الثلاثاء، 25 نوفمبر، 2014

البحث عن يوسف زيدان...!



البحث عن يوسف زيدان...!

رأيت فيما يري المسطول بمرار الدنيا,السكران بآلام نفسه ونفوس الآخرين,جدي العظيم إيمحوتب,أول شخصية موسوعية عرفها العالم قادماً ناحيتي وأنا وحيد علي المقهي يرتعش جسدي الهفتان من برد الشتاء,البرد يسبب لي الرجفة طوال الوقت,لما ينبعث من داخلي ويأتيني محمولاً علي الهواء الشتوي,سيسألني سائل يظن أن الله منحه فطنة تميزه عن سائر مخلوقات الله وهو في الحقيقية....لا أعرف حقيقته...لا أعرف أي حقيقة في دنيا الله إلا أنه توجد حقيقة ما لم يتوصل إليها إنسان حتي اليوم...المهم...سيسألني هذا المعجب بنفسه بثقة مقززة تثير غثياني لما يقوم بها أمثاله من الحمقي:"وكيف عرفت أنه إيمحوتب؟"دعنا من أنه أغفل السؤال البديهي عن كيفية ظهور إيمحوت أمامي أصلاً!سأقول له:إنني أحاول هذه الأيام كتابة رواية بعنوان"روح"أستدعي فيها التاريخ المصري مرتين,مرة بشخصية ذكورية عاشت سبع حيوات أعرف أنا واحدة وتكفلت أمي شهر زاد بإعطائي الباقي,ومرة بشخصية أنثوية عاشت سبع حيوات معي واحدة ومع أمي شهر زاد البقية,الشخصية الذكورية تبدأ من إيمحوتب حتي طه حسين,والأنثوية من أحمس نفرتاري حتي أم كلثوم,أما أيام البلاء الحالية فأنا كفيل بيها وأمري إلي الله!!!عرفت إيمحوتب لأنه جاء لي كما تخيلته تماماً...
اقترب مني جدي ورمي من فمي مبسم الشيشة وصاح في:
-أين يوسف زيدان؟!
أحب دوماً تمثيل دورين علي مسرح الحياة,دور المغفل ودور الضحية أجد فيهما لذة تعوضني عن أدوار أخري فرضها عليّ سيناريو الفيلم الكبير.
-يوسف زيدان من؟!
تهكم عليّ سامحه الله:
-يوسف زيدان من؟...يوسف زيدان الذي روحك فيه وتتذكره كل يوم؟يوسف زيدان الذي أغواك!
الحق أني أحب هذا الدور وأعيش فيه بكل جوارحي فتماديت في غفلتي:
-أغواني بماذا؟!
-سأذكرك بـ"فرح"!
لما قال فرح قفز قلبي من مكاني:
-ما لها فرح؟
أخرج من جيبه عدة ورقات وقال لي:
-أتذكر هذا؟
أخذت من جدي العظيم الأوراق فوجدت ما أعطيته لفرح سابقاً:

"إلي فرح...التي لا تعرفني!
إلي بسمتها المبهجة ولمعة عينيها الصافية,حين مالت برأسها لتقرأ ما كتبته بخطي علي ورقة"book of the life".
ربما لا تعرف اسمي,ولو عرفته ما اهتمت وخلطت بينه وبين محمد لتقاربهما في النطق!
ربما لو رأت وجهي بعد أسبوع ما تذكرت أين شاهدته!
ربما...ربما ستغضب لو قدمت لها هذا الإهداء علي سيناريو فيلم قصير؛ليس لأن فيلماً قصيراً لا يليق بها فقط! بل لأن التعبير عن الإعجاب بالجميلات في زمن القبح أضحي عيباً...ما يطمئنني أنها فتاة مثقفة...ويقلقني أيضاً!
لو كنت أنهيت عملي الروائي الشاق الذي استغرق مني أسابيع طويلة حتي الآن لأبدأ فيه, عن تاريخ مصر أبدؤه من مصر القديمة تحديداً من أول شخصية موسوعية عرفها التاريخ الحكيم المصري"إيمحوتب"مع ذكر مطول لهرمس/إدريس/تحوت رب الحكمة(يعني ثلاثي العظمة) –ثلاثة تجليات لمعلم البشرية الأول المصري الذي سكن في مدينتي دمنهور-لكنت ألغيت إهدائي إلي ما أبحث عنه ويدميني حرماني منه " إليها...
إلي نظرة من عينيها...
إلي لمسة من يديها...
الحبيبة الوطن
الوطن الحبيبة"
ولجعلته إلي فرح...التي لا تعرفني!
لكن العمل طويل والزمن كالماء يتبخر كأنه لم يكن...وربما لا أراها بعد أن ظللت أراها أياماً طوال -بلا كلمة!-,أري فيها ما يذكرني بجدتنا المشتركة "إيست"المعروفة بنطقها اليوناني إيزيس"أم الأشياء جميعاً,سيدة العناصر,بادئة العوالم".
ذكرتني فتاتان أخريتان بأصولنا الفرعوني المُبجلة,كتبت عنهما قبلاً,صديقة لي تغني بصوت آسر كتبت عنها تحت عنوان"كلام لزمن آتٍ...ليته يكون قريباً",والأخري كارمن سليمان تحت عنوان"...إلا صوت كارمن" الأولي قرأت حتي أن والدها كان معنا مرة,فوجدتها تنادي عليه بلهفة"بابا... بابا!محمود اللي كتب المقال أهوه" كأن قلبها يتمني لو يفيض بكلماتي القاصرة القصيرة لكل من تحبهم فانضمت تلك العبارة لعبارات أخري تدفعني لاستكمال طريق الكتابة المحاط بالشوك والخذلان بعد أن أغواني يوسف زيدان بكلماته عني أن أناطح الدنيا في سبيل أن أكون"شجرة وارفة"كما عبر قبل أن يأخذني لمساحة أخري بقوله"هذا فنان يتألم"ولا زالت الأرجوحة تتمايل!أما كارمن  ربما كان الأمر معها كالأمر مع ماجدة الرومي وما كتبته لها في شكل رسالة نشرته علي موقع إليكتروني...لم يسعدني زماني بعد واستطعت أن أعبر لهما عن دقات قلبي وأنا أسمعهما,مع الأسبقية بالطبع للسيدة ماجدة الرومي التي أعتبرها نسمة أنثوية حنون بصوت ملائكي يلطف أحزان القلوب"مع إن مش كل البشر فرحانين".
سيناريو قصير عن بداية علاقة حب علي شاطئ الأسكندرية بين فتاة صماء وشاب منهزم, كتبته في ظرف مضطرب قبل أشهر.
أظن أنه الأنسب حجماً وموضوعاً للإهداء بعيداً عن تعقيدات الفلسفة المريبة التي شغلت معظم ما كتبته...
ليست أول مرة أهدي فيها ما أكتبه لبنت أري فيها الجوهر الأنثوي الأمومي,أصل الحياة ومنتهي الوجود,لكنها أول مرة أهديه بطريقة مباشرة,علي الإنترنت وخلف الشاشة الحياة أسهل بكثير بالنسبة لشخص خجول صامت مثلي!
الآن...
أهديه إليها...إلي فرح التي لا تعرفني...لعلها تذكر دوماً أنها تستحق الأجمل والأفضل في الحياة...فياليت الحياة تدرك ذلك؛فتعطيها حقها!




مش بالكلام
 فيلم قصير

"وغداً تأتلق الجنة أنهاراً وظلاً
وغداً ننسي فلا نأسي علي ماض تولي"
الهادي آدم-أم كلثوم
القصة السينمائية:
رنا  فتاة في العشرين ابتُليَت منذ منذ ولادتها بالصمم والبكم,مما عزلها طوال عمرها في عالم صامت أبرز ما فيه شعور دائم بالحسرة ممزوج بألم الفقد مع سوء تفاهم متواصل بسبب عدم قدرتها علي سماع الآخرين والحديث معهم,تتفاقم أزمتها للذروة بسبب ابتعاد الجميع عنها لعجزهم عن التواصل معها,مما يوقعها في مصيدة الاكتئاب المزمن,ولم يكن لها سلوي في الحياة غير القراءة والجلوس أمام البحر السكندري البديع تتأمل الأمواج و وجوه الناس.
طارق طالب جامعي,فرق السن بينها واضح لصالح طارق من ناحية العمر المتقدم,بسبب رسوبه الدائم لم يُنهِ تعليمه حتي سن متأخرة نسبياً لاقتناعه أن ما يُقدم له ليس إلا هراء يخجل منه ويحتقر ذاته كلما فكر أنه مجرم وضحية في نفس الوقت لأكبر جريمة تُرتكب في حق كل الأجيال,هو ما يجعله هو أيضاً معزولاً كعزلتها وتفاصيلها:القراءة بنهم,وتأمل وجوه البشر.
يراها كل يوم عند العصر علي شاطئ البحر.
يظنها طبيعية,تعاني من مزاج سئ كمزاجه,يحاول التقرب منها بانجذاب حسي,وجهها الجميل الهادئ,بياضها الحليبي,قدها المُلفت,شعرها المنسدل علي كتفيها متموجاً سارحاً حتي نهاية الدنيا.وعاطفي,الحزن البادي علي كليهما,الانعزال الجليدي الغارقان فيه عما حولهما,و رؤيته لأغلفة كتب تحملها معها دوماً(الحرافيش,ثلاثية غرناطة,دواوين درويش ودنقل,أجزاء من موسوعة قصة الحضارة,كتب سلامة موسي وزكي نجيب محمود,وروايات فتحي غانم وبهاء طاهر......,......,......"
كل هذا كان يدفعه للتقرب منها لا إرادياً,ضبط نفسه مهرولاً خلفها وهي تهم بالمضي وقلبه يكاد ينفجر من فرط الانفعال:
-لو سمحتِ يا آنسة هو الكتاب ده.....
لم تشعر به وواصلت طريقها بهدوء, توقف محرجاً,عاد وهو يغلي من الموقف.
دافعه للاقتراب منها لا يهدأ ويُسكره بخمر النشوة والأحلام الرومانسية.
ظن أن عيناهما التقت فابتسم,سقط قناع التجهم السابق في لحظة مصالحة مع الحياة...الواقع أنها لم تكن تنظر له.
بدأ يكتفي بمشاهدتها مُجبراً نفسه علي التزام حد البعد حتي لا يُحرم مما رضت به الحياة منحه...رؤيتها بخلفية من موج وسحب وشمس تموت لتبعث من جديد,برؤية جديدة!
تحولت مراقبتها لعادة يجتاحه أثنائها الشجن والألم,مما يجعل عينيه في ذلك الوقت ممتلئة بدمع محبوس.
تأتي مع العصر,بكتاب و علبة عصير,مُداعبة بأصابعها ميدالية علي شكل راقص صوفي علي الطريقة المولوية يداه مرفوعتان للسماء ,مُفرغة في الوسط فراغات تُشكل عبارة الشيخ الأكبرابن عربي:"كل مُحب مشتاق ولو كان موصولاً",تقفز علي السور الحجري بنشاط بعد شعورها ببهجة البحر كأنه كان في انتظارها ويحييها بأمواجه,وتحضنهانسمات رقيقة تعبث بحنان في شعرها الُمتراقص حول وجهها فتبدو أمامه كحلم يتمني ألا تمتد يد الزمان لتوقظه مفزوعاً.
حتي يوم جاء بعد موعدها بدقائق,عبر الشارع وهو ينظر إليها قبل أن يتسمر في المنتصف عند الرصيف الذي يقسم الاتجاهين,كانت تمسك الموبايل موجهة عدسته الأمامية لوجهها,وبيدها تشير بحركات التعبير عند الصم والبكم,ركز علي شفتيها فوجدهما لا تتحركان أصابع يدها فقط هي ما تتكلم به.
تقلص وجهه من الألم تعاطفاً معها,وكزّ أسنانه غيظاً من فهمه وحدسه اللذان تخليا عنه.
توقف لأسبوع عن المجئ......ولاحظت رنا غيابه!
في هذا الأسبوع كان سجيناً لرغبته في تعلم لغة الإشارة بأسرع وقت,لجأ للإنترنت للكتب الإليكترونية والمرئيات البصرية,حفظ كل إشارة,وقرأ في علم النفس حتي يتفهم مشاعر الشخص العاجز وحالاته المختلفة,وكيف يتطور الأمر منذ الطفولة حتي البلوغ الفكري,وكيف تكون عقدة النقص عند ذوي العاهات الدائمة وكيف تبلور سلوكهم ورؤيتهم لأنفسهم وللآخرين وللحياة...وللحب.لم يرحم نفسه طوال الأسبوع ولم ينم إلا آخر يوم حتي يبدو أمامها بصورة مناسبة.
لم يصدق نفسه للحظات لما رآها تلك المرة تبتسم له هو,تلفت ورائه مرتين ثم عاد ونظر لها كانت ما زالت تبتسم له بحنو حُرم منه طوال العمر,تلك المرة أكيد! ولم تصدق نفسها لما أشار لها بما يعني"كيف حالك اليوم",كأنها تراه لأول مرة.
(ملحوظة في السيناريو سيكون حوارتهما مسجلة صوتياً,نابعة من دواخلهما كل واحد يسمع الآخر بلا كلام منطوق!)
-الحمد لله.
ثم اقتربت منه حتي جاورته واحتك جسدها به بعفوية وهي تجلس.
- هو إنت كمان أصم؟
-لأ
-أومال بتتكلم لغة الإشارة إزاي؟
-عشان إنتِ بتتكلميها!
مالت باسمة بجانب رأسها في خفة ودلال,وتابع مغالباً اضطرابه لمباغتتها المفاجئة-السعيدة-:
-بس فيه لغة تانية بتجمعنا إحنا الاتنين.
قلبت كفها ليبدو باطنه ظاهراً في حركة استفهامية.
-لغة القلوب!اسمك إيه بقي؟
-رنا
لما تضحك يتوقف الزمان السرمدي ويسمع صوت الانفجار الكبير الذي نشأت عنه الأرض,ويتساءل:هل نظرية التطور حقيقة يا داروين؟!لو كنت رأيت لخجلت من نفسك لما تعتبرها هي وأنثي الشامبانزي من أصل واحد!هذا انفجاره الصغير ومنه سينشأ.
هامساً لنفسه بلا أي إشارة:
-صوت واحد بس كان نفسي نسمعه سوا...أم كلثوم!








م/1                                                         ل/د

حجرة طارق
-اضاءة خافتة توحي بجو من الهموم والقلق.
-يظهر طارق متقلباً علي سريره مؤرقاً,مستعيداً في نفسه صوت والده يوبخه في غلظة.
صوت الأب:
هاتفضل كده طول عمرك فاشل,وهاتضيع حياتك بإيدك وهاتبقي مسخة في في بق الناس ومش بعيد يضربوا بيك المثل في الخيبة,جاتك خيبة فيك وفي اللي جابتك في يوم واحد!اتفوه علي دي
خلفة!

مزج

م/2                                                   ل/د
حجرة رنا
-نفس الإضاءة تقريباً علي شرط أن تبرز صورة منظر طبيعي للبحر السكندري.
-تظهر رنا أمام المرآة في ثوب منزلي تتأمل وجهها في المرآة وتستعيد في مخيلتها (صور)من أحداث طفولتها وابتعاد الأطفال عنها ورفضهم انضمامها لهم في اللعب.
قطع

م/3                                                ن/خ
شارع الكورنيش
-الصخب والحركة لا تهدآن مما يزيد من توترها الحساس,وتبدو في عينيها نظرة الخوف وهي تعبر الشارع المزدحم بسيارت تسير بسرعة كأنها أمام ماراثون جنوني للتسابق علي شئ تجهله
-تضطرب أثناء العبور تتقدم وتتأخر في وجل,حتي تكاد سيارة أن تصدمها.
السائق:
ما تحاسبي يا غبية يا بنت......
قطع
م/4                                           ن/خ
أمام مجمع الكليات  النظرية
-يقف طارق وسط مجموعة شباب يبدو بوضوح أنه يكبرهم في السن لحد كبير,يبدو بينهم غريباً بملابسه البعيدة عن البهرجة وذقنه النابتة في إهمال.
شاب1(يمط حروفه ويرقق صوته ليتحدث بطريقة أقرب للفتيات,علي اعتبار أنها الطريقة الشبابية للكلام):
ده الواد حسن بتاع مظاهرات الثورة هربت منه خالص يا مان,ده أنا شايفه امبارح ماشي سرحان كده,سألته بتعمل إيه يا بوب,لقيته بيعد بلاط الممر 22 23 24
شاب2(ضاحكاً):
هم السابقون ونحن اللاحقون,بس خلي بالك العبط يليق عليه.
شاب3(ساخراً بمرارة بالغة) :
-يا راجل انت عشت الدور ولا إيه؟إنت مفكر نفسك في كلية حقوق بجد؟! إنت في مصر يا عم الحاج,يعني لا تعليم ولا حقوق! خلص أيامك السودا دي وبعد كده تطلع علي أي حتة برة عشان تعيش بني آدم,ولو ماعرفتش-وغالباً ده اللي هايحصل-وفضلت هنا ماتجيبش عيال عشان هايشيلوك ذنب اللي هايشوفوه في البلد دي زي ما بنشيل دلوقتي أهالينا,الله يرحمك يا معري يا اخويا فعلا:
"هذا جناه علي أبي     وما جنيت علي أحد"
في نفس القصيدة يقولك إيه بقي:
"فلا ذنب يا رب السماء علي امرئ     رأي منك ما لا يشتهي فتزندقا" الناس كفرانة من زمان يا أبا
ما سمعتش موال البرنس أحمد شيبة وهو بيقول(يغني بصوت عال):"الله يسامحك يا أبي جنيت عليا وأنا صبي,يا أبا يا أبا يا أبا مانصحتنيش يا أبا"
-يدوس علي سيجارته بحذاءه في غيظ من كل شئ,يبصق علي الأرض.
طارق لنفس الشاب:
-ولاعة والله يا كابتن لو سمحت.
-أحاديث كثيرة متداخلة يبدو خلالها طارق  محاط ببالونة كبيرة تعزله عن كل ما يحدث أو يقال حوله.
قطع
م/5                                                    ن/خ
أمام البحر
-تظهر علي الشاشة رواية( ميرامار)في يد رنا,تفتحها بعد أن تخرجها من حقيبة يد عليها صورة مايلي سايرس في شخصية هانامونتانا فتنتقل معها الكاميرا لبداية الصفحة الأولي-يُراعي أن تكون طبعة دار الشروق حيث الغلاف الأمامي اسم العنوان والخلفي صورةالكاتب العظيم نجيب محفوظ:"الأسكندرية أخيراً.الأسكندرية قطر الندي,نفثة السحابة البيضاء,مهبط الشعاع المغسول بماء السماء,وقلب الذكريات المبللة بالشهد والدموع"
-نري طارق متمشياً علي الشاطئ واضعاً سماعات الموبايل في أذنيه فنسمع صوت محمد منير قادماً من مكان بعيد"سيبوني أتوه وحدي عطشان أنا عطشان,الدنيا توب قدي وما أطيقش أنا الغطيان مركب تاخدني لبلاد بعاد,ولُقي يصادفني من غير ميعاد,زمان ياخدني لمكان وعطشان أنا عطشان,صادفني كتير وشوش قلوب زي البيوت طريق ما بعرفهوش يوماتي عليه بفوت"تلفت انتباهه من علي بعد جلستها الملائكية وتبدو لعينيه مُحاطة بهالة كهالة القديسين في الأيقونات الدينية المسيحية.
يتخطاها وهو لا يحيد ببصرها عنها بينما هي لا تراه,يجلس في قرب نسبي منها,حتي تسقط الشمس حمراء مذبوحة في البحر,ولما تهم بالقيام يحاول اللحاق بها:
طارق(في خجل):
لو سمحت يا آنسة هو الكتاب ده........
-تسير بلا أدني اهتمام كأنه طيف يسير خلفها,يعود لمجلسه ووجهه متضرج بحمرة الإحراج.

-فوتومونتاج لجلسات مختلفة بنفس الهيئة,ومن بينها نلمح رنا تنظر له خفية في خجل أنثوي يأخذ القلوب.
قطع

م/6                                                  ن/خ
أمام البحر
-كالمشهد السابق,لكن رنا تبدو سارحة وعلي ركبتيها الظاهرتين من تحت جيب وردي, كتاب فوائح الجمال وفواتح الجلال لنجم الدين كبري تحقيق أستاذنا يوسف زيدان مقلوباً علي وجهه,وبين يديها ميدالية تلفها بين أصابعها في حركة آلية علي شكل راقص صوفي علي الطريقة المولوية بها فراغات في الوسط مُشكلة عبارة الشيخ الأكبر ابن عربي:"كل محب مشتاق ولو كان موصولاً",مكان طارق فارغاً ونشعر أن هذا هو ما يُحزنها تنظر للساعة وتمضي.
قطع
م/7                                             ل/د
 حجرة طارق
-مُنكباً علي جهاز اللاب توب في تعب بادٍ وتظهر عناوين كتب إليكترونية كلها عن علم النفس كـ:معني الحياة لألفريد أدلر,مهارات الناس لروبرت بولتون,علم نفس تقدير الذات  لناثانيل براند,موسوعة علم النفس لعبد المنعم الحفني,المخ الأنثوي لوان بريزنداين أبعاد الشخصية هانز إيزنك.
قطع
فلاش باك
م/8                                        ن/خ
-طارق يعبر الشارع لمجلسه اليومي بجوار رنا وفجأة ويتسمر في منتصفه,وعلي وجهه علامات الصدمة والألم.
-تنتقل الكاميرا لوجه رنا وهي تضع الكاميرا الأمامية للموبايل في واجهتها بيد وبالأخري تتكلم مع المتصل بلغة الإشارة.
-يعود طارق متثاقلاً.
قطع
م/9                                          ل/د
عودة لحجرة طارق
-نراه وهو يقلد حركات الإشارة عند الصم,وتقترب الكاميرا علي يديه المقبوضتين في وضع متقابل رافعاً وخافضاً الإبهامين في نفس الوقت,وهي حركة تعني "المُحب".
قطع
م/10                                          ن/خ
البحر
-يظهر طارق حليق اللحية,ناظراً لكفيه مُنشطاً إياهما علي الحركة,يجلس علي مقربة من رنا,التي تفاجئه بابتسامة لم يتوقعها,فيشير لها بأصابعه بما يعني"كيف حالك اليوم"تبدو الصدمة في عينيها,وما تلبث أن تقترب منه وتجلس بجواره,و يبدآن في الحديث بالإشارة مع الأخذ في الاعتبار أن الصوتين سيسجلان ويُسمعان في الفيلم صادران من دواخل نفسهما:
رنا:
-هو إنت كمان أصم؟
طارق:
لأ!
رنا:
أومال بتتكلم لغة الإشارة إزاي؟
طارق:عشان إنتي بتتكلميها!
-مالت بجانب رأسها الأيمن فانسدل شعرها بجانبها حاملاً نفحة عطر اصطدمت به
طارق:
بس فيه لغة تانية بتجمعنا!
قلبت يدها متسائلة
طارق:
لغة القلوب!اسمك إيه بقي؟
رنا(باسمة هيام واضح):
رنا
قطع
م/11                                          ل/خ

شرفة منزل رنا
-تتحدث بلغة الإشارة لطارق الذي يظهر علي شاشة هاتفها,ويضحكان في بهجة وتنتقل الكاميرا للداخل تدريجياً حتي تثبت علي صورة البحر الذي رسمت عليه رنا خطوط ساذجة لشخصين يجلسان علي سوره الحجري,وكتب علي صورة الفتي طارق وعلي صورة البنت رنا
-النهاية-

استغرقتني الذكري حتي خفت أن أدمع:
-فرح يا ولد فرح...فرح التي خُيل إليك إنك تحبها,وكتبت لها أيضاً قصة أنزلت فيها دانتي من عليائه ليرحل بها إلي بوسيتانو التي اشتهت أن تزورها وكتبت لها أغنية في عيد ميلادها...ماذا كنت تقول؟!.."الشموع في التورتة رقصت من الفرح وقالت الليلة عيد ميلاد فرح,19سنة,يا رب 100كمان وكل سنة بهنا..."وإلي آخر هذا الهراء؟
-لكنها لم تحبني,كل ما قالته أنك ستصير يوماً أديباً كبيراً لكن تذكرني حينها...ومن شهور لم أرها رغم أني ألححت عليها أكثر من مرة أن أراها,ويوم أن أعطاني الله شاهدتها وأنا في الأتوبيس تسير برفقة صديقة لها..
بدا التأثر علي وجه إيمحوتب:
-آسف لم أكن أعلم,فقد توقفت عن الكتابة عني منذ ذلك اليوم فلم أعد في ذهنك...لم أكن أعلم سامحني أني ذكرتك..
-أجل يا جد ذكرتني,والآن سأخلع ملابس دور المغفل وأتقمص دور الضحية...قل...ما له يوسف زيدان الذي أغواني بكلامه,وكلامه عندي غير كل الكلام!
-لقد تركها...
-ترك ماذا هل كان مرتبطاً؟
-هل ستعود مرة أخري لدور المغفل؟!
-عذراً ها نحن في دور الضحية!أعلم وأنا حزين بصورة لا تتخيلها أشعر أني فقدت أبي الروحي رغم أني لم أره سوي مرة واحدة لم يفتح الله فيها عليّ بكلمة واحدة!حدث ما كنت أخشاه وأسررت بخوفي هذا لصديق دائم الجلوس معي علي المقهي أفرغ في أذنه كل ما يعتمل في صدري لدرجة أنه بعد حين يكرر نفس الكلام,ويقلدني في ذات السلوك,لدرجة أني أخشي أن أراه يوماً نسخة مني:"هل تريد أن تعلم من هو يوسف زيدان؟تخيل الثقافة المصرية اليوم بلا يوسف زيدان وانظر لكم البشاعة والفراغ الهائل الذي ستكون فيه!!!"وهذا ما تحقق يا سيد إيمحوتب ألا لعنة الله علي الفاسدين والكذابين طاردي المثقفين محبطي الكُتاب,اللعنة علي مجتمع اللاشئ الذي نحيا فيه اللعنة علي....
قاطعني إيمحوتب:
-هذا ما أنت فالح فيه,الولولة والعويل...قم معي نبحث عن الرجل لعله يعود...
-الأولي بنا أن نبحث عن هرمك الذي يسميه الجهلاء بقيمتك هرم زوسر وأدعوه أنا المحب لك بهرم إيمحوتب
-نبحث عن هرمي؟!!هل أنت مجنون؟هل انتقل من مكانه هل ضاع أول مبني حجري في العالم؟!
أشفقت علي الجد أن أخبره بما فعله السفلة بهرمه العبقري فقلت:
-إنه دور المغفل مرة أخري يعاودني...لا تهتم بما قلته الآن...أجل يا جدي أنا مجنون,حفيدك مجنون جننوني أولاد المجنونة!
اصطحبت الجد في رحلة من دمنهور للأسكندرية,أردت أن أستظهر معلوماتي التاريخية أمامه فقلت ونحن في القطار:
-الآن يا جد أكتب الحياة الثانية لشخصية متخيلة أسميتها "عزرا"كاتب مسرحي يهودي يعيش في الأسكندرية مع رفيقه الفيلسوف كريون ومينا المؤرخ,يحب الفاتنة هيلين ممثلة المسرح الجميلة,لا زلت في بدايتها,تدور الأحداث في عهد فلوباتير,في مدينة الله العظمي كما أن....
قاطعني مرة أخري:
-طيب...جدع!
قلت آسفاً:
-مالك تحبطني يا جدي؟
-يا أخي أما كفاك أنك أخرجتني من ذهنك,أيضاً تود أن تخرج للحياة شخصيات لا وجود لها في الواقع,حل عن سما الأدب واترك الأدب للأدباء و...والمؤدبين...ودعنا الآن نفكر أين سنجد الرجل؟
-في منزله؟
-وهل تعرف منزله؟
-أجل...تقريباً؟
-تقريباً؟!
-مررت أمامه مرة وشككت أنه في هذه العمارة!
-"شككت"ومالك تقولها كأنه شك طه حسين في التراث القديم؟
-أحب من حين لآخر أن أعيش دور المفكر لأروح عن نفسي عناء الدنيا وشقاء الأيام,وكما قال سيد حجاب وعمار الشريعي وعلي الحجار في تتر مسلسل الأيام لطه حسين"أيام ورا أيام لا الجرح يهدي ولا الرجا بينام"
وصلنا الأسكندرية الجميلة في وقت الظهر,وهناك وجدت هيبا جالس علي شاطئ البحر حزيناً مكتئباً,وعرفته كما وجدت أوصافه في عزازيل,اقتربنا منه ومددت يدي بالسلام:
-إيمحوتب العظيم جدنا
قلت مقدماً إيمحوتب
-محمود قدري إنسان يعيش ويتعايش
قلت مقدماً نفسي
سألته:
-أيها الراهب,بحق المسيح أخبرني أين يوسف زيدان فنحن نبحث عنه؟
نظر لي بأسي ومسح دمعه بطرف كمه:
-أنا أيضاً خرجت أبحث عنه؟
قال إيمحوتب:
-والعمل؟
قلت بسرعة:
-نذهب إليه؟
قال إيمحوتب بسخرية:
-أجل نذهب إليه في العمارة التي مررت أمامها مرة وشككت أن منزله فيها.
نظر هيبا ناحية البحر:
-أنا أعرف أين نجده!
تبعناه علي طول الشاطئ حتي وصلنا لمكان خالِ إلا من كرسي واحد يجلس عليه يوسف زيدان,عرفته قبل أن أراه,شعرت به قبل وصولي...
لما رأي زيدان إيمحوتب وهيبا سارع للقيام مفسحاً لهما مكانه,لم يزعجني أنه لم يلحظ وجودي,فقد هاله ظهورهما أمامه,جلس الثلاثة علي كراس أخري لا أعرف من أين جاء بها زيدان,وجلست أنا علي الرمال,قطع الصمت الذاهل بين الجميع صوت الجد إيمحوتب معاتباً زيدان عتاب الأب:
-هل يصح ما فعلت يا ولدي؟تترك الشباب هكذا...هذا الولد الجالس هناك
أشار لي وأكمل:
-أشعر بحزنه وإحباطه علي احتجابك وقطع أسئلتك التي يدين لها بالكثير,يشعر أنه فقد مستقبله بهذا الفعل..أليس كذلك؟
-أجل يا سيدي والله العظيم...عندك حق
التقت عيناي بعيني زيدان الساهمة.
-لم أفعل ما فعلت برغبتي يا جد,بل فعلته حتي أدق ناقوس الخطر للمصائب الآتية لم استمرت الثقافة المصرية تدار بتلك الطريقة
قال هيبا:
-يا إلهي الرحيم ألطف بعبادك!نواجه يا رجل,نقف أمام الظلم,نعمل ثم نعمل ثم نعمل,ليس هذا أسلوب مناسب للتحذير,ألم تكتب مرة علي الإنترنت"لن نسكت ولن نستسلم",زعق,قل لا في مقالاتك وندواتك ومؤلفاتك,لست أنا من سيقول لك ماذا تفعل انظر إلي هذا الولد
أشار لي:
-بدأ الصلع يفعل في رأسه فعله مما يراه في الدينا وليس في أسرته شخص يعاني الصلع بل ليس في عائلته أصلع سوي واحد ظهر صلعه في سن متأخرة,ثم تأتي أنت وتزيد مشاكله مصيبة توقفك عن التفاعل الثقافي...يا أم النور رحماتك!
قلت:
-أجل يا سيدي والله العظيم...عندك حق!
التقت عينانا:
-أنا أدري بالكارثة وليس لها من دون الله كاشفة,لا حل إلا البتر والانفصال المؤقت ليدرك الناس إلي أي مدي وصلنا!
هنا تشجعت وقلت:
-ونحن لمن نستند ثقافياً حين يخذلنا أولاد الأفاعي؟!
-الأمر لن يطول. برهة حتي تنكشف الغمة.
حاول زيدان طمأنتي...
-إذن فقد كان مجيئنا غير مؤثر
سارع زيدان:
-لاسمح الله يا جد.
تنهد هيبا:
-هيا بنا...إن العصور واحدة في مصر مهما مرت السنوات...لتتنزل علينا رحمات السماء ويشملنا المسيح بعطفه,وليرحم أهل هذه البلد مما هم مقبلون عليه.
لم أقم معهما...ما راعني إلا صديقي هذا الذي يحاول تقليدي,يتأبط كتابين من الهيئة العامة للكتاب التي عرفته طريقها حين كان يصحبني لهناك في السابق,قادماً علي من آخر طريق المقهي,ينظر لي بضحكة خبيثة,كأنه هزمني في مباراة ملاكمة يحاول أن يغيظني بها,جلس بجواري يجاهد أن يخبئ ضحكته الخبيثة التي تهمس لي:"يا لك من مسكين تثير الشفقة,الآن لن أعيد كلامك أنت بعد اليوم سأردد كلام هؤلاء"أما أنا فأقول في نفسي"لا حول ولا قوة إلا بالله,اللهم أعني علي تلجيم لساني التعيس هذا وعدم قول أي شئ لأي أحد حتي لا تنقلب عليّ الأيام بقولي"وأنادي بصوت عالِ:
-حجر كمان يا هاني الله يكرمك وواحد شاي زردة...
ويقول لي عقلي المكبل بالأغلال:
-مالك أنت ومال وجع الدماغ؟
-نفسي الأمارة بالكتابة...وحبي لمصر التي أود الاطلاع علي تاريخها وتحويله لروايات أدبية,وكان يؤنسني أن حياتنا الثقافية اليوم فيها يوسف زيدان...وها نحن في انتظار عودة يوسف زيدان!



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق