الأحد، 17 يونيو، 2012

لماذا لم يتزوج العربي من الفرنسية في الحي اللاتيني؟







لماذا لم يتزوج العربي من الفرنسية في الحي اللاتيني؟



ما أروع المتعة الأدبية عندما تأتي بغير تخطيط!تفتح الكتاب,وتبدأ بقراءته وتنتهي منه,وقد اكتسب وجدانك ذلك الشئ الذي لا يوصف.

دارت تلك الفكرة في رأسي مباشرة,بعد أن أنهيت آخر عبارة في الحي اللاتيني لسهيل إدريس,تلك التي قالها بطل الرواية حين سألته أمه:
"لقد انتهينا الآن إذن يا بني,أليس كذلك؟
فأجابها من غير أن ينظر إليها:
-بل الآن نبدأ يا أمي..."
 
منذ دقائق أنهيت الرواية تماماً...توجد معلومة صغيرة لم أتنبه إليها طوال قراءتي للحي اللاتيني:كُتِّبَت الرواية عام 1953؛ولذلك لابد من القول من القول بثقة تامة,أن تلك الرواية سبقت عصرها.طوال الوقت أشعر أن ذلك العمل يحمل نكهة ورائحة أدب السيتينات,ثنائية الشرق والغرب.الرجل والمرأة.العلم والحب.التقاليد والتحرر.الدَّنس والطُّهر.الغربة والوطن.القومية والاندماج في الغرب......ثنائيات عدة لم يناقشها الأدب العربي إلي في مرحلة متقدمة جداً من الستينيات وما بعدها,سبق إليها سهيل إدريس بفهم واعٍ,وروح قومية ليست ساذجة او مغرورة,بل تدرك تماماً من هي ومن الآخر,تعرف بما تمتاز هو عنها وتحاول الوصول إليه,وفي ذات الوقت ليست منسحقة,فهي ايضاً تعرف أن ما عندها ربما لم يسمع به الآخر طوال حياته,وإذا عرفه لم يفهمه وإذا فهمه لم يحبه!!

لا أذكر متي كانت أول مرة يقرع إسم الحي اللاتيني سمعي,ربما في إحدي الصحف,ولكني لم أهتم أن أطّلع عليها؛فقد كان الأديب العربي الأعظم يستأثر بكل وجداني...نجيب محفوظ عرفته تحت العشرين واستمر معي في العشرين,وأؤمن أنه سيبقي معي ابد الدهر.
إذن,الرواية جاءت علي غير توقع,بدأتها في موسم الإمتحانات-المذبحة العقلية,كما أحب أن أسميه-ولذلك انتبهت اليها بشدة!من يهتم بالامتحانات في الجامعات المصرية هم من سلّموا عقولهم لذلك الجالس أمامهم,يهذي بما يحفظ ويخطئ فيما لم يحفظ,ويطلقون عليه لقب(دكتور)وهو كائن يتطور عن معيد,في ظل تعليم حقير,ويُطلب منه العبث بعقول شباب آخرين,بحكم السلطة المخولة له في دنيا الدرجات!!!هل يوجد مهرب من هؤلاء أفضل من سهيل ادريس؟!

أتمزق الماً كلما أنجزت كتاباً آخر.كيف لم أقرؤه من قبل؟لا أعرف أحداً يرشدني!إلي متي أتعلل بالحجج الواهية!...لذلك لم أعد أتمزق ألماً بل أصبحت أواجه جهلي بمنتهي البرود:
-ماذا تريد؟...أنت تنتصر دوماً,وستظل تنتصر,أنا فقط أحاول ألا أجعل ذلك الانتصار سهلاً!

تكاد الأيام لطه حسين تتسرب من بين سطور الحي اللاتيني,ويكاد سهيل ادريس يُطِّل برأسه علي قارئه! هل أنا وحدي من شعر بذلك؟!

ولكن لمَ لم يتزوج البطل جانين الفرنسية؟
هل لشاب غرّ في العشرين أن يجيب علي ذلك السؤال؟

يجيب!!!ياله من احمق مغرور-ده اللي هو أنا-
ليقل ما يدّور في رأسه الفارغ!إن كان له رأس من الأساس!

"الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا" رديارد كبلنج

هل هذا هو ما أراد أن يؤكده سهيل ادريس؟
السبب الدرامي في الرواية لعدم الزواج,أن جانين قد حمِّلت من البطل,ولظروف عدة تخلي عنها وحين استيقظ ضميره عاد مرة أخري,ليجدها قد غرقت في عالم الضياع والدعارة,ولم تقبل أن يرتبط بها حتي لا تعيق مستقبله,فتهرب منه بعد أن تواعدا علي الزواج,ويعود هو مرة اخري إلي لبنان ليحقق آماله الوطنية!!!!!
 من المخطئ إذاً؟!
العربي الذي أراد أن يكون شريفاً,أم الفرنسية التي سقطت في الدنّس الجسدي,ذات القلب المحبّ والنفس المضحية؟
لن أفهم أبداًهذا الأمر,فالإنسان في كل مكان واحد,هو هو,لا يتغير,جميعاً نحمل القلب ذاته والمشاعر نفسها والروح عينّها,تختلف الألسنة واللهجات والألون والأجناس,ويبقي جوهرنا واحد,نتألم مما يؤلم ونشتاق لما نحب ونفرح لما يسعد ونطمح فيما نريد...لماذا لا نقترب إذاً!!
ولكن الراوي ترك لنا فرّجة أمل للمستقبل
"-بل الآن نبدأ يا أمي..."
ألم يئن بعد من عام 53 إلي الآن أوان البداية!!!

لماذا أستخدم علامات التعجب بكثرة؟؟!!!!!!!!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق