الاثنين، 29 سبتمبر، 2014

من تاريخ المشروبات الروحية





عرف الإنسان الخمر وهو يبني حضارته,مجدها في قديم الأزل,ونسبها الأجداد العظام مؤسسي(الحضارة)بلام التعريف؛لأن الحضارة هي أقامه المصريون القدماء في وادي النيل,ثم انتشر من مركزه المصري إلي أنحاء العالم, للرب أوزير-لم أستخدم لفظ"إله"كما هي العادة والفارق أبرز من أن يُعين؛فاعتقادي أن المصري القديم كان طوال تاريخه موحداً لا يعرف تعدد الآلهة إنما عبر عن "الإله الواحد الموجد نفسه بنفسه"كما يصفه بتجليات وأسماء متعددة كما هي الحال في كل الأديان,وأن الدين الإنساني نتاج مباشر للدين المصري القديم ومجموعة الأفكار والمعتقدات التي صاغوها,والحديث طويل في تلك النقطة لكن هذا ليس مكانه-الذي علم الإنسان الزراعة,وهي أول خطوة نحو الحضارة.
الخمر في العقيدة المصرية القديمة كانت سبباً مباشراً في إنقاذ البشرية من الفناء,فكما هي عادة الإنسان المُنتظر نهاية العالم منذ أن رأي العالم ووعي شره العصي علي أي علاج,أخذ يسرد في أدبه وملاحمه,غضب الآلهة علي البشر وانتقامهم منهم بسبب آثامهم التي ملأت الأرض حتي وصلت للسماء!وأشهر تلك النماذج قصة الطوفان ذات الأصل السومري,المذكورة في ملحمة جلجامش  -بصيغتها البابلية- الساعي للخلود وقهر الموت,بعد أن عاين موت صديقه إنكيدو,فارتحل قاصداً"اوتو-نبشتم"أي "الذي رأي الحياة",وهي ذات الشخصية التي ستظهر فيما بعد في الديانة الإبراهيمية باسم"نوح",والمصري القديم رغم حبه للحياة وتمجيده لكل ما فيها إلا أنه كان متشائماً في فترات انكساره وهزيمته,فنجد أيضاً أن أصل "أيوب" يرجع بجذوره لمصر,فحين غضب "إمين -رع" -الذي سيكون تميمة لغوية في الديانات بعد ذلك عقب كل دعاء بقولنا"آمين"والبعض يؤكد أنه بالفعل ينطق"آمين"ومعناه في المصرية القديمة"المحتجب"-علي البشر لشرورهم اللامتناهية حول البقرة"حتحور" الحنون رمز العطاء والأمومة,إلي اللبؤة"سخمت"رمز الحرب والقتل,ففتكتت بهم بلا رحمة,لكن شفقته علي البشر صنيعة يديه لم ترض بإفنائهم كلهم, فحول مجري النهر من ماء إلي خمر وحول لونه إلي دم لتلك العاشقة للدم ليُغريها به,فشربت حتي سكرت وكفت دمارها عن البشر.
وتلك الأسطورة نري فيها الخمر كأنها ماء الحياة,وسبب بقاء البشر بعد غضبة إمين وجنون سخمت,وفي قصة يوسف التي دارت أحداثها في مصر بحسب رواية العهد القديم نجد شراب العنب مذكورة كشراب للملك"فَقَصَّ رَئِيسُ السُّقَاةِ حُلْمَهُ عَلَى يُوسُفَ وَقَالَ لَهُ: «كُنْتُ فِي حُلْمِي وَإِذَا كَرْمَةٌ أَمَامِي.
10 وَفِي الْكَرْمَةِ ثَلاَثَةُ قُضْبَانٍ، وَهِيَ إِذْ أَفْرَخَتْ طَلَعَ زَهْرُهَا، وَأَنْضَجَتْ عَنَاقِيدُهَا عِنَبًا.
11 وَكَانَتْ كَأْسُ فِرْعَوْنَ فِي يَدِي، فَأَخَذْتُ الْعِنَبَ وَعَصَرْتُهُ فِي كَأْسِ فِرْعَوْنَ، وَأَعْطَيْتُ الْكَأْسَ فِي يَدِ فِرْعَوْنَ».
12 فَقَالَ لَهُ يُوسُفُ: «هذَا تَعْبِيرُهُ: الثَّلاَثَةُ الْقُضْبَانِ هِيَ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ.
13 فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَيْضًا يَرْفَعُ فِرْعَوْنُ رَأْسَكَ وَيَرُدُّكَ إِلَى مَقَامِكَ، فَتُعْطِي كَأْسَ فِرْعَوْنَ فِي يَدِهِ كَالْعَادَةِ الأُولَى حِينَ كُنْتَ سَاقِيَهُ.
14 وَإِنَّمَا إِذَا ذَكَرْتَنِي عِنْدَكَ حِينَمَا يَصِيرُ لَكَ خَيْرٌ، تَصْنَعُ إِلَيَّ إِحْسَانًا وَتَذْكُرُنِي لِفِرْعَوْنَ، وَتُخْرِجُنِي مِنْ هذَا الْبَيْتِ.
15 لأَنِّي قَدْ سُرِقْتُ مِنْ أَرْضِ الْعِبْرَانِيِّينَ، وَهُنَا أَيْضًا لَمْ أَفْعَلْ شَيْئًا حَتَّى وَضَعُونِي فِي السِّجْنِ».
ثم يعيد القرآن حكاية القصة مستخدماً كلمة "خمر":"يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ۖ وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ ۚ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ"
الخمر سبب نجاة يوسف في كلتا الروايتين!!حيث تستمر بقية القصة المعروفة.
سنقطع الزمان في وثبة لنصل للقرن الثامن عشر,لنتعرف علي طبيب شاب,أرقه عجزه علي إنقاذ حياة الناس,بسبب عدم استطاعته معرفة أمراضهم الصدرية,في ذلك الوقت لم تكن السماعات الطبية معروفة,فكان يري أن الشاب يموت لأن صدره ممتلئ بالماء وحالته علاجها بسيط عن طريق حقنة مفرغة,لكنه لا يعرف ذلك عن طريق الكشف الطبي وبدائية أدواته الطبية حينها,فيتذكر ذات ليلة خمارة أبيه,عندما كان يطلب منه أن يهبط نحو القبو ليعرف إلي حال التخزين في البراميل,وعلمه أن يطرق علي البرميل ودربه علي التفرقة بين صوت الجزء الممتلئ منه بالخمر,والجزء العلوي الممتلئ بالخمر,فكان يطرق حتي ينقطع الصوت المميز للامتلاء ويضع علامة عليه ليميزه عن الفارغ,طبق فكرته علي المرضي ولدهشته جاءت بنتائج إيجابية ساهمت في إنقاذ حياة مرضي الصدري,وعلي الرغم من انتشارها في العصر الحديث إلا أن تلك التقنية لم تكن مستخدمة في حياة الطبيب النمساوي"ليوبولد أونبرجر" الذي توصل إليها بفضل ذكرياته مع براميل الخمر في حانة أبيه!
في التوراة تتسبب الخمر في لعنة أبناء حام من نوح,الأنبياء في التوراة ليسوا هم هؤلاء البشر الفوق أرضيين الساميين نحو السماء والطهر والنقاء,بل هم....الحق أن الوصف سيكون صادماً للبعد!
فنوح فلاحاً يغرس الكرم ويشرب منه حتي السكر:" وابتدأ نوح يكون فلاحا وغرس كرما
21 وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه
22 فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه، وأخبر أخويه خارجا
23 فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء، وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء. فلم يبصرا عورة أبيهما
24 فلما استيقظ نوح من خمره، علم ما فعل به ابنه الصغير
25 فقال: ملعون كنعان عبد العبيد يكون لإخوته
26 وقال: مبارك الرب إله سام. وليكن كنعان عبدا لهم
27 ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام، وليكن كنعان عبدا لهم
28 وعاش نوح بعد الطوفان ثلاث مئة وخمسين سنة
29 فكانت كل أيام نوح تسع مئة وخمسين سنة، ومات "
فعلة الابن الصغير-البسيطة!!!- تسببت له ونسله بلعنة أبدية,لأنه شاهد عورة أباه نوح المخمور!والمغزي السياسي من تلك اللعنة لا يزال لليوم حاضراً في صورة وحشية!!!
في التراث الإنساني العالمي ووعيه الذهني نحو العالم,وفي واحدة من أشهر حكاياته"السندباد البحري",ينجو السندباد من مسخ بشري سكن كتفيه,يخنقه ويضربه ليل نهار,ويتبول وتغوط عليه,بسبب الخمر:" ولم أزل على هذه الحالة مدة من الزمان إلى أن جئت به يوماً من الأيام إلى مكان في الجزيرة فوجدت فيه يقطيناً كثيراً ومنه شيء يابس فأخذت منه واحدة كبيرة يابسة وفتحت رأسها وصفيتها إلى شجرة العنب فملأتها منها وسددت رأسها ووضعتها في الشمس وتركتها مدة أيام
حتى صارت خمراً صافياً وصرت كل يوم أشرب منه لأستعين به على تعبي مع ذلك الشيطان المريد وكلما سكرت منها تقوى همتي فنظرني يوماً من الأيام وأنا أشرب فأشار لي بيده ما هذا فقلت له هذا شيء مليح يقوي القلب ويشرح الخاطر. ثم إني جريت به ورقصت بين الأشجار وحصل لي نشوة من السكر فصفقت وغنيت وانشرحت فلما رآني على هذه الحالة أشار لي أن أناوله اليقطينة ليشرب منها فخفت منه وأعطيتها له فشرب ما كان باقياً فيها ورماها على الأرض وقد حصل له طرب فصار يهتز على أ: تافي ثم إنه سكر وغرق في السكر وقد ارتخت جميع أعضائه وفرائصه وصار يتمايل من فوق أكتافي فلما علمت بسكره وأنه غاب عن الوجود مددت يدي إلى رجليه وفككتهما "
يحكي البطل أوديسيوس في الملحمة المأخوذة من اسمه"الأوديسة,للملك ألكينوس واحدة من مغامراته المُلهمة-ككل الأوديسة-مع وحش السكيلوب البشع,وكيف أنقذته الخمر بعد أن سقاها للوحش حتي انطرح ثم قام مع جنوده وفقأ عين الوحش بجذوة مشتعلة من جذع ضخم,فكانت الخمر سبب نجاته....
أرواح زهقت بسبب الخمر وأرواح سلمت من الموت بسبب الخمر...فهل لذلك هي مشروبات روحية؟!

عند اليونان وقف الخلق جميعاً ينظرون كيف استعانوا بالتراث الشرقي وصاغوه في أساطيرهم وآدابهم العظيمة الخالدة علي مر الدهر,لو لم يكتب الخلود لهوميروس وأسخيلوس وسوفوكليس ويوربيدس بمآسيهم التراجيدية,فلا كان الخلود ولا كان الذكر!
المسرح اليوناني يعود في أصوله للإله ديونيسيوس إله الخمر,وكانت المسابقات المسرحية تعرض في عيده.ارتبط الفن في مبدؤه بالخمر والجنون...فديونسيوس أيضاً إله للجنون,وربما من هنا نفهم عبارة"الفنون جنون".
التراجيديا تطهرنا بالدمع وتعمدنا بالألم وتسمو بنا بالذوبان فيها,(تسكرنا بخمرتها اللامحسوسة)عن العالم الحسي الناقص,الكوميديا تُبهج القلب وتستنفر الضحكة من أكثر القلوب بؤساً...وهكذا تفعل الخمر في أصحابها!هؤلاء الذين قسمهم صلاح جاهين لقسمين:
"رقبة إزازة وقلبي فيها اتحشر
شربت كاس واتنين وخامس عشر
صاحبت ناس من الخمرة ترجع وحوش
وناس من الخمرة ترجع بشر"
علي حسب ميول الشخص تنحو به الخمر منحاها,بعضهم يبكي وينوح ويتعذب في كل رشفة,والبعض يبتهجون ويصيحون كأننا نري إعادة لأحد أعياد ديونيسيوس الصاخبة الشهوانية.أمثال أوسكار ويلد يمرون في رحلتهم الوهمية في دنيا الخمر بكل المراحل:" بعد الكأس الأولى ترى الأشياء كما تتمنّى أن تكون. وبعد الكأس الثانية ترى الأشياء خلاف ما هي عليه. وأخيرا ترى الأشياء كما هي بالفعل. وهذا من أكثر الأمور فظاعة في العالم".
الفن المتمثل في ديونيسوس خمر هو الآخر,يحجبنا عن الواقع لصالح عالم الخيال والأحلام,الانتصارات الوهمية التي نعتبرها انتصاراتنا نحن فنفرح لها وننتشي ونصفق بكل قوة ممجدين ذواتنا المقموعة في تصرفات الآخرين,الهزائم المفترضة,نأسي لها ونبكي عليها,فهي فرصة للبكاء علي انهزاماتنا الشخصية,وربما نتماهي أكثر مع الشخصية المهزومة ونتوحد لها فنأسي ونكتئب لمشكلته مرجئين مشكلتنا نحن حتي نهاية العرض!!
السائل المُسكر في الكأس,يفعل فعل ما يفعله الفن في الروح...أفعال روحية!
الخمر أداة من أدوات الحلم,كما تتجول أرواحنا في المنام بلا قيود ولا رقيب,الخمر في الصحو تفعل ذلك في الروح,في الصحو البؤس ضاغط والحرمان مسيطر والداء لا دواء,الخمر تعويض وهمي عن خيباتنا وحرماننا,فكل مخمور يعرف وإن لم يقرأ قول المنخل اليشكري:
"فإذا انتشيت فإنني     رب الخورنق والسدير
وإذا صحوت فإنني     رب الشويهة والبعير"
الحق أن الإنسان تعلق بالخمر وأضحت جزء من كيانه حتي لا يعلو عليها إلا الحب!جاء في نشيد الإنشاد:" ليقبلني بقبلات فمه لان حبك أطيب من الخمر."
أيامنا تعيسة المآل,ظهرت كلمة"مزة"لوصف المرأة الجميلة,أحد أشهر المصطلحات علي ألسنة المجتمع المصري,الكلمة تعني الخمر اللذيذ,فالمرأة الجميلة وصالها كالخمر اللذيذ يبعث علي البهجة والانتشاء والهيام فيما وراء الواقع...الواقع!
فقهاء المسلمين حرموا الخمر,وإن لم نجد أي مشتق من لفظ الحرام يرتبط بها في القرآن!!...كانت الدعوة للاجتناب,ومع ذلك نجد أوصاف الخمر ممدوحة في الآيات مغوية للمؤمنين الصالحين كجزاء لهم في جنات الله؛ابن سينا عُرف عنه شرب الخمر لتقويته في أعماله الذهنية,وابن النفيس ذكر ما نصه"وقد ينبغى أن يكون السُّكرُ فى الشهر ولو مرتين، خاصةً لأصحاب الفكر الكثير والمشتغلين بالعلوم، فإن هؤلاء تكلُّ قوى أدمغتهم، فيكون السُّكرُ نافعاً لهم بإخماده لحركتها.."وهاهو حسان ابن ثابت في همزيته للدفاع عن النبي يذكر الخمر بقوله-لابد من التنويه أن الأبيات التالية مشكوك في تاريخ تأليفها إن كانت قبل إسلامه أم بعده!-:
كأن خبيئة من بيت رأس      يكون مزاجها عسل وماء
علي أنيابها من طعم غض    من التفاح هصره الجناء
إذا ما الأشربات ذكرن يوماً    فهن لطيب الراح فداء
نوليها الملامة إن ألمنا        إذا ما كان مغث أو لحاء
ونشربها فتتركنا ملوكاً     وأسداً ما ينهنهنا اللقاء
نذكر أبي نواس فيقفز لذهن القارئ,الخمر والخلاعة والمجون الجنسي المتهتك الغير مفرق بين ذكر وإنثي!أبو نواس تحول في التراث كجحا,حُمل ما فعل من أوزار وما لم يفعل,لا نسأله عن الأخلاق في الفن,فعنده مدرسة أخري في الفن هي الفن للذة,وقد التذ أبونواس بالخمر كما يلتذ العاشق بوصال المعشوقة,أكثر هي عنده مساوية للحياة نفسها:"
ألا فاسقني خمراً وقل لي:هي الخمر      ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر
فما العيش إلا سكرة بعد سكرة       فإن طال هذا فعنده قَصُر الدهر
وما الغبن إلا أن تراني صاحياً    وما الغنم إلا أن يتعتعني السكر
والخيام وهيامه ببنت الكروم:
سمعت صوتا هاتفا في السحر

نادى من الحان : غفاة البشر

هبوا املئوا كأس الطلى قبل أن

تفعم كأس العمر كف القدر

وكأني أري الخيام قبل كتابة تلك الرباعية المُترجمة بروح أحمد رامي,يتمثل معني أسطورة سخمت الساعية للقضاء علي البشر قبل أن تنقذهم منها الخمر ...مشروب الآلهة!
عُرفت الخمر قديماً باسم مشروب الآلهة,فتشارك الفنانون معهم الشرب منادمين لهم في كأس واحد, عدد لا يستهان به من الشعراء والأدباء والرسامون  تعاطوا الخمر .
الرسام التشيكي فيكتور أوليفا,يروي قصة لوحة "شارب الأبسنت"-شراب مسكر-حيث ذكر أنه رأي الجالسة أمامه علي الطاولة تحولت بفعل الشراب لجنية خضراء,فرسم المشهد كما تخيله,نري الرسام نفسه في حالة شرود بينما اتكأت امرأة شبحية خضراء عارية علي طاولته,هي نفسها حالة كل منتشي بالخمر,توهمات لا حد لها,هبوطها علي الفنان يُشكل مادة إبداعه.

لم يجد المتصوفة ما يعبر عن الحب الإلهي والقرب من البارئ أفضل من الخمر,فامتلأت نصوصهم بذكر الخمر والكأس والمُدام,كما ورد في قصيدة ابن الفارض:
شربنا علي ذكر الحبيب مدامة    سكرنا بها قبل أن يخلق الكرم
الحلاج أول من استخدم وصف الخمر في الشعر الصوفي بقوله:
مزجت روحي بروحك كما     تمزج الخمر بالماء الزلال
في الأدب المصري الحديث يقف نجيب محفوظ عملاقاً يتحدي الزمن بأعماله الروائية العميقة,عابرة الأجبال والعصور. "ثرثرة فوق النيل" أخذتها من الفلسفة السياسة وتنبؤها بالنكسة,وحكاية رغبة عبد الحكيم عامر باعتقاله علي إثرها ورفض عبد الناصر لاعتقال محفوظ وقراءته للنص الأدبي,وكل هذا مقبول؛الرواية فعلاً تحمل بعداً سياسياً أقرب ما يكون لبيان تاريخي عن حالة المجتمع المصري في فترة الستينيات قبل أن يفيق علي النكسة  كما أفاق أبطال الرواية علي نكستهم الخاصة...المهم هنا أن في الرواية خيوط أعمق مما ظهر منها,علاقة مجموعة العوامة وعلي رأسهم أنيس زكي-المسطول الهائم في الماضي- بعم عبده.قد تكون هي علاقة الدين بالحياة,عم عبده يؤدي الشعائر الدينية بانتظام وينظم جلسات الجوزة,يلعن الكفار ويبتهج بعيد الهجرة ويعمل قواداً في نفس الوقت لخدمة العوامة,بعد كل جلسة هو من يعيد العوامة إلي ما كانت عليه من قبل,كأنه المسئول عن تنظيم كون العوامة الصغير,بل هو العوامة نفسها"أنا العوامة لأني أنا الحبال والفناطيس.وإذا سهوت عما يجب لحظة غرقت وجرفها التيار"أنيس زكي يرجح"أنه كان يسعي فوق هذه الأرض قبل أن تغرس أول شجرة في شارع النيل.ولم يزل قوياً إلي سنه لدرجة تفوق الخيال"نلاحظ أيضاً أنه محط اهتمام كل قادم جديد للعوامة(الحياة) التي تحمل نماذج مختلطة من الأفراد لم يجمعهم إلا أحد أنواع المشروبات الروحية,التي تطلق لهم العنان في الأوهام,لكن لا أحد ينافس أنيس في توهماته العبثية التي نظمها محفوظ في ظرف يليق برجل-يجيد الدعابة أصلاً- جرب الخمر كما قال في إحدي حواراته,فكانت الخمر مدعاة للتأمل في عبثية الحياة ولا جدواها!
في نهاية الرواية يعول محفوظ بداية كل آلام الإنسان اللامحدودة بأن"أصل المتاعب قرد,تعلم كيف يسير علي قدمين فحرر يديه,وهبط من جنة القرود فوق الأشجار إلي أرض الغابة,وقالوا له عد إلي الأشجار وإلا أطبقت عليك الوحوش,فقبض علي غصن شجرة بيد وعلي حجر بيد تقدم في حذر وهو يمد بصره إلي طريق لا نهاية له"
وتنتهي الرواية بالقارئ يسأل نفسه,هل الحري بالإنسان ليأمن أن يتقوقع داخل أوهامه الشبيهة بالخمر بلا مادة,أم يفعل كالقرد المغامر كما تخبرنا نظرية التطور –الراسخة في الوعي الإنساني من القدم- يتسلح بالغصن والحجر ويتقدم في طريقه اللانهائي؟!
شخصيات الرواية غامروا فكانت النتيجة جريمة قتل,اتفقوا علي إخفائها حتي من أظهر غير ذلك كسمارة وأنيس,كان في قرارة نفسه عاجز عن فضح نفسه!...لو لم يتجرأ القرد علي النزول,لكان لتاريخ الإنسان مسار آخر,ولكان للرواية تباعاً قصة أخري!

لا يقل خيري شلبي عن نجيب محفوظ موهبة إلا أن الأول له عالم سفلي لا يراه أغلب القراء,أجبره علي استخدام لغة خاصة به تفرد بها بين جميع الروائيين؛فشلبي تجربة إنسانية نادرة الحدوث من شاب مكافح ذاق الفقر وعرف الحرمان منذ كان طفلاً في المدرسة,يحلم بحذاء يرتديه كباقي زملاء فصله!!إلي أحد أهم الروائيين العرب,بفضل دأبه وثقافته الجامعة بين المقروء في الكتب والمُعاش في الواقع,شخصية صالح هيصة التي كتب لها شلبي رواية باسمها,نقيض لأنيس زكي,صالح هيصة الكولا الممزوجة بالسبرتو-السبرتو تحريف لكلمة Spiritual ترجمتها"رورحية!"-فيعمل "هيصة"ينشط ولا يهمه من لواء لا حتي وزير,بل ولا رئيس الجمهورية,الذاهب لإسرائيل في ودم شهداء أكتوبر ومن قبلهم النكسة ما يزال ساخناً علي الأرض,حارقاً في قلوب ذويهم,مسدداً ضربة لكل ما هو حقيقي في حياة جيل كامل,هيصة وحده هو القادر علي الهتاف والصياح حتي وهو بين ضربات الضباط والعساكر,وبسبب قدرته علي قول "لا"تحت أي ظرف وأمام أي شخص يختفي بعد تلك الحادثة علي يد الداخلية,ثم يموت دون أن معرفة السبب,الحشيش في في تلك الرواية ربما يكون هو البطل,والضوء الذي ينجذب له أفراد الرواية,من الرواي الكاتب,للرسام,للشاعر,للممثل......الغرزة حاضنتهم الحنون كأم ترضعهم من حشيشها!الرواي عبر عن شعور فئة كبيرة من الحشاشين بقوله:"...فأيقنت أن التعميرة جيدة بالفعل وأنني يجب أن أُحسن الانتفاع بها في الغوص داخل أعماقي البعيدة للتفتيش فيها علي ما قد يساعدني علي فهم نفسي جيداً مثلما هو فألي مع كل تعميرة جديدة طازجة"
لكن زمن التحشيش الجميل يختفي بفعل كبار مهربي الهيروين والبرشام والحقن,ليحلوا محله بسمومهم فائقة التدمير,وينفرط عقد الشلة واحد وراء واحد لأسباب مختلفة,أرخ بها شلبي لظروف جيل كامل جمعهم الغرزة في ود ومحبة,وفرقتهم الحياة(الهيصة) التي في تعريف صالح هيصة:" ربنا خلق الدنيا هيصة! وخلق فيها بني آدم هيصة! كل واحد في هيصة!.. بيعمل هيصة! عشان يلحق الهيصة، ويا يلحق يا ما يلحقش!.. وكلهم كحيانين!.. بس كل واحد كحيان بطريقة!.. وأنا ملك الكحيانين!.. عشان كحيان بكل الطرق".
والحق أنها واحدة من أصدق الحكم المُعبرة عن تاريخ الإنسان,منذ نزول القرد المغامر من الشجرة إلي عصر النانو والانترنت,وستظل مُعبرة طوال وجود هذا الكائن العجيب!











أي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق