الخميس، 12 فبراير، 2015

أزمة يقين!

الكون الذي قُدر للإنسان المعاناة فيه ومعه,يمتلك لساناً ولغة,يجاهد الإنسان لسماعه وتفسيره,يقول البعض أنها ذات اللغة التي يتحدث بها الخالق نفسه,وهي لغة ليست خادعة ولا مراوغة ولا مجال للتأويل فيها,إنها أرقي أنواع اللغات وأكثرها وضوحاً وتجريداً,إنها عقل الله في مذهب علماء الكونيات والطبيعيات وكل من يحاول التواصل مع الظواهر الطبيعية من حوله,إنها لغة البديهيات العقلية التي لا يستطيع الإنسان أن يقول عكسها,كأن ينكر أن 1+1=2أو أن كل كميتين تساويان كمية ثالثة لابد أن يكونا هما ذاتهما متساويين...الرياضيات!
فماذا لو ظهرت أزمة لا تجعل من الرياضيات علم ثابت,وتكشف كم يمكن للإنسان أن يخدع في تصور يقيني لا يقبل الشك؟هذه الأزمة ظهرت فعلاً في القرن التاسع عشر,وعرفت باسم"أزمة اليقين الرياضي"
قبل الميلاد بثلاثمائة عام,ولد إقليدس صاحب الهندسة الإقليدية,التي ظل العالم لقرون يبني عليها كل اعتقاداته الهندسية,وزاد إيمان الناس بها لما اعتمد عليها نيوتن في نظرياته,قبل أن يجئ آينشتاين ليصنع نموذج(براديجم)علمي جديد عن فيزياء الكون بزلزاله المعروف بنظرية النسبية,آينشتاين اعتمد علي هندسة ريمان الذي فعل بإقليدس ما فعله آينشتاين بنيوتن.
لنفهم أكثر سيرورة العلم لنأخذ لمحة بسيطة عن رؤية بوبر وتوماس كون حول كيفية تطور العلوم ومساراتها لتصل في النهاية إلي نتيجة مقبولة منطقياً. مشكلة ملغزة ولغز مشكل هذه الحياة,عاني الإنسان طوال حياته ليتفاهم معها,ولما وصل لدرجة من المعرفة أهلته نوعاً ما أن يتواصل مع الظواهر من حوله,ويعرف بعضاً من تاريخه التطوري المدهش,وبصرته بعين واحدة بما تحمله نفسه العجيبة,أصبحت تلك المعرفة نفسها مشكلة,وأصبح العلم يمثل علماً في حد ذاته فظهر علم الابستمولوجيا أو علم المعرفة,والميتودلوجيا أو علم المناهج التي من خلالها يتم التأسيس للعلم.
قال أفلاطون أن العلم هو"كل صادق ومبرر",ومن يومها وكل العلماء يحاولون إثبات صدق نظرياتهم وتجاربهم,وتبرير النتائج التي وصلوا إليها,فنشأ جدل لا حل له بين الباحثين في علم العلم ومناهج المناهج!!حول الطرق التي يمكن الحكم من خلالها علي تلك النتيجة بأنها علم أو لا علم,صادق ومبرر أم يمكن تكذيبه ودحضه.
الذات+الحواس+العقل+الخبرة+المادة موضوع البحث,هذه هي أعمدة العلم الرئيسية,كل هؤلاء يمكنهم تأمل المادة التي هي موضوع البحث والخروج منها بنتيجة منطقية.
ولو سلمنا بالرأي الذي يقول أن المعرفة تحل المشكلات وتجعل الحياة أوضح,سنجد أنفسنا أمام مشكلة حل المشكلة وهي أسئلة من نوعية:ما هي المعرفة؟متي يعرف الإنسان؟كيف يعرف؟وماذا يعرف ليعرف؟وهل في إمكانية الذات الإنسانية في الأساس أن تصل لمعرفة أو حقيقة؟,أو سلمنا بأن المعرفة تزيد عدد المشكلات أمام الإنسان وتجعل الحياة أكثر صعوبة من ذي قبل فسنكون أمام ذات المشكلة أما لو رددنا مع تيمون الشكاك"أنا لا أدري ولا أدري إنني لا أدري" حينها سنكون.... أمام نفس المشكلة!فهو وصل لمعرفة أيضاً ألا وهي إنكار المعرفة!
الحق أن هذا الأمر صعب وعويص وغير مفهوم علي الإطلاق,وكل تاريخ العلم وطرائق إنتاج المعرفة سقطت باكية تحت قدمي قصيدة إيليا أبي ماضي "الطلاسم" بعدما سمعتها وتحيرت في أسئلتها الوجودية ورددت معه"أتمني أنني أدري ولكن...لست أدري!"لكن ما دامت أعمدة العلم الرئيسية قائمة في الحياة,سيظل كفاح الإنسان في السعي للتحصيل لا يهدأ مهما كانت الصعاب التي تواجهه وعلي رأسها ما قبل الميلاد وما بعد الموت!!ستظل العقول الإنسانية تفكر وتفكر في كل جيل متأملة في الماضي آملة في مستقبل جديد تكون فيه الاستنتاجات العلمية أكثر تأكيداً وأقوي حجة,وهكذا...فلا ارتاح بال الإنسان!!!
من الناس الذين لا يرتاح لهم بال فيلسوف كتب سيرته الذاتية تحت عنوان"بحث لا ينتهي"!كارل بوبر صاحب كتاب"منطق البحث العلمي"الذي وضع فيه رؤيته للطريقة التي يتمكن بها عقل الإنسان من الوصول لنتيجة ما مبنية علي آليات معينة,فهو ينقد وينقض مبدأ الاستقراء الذي يعتمد علي الملاحظة والمعطيات كالمثال الذي قدمه بيكون الذي عاش في عصر شكسبير العظيم,ولسبب التشكيك في وجود شخصية شكسبير أصلاً,اعتقد البعض أنه هو نفسه من كتب تلك المسرحيات الخالدة باسم مستعار وهو "شكسبير"!!عن حبات العنب,يعترض بوبر علي ذلك فعنده أن النظرية هي ما تسبق الملاحظة فلا يمكن أن يبدأ العلم من الملاحظة فقط,والعلوم الحديثة في بحوثها تظن أن الإنسان أصلاً يولد و في مخه بقايا تجارب لحياة سابقة!فلا يمكن للعلم أن يبدأ من مجرد ملاحظة بلا أي تصور سابق.ويعتبر الفيلسوف الشهير رسل مبدأ السببية المرتبط بمنهج الاستقراء أحد مبادئ العلم تماماً كالاعتقاد في سيادة القانون.
والمحور البارز في فهم بوبر للابستمولوجيا هو مبدأ الدحض والقابلية للكذيب,و محاصرة كل الفروض بهذا المبدأ حتي يبقي في النهاية فرض واحد يتم التحقق من صحته,فيبدأ الخط البحثي من التكذيب حتي التحقق من الصدق.وأيضاً نظرية التخمينات الافتراضية في العلم,فلا يمكننا التيقن أبداً من نظرية أو قانون ما والمثال علي ذلك قوانين نيوتن التي كانت بمثابة يقين ثابت عند العلماء حتي جاء إينشتاين بزلزاله النسبي الشهير وأثبت خطأ عدد من فرضياتها وصحهها.ثم يميز بين الكشف والتبرير فيما يسميه"منطق الاختبار العلمي",ربما ينحو بوبر نحو الاعتماد علي الخطأ قبل الصواب في الطريقة التي ينمو بها علم الإنسان فهو يقول"يمكن للمعرفة أن تنمو,ويمكن للعلم أن يتقدم فقط لأننا يمكن أن نتعلم من أخطائنا"وهو درس بشري عام لا يرتبط بالمناهج العلمية المعقدة فحسب,بل نري صدقه في الحياة اليومية البسيطة,ثم يقرر فلسفته مكملاً"فالطريقة التي تتقدم بها المعرفة للإمام,بخاصة معرفتنا العلمية,تتم عن طريق توقعات غير مبررة وغير قابلة للتبرير,وتخمينات وحلول مؤقتة لمشكلاتنا,وحدوس افتراضية,هذه الحدوس الافتراضية تخضع للنقد أي تتعرض للتفنيدات التي تنطوي علي اختبارات نقدية حاسمة.وربما تجتاز هذه الاختبارات,لكن لا يمكن تبريرها علي نحو إيجابي مطلقاً,أي أنه لا يمكن النظر إليها بوصفها صحيحة بشكل يقيني أو حتي محتملة"وهنا نتذكر عبارة ديكارت"منذ سنواتي تلقيت كماً من الآراء الخاطئة علي إنها حقيقة,وكان علي أن أتخلص من كل تلك الآراء التي تلقيتها...إذا كنت أريد تأسيس شئ صلب وثابت في العلوم"
قام سكوليموفسكي بوضع عدة أسئلة وأجاب عليها مرة من وجه نظر الوضعية المنطقية التي تأسست علي يد جماعة فيينا التي ارتبط بها وتبنت منهج الاستقراء ومرة من وجة نظر بوبر الذي ارتبط اسمه باسم تلك الجماعة التي شتتها السياسة والحروب وقتل زعيمها شليك صديق آينشتاين ورسل علي يد طالب نازي:
1-ما الذي يجب علينا أن ندرسه لنفهم العلم؟
الوضعية:تركيب العلم
بوبر:نمو العلم
2-ماهي نقطة البداية في أبحاثنا؟
الوضعية:الملاحظات
بوبر:المشكلات
3-ما هي وحدتنا التصورية الأساسية؟
الوضعية: قضايا البروتوكول
بوبر:الفروض المؤقتة
4-كيف يتم اكتساب المعرفة؟
الوضعية:الاستقراء
بوبر:التخمين الشجاع المتبوع بالنقد
5-ما هي أسس المعرفة وهل توجد معرفة لا يمكن الشك فيها؟
الوضعية:تتكون المعرفة من الوقائع الأساسية المعطاة لنا من خلال الخبرة المباشرة ويمكن التعبير عنها من خلال قضايا البرتوكول.
بوبر:لا يوجد أساس ثابت للمعرفة,فكل معرفة هي معرفة مؤقتة
6-كيف يمكن تمييز المعرفة العلمية من المعرفة اللا علمية؟
الوضعية:بمبدأ قابلية التحقيق للمعني
بوبر:بمبدأ التمييز الذي يميز النظريات العلمية القابلة للتكذيب والنظريات غير العلمية الغير قابلة للتكذيب.
بتلك الأسئلة يحاول سكوليموفسكي عرض جوانب الاختلاف بين بوبر والوضعية المنطقية.
اتخذ توماس كون من التاريخ مجالاً لفهم كيف تنمو المعرفة فأنتج كتابه"بنية الثورات العلمية"ومن العنوان يمكننا أن نفهم كيف رآها!يتصور كون وجود نموذج ارشادي في كل عصر دعاه"البراديجم",ويتلاقي براديجم مع مقصد بوبر بأن كل معرفة مؤقتة,فبتغير الزمن يتطور إدراك الإنسان للعالم والعلم,وليس هناك أفضل من نموذج نيوتن/آينشتاين مرة أخري,فتاريخ العلم عند كون هو الجولات التي تصارعت فيها النظريات والأفكار والمناهج العلمية,وكل نقلة علمية إنما هي ثورة وقفزة نحو الأمام بلا اعتماد علي التراكمية في العلم,فنحن هنا أمام عملية إزاحة لبراديجم قديم لحساب براديجم جديد تصوغه عقول تالية بأدوات مغايرة للأجيال السابقة,فلعقود طويلة اعتقد الناس أن الأرض هي مركز الكون هذا براديجم,حل محله براديجم جديد(الشمس هي مركز المجموعة الشمسية والأرض مجرد كوكب يدور حولها)وهكذا يتقدم العلم كل فترة.يتفق مرة أخري مع بوبر في مبدأ التكذيب والتحقق.
كلاهما مثلا فصل هام في تاريخ العلم,رغم كونهما خصمان يود يري واحد فلسفة العلم من زاوية والآخر يراها من زاوية أخري,لكن الأكيد أن هناك زوايا لا حصر لها لرؤية العلم...لرؤية أي شئ في العالم!

في القرن التاسع عشر وعبر سلسلة من العلماء تم إثبات هندسة أخري غير هندسة إقليدس,فنشأ عنها ما يعرف باسم"أزمة اليقين الرياضي"أي لم يعد فهم الإنسان للغة الكون وعقل الله أمراً يقيناُ,بل عرف العقل البشري بأن الكون هو الآخر مراوغ وإشاراته ليست صادقة لحد بعيد,المفارقة العجيبة هنا أن اكتشاف الهندسة اللاإقليدية ظهرت في سبيل إثبات الهندسة الإقليدية كهندسة واحدة صمم بها الكون !!
لم تعد مجموع زوايا المثلث 180درجة في هندسة إقليدس,قد تكون عند ريمان أقل أو أزيد!مسلمات إقليدس وبديهياته تم التشكيك علي يد مجموعة من علماء الرياضيات,مثل ساكيري,لوباتشفسكي الذي أملي تفنيداته الهندسية في آخر حياته وهو أعمي,جون بولياي,جاوس الذي لم ينشر آرائه,خوفاً من"صخب البيوتيانيين"هم سكان مقاطعة بيوتا في اليونان,كانوا مضرب المثل في الحمق والغباء,قصد بهذ التعبير خوفه من أبناء عصره الجامدين الذي لا يقدسون القديم ويقدمون النقل علي العقل!!!!بني ريمان فروضه الهندسية علي أعمال جاوس في السطوح المنحنية,وبني آينشاين نسبيته علي الهندسة الريمانية!هؤلاء وغيرهم هم مؤسسو الهندسة اللاإقليدية,أي أنهم حداثيون بإعمالهم العقل دون الاعتبار لما قاله السلف,وتصميم نماذج جديدة لا تعترف إلا بتجربتهم وملاحظاتهم,وليست قائمة علي تجارب وملاحظات آخرين اكتسبت قدسية بمرور الزمن واعتقاد الناس أنها صحيحة فقط لأنها قديمة,ومن يتبني هذا الاعتقاد أحد البيوتانيين الذين يثيرون الصخب,كلما جائهم مفكراً يعيد تأسيس المعارف والتصورات في الأذهان!-ننبه أن الهندسة اللاإقليدية لم تسقط هندسة إقليدس,إنما صاغت هندسة جديدة بنسق إكسيومي مغاير,أثبتت صحتها النظرية والعملية.-
من التعبيرات الأوروبية البارزة في تاريخ الحداثة,تعبير لم يتخذ من الأدب أو الرسم مادته,بل كان تعبير اتخذ النار وسيلة,في مشهد رمزي خلده التاريخ,وقف باراكيلسوس أحد أشهر الشخصيات الطبية في العصور الوسطي,وعاد مرة أخري للعصر الحاضر في قصة من قصص بورخيس,في ساحة المدينة,حاملاً كتب جالينوس وابن سينا,ووسط الناس الذين تجمعوا حوله,وضعها علي الأرض وأشعل النار فيها,بعد أن خطب في الناس شارحاً لهم أن هؤلاء القدماء ليسوا أفضل من المعاصريين,ولا يعرفون أكثر منهم,والمعارف العلمية لا تستقي من النصوص ومن قال فلان وعلان,تستقي من التجربة والملاحظة,فالطب تجارب وليس عادات وتقاليد,وأعمال هؤلاء كأي عمل بشري في الدنيا,ليس معصوماً من الخطأ,بل الخطأ وسوء الظن هو الأساس!وسمي نفسه بهذا الاسم لأنه يعني"فوق كيلسوس"وكيلسوس صاحب موسوعة علمية كانت تدرس في العصور والوسطي وما بعدها,كأنه يقول,أنا فوق كيلسوس وفوق كل قديم لأني رجل يفكر ولا يعتمد إلا علي ما يقوله عقله,ضارباً بكل ما ينافي العقل عرض الحائط,وهو أيضاً أو من بدأ يدرس باللغة الألمانية,تاركاً اللغة اللاتينية الرسمية لبقية الجامعات وانفرد بلغة الشعب,فكان أحد رموز الحداثة الثورية,في عصور الظلمات السوداء.
الإنسان خلاق بطبعه,لذلك جاءت الحداثة الأوروبية فعل طبيعي علي الرجعية والدوجماطيقية الجاهلة التي سيطرت علي الكنيسة,التي كانت تسيطر علي أوروبا قبل عصر الأنوار,المُنتج لعقول التحديث والحداثة,لو تم الحجر عليه بأي دعوي سيكون رد فعله عنيف جداً,كعنفه ضد الكنيسة والدين اللذين تحولا لعدوان للعقل والعلم,للأسف يعيش الشرق عصور ظلام شبيهة بتلك التي عاشتها أوروبا,يزيد من حدة الأسف أن وسائل الاتصال والمعرفة والتقارب الحضاري-التي ظهرت نتيجة للحداثة الأوروبية –لم تجعل لأحد حجة أن يظل في الظلام بينما مفتاح النور تحت أصابعه علي هيئة أزرار كمبيوتر الذي ينبعث من شاشته,مقروءً أو مرئياً أو مسموعاً,بلا أي جهد يذكر,ورغم ذلك لو استخدمها الشرق اليوم لا يستخدمها إلي في الهراء ونشر التخلف والغيبيات والتغييب!!
ما بعد الحداثة ترتيب طبيعي للحداثة,واليوم يتم الحديث عن "بعد ما بعد الحداثة"!لقد انفلت العقل من العقال,وأصبح الشك هو القاعدة واليقين هو الاستثناء,بل ربما يكون اليقين له ضرر يفوق ضرر الشك وعذاب الحيرة,اليقين في يشبه القبر سكون وموات لا حركة فيه...فلو كان أي بناء رياضي معقد متكامل سنجد فيه علي الأقل برهان ناقص أو متناقض,والرياضيات هي أسس المنطق الإنساني,فما بالنا بالنصوص التي تخضع للتأويل وللزمن وللمؤلف...,.....,.....,....التي تحولت لقبر متعفن يسكنه أشباح بشعة كشبح اليوم المسخ المجنون داعش,لكننا نعتبر الإيمان هو المنتهي,لا يهم موضوع الإيمان نفسه!!!بينما حداثة الغرب وما بعدها,تدور في فلك السعي لما هو في خير الإنسان ويناسب عصره...وهذا هو ما نحتاج إليه!!
طالما أن اليقين مفقود,فكل شئ يخضع للتجربة,وما تؤكد التجارب صحته يكون هو الصحيح...حتي حين!!













ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق