الأربعاء، 18 يونيو، 2014

كلام لزمن آتٍ...ليته يكون قريباً!




كلام لزمن آتٍ...ليته يكون قريباً!
وجهها –كما أراه- فرعوني كأنه يطل من أصل هذا البلد الضاربة جذوره حتي فجر الضمير الانساني الذي انبثق لأول مرة علي هذا العالم في حضن الأجداد الفراعنة,ومن الوجه تستشف أن هناك شئ تملكه هذه الفتاة...كان هذا الشئ يحيرني كثيراً حتي سمعتها لحسن حظي-ولو تعلم حظي لأدركت أنها معجزة أن يكون حسناً ولو مرة!!-وهي تغني أمامي,فهداني صوتها لما كانت تخفيه....

أماني مجدي....أين تبدأ المطربة وأين تبدأ الإنسانة؟
الحق أنني لا أعرف,ولا يمكن لمن يعرفها أن يعرف,ففي غمرة أي شئ يحدث أو يقال,تجدها فجأة تغني بلا مبرر ولا مناسبة,وهي لا تغني لأنها تريد الغناء,بل تغني لأنها لابد أن تغني,كما يتنفس الواحد منا بلا شعور لأنه لا يريد أن يتنفس! لم تكن تريد لفت الانتباه كما تفعل زميلاتها ممن زين لهن الوهم أنهن قادرات علي الغناء,إنما كانت تخرج من صدرها ما لا مخرج إلا الغناء.
هي اليوم غير مشهورة ولم تنتج أعمالاً خاصة بها يجعلها محط اهتمام,لكن هذا الاسم سيكون له شأن شرط أن يستمر,وشرط أن تجد لها جناحين تحلق بهما,شاعر حقيقي,وملحن أصيل,يجعلان منها مشروعاً فنياً يعيد للأغنية المصرية تاريخها الضائع في زمن اللاشئ,اللاشئ بالمعني الحرفي ومجتمع اللاشئ له بند أساسي في مانيفستو قيامه,بند سوقي وشائع وخسيس يدعي"عبيلو واديلو" من صك هذا المصطلح في منتهي الذكاء فهم كيف يملأ اللاشئ باللاشئ وهو الحاصل.
لازلت أذكر كيف غنت"زي العسل" لصباح,وكيف كنت أشتعل لأعبر لها عن إعجابي,لكن طبعي الانطوائي وصمتي المزمن قيداني عن ذلك,ربما مرة واحدة فقط لما غنت وسألني أحدهم عن رأيي,قلت ما معناه,أنها تشعر بكل كلمة وتمتلك إحساساً صادقاً يخرج من القلب فيأخذ طريقه مباشرة إلي القلب,وهذا هو ما يميز المغني والفنان,المغني نسمعه بآذاننا فقط وربما نختلف حول صوته وجودة أدائه,أما الفنان فنتلقاه كأنه خرج منا ثم عاد لنا,نتلقاه بالروح والمشاعر قبل الحواس الإنسانية الخادعة,التي كان ابن عربي يسميها "الحجب",وهي تسمية لا يدركها غير أصحاب البصيرة لا أصحاب البصر.
لكني الآن أريد أن أعبر عن إعجابي الطاغي بهذا الصوت,وربما يقول شاب يري نفسه حد لذوذ ومفتح يقول لي:"وما دمت تعرفها لم لا تخبرها مباشرة وتريحنا يا man"أقول له,أنا لا أجيد التحدث بصفة عامة,وأغلب الوقت كما قال أحمد فتحي المعروف "بشاعر الكرنك" الشاعر الذي غنت له الست وغني له عبد الوهاب ولم ينل حظه من الشهرة ورحل مبكراً وحيداً في فندق رخيص وهو لم يتجاوز السابعة والأربعين ليس له إلا ديوان واحد"هيمان ويا طول هيامي صور الماضي ورائي وأمامي هي دهري وغنائي ومدامي وهي في حلمي جناح طائر"أي أنني أحيا طول الوقت في عالم مواز وأشعر أن الكلام المنطوق لا يجلب إلا وجع القلب والدماغ,وعادة لا ينفع بل ربما أصاب المعني الخطأ...طبيعة اللغة..أي لغة...طبيعة ملتبسة بها أفخاخ أضعاف ما بها من مسالك تؤدي للجوهر.قبل ذلك لما سمعتها اليوم علي اليوتيوبhttps://www.youtube.com/watch?v=vbcC-GTY9ao,شعرت هذه المرة بقشعريرة قوية دفعتني للكتابة,والكتابة عندي كالغناء عندها,فعل لا إرادي لابد منه وإلا مت بكلماتي المحشورة في دماغي.
أجل...وما زلت أذكر يوم غنت راب,وكنت أرقبها من بعيد وهي علي المسرح,لا أتذوق في الغناء ولا أنغمس إلا في الأغاني الشرقية التي تم صناعها لتعيش لا لتبيع,وأماني تستعيد تلك الأغاني كما تستعيدها كارمن سليمان,التي أشعر بريح أم كلثوم كلما غنت هي...كارمن قصة أخري طويلة لها مكان آخر...المهم أنهما يستعيدان الأغاني القديمة لأن كل ما هو موجود اليوم لا يصلح لمن يريد إثبات موهبته,يصلح لمن يريد أن يصدعنا بأي كلام,يصلح لمن يريد أن يملأ ساعات حفلة سيتقاضي منها مبالغ كبيرة,وفي النهاية سيسقط من الذاكرة,كما سقط الكثيرون اجتاحوا آذان الناس في أيام بائسة واليوم لا يعرفهم إلا بائسي تلك الأيام,كما لن يعرف من هم علي الساحة اليوم إلا بائسين أيامنا,أما الفن الحقيقي هو من سيعبر الأجيال والأزمنة ليستقر في مكانه الطبيعي...في قلوب كل من تعرض له.
اليوم قد يكون هذا المقال موجود في الفراغ,لكني علي ثقة أنه لو استمرت أماني مجدي في مشوارها وهي تضع نصب عينيها الفن ولا سواه,سيكون هذا الكلام حينها له أهمية بالغة,وغني عن القول أن الفضل سيكون لها وحدها في ذلك,فمن كتب عن الموهوب وهو لا صيت له بعد سيوضع معه –ربما-في سلة واحدة....لو استمر الموهوب حتي ينتصر...حتي ينتصر الابتذال والاسفاف اللذان ملآ كل ركن في هذا المجتمع,بعد أن نسي ماضيه الفرعوني...الذي يطل من وجه أماني مجدي.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق