الخميس، 19 يونيو، 2014

....إلا صوت كارمن!




....إلا صوت كارمن!
كلما بدأت الكتابة عن كارمن سليمان وجدتني أتخاذل متراجعاً,عاجزاً عن التعبير قانعاً بالنشوة المكتومة التي تمنحني إياها كلما أسعدني حظي بسماعها,التجارب الروحية العميقة يستحيل أن تعبر عنها اللغة أو أن تظهر الجوهر المكنون لها؛لذلك نجد الكثير من الصوفية يستخدمون الرمز في تعبيراتهم,ومن يصرح منهم نجده يقتل أو ينفي أو يُسجن,لأنه لم يتمكن أن يعبر عما يشعر به وخانه التعبير ففهم خطأ,لقد حاول أن ينقل الروح للغة,وهذا لم يفعله أحد حتي الآن!
وكارمن عندي تجربة روحية عميقة تتكرر كلما سمعتها,من سوء حظي أني لم أن أتابعها من البداية لانشغالي بموضوعات استغرقتني ولم يكن في القلب حينها مكان لغيرها,أنا اليوم نادم وحزين,فاتني الكثير..الكثير جداً!
والآن أنا في حيرة وعاجز عن الكتابة عن كارمن التي منحتني السعادة والطرب في وقت ضنت فيه الحياة عليّ بأي بهجة,حتي سمعتها,فاستعدت جزء كاد أن يموت مني,وهذا لم يمنعني من الكتابة عنها أحياناً  في أكثر من مناسبة,أهمها أنني ذات مساء أرسلت خطاباً لنجيب سرور عن صلاح عبد الصبور,وشكوت له أن كارمن سليمان هذه المعجزة الفنية الصغيرة ظهرت في مجتمع اللاشئ,وأنها لم تجد حتي اليوم الشاعر والملحن اللذان يكملانها كمشروع فني مصري خالص كاسح يعيد للأغنية المصرية من سنوات الضياع وقلة الأدب التي غرقت فيها فقلت : "مجتمع اللاشئ يا نجيب,لما تظهر فيه معجزة فنية صغيرة ككارمن سليمان لا يستفاد منها ولا يجعل منها مشروعاً فنياً يعوض غياب طويل للأغنية عن أذن المصري المحروم من تجديد الفن,ويتركها فريسة لشعراء اللاشئ وملحنين اللاشئ....آه ما أجملها وهي تغني لأم كلثوم...فيها من ريحها,وبأمثالها فقط يصبح التفاؤل حقاً وليس وقاحة وسذاجة,ليتك سمعتها لتكتب لها أغنية حلوة,بدلاً من هدر طاقتها العبقرية في أي كلام وأي لحن علي يد أنصار مبدأ"عبيلو واديلو"!وهذا المبدأ من أهم أعمدة مانفيستو مجتمع اللاشئ! وحياة رأس شيخنا أبي العلاء التي حاول مجانين سوريا قطعها...لكن من علي جسد تمثاله!!!لو رأيتها تغني"إنت عمري",أو"في يوم وليلة"لكنت بكيت تأثراً علي موهبة لم تجد لها أرضاً لتنمو!لكن المهم أنها مازالت تغني...ليت صوتها الآسر يغطي صوت الطلقات والانفجارات...ليها تجد من الشعراء والملحنين(الحقيقيين) ما يصنع لها أجنحة تطير بها لتغدو كوكباً جديداً في سماء الأغنية!...وستكون يوماً,ربما أكون حياً فأسعد وأطرب حتي السكر,أو ميتاً لاحق بكما...."
أجل...أنا أشعر بريح الست أم كلثوم في كارمن,لم يهزني صوت بعد أم كلثوم إلا صوت كارمن,لم أسافر علي جناح الرومانسية الناعم إلا بصوت كارمن,لم يسعدني في الفترة الأخيرة إلا صوت كارمن,لم يكن يصبرني علي الضغط السافل الذي أعانيه في اللا تعليم المصري الذي لو تصفحت هذه المدونة قليلاً ستجدني أبرز خطورته الكارثية علي المجتمع المصري,إلا صوت كارمن,في هذه الأيام وقبل أن أذهب إلي التجربة البائسة التي تخطاها الزمان بزمان,المسماة "امتحان" ونفسي تزين لي ألا أذهب صوناً لما تبقي من كرامتي وعقلي,يهتاج باطني اضطراباً وغضباً,لم يكن يسكنه إلأ صوت كارمن.
أنا أتخيل بعين المستقبل هذه البنت الصغيرة التي تتلقي الثناء والمديح بخجل من لجنة التحكيم والجمهور,وهي أهم مطربة بين كل الناطقين بالعربية,كوكب شرق جديد,كارمن ليست مغنية أو مطربة عادية,لا...كارمن فنانة هذا هو لقبها الحقيقي,وهو لقب ابتذلوه في هذا الزمان,لكن زمانها الآتي هو من سيعيد للقب جماله علي يديها.
دعوني أحاول التحدث عنها,وأعيد الحديث عنها,وأزيد....أنا استيقظت من النوم منذ دقائق,كأنها هي من أيقظتني لأكتب عنها,قمت مباشرة من النوم لأكتب عنها,حتي أن عيني تؤلمني من شاشة الكمبيوتر التي واجهتها فور أن فتحتهما!!
وجه لو رأيته وأنت لا تعرف من هي صاحبته,سيذهب ظنك فوراً أنها لابد وأن تكون مصرية,هذا السمار النيلي الجميل,هذه الملامح التي لابد أن تكون ورثتها عن جدتها الفرعونية,ربما نجد من يشبهها علي الجدران وبين التماثيل الفرعونية لملكة أو أميرة عاشت علي أرض النيل زمن حضارتها المجيدة.عينان واسعتان يطل منهما الخفر الأنثوي المؤثر ممتزج بالتطلع للحياة بروح بريئة لم تلوث بعد...مساحيق التجميل لا تزيده جمالاً لكنها تخفي جوهره الطبيعي بطبقة من الألوان تختارها بأناقة وبلا زيادة عن الحد,كلامها العادي تلقائي كغنائها تماماً,لا تصطنع ولا تتكلف بل تقول مباشرة,كأن الغناء فتح قلبها علي العالم بلا باب,فدخل العالم فيه واستقر فلم تعد تصطنع معه حتي تدخل هي إليه ويتقبلها.
أما عن الصوت,فمن يستطيع أن يصف نسمة باردة خفيفة,أو كوب ماء مثلج في يوم حر-كهذا اليوم مثلاً!!-,من يقدر علي وصف شجرة تميل نحو النهر وقت الغروب,أي قريحة تستطيع أن تصف ضوء النجوم في ليلة صافية....أنهم الشعراء,هؤلاء يولدون شعراء لا يمكن صناعتهم,وحظي أني لم أولد شاعراً لكني أستطيع من أجلها أن أتبجح عليهم وأقلدهم.
ظللت أسمعها وهي تغني مع والدتها أبيات قصيرة من قصيدة"متي ستعرف كم أهواك" لساعات طويلة حتي أًصابتني سماعات الأذن بصداع قوي حرمني من الإعادة للمرة الألف,كارمن لا تغني من حنجرتها كباقي خلق العادي,كارمن تغني من قلبها وروحها وخيالها ودمها قبل أن يخرج صوتها ليرشق في قلوب الملايين,كارمن تغني لأنها شاعرة هي الأخري,شاعرة موسيقية ولدت لتغني قبل أي شئ,الكثيرون ولدوا في هذا العالم لإفساده وزيادة آلامه,قلة قليلة هي من جاءت فيه لتجمله وتمنحه السعادة,فلا يعود العالم قبلها كالعالم بعدها,كارمن من تلك القلة,ولو كان لدينا في مصر خمس شخصيات نفخر بهم فهي واحدة منهم,ولو كان لدينا ثلاثة فهي أحدهم,ولو كانوا اثنين فهي أحدهما!!
هاهي بنت مصرية فنانة حقيقية في زمن مزيف,يعاني فيه بنات جنسها من أهوال,عندي رأي سأقوله خجلاً ومتردداً,خجلاً لأننا في 2014 ولا زلنا ندافع عن المرأة وتردداً لأنه سيثير تحفظ المتمسكين بالدوجماطيقية الدينية وحرفية النصوص,بلا أي محاولة هيرمينوطيقية لفهمه:المرأة إن لم تفضل الرجل فهي لا تقل عنه أبداً,الحياة نفسها لفظ مؤنث مشتق من "الحيا"وهو جزء من الجهاز التناسلي عند المرأة,كأن اللغة تخبرنا أن الدنيا أصلها أنثي,كما يخبرنا التاريخ عن الحضارات قدست الأنثي,حتي تغيرت الدنيا للأسوأ فأصبح الحال علي ماهو عليه!,هاهي بنت مصرية نفخر بها بصدق وبلا مبالغة ولا ادعاءات فارغة,بل لنجعلها فقط تغني وهي ستتكفل بالمجد لنا,لكن المحزن أنها لا تجد الكلمة والأغنية في هذا الجيل لتغني أغنية جديدة كالأغاني التي تعيد إحيائها...أكتب تلك الأيام رواية ورد فيها ذكر كارمن سليمان كالآتي وأنا أصف لقاء متخيلاً لي مع شهر زاد:" رأيت نفسي أطير حتي وصلت لسحابة علي رأسها ملاك,جذبني من يدي برفق ومسح علي عيني فأغمضتها لحظة ولما فتحتها وجدتني وسط قصور وضياع,وورد وأنهار,وجواري وغلمان وفي شرفة القصر الكبير وقفت كأنها أجمل درة من أجمل تاج,وردة من أزهي بستان,لا وصف ولا مثال,جمال يذهب الجنان,وشعرت نحوها وأنا لا أعرفها بعطف وحنان وألقي الله في روعي وأنا حالم أنها شهرزاد,فوقفت أنادي بكل الألفاظ"يا ملكة يا أميرة يا مدام ياشهرزاد",وهي تراني وكأنها لا تراني حتي شككت إني طيف لا وجود له وأن كل ذلك خيال حولي وأنا لست منه بمكان,فبكيت حزناً علي حالي,هاهي شهرزاد أمامي ويا حسرتي لم أفز منها حتي بنظرة تطفي لهيب اشتياقي,فما كان من لساني إلا أن عبر عن باطن قلبي المتخفي في شعوري الكامن وسط غلالة من الخجل والإحراج المشوب بإنكار وحياء,فرفعت رأسي وصرخت كطفل عقره كلب ولم يجد علي لسانه إلا أقرب كلمة له,قلت بأعلي صوتي والدموع طافرة مني تلهيني عن الجواري الحسان والصبايا الأقمار:"يا ماما...يا ماما شهرزاد",ورأتني شهرزاد كأني أقبلت اللحظة عليها للتو,نظرت لي وابتسمت وحيتني....ونزلت,اقتربت مني ومسحت عن وجهي دموعي وضمتني لصدرها حتي وضعت رأسي علي نهديها فشعرت أني أخيراً وجدت الأمان في الدنيا,وراحت تطبطب عليّ وترجوني بصوت كأنه تغريد الطير أن أتوقف عن البكاء وأسمع الكلام,وأرادت أن ترفع رأسي عن نهديها فلم أتكلم لكني استمت علي صدرها أطوقها بذراعي من خصرها,فابتسمت بتفهم أنثوي أمومي وتركتني علي راحتي,وراحت تمشي براحتها علي ظهري ورأسي,فمسحت عني عناء22عام قضيتها بين الأنام منذ ولدت للآن,فسكنت نفسي ورفعت رأسي إليها وقبلتها علي خديها,وطلبت منها أن تتركني أعيش في حضنها طوال عمري,فقالت لي"يا محمود أنت تعلم أنك في حلم وهذا لا يكون"فبدا علي وجهي الأسي,فلم تطق رؤيتي هكذا لفرط حنانها,فضمتني لصدرها مرة أخري وغنت ككارمن سليمان لما تعيد للحياة أغنيات أم كلثوم ونجاة وأسمهان:
"يوما سيجمع الأحبة الزمانِ            يمحو النأي ويأتي بالتداني
ستكون أنت يا حبيبي معي             ابني محمود وأنا شهرزاد
حجري لك مجلس وحضني           منام تلهو بقلائدي وتسمع حكاياتي
وسيرد ذكرها في مواضع كثيرة أخري مكتوبة في دماغي الآن!
وبمناسبة ما تعانيه بنات جنسها من فظائع,أستعيد اللحظة بهائها وهي تغني يا "حضرة العمدة" بطريقة لذيذة أكاد أتذوقها!
فالبنت التي تقول الكلام لتشكو لحضرة العمدة أن"حميدة حدفني بالسفندية,وقعت علي صدري ضحكوا عليا زملاته الأفندية",كأنها المعادل الأنثوي لقصة الفلاح الفصيح الذي يشكو الظلم الواقع عليه للحاكم"يرضيك يا عمدة؟...عشان ابن عمدة؟يعمل كده كده فيا"فهل نهرها العمدة وقال لها مثلاً:إنت السبب يا بت إنتي اللي لابسة شفتيشي وماشية كده تتغندري يا أختي كيف الغوازي بتوع البندر"شاعر الفلكلور الشعبي أكثر تحضراً وتفهماً من الكثيرين اليوم قال علي لسان العمدة"لا لا لا",العمدة عادل فحميدة ابنه لكنه لم يحابيه علي حساب البنت التي وقع عليها الأذي, وهذا نوع من أنواع التحرش لو قيس بما يحدث اليوم لعد مزحة خفيفة تثير البهجة والانشراح لدي الفتاة!!!
الحق أنني أعتبر كارمن نعمة من نعم السماء تمنحها لأهل الأرض كل حين وحين,وقد كان من حسن حظي أني تلقيتها.
وهذا الكلام نقطة من بحر ما يثيره بداخلي صوتها...والأيام ستسيل مني نقاط أخري كلما كان صوتها حولي يصالحني علي الحياة كلما سمعتها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق