السبت، 10 ديسمبر، 2016

العقليون والنقليون





تتأكد إنسانيتنا ويبزغ نصفنا النوراني المتألق,حين نبحث ونجتهد في بدايتنا وقدرنا ومصيرنا ومآلنا,فعلي الرغم من كل ما يعانيه الإنسان علي الأرض من مخاوف وآلام تتهدد حياته إلا إنه لم يتوقف أبداً عن السؤال حول الكون والحياة,هذا السؤال الذي ندين له اليوم بازدهار علم الكوزمولوجي الذي نري من خلاله الكون البديع,فندرك أن ما يخفيه أكثر مما يبديه فنستمر في الاجتهاد,ونعرف كم نحن صغار بل قد لا نذكر-الحقيقة أننا لا نذكر فعلاً لكنها حقيقة قاسية-وسط كون لا متناهي,وفي نفس الوقت نفتخر أن هذا الدماغ البشري الموضوع داخل جمجمة يسهل كسرها اخترق الحجب وتداعت له أسرار الكون.
بدأ الفلاسفة التساؤل عن الكون ومحاولة إيجاد تفسيراً له,ومشكلتنا الآن بين فريقين:النقليون والعقليون,ولا نقصد بذلك أن أحدهما يستند للنصوص والآخر يستند للعقل,وإنما أحدهما رفع راية النص والثاني العقل,فالاثنان نقلوا وفكروا فيما نقلوا,لكن أولهم أراد أن يخدم النص أكثر والثاني العقل أكثر,فالغزالي الذي يتصدر فريق (الفلاسفة!)كان فيلسوفاً كبيراً وهو يهاجم الفلاسفة وعقلياً أكثر من العقليين وهو يود أن يلجم العقل,حتي أنه في بعض الهيئات العلمية يتم تدريس فلسفة ابن سينا تمهيداً لدراسة فلسفة الغزالي,كان تأثره الأول بالتراث الإسلامي ونصوصه أما المشائيين والذي يتصدرهم ابن رشد(شارح أرسطو الأعظم!!)هكذا كانوا يبجلونه لشرحه لنصوص أرسطو,تأثره الأساسي فلسفة اليونان وعلي رأسهم العقل الكبير أرسطو الذي أثار إعجاب ابن رشد وابن سينا وتأثرا به بشدة,حتي أن ابن رشد تصور أن الله خلق أرسطو ليدلل أن الإنسان في استطاعته الوصول للكمال.الفريقان سعيا للحق كل من وجهة نظره...لكن في المسائل التي ناقشوها يصعب لأحد أن يصل لمرحلة الدوجماطيقية أو الحقيقة المطلقة؛لذلك فكل ما أثاروه يغلب عليه الظن والرأي الإنساني المعرض للقصور وهم يعترفون بذلك.
فمسألة علم الله بالجزئيات:دافع المشائيين عن رأي أرسطو أن الله لا يعلم إلا الكليات فهو المحرك الذي لا يتحرك المشغول بتأمل ذاته والتفكير فيها,ومن رأي أرسطو هذا ظهرت عبارة"الشيطان يكمن في التفاصيل"حيث أنها المكان المثالي لسكن الشيطان!
حيث قال الفلاسف العقليون إن تغير حال المعلوم يؤدي إلي تغير الذات العالمة,وهذا ماننزه عنه الله,ضاربين مثلاً بكسوف الشمس,فإنه يُعلم قبل حصوله بأنه معدوم وحال حصوله بأنه كائن وبعد حصوله أنه كان وانتهي,والتغير محال علي الله تعالي,بينما يقول الغزالي ما المانع أن يعلم الكسوف بأحواله الثلاثة,قبل وأثناء وبعد,بعلم واحد في الأزل والأبد ولا يتغير.
هذا الرأي يجد ميلاً في نفسي,فكما يقال أن الله هو مهندس الكون الأعظم,فالله هو كاتب السيناريو الأعظم,فكاتب السيناريو السينمائي يعرف جيداً قصته بالتفصيل,وشخصياته ومصائرهم وحوادثهم وكل الخيوط الدرامية يمسكها في يده يحركها كيفما شاء,فقبل الشروع في كتابة مشهده الأول في يعرف جيداً كيف سيضع كلمة النهاية بعد المشهد الأخير,فهو لم يتغير ولا علمه تغير وإنما وقع هذا التغير في المشاهد...لا يمكن أن نسقط تفكيرنا البشري ورؤيتنا العقلية علي العقل الفعال لهذا الكون!
ومسألة الحشر الجسماني:
يري العقليون أن المواد تتغير وتتحول فالبدن يصبح يصبح تراباً,ثم تربة تنبت النبات فيأكل الحيوان النبات ثم يأكلهما الإنسان,وهكذا في دوامة لا نهاية لها من تغير المواد الأولية للبدن,كما يري ابن سينا أن المتع التي وصفها الله في كتابه إنما ضربها للعوام حتي يضع لهم تصوراً ذهنياً عن السعادة الأخروية,فالنفس جوهر مستقل عن البدن وهي الباقية بعد فناء النفس وهي التي سيقع عليها الثواب والعقاب وحدها دون البدن,بينما النقليون يقولون أن في ذلك إنكار للعذاب الجسدي المذكور في القرآن الكريم.
الاعتقاد بكون الميعاد الأخروي هو ميعاد للأنفس فقط يفتح آفاقاً جديدة,لمسألة التبرع بالأعضاء للمتوفي لإنقاذ وإسعاد من بقي علي قيد الحياة.
مسألة قدم العالم 
تبلورت تلك المسألة مع أرسطو (المادة/الحركة/الزمان) وتبعاً لذلك فهم قدامي لأنهم مرتبطون بالعالم,ومعني حدوث العالم خلقه من عدم علي يد الله صانعه ومدبره كما يري النقليون, أما قدمه فأزليته ويظل الله متقدماً عليه بشرف الرتبة والمعلولية.
العلم الحديث يؤكد أن للكون عمراً يقرب من13مليار سنة,أي أن له نقطة بداية يبدأ منها أي أن المعادلة:الله+العدم=الكون,وهو أمر غير مقبول عند الكثيرين من العلماء والفلاسفة في الماضي وفي عصرنا...ويبقي الأفق مفتوحاً لمن يريد أن يحلق.  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق