند العرب واليونان والفرس، كما يشير للأحداث التي جرتومع الملوك، وعادات ومعتقدات الأمم السابقة، وقد وضع تلك الأمم تحت عينه الفاحصة الدقيقة شديدة الملاحظة والذكاء، وليس من المستبعد أن تكون فكرة هذا الكتاب نبتت في عقل البيروني، بسبب تلك الاضطرابات السياسية العاتية التي عاني منها، فأراد فهم كيفية تطور المجتمعات وتتبدل الأيام، فلقد تغيرت حياة البيروني بعدما احتلت جيوش محمود الغزنوي خوارزم ١٠١٧،وارتحل مع بقية علماء البلاط لغزنة عاصمة حكمه، تلك الفترة كانت صعبة عليه فتحداها بالعمل والاجتهاد، فوضع فيها عمله الشهير" تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة" وانغمس لسنوات في دراسة بلاد الهند وأتقن لغتهم السنسكريتية، فأضاف وهو في الأربعينيات لغة جديدة للغات التي يتقنها وهي الفارسية والعربية والسريانية واليونانية، وهذا الكتاب مصدراً أساسياً لدراسة الهند، فلم يترك فيها شيئاً لم يسجله بأمانة كالعلوم والمعتقدات والقوانين وأنظمة القياس والوزن والأساطير واللغة والجغرافيا، مقتبساً أربع وعشرون عملاً لأربعة عشر كاتباً يونانياً، وأربعين مصدرا سنسكريتياً، لم يكن العالم قبل البيروني يعرف شيئاً ذا بال عن الهند، فهبط أرضها كي يسجل للبشرية جزء مجهولاً من ثقافتها، يمثل تحقيق ما للهند مع الآثار الباقية سلماً ارتقي به البيروني ليصبح من رواد علم التاريخ والإثنوغرافيا(علم وصف الشعوب)، ومن بديع صفاته أنه لما تعلم الكثير من الهند، ربما نازعته نفسه لرد جزء من ذلك الجميل فترجم كتاب العناصر لإقليدس وكتاب المجسطي لبطليموس للسنسكريتية، ونلمس في كتاباته عرفاناً للحضارة اليونانية وتقديراً لفلاسفتها وأدبائها، ذلك التعامل الراقي مع الحضارات المختلفة، يجعل البيروني من أوائل الدعاة لاكتشاف وحدة الأصول الإنسانية بين شعوب الأرض، فهو مؤمن بالوحدة والتعاون الشامل، عن طريق فهم الآخر واحترامه، فتمتد جسور التواصل بين الحضارات، ولم لا والأصل واحد وإن اختلفت الفروع؟!

كذلك كان من أساطين علم الفلك، فقد قال بإمكانية دوران الأرض حول الشمس، وبأن للأرض جاذبية تشد الأجسام حول مركزها، واستدل علي كروية الأرض، وبحث في تأثير القمر علي المد والجزر، وكتابه" القانون المسعودي" موسوعة فلكية يتجول فيها القارئ علي صفحة السماء، بل وابتكر أيضاً عدداً من آلات القياس الفلكية، وفي الجغرافيا تمكن من قياس محيط الأرض، بنسبة تختلف حوالي١١٠كم فقط عما جاءت به الدراسات الحديثة، وفي الجيولوجيا ذكر النظرية التي تشير لتعاقب العصور في دورات متتابعة، ومع مرور الزمن يصبح البحر يابساً واليابس بحراً، وفي آخر حياته يقتحم علمي المعادن والصدلة، فيكتب "الجماهر في معرفة الجواهر" يحدد فيه الأوزان النوعية للأحجار الكريمة، " الصيدنة" وهو معجم طبي يحتوي علي أسماء الأدوية والعقاقير وتأثيراتها، وفي يوم وفاته عام ١٠٤٨م يأبي وهو في النزع الأخير، مفارقة الدنيا إلا وهو يستفهم عن مسألة في علم المواريث كما يحدثنا الفقيه أبو الحسن علي بن عيسي قائلاً" أودع الدنيا وأنا عالم بها خير لي من أن أخليها وأنا جاهل بها".

أدرك البيروني قيمة الحياة فلم ينتهك أيامه في الفراغ، فأمد العالم بذخيرة علمية مازالت تحتفظ حتي اليوم بقيمتها، ومبادئ وروح علمية تحتذي من أهم عناصرها أصالة التفكير، الشمولية الموسوعية، موهبة أدبية، منهج علمي دقيق، ورغبة في التوحيد بين البشر رغم ما تظن كل أمة عن الآخري، فتنازعت عليه عدة قوميات هي العربية والإيرانية والتركية والروسية، وإذا سألنا عالمنا العبقري إلي من تنتمي بين كل هؤلاء؟ لأجاب بحسب ما تعلمناه منه: أنتمي للإنسانية بكل أممها وعصورها التي تتعاقب بحركة الأفلاك.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق