الخميس، 29 يناير، 2015

رسالة في التجرد

رسالة في التجرد
-أي طريق أسلك يا نفسي؟اتبعت عيني فعميت اتبعت سمعي فصممت اتبعت عقلي فهديت...وضللت,فكنت بين بين!
-قلبك يا إنسان
-ومن يدلني علي قلبي؟
-فقط...اهدئ وتجرد من شواغل الدنيا,وانصت لباطنك...في باطنك الحقيقة!باطنك يدلك...
جريت نحو باطني...
فلم يستطع بياني غير التعبير عن شذرات من المعاني
بداية وقبل الذهاب نحو باطني سأذهب تجاه العقل والنظر في الظواهر,وأستدعي فكرة التصوف كما بلورتها التجربة الروحية...
التصوف معني مجرد قبل كل شئ,كل عاطفة صادقة نحو تصور معين لمطلق ما أياً كان هذا المطلق يتم ترجمتها في اللغة العربية باسم"تصوف", الذين نذروا أنفسهم واسترخصوا كل غال في سبيل الوصول هدف سامي هم متصوفة,منهم من اتجه للخالق ولكل دين اسم لهذا الخالق,ومنهم من اتجه للرسم,للأدب,للموسيقي,التمثيل ,للعلم...لأي نوع من الفنون,فعاشوا بأرواحهم فيه وتركوا أجسادهم نهباً لصغائر الحياة,جردوا ذواتهم من كل ما هو مادي دنئ,وسموا بأرواحهم نحو المطلق اللانهائي,وطبعاً يعجر ابن آدم أن يصل للنهائية أو يثبت مطلقاً,لكن طريقهم هو ما برعوا فيه,أنشأوا ببصيرتهم طرقاً صوفية,ليست لتلك الطرق أسماء ولا مقرات,وإنما لها وصلات شعورية,يتصل بها محبوهم ومن تأثروا بهم,فمنهم من خلا لله,ومن من خلا لأدبه,ومنهم من حلا للوحته,ومنهم من خلا لأغنيته ومنهم من خلا لدوره...الله ما أجملهم حين نتذكرهم!هؤلاء الذين ندين لهم بعلومنا وفنوننا...هؤلاء هم الصوفية.
مئات التفسيرات كتبت في الأصل اللغوي لكلمة "الصوفية"أقربها التفسير القائل بارتدائهم الصوف فعرفوا به فكانوا صوفية.وهذا عجيب أن يُعرف أهل الباطن بظاهرهم!لكن الجنيد يحذرهم"إذا رأيت الصوفي يعني بظاهره فاعلم أن باطنه خراب"عرف الناس اسمهم قبل الإسلام ربما لأن كل من زهد في الحياة وسعي للنور الباطني لبس الصوف اقتداء بالمسيح بن مريم,وجاء النبي محمد وعرف عنه ارتداؤه للصوف,فلم تكن الكلمة غريبة علي اللغة العربية قبل الإسلام, الصوف عرف بأنه رداء النساك والعباد الفقراء لله ويتأفف منه الملوك والأغنياء,فكان علامة علي مفارقة الصوفي للدنيا وإقباله علي ما ينفر منه أهلها,الخراف والماعز والحملان يحميها الصوف من الحر والبرد والمطر والرياح,فكأنه يحمي جسد الصوفي من شهوات الدنيا الحسية ويضعه في عازل عن كل إغراء شهواني تهفو إليه نفسه...مدهشة هي كائنات الله في تشابهها!
يتنبه التوحيدي بألمعيته لصغار النفوس ممن يتشبهوا بظواهر التصوف,وهم من التصوف في أمد بعيد,فيؤنب رجلاً جاهلاً ارتدي زي الصوفية:
أيا كاسياً من جيد الصوف نفسه        ويا عارياً من كل فضل ومن كيس
أتزهي بصوف وهو بالأمس مصبح        واليوم أمسي علي تيس

الأدب الصوفي له مذاق جميل,لا يزخرف اللفظ بقدر ما يُجمل المعني,يبتعد عن التصريح الذي يحرق الشعور السري بالمعرفة,وينحو للرمزية في كلماته,استخدموا كلمات عدة,كان معناها عندهم يختلف عن معناها المعجمي المعروف,ومن تلك الألفاظ الملغزة"التجريد".
وأي تجريد...تجريد من الـ"الأنا"الضيقة القاصرة,سعياً وراء فضاء الحقيقة المحجوبة,والحقيقة عند الصوفية بكل أنواعهم,كالكاتب في أدبه والرسام في مرسمه والعالم في مختبره والممثل علي مسرحه والموسيقي مع آلته,لا وجود لها في هذا العالم المادي المحسوس,بل هي أمر لا يمكن الوصول إليه بالأدوات العادية المستخدمة في الحياة البشرية,حتي العقل بكل جلاله يعجز عن الوصول لتك الحقيقة,العقل للفلسفة والتفلسف.القلب والروح هما أدوات الصوفي التي بدونهما لا يصبح أصلاً صوفياً,وتلك الأدوات تحتاج لتجريدها من علائق الدنيا وشهواتها,تحتاج قطع الصلة مع "النفس في الجسد الخبيث"علي حد قول المعري,وهو أحد المتصوفة الكبار في تاريخ الإنسانية,فضلاً عن كونه متشائماً عظيماً وحكيماً أعظم!!
التجريد عند الصوفية لا يكون إلا بالتوبة,وليس التوبة بمعناها المباشر الفقهي,لكن التوبة عن الشهوات,والأسف علي الرغبات,التي يعانون منها الأمرين في سبيل التخلص منها,نفس ما عاني منه القديس أوغسطين حينما وجد نفسه بين عالمين قويين يجتذبانه عالم الجمال الإلهي نحو الله,وعالم المادة الحسية التي تثقله نحو العالم المادي المحسوس,الفاقد للحقيقة والمعني.هو عينه ما عاناه الإمام الغزالي "لا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة بكرة حتي يحمل علي جند الشهوة حمله فينفرها عشية.فصارت شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلي المقام,ومنادي الإيمان ينادي الرحيل الرحيل!فلم يبق من العمر إلي القليل وبين يديك السفر الطويل,وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل رياء وتخييل"!!
يعود التصوف إلي أول إنسان بصر بقلبه وشاهد بروحه عالم ما وراء المادة,وأدرك بوحي الإله الكامن فيه أن هناك حقيقة محتجبة خلف غلالة من الماديات حوله,وللأسف هذا الإنسان لم تعرفه مدونات البشر,لكن علينا أن نشعر به في دواخلنا,فكل من يسعي بعاطفة قوية نحو عالم روحاني عن طريق الفن أو الدين,إنما هو أحد ورثة هذا الإنسان الذي نرجو أن يكون وفق في بحثه عن تلك الحقيقة-هل يمكن أن يوفق أي إنسان,وهل لو وفق هل سيبقي إنساناً؟!-
مشكلة الإنسان الوجودية,ليست فلان ولا علان,ولا هذا ولا ذاك,مشكلة الإنسان تكمن فيه هو,كل إنسان هو أزمة نفسه وهو حلها,هذا فهم يتطلب وعياً علي درجة عظيمة,وفهم متطور لمشكلة الحياة عموماً-الحياة التي دفعنا لها من أرحام أمهاتنا,ببذور من نطف آبائنا-الصوفي يدرك هذا جيداً؛لذلك تجرد من (نفسه/مشكلته)وأصبح يردد مع الهندي ما قاله في قصة هندية حين جرفه التيار نحو جرف صخري وأيقن بالهلاك بعد أن استنفذ كل قواه وطاشت كل محاولاته,ونقشه نيكوس كزانتزاكس المتصوف الأدبي علي قبره"لا أطمع في شئ...لا أخاف من شئ...أنا حر"هكذا راح الهندي يغني في نهاية حياته,أما الصوفي فيغني هذا في بداية حياته...وهو ينطلق للامتناهي تاركاً كل دنيا البشر للبشر,بصراعاتهم الصغيرة,ومخاوفهم الساذجة,وأفكارهم التافهة,ذاهباً لمبتغاه الروحي,ناعياً ما مضي من عمره الضائع في دنيا الحس,حيث تقبع أحط غرائز البشر,وأقذر سلوكياتهم,وأفظع أعمالهم,وأقبح صورهم...ما أجمل لحظة الانعتاق هذه نحو الفناء في الأبدية!!!لو لم يكن وصف أبي الفتح البستي:
تنازع الناس في الصوفي واختلفوا             وظنوه مشتقاً من الصوف
ولست أنحل هذا الاسم غير فتي               صافي فصوفي حتي لقب الصوفي
جاء في مرحلة متأخرة من تاريخ الصوفية لكان هو الأولي بتعريف الصوفي المتجرد لروح تصوفه,سواء في ظاهره أو باطنه.
الفنان الواصل كالصوفي المتواصل,يصاب هو الآخر بـ"حالة الخرس"فكما يعجز الصوفي عن وصف مشاهداته الروحية,يعجز الفنان عن وصف الكيفية صاغ من خلالها عمله الفني,فأهل التعبير يعجزون عن التعبير بكيفية التعبير!!
التجريد الإماطة عن القلب كل ما من شأنه أن يعوق وصوله لمبتغاه الروحي,وما أصعب تلك الإماطة في حياة هي أصلاً عائق!الحياة شبيهة-وهو شبه مقرف جداً!لكنه حقيقي جداً- بمطعم فخم جميل,به أكلات ممتعة تثير كل أنواع الشهوة,فتلك أكلة لتظلم أخيك,وتلك لتغتصب ما ليس لك,وتلك لتتكبر علي الآخرين,أما هذه فلتؤذي الآخرين نفسياً,وتلك لتغش,وتلك لتسرق,وهكذا...مع مرور سنوات العمر العمر سيتنتهي وقت الأكل,ويحين وقت إخراجه,كل تلك الشهوات ستخرج علي شكل فضلات آدمية خارجة من الأمعاء بكل قرفها,وتصبح مثيرة للغثيان بعد أن كانت مثيرة للشهوة,حينها فقط سيدرك الإنسان كم كان مغفلاً ولا يهم إن كان متديناً أو لا,فمهما كان سيكون شقياً لو أضاع حياته في السعي وراء تلك الأكلات الشهوانية المدمرة,وما أسعده لو خرج من المطعم كله,وانتظر لعل الله يرزقه من عنده؛ثواباً علي تجرده من السباق خلف الرغبة والشهوة اللتان تدمران صاحبهما,لكن من يستطيع الخروج من المطعم,ومن يدله علي باب الخروج؟!صاحب القلب الذي لا يري بعينه ولا يسمع بأذنه ولا يمشي بقدميه,بل يغمض حواسه ويمسك شهواته ويترك نفسه لقلبه الذي جرده,فيهديه لباب النجاة,لأن وقت إخراج تلك الشهوات سيكون وقتاً بشعاً وسيموت الكثيرون إما إمساكاً أو إسهالاً أو من الرائحة الكريهة!!!
حينها سيفهم معني"اللهم اهدنا فيمن هديت,وعافنا فيمن عافيت,وتولنا اللهم فيمن توليت وقنا واصرف عنا شر ما قضيت"
تتردد كلمة التجريد في المعجم علي في أكثر من منطقة معرفية,ففي الصرف تعني تجريد الكلمة من الزوائد,وفي النحو تعرية الكلم من العوامل اللفظية,وفي التفكير تعتبر عملية ذهنية بأن يعزل الإنسان موضوعاً ما ويفكر فيه.
من أراد المعني المجرد,فعليه بالتجريد



تجردت من كل ما بداخلي عن رغبة لا عن أمر,فانزاح عني كل محسوس حولي فازدادت بصيرتي نفاذاً لعمق الحياة,فوجدت...وجدت نوراً نبع من مشكاة عقلي فتوهج باطني وشاهدت...شاهدت؛فزهدت.
ماذا كان بداخلي فأتعبني وناء حمله علي كتفي فبكيت؟ قناطير مقنطرة من الشهوات والرغبات والمطامع والمخاوف والرياء والغرور والخبث....و.....و......و...... وكل ما يمتلئ به قلب الإنسان حتي يطغي علي روحه فيؤذيها فتنتقم منه بعذاب أليم,كانت الشهوة تشويني والرغبة تعربني والطمع يدوّخني والخوف يقتلني والرياء يجنني والغرور يغرر بي نحو العذاب والخبث تزكمني رائحته العفنة,وكل ما كان بداخلي من قذارة بشرية تجردت منه...
حسناً....أنا كاذب فلو تجردت كلياً من القذارة فكيف لي أن أعتبر نفسي إنساناً عادياً,الإنسان العادي قذر حتي يثبت العكس!
إنما أحلم أن أتجرد.
في يوم بعيد أذكره جيداً,كنت أنا الذكر الوحيد علي الأرض,ومعي حبيبتي نسير في الغابة,نحمل حبنا في قلبينا لا نملك في هذه الدنيا سوي الحب,عاريان منسجمان نأكل ونشرب ونعلب في النهار,وفي الليل ليس لنا سكن سوي الحضن,قالت لي حبيبتي ولم يكن لنا أسماء بعد:
-حبيبي...أشعر بوجود شئ يتحرك في بطني
لمست بطنها وخفت لأول مرة في حياتي,لم أخف من الوحوش ولا من الظلام,فلم أكن أفكر أبداً في نفسي,إنما كنت أمام الوحش أحمي حبيبتي بكل ما قوتي فأصارعه ولو بيدي العارية,وأعضه بأسناني حتي تكاد تتفتت,فيخاف من جنوني اللامحدود في مواجهة ما يهدد امرأة قلبي ويهرب مذعوراً,وفي الظلام كنت أحضنها وأظل أغني لها حتي تنام وأبقي أنا ساهراً حتي تطلع الشمس.في تلك اللحظة عرفت الخوف,عرفت أن هناك كائن آخر في بطنها,هذا الكائن سيخرج منه بطنه حياة جديدة,ولن تعد الحياة كما كانت,وبعد بضعة أشهر أصبحنا ثلاثة ثم خمسة ثم عشرة ثم مائة ثم خمسمائة ثم توقفت عن العد...وبدأت أشعر حولي بالقذارة,فانسربت داخلي وحتي اليوم وأنا أود أن أتجرد منها!

في ليلة سوداء جللها القمر بتاج أبيض,أخبرني أخي برغبته في الزواج وسمي لي اسم المقصودة,فلعنت يوم ولادته!كانت تلك الفتاة التي في ضميري وقررت أن أذهب لأبيها في الغد,قال"كنا نحب بعضنا من الصبا وانتظرنا حتي أصبحت قادراً علي دفع مهرها!تلك البدعة الجديدة في حياتنا! كأني سأشتري قطعة أرض أو ثور جديد!"فلعنت يوم ولادتي أنا...من الصبا!,طمأنته أنني الكبير وسأساعده في كل ما يطلبه أبيها حتي ولو طلب القمر في السماء,فالقمر لا يليق به إلا قمر مثله!شكرني وهرول ليبلغها الخبر...شيعته بقلب نصفه سعيد لسعادته ونصفه يغلي بالحقد عليه!ومن ليلتها وأنا أشعر بالحقد وأتجرد منه كل يوم ليعود لي من جديد!

في عام أغبر انقطع المطر,وجفت الضروع وصرخت النساء والأطفال من الجوع,مشيت نحو النهر فوجدت أسماك ميتة علي الشاطئ,فاندفعت ناحيتها جائعاً أكلت واحدة نيئة من شدة الجوع,وخبئت الباقي في ملابسي,وجريت نحو كوخي,صاح بي أثناء جرياني رجل ضخم الجثة مشعر الجسد بشع المنظر والرائحة,وقعت علي الأرض من فرط خوفي من هيئته,أمسكني من قدمي ورفعني بيد واحدة وأنا أتوسل أن يرحمني,صرخ في"لماذا قتلت الأسماك يا مجرم؟!أعطني ضحاياك,وأدلة جرمك"ارتعبت أكثر لما ظهر لي جنونه,لكني ماطلت طمعاً في ما يسد جوعي يوم أو يومين"لا أعرف عما تتكلم"صفعني بقسوة علي وجهي حتي كادت رقبتي أن تنكسر في ضربته الغشيمة,فأخرجت له الأسماك,فالتهمها وهو يضحك"أنت قتلتها وأنا سأدفنها"ضربني بقدمه حتي أبعدني عنه لأمتار,ولما أفقت من قوة الضربة كنت سعيداً جداً,فلقد أبقيت لنفسي سمكة واحدة....ومن يومها وأنا ذليل طمعاً في أي مكسب أتجرد من الطمع فتغريني المكاسب وأشتاق للذة الذل أمام القوي الذي قد يمن علي بسمكة بلا ضرب أو صفع!
في زمن غابر,كان غبار المعركة يعمي عيني الملتهبة,والشمس تحرق جلدي وصرخات القتلي تصم أذني,وتذبح قلبي الدامي,تهالكت علي ركبتي الجريحة,وضحكت من كل قلبي فجأة,ضحكت حتي الدموع,أي جنون؟!علام يقتل الإنسان أخيه الإنسان؟!يقتل شخصاً لم يقابله في حياته في ومضة واحدة,لم يعرف اسمه لم ير حتي وجهه,يراه مرتدياً زي العدو,فيباغته بضربة لو لم يضربه ستضرب فيه؟!حتي تلك اللحظة لم أكن قتلت أحداً,تحاشيت الضربات ولم أوجه لمخلوق طعنة تسلبه حياته,رميت سيفي ونمت علي الأرض,أنظر للسماء متسائلاً"لماذا ؟!" آخر ما رأيته لمعة تضوي أمام عيني بضوء الشمس,ولم أعرف إلي أي اتجاه تدحرجت رأسي...وإلي الآن أنا أتجرد من كل معركة اضطررت لخوضها إما قاتل أو مقتول!
اشتيهتها من ليلة مارأيتها ترقص في الماخور,تدور حولي بقدها المياس,آخذة بيدي تتحسس بها جسدها,مومس داعرة لا تشبع من ولوج الرجال داخلها,كلما ولج رجل تبعته بآخر,وآخر الليل كنت أنا الأخير,رائحة الزنا تفوح من فراشها كأنها تزني من ملايين السنين,لقبها المحبب "الزانية"لا تستجيب لرجل إلا إذا دعاها به,أخبرتني أن هذا اللقب يثيرها لدرجة الجنون,كانت مازوخية أجبرتني علي ضربها وإهانتها طوال الليل وكلما ضربتها زاد هيجانها حتي أنهكتني,وحين طلع الصباح,ردت لي مالي,وقالت"تكفيني المتعة ثمناً...لقد أحببتك,تعال كل ليلة",خرجت من الماخور وأشعلت فيه النار,خصيت نفسي وانقطعت في صحراء التوبة,لكنها مازالت تحضر في أحلامي مشتعلة تريد احتضاني وأنا أهرب منها....تري هل تجردت بالإخصاء من شهوة الزنا؟!
حرمت من النوم لسبعة ليال وفي الثامنة تجلت لي شهوات أسلافي الدنيئة,صعقت من فرط الدناءة التي يعيش فيها الإنسان,رأيت جد قديم يشبهني تماماً,راكباً علي شخص آخر كأنه حماره,ويضربه بعصا صغيرة ليركض أسرع,لما وصل ناحيتي,حاول التخفيف من دهشتي"كان دوماً يتكبر عليّ في الدنيا,فجُعل اليوم تحتي"لم يزل تقززي من بشاعة الموقف,فنزل عنه وأطلقه وقال"رأيت عقاب من يتكبر علي الآخر,فزادت همومك يا مسكين,سيضاعف الله لك العذاب ضعفين لو تكبرت علي مخلوق من مخلوقاته,فقد عرفت,وليتك جهلت"استيقظت وأنا اتجرد من الكبر,وككل شهوة أصيلة في نفس الإنسان كان تجردي منه يخلع عني جلدي الملتصق به كجزء من جسدي,مع كل تجرد كان دمي يسيل وأنا أصيح"أيتها الأرض والسماء,يوماً سأرحل عنكما جميعاً وأعود لمكاني الأول"ولا يسمعني غير فراغ هائل يجيب علي بترجيع صوتي مرة أخري.
الأفلام حلم جميل.أدركت ذلك منذ كنت صبياً؛فسعيت لإتقان صنعة السيناريو المرهقة,ففهمت أكثر وأكثر كيف تصاغ الأحلام علي الشاشة,صحيح أن سحر السينما القديم الذي كان يدوخني فقدته بعد أن اطلعت علي ألاعيب الساحر,إلا أن شغفي بالسينما لم ينقطع يوماً,جلست في قاعة العرض المظلمة لتهيئة جو الأحلام,وبعد عدة مشاهد ممتلئة بلقطات سخيفة تافهة,كدرتني؛لأنها ذكرتني بمشاهد حياتي الواقعية...ظهرت علي الشاشة,فاتنة,جميلة,صبوحة,بهية.فصفق الجمهور بكل قوته,وصفقت معهم بكل قوتي,هاهي فتاة أحلامي الجميلة تظهر نائمة علي ظهر مركب فخم,يداعبها شاب وسيم ويدهن جسدها الطري بالمرطبات لتزيده طراوة ونعومة,كل المشاهد كانت ضعيفة فنياً عدا مشاهدها,كلما ظهرت انتبهت كل حواسي وعشت معها في الحلم,بعد انتهاء العرض لامتني زوجتي التي كانت بجواري:"تلك المرأة كلما ظهرت بمياصتها وجدتك انجذبت لها بروحك,أحدثك فلا تسمعني حتي أحرجتني مع المرأة في الكرسي خلفي التي كانت تشاهدنا أكثر من مشاهدتها للفيلم"احتضنتها وقلت"لأنها تذكرني بك يا حبيبتي...يا فتاة أحلامي وواقعي"ابتسمت فحمدت الله أنها لن تفسد الليلة,وعدت أفكر في الممثلة الفاتنة...ومازلت أتجرد من النفاق.
رفعت وجهي للسماء وقلت "اللهم جردني حتي ألقاك كما خلقت أول مرة,طفلاً بريئاً فتبتسم وترحم عذاباتي في الدنيا,وتدخلني في رحمتك وأنا أقفز سعيداً كطفل مبتهج براحة ولعب بعد كد طويل"


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق