الخميس، 3 مارس، 2016

هذا الوقت سيمضي

هذا الوقت سيمضي

بانهيار عقارب الساعة وتساقط الدقائق منها والساعات,تباعدت بين الذكريات الأيام التي تحولت لسنين,سنين طويلة مرت بوجع مكتوم لا يشعر به مخلوق,وأنين هامس في الصدر لم يسمعه إنسان.
أيام لا معني تكتلت علي قلبه حتي دفنته تحت ركام الآلام,آلام عجيبة من كل نوع,كل لحظة جارحة,وكل كلمة طلقة,وكل فجر سكين يشق كيانه,منظر الشمس الطالعة ينذر بيوم جديد...بألم جديد!
رجل كيانه مسلوب؛لأنها لم تعد فيه,كانت الحياة فلما تركته ترك الحياة,كل عمله أصبح مراقبة الساعة وهي تأكل من عمره ومن عمر الكون الساعي نحو الفناء,وهو يستدعي في خياله حكاية"هذا الوقت سيمضي"يزيد فيها تفاصيل ومعان:
آمن الملك أن وزيره هذا يمتاز بالحكمة والفهم العميق,عرفه منذ شبابه الأول,فكما ورث هو الملك عن والده ورث الآخر الوزارة عن والده,وقد كان علي صغر سنه ولوعاً بالمعرفة والدراسة,فحين كان الملك كل أمانيه هو ورفاقه أن يغازلوا جارية أو يتسلون بأغنية كان الوزير يقبع في غرفته يتأمل في نظرية,أو يحل مسألة معقدة,وحين أحب وهوي كان هواه وقوراً رزيناً,مع أنه كان مشتعلاً داخل قلبه,يظهر في عينيه الحمراوتين من السهر...وربما البكاء!تزوج حبيبته وكانت مثله إلي حد كبير,فازداد عمله حتي ولاه الملك الوزارة بعد أبيه إيماناً منه بصواب رأيه وذكاء عقله.
وفي ليلة بعد أن ضحك الملك مع رفاقه حتي دمعت عيناه انبساطاً,وتقافز قلبه مرحاً,سمع ولولة في أرجاء القصر,وسمع نبأ سقوط ابنه من فوق حصانه وسط الشهقات الباكية...
كان الحزن عظيماً!حزن الوزير وظل بجوار الملك الذي بدا بعد وفاة ولده ضعف عمره وأكثر,ومع بداية تباشير الفجر قطع الملك الصمت ملتفتاً للوزير الجالس بجواره ساهراً معه:
-إليك خاتمي
رمي له الخاتم في حجره وتابع:
-أود أن تكتب لي عليه ما يعزيني في حزني ويكبحني في فرحي.
أخذ الوزير الخاتم ومضي لمنزله والشمس تطل علي الدنيا خجلة مازالت,لم تسطع بكل جبروتها بعد.
ناقش الوزير زوجته في طلب الملك,قضيا اليوم كله في محاولة البحث عن العبارة المناسبة لينقشها علي خاتم الملك,فجأة نظر لها الوزير لزوجته مبتسماً:
-أليست هذه التسريحة نفسها التي كان عليها شعرك ليلة زفافنا.
احتضنته في سعادة:
-ظننت والله أنك لن تذكرها !
-إذا نسيت ما يخصك,فماذا يستحق الذكرإذن؟!كانت ليلة حياتي.
-وحياتي.
انسالت الذكريات علي لسان الوزير ولسان زوجته,حتي كادا أن ينسيا أمر الملك,مرت الساعات الطويلة في الذكري والنجوي,نظر طويلاً في عينيها,فبدا له شريط حياته يمر أمامه,ابتسم وقبل وجنتيها,ودعاها لحجرتهما ليناما,تبعته في حياء,دخلت وأغلقت الباب عليهما.
في اليوم التالي دخل علي الملك الذي بادره متسائلاً بلهجة ذات مغزي:
-أين خاتمي أيها الوزير؟
أخرج من جيب قفطانه خاتم الملك ووضعه في يده باحترام,رفعه الملك أمام عينيه وقرأ ما عليه بصوت عالِ:
-"هذا الوقت سيمضي"
ارتداه في إصبعه راضياً كل الرضي.
عندما بدأ الوزير يتذاكر مع زوجته أيام حياتهما,اشتعلت ذاكرته وعقله بشحنات من أحداث سعيدة ومصائب كئيبة مرا بها سوياً,كانت أصغر وكان أقوي,وكل شئ مر كأنه لم يحدث,فقط يمكن الاستدلال عليه بأثره...فكل شئ سيمضي ولن يصبح غير حكاية علي الألسن"



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق