الجمعة، 6 سبتمبر، 2013

أمام المحكمة




أمام المحكمة

توقفت أمام المحكمة أثناء سيري الصباحي,تعودت عليه منذ بلوغي المعاش,بعد فراغ المنزل من الأبناء والأحفاد,أُلقي علي صورة المرحومة نظرة,وأقول لها"صباح الخير يا قمر",ثم أتناول الإفطار وأشتري علبة سجائر,وأنزل.
لو لم يمت أبي وأنا في السنة الثالثة من كلية الحقوق,كنت سأدخل إليها لأسلم علي زملائي من القضاة والمستشارين,لكن عزرائيل لا يهمه ذلك,المهم غنيمته,أخذ الغنيمة,وأخذت أنا نصيبي من الدنيا,كان أبي يتمني أن يراني وكيل نيابة قبل أن يفارق الدنيا,غزل الأحلام وعاش الأوهام,وكم كتمت لساني عن قول"يا ابا نيابة إيه,انت سمسار شقق عالقهاوي في الصيف في اسكندرية,وفي الشتا بتحرس أي حاجة صاحبها خايف عليها,هو احنا بتوع نيابة ولا وش سلطة".
تعبت قدمي وأنا أتأمل التمثال المعصوب,اتلتجأت إلي مقهي بجوار المحكمة,جلست,شفطة شاي ونفس سجائر,وأفكار تدور في ذهني,لماذا الذين من المفترض أن يقضوا بين الناس بالعدل,يتمايزون علي الناس أنفسهم؟!ولا يوجد عدل في المعاملة بينهم وبين بقية الخلق؟!هذا الباشا المستشار,وذلك البيه وكيل النيابة,وسيادة القاضي,يتفاضلون علي إخوتهم من بني الإنسان.بلدنا يطحنها الظلم,ويقطعها الطغيان,ويتآمر عليها الفجرة والأشرار,وكل هذه المحاكم فيها,هؤلاء الذين سرقوا وقتلوا ونهبوا وارتكبوا من الجرائم ما يكفي لإعدامهم بالغرق بصقاً في ميدان عام,لم يدخلوا تحت طائلة القانون إلا للاستجمام لمعاودة نشاطهم الإجرامي,بروح جديدة وأساليب مبتكرة بعد تجربة المحاكمات المثيرة,لولا أحب صوت لي قدم من بعيد,لما توقفت عن التفكير,صوت(الست)..."أغداً تشرق أضواؤك في ليل عيوني,آه من فرحة أحلامي ومن خوف ظنوني,كم أناديك وفي لحني,في لحني حنين وعذاب,آه يارجائي أنا كم عذبني طول الرجاء"..."الله"أطلقها لساني بعد دفعة من قلبي,كانت المرحومة تحب سماع تلك الأغنية ونحن علي شاطئ البحر عندما نخرج نتفسح في الخطوبة,كان الكاسيت جديداً تلك الأيام,في صخرة بعيدة منزوية نجلس,تتمدد علي ملاءة جلبتها معها وآخذ رأسها في حجري, يبرز نهداها من البلوزة فأدعبهما في حنان وهي غافية في صوت"الست","أنا لولا أنت,أنت لم أحفل بمن راح وجاء,أنا أحيا بغدي الآن بأحلام اللقاء فأت أولا تأت,أو فافعل بقلبي بقلبي ما تشاء"
"تعرف يا عطوفة,في يوم ما بعد الشر بعد بعد الشر ألف مرة ما تموت,هاجي هنا وأنا عجوزة كده بنفس الكاسيت وأسمع الأغنية دي لوحدي؛لأنها هاتفكرني بيك"
انفجر قلبها في الفترة التي اجبرتها فيها الظروف علي كتمان ما فيه ومنع لسانها من البوح؛لذلك أحببتها,لم تتعلم المكر والخبث إلا بعد عمر طويل شاق قضته في الدنيا.
قبلتها في فمها بينما أصابعي تلتف علي شعرها"يعني الكاسيت ده هايعيش أكتر مني؟!"
لمحت الولد صبي المقهي,جالسا علي الأرض واضعاً كوعه علي ركبيته,ورأسه بين يديه يتفرج علي طفل في مثل سنه,يركب سيارة لعبة,راح لعالم آخر,ذهب لدنيا الحلم,ربما تخيل نفسه مكان هذا الطفل,لكن راكب السيارة حين اقترب منه,لم يكن ليتخيل نفسه مكانه أبداً,فوقتني وفوقته صفعة من المعلم علي قفاه"هو انت ياله انطرشت! عايز تقعد كده علي اللامؤاخذة وخلاص طول النهار,وساعة اليومية تبقي واقف جنبي زي الددبان,روح ياض يا ابن الوسخة هات ولعة للزبون,يلعن أبو اللي جاب أمك عالصبح"
قبل أن أقوم,ناديته وأعطيته الحساب,وتركت له جنيهين,أخذهما وبفرح شكرني"صباحك فل يا بيه",وقبل أن أروح نظرت للمحكمة كان الزحام أمامها وفيها فظيعاً.

هناك تعليقان (2):

  1. اسلوبك الفني جميل والشعرية والاحساس لديك ينمان عن قدرة ابداعية مبشرة فقط اوصيك باللغة لانها قماشك الذي ستحوك منه لكل روح رداءها ، استمر ولا تجعل تتكاسل !

    ردحذف
    الردود
    1. أزال المؤلف هذا التعليق.

      حذف