الثلاثاء، 2 سبتمبر، 2014

فرح في "بوسيتانو"



فرح في "بوسيتانو"

هبط مؤسس اللغة الإيطالية الحديثة بعمله الخالد"الكوميديا الإلهية",أديب إيطاليا الأكبر وشاعرها الأسمي,دانتي أليجيري إلي الأسكندرية في ليلة شتوية ممطرة,ونزل في غرفة فرح النائمة تحت أغطية ثقيلة علي أمل أن تقيها برودة الجو,اقترب من فراشها حتي لدرجة أنه سمع صوت أنفاسها,أشفق من إيقاظها بعد أن رآها في دنيا الأحلام تنعم بالدفء و الراحة,لكن مهمة دانتي لابد أن تنفذ,فقد عرف بحسه الشاعري رغبتها في زيارة مدينة بوسيتانو الإيطالية,شاهدها فتذكر حبيبته بياتريس التي كتب من أجلها كوميدياه الإلهية مُتحملاً رحلته الكابوسية في الجحيم حتي يراها في الفردوس.
مد يده لذراعها وضغط عليه برفق:
-فرح...فرح...
كادت فرح أن تطلق صرخة لولا أن دانتي وضع يده علي فمها مهدئاً,وفي النور الخافت للغرفة شبه المظلمة تعرفت علي وجهه فزاد هياجها أكثر...لقد مات دانتي منذ حوالي سبعة قرون!
-اهدئي...يبدو أنك عرفتيني.
كان في هيئة شبيهة بتمثاله في نابولي.لكن فرح لم تستطع الحديث لخوفها أولاً ولأن دانتي كان لا يزال يضع كفه علي فمها,أشارت بعينيها لكفه.
-آه ...آسف.
حاولت فرح التماسك,ضمت شعرها بيدها وأرجعته للخلف كعادتها حين تتوتر,لملمت حروف الكلمات بصعوبة وقالت في خفوت سمعه دانتي بصعوبة:
-هل هذا حلم؟
دانتي لو لم يتفلسف لن يكون دانتي...
-يا عزيزتي الصغيرة الحياة كلها حلم نستفيق منه عندما نموت!
-أريد إجابة واضحة,السؤال بطريقة أخري:هل مازلت نائمة؟
-ماذا تعتقدين؟!
وقف دانتي وأضاء نور الحجرة فبدا وجه فرح في براءته فاتناً,تأثر دانتي و اتجه نحو النافذة وتنهد:
-تذكرينني ببياتريس الجميلة حبيبتي!
مسح بسرعة دمعة خانته عينه وذرفتها,كان مؤثراً لفرح أن تري صاحب الكوميديا الإلهية يبكي أمامها فنسيت خوفها ونهضت لجواره,همت أن تضع يدها علي كتفه لمواساته,فابتعد عنها دون أن ينظر إليها وصاح متألماً:
-أرجوكِ ابتعدي عني الآن,تثيرين في نفسي ذكريات تمزقني كالسكاكين.
سقط علي الأرض يبكي بحرقة كطفل ضاع في الزحام من حضن أمه وأخذ يردد بين شهقاته:
-بياتريس...بياتريس! يا إلهي,لم تحملني فوق احتمالي؟! امنحني القوة...ليتني ما هبطت لها!
جلست فرح تبكي جواره في صمت.
بدأ دانتي يستعيد صلابته مرة أخري,وجفف دموعه وهو يقول معتذراً في خجل قاتل:
-آسف يا ابنتي...سامحيني...كانت جميلة مثلك تماماً ومبهجة كما أنتِ,كان يحلو لي النظر لها والغرق في بحور الحب...إياك أن تكوني قاسية مثلها,فقد سخرت مني ومن حبي,وتزوجت غيري,ومع ذلك كانت هي ملهمتي وقائدتي في السماوات وقد دعيتها"ملكة الفضائل".
استمعت فرح لدانتي وهي تتأمل وجهه,كان وصف بوكاتشو له صادقاً,تلوح علي وجهه دوماً علامات الحزن والتأمل والتفكير,وجهه طويل وجبهته عريضة,متوسط القامة شفته السفلي أبرز قليلاً من شفته العليا ذقنه مدبب وعينيه واسعتين.
-أعرف أنك تودين الذهاب إلي إيطاليا,بوسيتانو تحديداً.
-أجل...أتمني!
-ولأنك تذكرينني بحبيبتي بياتريس...
بدأ يتشنج قليلاً فظنت فرح أنه سيبكي مجدداً,وعلي غير توقع تمالك نفسه تماماً وأكمل:
-قررت أن أنفذ لكِ أمنيتك تلك!
هتفت فرح بفرح:
-حقاً؟َ
فقال سعيداً ببهجتها التي تزيدها بهاءً:
-حقاً!...هيا بنا.
ولدهشتها وبحيلة سينمائية ساذجة ذكرتها بـ"عم حزومبل"في فيلم صغيرة علي الحب,احتضنها دانتي حتي غطاها بعباءته,وبعد لحظات شعرت أنها تطير لكنها لم تقو علي فتح عينيها,كأن الظلام هو ملجأها الآمن من كل هذا الغرائبي الحادث لها في ليلتها,أخيراً فتحتها حين شعرت بالأرض تحت أصابعها...
فرح في بوسيتانو...
نجت من البلاد الداعشية المحكومة من إبليس نفسه علي عرشه القائم بإيدي بشر ملعونين,ورحلت إلي بلاد يحبها الله أكثر من البلاد الملعونة التي يتردد فيها اسمه بهدف الذبح والتفجير والتخريب,رأت أطفال يسعون في الدنيا بسلام كملائكة صغار خرجوا من تحت يد رسام مُلهم,فرثت لأطفال بجلود محروقة ورءوس مقطوعة وأعضاء مبتورة,أو لاجئون في ذل يتعلم فيهم أبناء الدول الأخري (الرجولة!!!)-علي حد قول آبائهم-بصفعهم علي وجوههم بقسوة!هربت من أبناء الأفاعي من الدواعش الظاهرين جهراً والمختفين سراً أراح الله الإنسانية ولعنهم كلما أشرقت الأرض بنور ربها مع كل صباح,وانتقلت مع دانتي إلي إيطاليا,بلد النحت والرسم والأوبرا والجمال...ومونيكا بيلوتشي!
همّ دانتي بالحديث مع فرح المدهوشة بجمال بوسيتانو عن الثقافة الإيطالية,فما منعه سوي اللمعة السحرية في نظرتها وهي تتأمل المدينة,والأهم من ذلك حيرته!مايكل أنجلو وحده يحتاج عمراً لتأمل لوحاته وتماثيله,دافنشي كذلك! فمتي سيحدثها عن الأوبرا الإيطالية,المسرح,السينما,المعمار....ثم ماذا عن موسيقي فيلفالدي وأفلام فيلليني؟!.فترك لها مهمة التعرف علي الحضارة الإيطالية حين تعود للأسكندرية(مدينة الله العظمي)كما كانت تسمي في زمن سالف,أجمل مدن البشر,لولا أن أهلها يجهلون هذا الجمال!
لابد أن الكاتب الأمريكي جون شتاينبك يحسد فرح علي وصولها إلي بوستيانو بصحبة دانتي؛ رحلة شتاينبك التعيس كانت مرعبة مع سائق أرعن,رحلة يمكن لفرح تخيل مدي خطورتها لما تعرف أنه في خلال الحرب العالمية الثانية تعرض لقذائف النازيين من التلال الجبلية ونثرت عليه الطائرات قنابلها,ولم تبخل عليه الغواصات ببعض الطوربيدات,لكن ذلك كان أكثر أمناً من رحلته مع"سينيور باسانو"... أقسم علي ذلك!!
اتحد الجمال مع الجمال فكان الفيلم الرومانسي"only you"جمال الطبيعة مع جمال السينما,في إيطاليا دارت معظم أحداث الفيلم,الذي يدور حول فتاة(تقوم بدورها "ماريسا تومي") ظهر لها اسم حيببها المنتظر في لعبة مع أخيها وأكدت علي ذلك العرافة-سنعرف في النهاية أن ذلك كان مزحة سخيفة من أخيها-تعلقت الفتاة الرومانسية باسم"ديموند برادلي"وستترك حفل زفافها لتلحق به في إيطاليا,يقع في هواها من أول نظرة بائع أحذية خفيف الظل(روبرت داوني)فيضطر أن يدعي أن اسمه ديموند برادلي,ولما يصارحها تثور ولكنها لا تيأس من البحث عن برادلي المزعوم,حتي يخبرها بائع الأحذية أن حبيبها موجود في مدينة بوسيتانو,لكن نكتشف أن ذلك خدعة جديدة منه ليبقيها بجانبه وقتاً أطول,وقبل أن تترك إيطاليا تتعرف علي شخص اسمه فعلاً ديموند برادلي لتكتشف في النهاية أنها تحب بيتر البائع الذي قال آخر لبرادلي آخر جملة حوارية له في الفيلم قبل أن يذهب للطائرة"أنا أحبها أكثر مما تتخيل,لكن....أنت محظوظ,رجل محظوظ!فلك الاسم المناسب مع السلامة يا فايث.أتمني لكما السعادة"
أخيراً لاحظت فرح تغيير ملابسها,بفستان ماريسا تومي الأبيض في فيلم only youوتمني دانتي في نفسه لما رآها حظ أفضل لفرح في بحثها عن حبيبها وألا تتعلق بوهم في خيالها يمنعها من الاستماع لصوت قلبها...لو اتبعت صوت قلبها بعيداً عن ضوضاء العالم الفاسدة,لعرفت طريق ما تريده....
...مع أول خطوة لها في بوسيتانو,كان الفرح لوجودها في كل بوسيتانو.ازدهت المنازل الملونة ترحيباً بها,واحتضنها النسيم في حنو,وغنت العصافير لمقدمها,وتذكر دانتي كعادته بياتريس,تقدم منها مبهوراً بمرآها:
-آنستي...الشعر مات تحت قدميك فما عاد له معني
غارت الأحزان خوفاً من "فرحنا" فما عادت معنا!
قطف وردة حمراء ووضعها في شعرها,ثم انحني ليقبل يدها...
في الصباح استيقظت مع صور باهتة منقوصة,لما ظنته حلماً حاولت أن تتذكر شيئاً فما قدرت,قامت من سريرها ولم تلحظ أن هناك وردة حمراء ندية مثبتة بين خصلات شعرها!




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق