الثلاثاء، 3 يناير، 2017

متاهات النحو

للناقد المغربي عبد الفتاح كيليطو كتاب عن الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري,بعنوان"متاهات القول",هذا العنوان ترجمة واضحة لما تواجهنا به اللغة وتأويلاتها ومعانيها,فالكلام عالم سحري غريب يجذبنا نحو عوالم واتجاهات ما كانت لنا يوماً في الحسبان,الكلمة هي المفتاح الأول للثقافة البشرية بمعناها الواسع وبكل تجلياتها.
اللغة طالما حيرتني ووقفت أمامها مبهوراً,بما تنتجه من رؤي وأحلام فنية ساحرة ممتعة,وما تكشفه من أفكار وفلسفات توقظ الوعي وتحفز العقل نحو التطلع لعالم إنساني مثالي...اللغة,عالم من الدهشة وحياة من البهجة والعجائب.
فكان لابد أن تصبح اللغة علماً,أو بالأحري مجموعة علوم كعلم اللسانيات,والفيلولوجي -الذي برع فيه نيتشه-والهرمينوطيقا....وبالنسبة للغة العربية هي لغة تشوبها صعوبة ولا شك,تبزغ تلك الصعوبة مع مستوي تعليمي انحدر متخطياً القاع بآلاف الميال فتحولت اللغة العربية إلي لغة شبه أجنبية عن العرب,ونظرة واحدة للأخطاء الإملائية الغريبة في الإنترنت والشوارع نعرف كيف تسير الأمور بالنسبة لتعليم العربية تكاد تقسم أن من كتب تلك العبارات والكلمات لم يتعلم الهجاء من الأساس,أنا أعاني معاناة بالغة مع النحو,كلما ظننت أني حفظت قواعده نسيتها,لذكريات سيئة في المرحلة اللادراسية,ولأني لم أتعلمه أصلاً من أحد فكان الحفظ للامتحان هو السيد كما هو معروف,فتحول النحو-الصعب أصلاً-شئ شبه مهجور ومتجاهل عند الأغلبية.
النحو العربي استنزف مداد اللغويين علي مر العصور,فبين النصب والنحو والجر والرفع والصفة والنعت والحال والمفعول به....,.....,.....تفرغ رجال كُثر لهذه المهمة في الضبط اللغوي,ونحن الآن في حيرة هل ما فعلوه هو الصواب,أم مافعلوه حجر اللغة وحنطها ولم يجعلها تساير الزمان وتمشي علي سنة التطور حتي إنها اليوم من أصعب لغات العالم ,وهناك بيانات تجعلها الرابعة من حيث الصعوبة في التعلم!بل ويشتكي منها الناس اليوم,ومن يريد البحث والمعرفة عليه باللغات الأجنبية,ومن يريد الوجاهة الإجتماعية واستعراض مدي معارفه يتجه للأجنبية,حتي أصبحت العربية كالطفل الذي يتبرأ منه الجميع ولا يود أحد ذكره,إما خوفاً من الخطأ أو رغبة في إسعاف العقل بكلمة أخري أنسب وأرقي ومعناها مباشر,والحق أن استخدامنا الخاطئ للعربية جعل فيها عيوب فعلاً,كتزيين الكلام واللف والدوران حول الهدف,والاهتمام بالزخرفة اللغوية علي حساب المعني,واللغة المثالية هي التي تقاس بمدي انضباطها وفهم كل كلمة والوصول مباشرة للهدف,لا شك أن العرب في الماضي كانوا يحبون لغتهم,بل هي اختراعهم الأول-المقصود بالعرب أهل شبه الجزيرة-فالقصائد والكلام كانت هي مبتاغهم ومنتهي آمالهم ومركز حياتهم؛لذلك بالغوا في الكلام وزخرفته وتكرار المعاني بأساليب مختلفة,مما جعل أبي تمام يقول في بيته المشهور"السيف أصدق أنباء من الكتب"ربما لكفره بالبلاغة التي طائل من ورائها,والمعروف أن الكتب هي الأصدق والأبقي لا تهزمها سيوف ولا يقدر عليها جنود,فكل المحاربين ماتوا واندثروا وأصبحوا عبرة,وبقي المؤلفون وحدهم ينوّرون الدنيا ويهتدي بهم العالم.
قد يري البعض أن تعدد وجوه الإعراب أحياناً من بدائع اللغة واتساع قماشتها,ويري فيه البعض دليل علي الضعف وعدم الانضباط اللغوي,والدعوات الكثيرة لإلغاء الإعراب كله وتبسيط القواعد النحوية,نابعة من المتاهات النحوية التي يقع فيها المدققون والمتتبعون لتاريخ النحو ومدارسه في الدول التي تعربت بعد الإسلام,سبب تعدد الإعراب في اللغة العربية اختلاف المدارس والاتجاهات في فهم اللغة وتأويلها في الأساس-وهذا طبيعي بل وصحي فكل جماعة من البشر لديها رؤية فكرية وثقافية مختلفة عن الأخري ومخزن حضاري متوارث-فمثلاً رأي البصريون أن"نعم"و"بئس"أفعال ورآها الكوفيون أسماء.
وأيضاً اختلاف المعاني وتأويلاتها في الجملة الواحدة فمثال"أكلت السمكة حتي رأسها"هو المثال الأشهر لدي النحويين فبضم رأس السمكة المحيرة تكون مأكولة كلها ,وبالجر تكون أُكلت كلها عدا الرأس,وقد مات سيبويه وفي نفسه شئ من حتي!!!
ويبدو أن المعري-أحد أعظم من كتبوا بها- فطن لأزمة اللغة العربية,وعلاقتة الناس بها, كما فطن لها طه حسين وسلامة موسي وشريف الشوباشي بحسه القاسي المتهجم:
مَن يَبغِ، عنديَ، نحواً، أو يُرِدْ لغةً،                   
                   فما يُساعَفُ منْ هذا ولا هذي
يكفيكَ شَرّاً، من الدّنيا، ومنقَصةً،                   
                   أن لا يَبينَ لك الهادي من الهاذي
النحو مهم للحفاظ علي اللغة,لكن الأمل في ارتفاع حال التعليم كيلا يقف النحو وقواعده الجاثمة علي أنفاس الأدباء والمثقفين أنفسهم والشكاوي والأخطاء التي يقعون فيها شاهدة,مع الكثير من التحرر اللغوي في الابتكار والأساليب والمعاني والكلمات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق