الجمعة، 10 أكتوبر، 2014

كلمة فارسية




لو كان التأويل رجلاً لاتبعته لأقصي الأرض؛أخدمه بسنوات عمري علي أن يعطيني معني واحد لكل العلامات الصوتية والمرئية والسلوكية التي تحيط بي في الحياة,طالما وقفت مدهوشاً ومتردداً أمام تلك العلامات,وأبرزها حروف الكتابة المُعجِزة,وتمنيت من الله أن يمنحني الهرمينوطيقا كعين يمني,و السيميوطيقا كيسري,لعلي أتمكن من تأويل أي شئ في الحياة قبل أن تتخلي عني الحياة وتسلمني لأمي الأرض لأرقد في جوفها بعد أن تمت دورتي الحياتية وجاعت الحياة للجديد,تلفظني ثم تبتلع من بعدي.
آه من اللغة لما تسكن جوف الواحد منا,كأنه حامل في جنين لا يستطيع ولادته!العسير أن الجنين مجهول الوالدين,فتفسيرات اللغة والفيلولوجيا من كثرة أطروحاتها وإجاباتها لم تقدم أي إجابة شافية عن نشأة اللغة عند الإنسان,التي تميزه ضمن أشياء معدودة مع الشمبانزي المشارك له في السلف.
أتخيل أول عاشق في التاريخ,وهو يدور حول نفسه في كهفه المنار بشعلة نارية حائراً في التعبير عن عشقه لحبيبته,لا يريدها اغتصاباً كما يحدث طوال الوقت في ذلك الزمن الوحشي,لا يتخيل نفسه في فراشها يبادلها الحب كما تفعل الحيوانات...حينها فقط فكر أن الحيوانات لها مشاعر,مشكلتها الأساسية أنها لا تجيد التعبير عن ذلك!
ربما فكر في عاشق آخر في مكان آخر من الأرض يجلس نفس جلسته الحائرة تلك,وقرر أن ينهي تلك المأساة ويجد أداة يتمكن خلالها من إيصال مشاعره للبنت التي يحبها,وردت علي خاطره تلك الأًصوات المبهمة المبتورة التي يتبادلها مع أهله للتحذير من الوحوش أو لتدبير أمور الزراعة,ففكر أن يطورها,فاخترع أول كلمة لها معني واضح في تاريخ البشرية,وجري نحو كهفها عارياً وقال:"أحبك".لابد أنها أحبته فوراً,فقد جاء لها بأول كلمة في التاريخ.
استمر سيل البشر يولد ويفني حتي ظهر أول شخص أراد أن يعبر عن ذاته أمام الجميع في كل العصور,فأخذ قطعة حجر ونقش عليها بضعة رموز وضع لها معناها وقواعدها ثم شرحها لقومه فبدأوا يقلدونه,فظهر عندنا تلك النقوش الحجرية في الحضارات القديمة.
حتي جاء أجدادنا العظام سكان الوادي القدامي,بلغتهم الهيروغليفية أصل كل لغات العالم فيما بعد,وصاحبة الأثر الأكبر في تاريخ الحضارة البشرية,بها عرفنا أصولنا الفرعونية المُبجلة,التي نستخدم لغتها حتي اليوم في كلامنا المسُمي (العامية) كلغة درجة ثانية من(الفصحي)لغة قريش خصيصاً التي نزل القرآن الكريم بلغتها علي النبي,الحق أن مسألة اللغة العربية لكونها لغة القرآن المعروف عند المسلمين بأنه(كلام الله) شائكة جداً وتسببت في قضايا لا يزال صداها,ربما منذ أن اعتقد ابن سينا أن القرآن موحي بالمعني أما اللفظ فهو من عند النبي,حتي أزمة لويس عوض في فقه اللغة العربية.
لكن الأكيد أن العربية لغة كأي لغة تأثرت بغيرها واندغمت فيها ألفاظ ليست منها,منذ ظهورها في أرض الجزيرة من أصلها السرياني السامي,قبل الإسلام وبعده وحتي اليوم عربت أسماء كثيرة وأدخلت فيها ألفاظ من غيرها ورد نماذج منها في القرآن الكريم,ومن اللغات التي تأثرت بها الفارسية وأنا أقف وقفة احترام وإجلال لأهل فارس حين دخلها العرب؛لأنهم لم يستبدلوا لغويتهم بلغة الغريب القادم تحت أي مسمي كان,تعلموا العربية وأثري عباقرتها تلك اللغة بمؤلفاتهم الثرية العظيمة في كل المجالات,وظلوا متمسكين بفارسيتهم وأصولهم اللغوية,علي عكس ما فعله المصريون حينئذ مما جعل أصولهم التاريخية المُبجلة فذة التكوين عميقة الأثر في حياة الإنسان أياً كان ميلاده,مقطوعة الصلة للأسف بحاضرهم حتي ينكر الكثيرون أن هذا الجد العظيم حفيده هو هذا البائس الحالي!!!!,فأسطورة النقاء العرقي واللغوي المميزة بميزات سماوية المُستخدمة أيدولوجياً علي مدي العصور من أصغر قبيلة تائهة في البراري حتي الحرب العالمية بسبب ما اعتقده نيتشه و عمل به هتلر عن الجنس الآري,لم يعد لها مكان اليوم,من يعلم لو كان الأسكندر نفذ خطته الطموحة بتوحيد الشعوب كيف ستكون الحياة اليوم وكيف ستكون الأنثروبولوجيا والإثنولوجيا؟!
لم تفلت لغة بدءً من الهيروغليفية(اللغة المقدسة)حتي العربية التي ظهر أول نقش بحروفها علي شكلها الحالي عام 328م علي شاهد قبر امرئ القيس الذي يصف نفسه بـ"ملك العرب كلهم"وامرئ القيس كما هو معروف شخصية إشكالية في الأدب العربي حتي أن بعضهم يشكك في وجود شاعر بهذا الاسم من الأساس!قاصدين امرئ القيس الشهير صاحب المعلقة,وربما اندغمت سيرته مع سيرة امرئ القيس القيس نائب القيصر في بلاد العرب.....
العربية لأسباب سياسية خاصة بعلاقة الموالي والعرب في الصراع علي السلطة هي أيضاً اعتبرها الفقهاء قديماً موحي بها من الله لآدم,وأن آدم الشهير في كل ثقافات الأرض هو أول من تكلم بالعربية في الجنة,يتلقف هذا المعني حكيم المعرة وشيخها أبي العلاء في رسالة الغفران ويعرضه بسخرية واضحة يلمز بها أصحاب هذا الرأي في لقاء ابن القارح بآدم في أسلوب أدبي وفكر فلسفي سلم أمره للمعري العظيم يطوعه كيفما شاء.
ومن فارس دخلت ألفاظ كثيرة بمعناها ومبناها منها ما نستخدمه حتي اليوم دون أن نعرف أصولها ومنها ما استخدمه الناس في الأصول السابقة,و في اللهجة المصرية خليط مدهش من مختلف اللغات القديمة والحديثة في مزيج كوزموبوليتاني بسبب فترات الاحتلال الممتدة لقرون في جسد الأمة المصرية منذ سقوط الفرعون الأخير.
من تلك الألفاظ وهي ليست شائعة الاستخدام(الدست),لها عدة معاني استخدمها الحريري في فقرة من مقاماته فجاءت بمعني:الثوب والمجلس والحيلة,وهناك الدستة شائعة الاستخدام باعتبارها وعاء للأكل.
ويذكر السيد إدي شير في "الألفاظ الفارسية المعربة"أن العرب أخذتها و(تصرفت بها)"فليس من المستبعد أن يصبح جمعها دستمانات وطريقة الحروف المبتدأ بها أو المنتهي بها والمقلوبة والمبدلة معروفة عند علماء اللغة"
الصوفية استخدموا الدستمانات في شعرهم,فأبو الحسن الششتري حين طلب منا أن نتأدب بباب الدير ونخلع النعلا, ونسلم علي الرهبان ونحط رحالنا عندهم:"
فقلت له أعطيك خُفى ومُصحفي     وأعطيك عُكازَا قطعتُ به السبلا
وهَاكَ حَرمدَاتي وهَاكَ شميلتي       وها دستماني والكُشيكل والنصلا



يريد بها عباءته(ثوبه),وليس من المستبعد أنه يقصد بها خرقة التصوف المعروفة عند المتصوفة.
ويذكرها السهروردي في قصته الرمزية الغربة الغربية"فرأيت الأجرام العلوية و اتصلت بها سمعت نغماتها و دستماناتها و تعلمت منها أشياء وأصواتها تقرع مسمعي كأنها صوت سلسلة تجر على صخرة صماء و تكاد تنقطع أدباري و تنصرم مفاصلي من لذة ما انسل به"
ويمكن فهمها في هذه الفقرة علي أنها نغمات موسيقية تسري في الأسماع,من العالم العلوي,و في العالم الدنيوي من الآلات الموسيقية متعددة.
في حالات كثيرة نجد أن المعني المعجمي للفظ لا علاقة له باستخدامه في الحياة والمقاصد اللغوية...وتظل ضبابية اللغة قائمة في وجه العقل البشري الساعي نحو تأويل وفهم كل ما حوله,بدافع لا يُقاوم من الرغبة في التعلم والفهم,وفي حالة اللغة علي اختلاف تجلياتها بمعناها الواسع تختلف كل عقلية في فهمها وتحديد المعاني المطلوبة منها,وهذا أوضح ما يكون في النصوص الدينية.أنأ



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق