الجمعة، 4 سبتمبر، 2015

مسرحية عالية

عالية
مسرحية في 6فصول
بُنيت علي أحداث قصة فرس جابر العقيلي من ملحمة السيرة الهلالية
الفصل الأول

المشهد الأول
(خيمة بسيطة يجلس أمامها وقت العصاري شاب في مقتبل  عمره,يحمل عصا الرعاة,يرتدي ملابس بالية مرقعة,يسمع عن قرب رغاء الإبل,هذا الفتي هو راشد الذي يطرق حين سماع صوت الإبل حزيناً يعبث في الأرض بعصاه سارحاً مع أفكاره)
راشد:ألك حاجة مثلي يا جمل تبكي عليها؟!وتقول خسارة ضاعت مع الأيام,أم لك ابنة عم أنت عاشق لها تبث لها شوقك مع الأنسام,علمتني الصبر من طول رعيي لك,علمتني القدرة علي الأحمال,لكن طال بي هاهنا الزمن عمي الملك يظهر نساني,بعد ما عشمني بالحلوة جميلة العينان.
(يدخل رفاقه من الرعاة)
راع 1:سنعود نحن يا راشد للمدينة مع إبلنا,هل ستبيت هنا كعادتك؟
راشد(وهو لا يزال مطرقاً في الأرض):أجل.من لي في المدينة ينتظرني
راع 2(متأثراً, أثناء سيره مع رفاقه):قلبي يتمزق عليه بحق نور المصطفي,من كان يصدق أن الأمير راشد ابن الملك المهاب فهمان ابن عبد الرحمن,يصير علي يد عمه راع إبل يعيش مع وحده في المراعي نصف جعان نصف عريان...آه من الأيام وتلاتة من الزمن!
(يخرج الرعاة,ويتمدد راشد أمام الخيمة لدقيقة ,ثم تدخل عليه أمه غنيمة وهي تصيح وتبكي)
غنيمة:راشد.ولدي!
(ترمي نفسها عليه فيقوم ويحتضنان بعضهما البعض وهما لا يملكان دموعهما)
راشد:أمي!كيف عرفتي مكاني؟
غنيمة:سألت فوجدت من دلني عليك. ماذا فعل بك الظالم يا ولدي؟!ظننت حين تركتك معه مطرودة هاربة من سواد قلبه,أنه لن يقسو علي ولد أخيه كما قسي علي وعذبني بعد موت أبيك,يا ليتني ما رحلت عنك يا ولدي ولا تركتك للشقاء.
راشد:(يحاول الكلام فلا يجد ما يقوله):إنني...
غنيمة(تتهالك علي حجر كبير أمام الخيمة):سيرتك كلها علي الألسن سمعتها ممن سألتهم عنك,سامحني يا ولدي,ما ظننته وحشاً لا رحمة عنده!لكن بالله عليك,بالله عليك!كيف لم تأت لأخوالك.
راشد(يجلس بجوارها):وعدني أن يزوجني ابنته جميلة لو رأي مني كفاءة في الأعمال,وقبل أن يرسلني إلي هنا قال لي:"هذا مالك أنت ارعاه وكبّره كمهر لابنتي"لكني ما حسبت أن تتوالي السنوات اثر السنوات هكذا...إنني حتي لم أرها إلا لماماً,وكلما نظرت لي بردت حقدي ناحية أبوها,لأجل خدها الناعم ألقي بنفسي في النار الموقدة.
غنيمة:أوصدقت هذا الثعبان يا ولدي.
راشد:لا أملك إلا أن أصدقه,لا حياة لي بغير جميلة يا أمي,ولو انتظرت علي هذه الحال أعوام وأعوام.
غنيمة(صارخة باكية):يا حسرتك يا غنيمة!يا حسرتك.
(تبكي هنيهة وفجأة تقف بحزم وهي تجفف مدامعها)
غنيمة:ولكن لا أبداً,لو كنت رضيت لنفسي العذاب فلن أرضاه لولدي ولو خرجت روحي من جسدي,ستذهب معي الآن لقصره ,بعد أن نجمع الأعيان والسادة وسأطلب منه أمامهم أن يزوجك البنت,بعد أن أشرح لهم ما جري لنا,عندها لن يجد إلا الموافقة والتسليم.
(تجره من يده)
راشد(معترضاً):والإبل؟
غنيمة:قضيت معها سنوات,فلن يضرها تركك لها ساعة.
(يخرجان)

المشهد الثاني

(ديوان الملك حسن بن سرحان,يتحلق حوله في نصف دائرة الجيل الجديد من الهلالية: أبوزيد بن رزق بن نايل ودياب بن غانم الزغبي وزيدان بن زيان ومعهم القاضي بدير بن فايد)
الملك حسن:ديواني شرف بالرجال,هذا أول اجتماع لنا بعد حرب حنظل العقيلي,وتخليص بناتنا الهوانم من الأسر بفضل حامي العرب ابن عمي الأمير أبو زيد,فله منا الشكر والامتنان.
زيدان:أجل يا خالي,و لولاك ما انتقمنا لمقتل أبيك رزق وعمك سرحان.
دياب بن غانم(بحقد):والله لولاه ما دخلنا أصلاً في حروب طويلة مع بني عقيل بلا ضرورة, استنزفتنا وستظل تستنزف أولادنا.
أبو زيد:كله مكتوب في علم مولي الموالي,وما العبد إلا سبب وأداة يستخدمها الله لتحقيق إرادته,كانت الحرب قدرنا وكنت أنا فقط أداة تحقيقه,واعلم يا دياب أني أكره الحرب والدم (دهشة وهمهمة بين الرجال)أجل والله كم تمنيت أن أصير مزارعاً أو حمالاً أو أزول أي مهنة بسيطة,ومع آخر النهار أعود لحبيبتي في فراشهما نتعشي سوياً ونخلد للنوم في أحضان بعضنا علي فراش مهما خشن سيكون ألين من ريش نعام...لكنه مكتوبي أن أقضي عمري بين صليل السيوف وصهيل الخيول وصياح الأبطال,وأنا لها بكاره لكنها شر لا بد منه؛لجلب الخير والأمان للبلاد...ما أعجب الحياة وما أفظع تناقضاتها...(يتنهد)اللي يريده الرب ماشي!
حسن:وكنت علي ما تكره قادر يا ابن عمي,فذاع صيتك في البلاء والحروب بطل صنديد,أصبحت تخشاه العرب وسارت بذكره الركبان يتغنون بسيرتك.
أبو زيد:ليوفقني الله في جعل جهدي وشجاعتي في خدمة الخير دوماً,وأن يجعلني عبداً لدي المظلومين من عبيده,فهذا هو مرادي وغاية أمنياتي,ألا أظلم بسيفي مخلوق وأن أرفع به الظلم علي المظلوم.
دياب (ساخراً):يا سلام يا ابن نايل!لقد زدت لألقابك وصفاتك لقب "التقي",لم يبق لك إلا هذا الكرسي(يشير لكرسي الملك حسن) وتصير أنت الملك.
القاضي بدير(زاجراً):تأدب يا ابن غانم في حضرة الملوك ولا تعتد علي القانون.
(دياب ينظر لأبو زيد شزراً ويخرج مغاضباً.)
أبو زيد:نفوس ما يعلم بها إلا خالقها ومقدر نصيبها في معيشتها بين السماء والأرض.
(تدخل من يمين المسرح الجازية الهلالية شريكة حسن في الحكم)
الجازية:السلام علي العرب
(يردون كلهم السلام باحترام)
الجازية(مبتسمة لأبي زيد في مودة):السلام علي نسل النبي العدنان.
أبو زيد(مبتسماُ فيظهر فتلمع أسنانه البيضاء في وجهه الأسمر):وعلي ملكتنا ذات العقل والجمال السلام.
(تجلس الجازية بجوار حسن علي سرير الملك)
الجازية:والله زمان يا أبو رية(كنية أبي زيد الهلالي التي ينادونه بها كما يسمي سلامة وبركات)
أبو زيد:اشتقنا لمجلسك وسمرك يا جازية,كانت لذتي في الليالي الجلوس معك ومطارحتك الشعر وأخبار العرب والعجم.
الجازية(باسمة للجمع كله):عادت ليالي الهنا,اؤمر لنا يا ملك العرب بالجواري يغنين لنطرب قبل الخوض مع أبورية في النقاش الحامي حول الفكر والأدب.
حسن(منادياً):علي بالجواري المطربات منهن والراقصات.

المشهد الثالث

(حجرة الأميرة عالية في قصر أبيها جابر العقيلي,تجلس عالية وهي شابة جميلة ذات شعر أسود منسدل علي كتفيها سارحاً متموجاً, في المساء بجوار النافذة هائمة سارحة,ترنو نحو النجوم المنثورة في صفحة السماء السوداء,وتحت أريكتها قعدت جاريتها وصديقتها نسمة,تنظر لعالية في عاتبة في مودة)
الجارية (مداعبة):هذه الجلسة  التي طالت منذ الصباح للآن أعرفها جيداً,إنها جلست قلب هائم في ملكوت العشق.
عالية(تتصنع الغضب):اصمتي أيتها الحمقاء أي عشق تتحدثين عنه.
الجارية:عيني في عينك.
(تعود عالية للنظر من النافذة وهي مازالت تتصنع الغضب)
الجارية:سيدتي...إنني لست جاريتك فحسب,بل نحن أصدقاء تربينا معاً ولولا نسبك ونسبي لقلت أننا كالأختين,فما الذي يشغل بالك؟!إ(صمت,عالية لا تجيب)إن لم يكن الحب,فما هو الذي يشغل قلب صبية فاتنة مثلك؟! أمور السياسة أم أمور الحرب؟!...من هو سعيد الحظ هذا الذي يشغل قلب أجمل فتاة في المدينة؟
عالية(وقد تأملت الجارية وبدت كأنها تود أن تفرغ مكنون صدرها):رجل رأيته في المنام.
الجارية (مصدومة):منام؟! سيدتي أأنتِ بخير؟!
عالية:لأجل هذا لم أكن أريد إخبارك,لولا إلحاحك.
(تقوم من عند النافذة وتجلس علي كرسي في منتصف المسرح,فتقعد الجارية مكانها علي الأريكة)
عالية(كأنها مازالت تحلم,تحكي الحلم كأنه حقيقة ماثلة أمام عينيها):رجل أسمر جميل الصورة قوي الجسد,دخل علي فراشي أخذني في حضنه الدافئ ورفعني علي فرس أبي,ركبها وطار بي نحو السماء...سماء الحب!
الجارية(تضرب علي صدرها):فرس العقيلي!!إنها لا تخرج من هذا القصر ولا في المنام!
عالية(باسمة):ما أجمله من منام,ليتني أحلم به كل يوم,بل كل ساعة,ليت الأسمر يطير بي.
الجارية:هل كان عبداً؟
عالية:لونه مثل لون العبيد لكن ملامحه وسلوكه كالسادة النبلاء.
(يدخل عمار أخوها وكان قد سمع آخر عبارة من كلام عالية)
عمار:لا نعرف من له هذا الوصف غير أبي زيد الهلالي,ففيم حديثكما عن عدونا؟
(تضطرب المرأتان لدخوله,تنظر عالية للجارية كالمستغيثة)
الجارية:كنت أحكي مع سيدتي فيما يتناقله الناس من حديث نسلي به ليلتنا.
عمار (بحزم):غيرا حديثكما لا أريد سماع سيرة أحد من بني هلال يتردد في هذا المنزل,وخاصة علي لسان نسائنا,كنت أمر مصادفة أمام الحجرة وسمعتكما,ولو سمعكما غيري لساءت العواقب.
عالية(في أدب):كما تريد يا أخي.
(يخرج)
عالية:أبو زيد الهلالي.
الجارية(وقد راحت تنظر نحو الباب في فزع):ولا كلمة زائدة,صه...لو كان سمع حديثنا كله لقطع رأسينا.
عالية(مازالت حالمة):الأسمر سلامة
الجارية:رحمتك يارب السماوات!سيدتي لو لم تخافي علي نفسك خافي عليّ أنا الجارية المسكينة,لماذا تريدين أن تعدميني شبابي,ليتني ما سمعت منك حرفاً!
(تعود عالية تجلس بجوار النافذة وقد تبسمت أساريرها,وبجوارها الجارية شاحبة اللون)

المشهد الرابع

(يدخل أبو زيد وصديقه وعبده أبو القمصان في الصباح الباكر أمام باب بيت مغلق مهجور في مكان ناء, يحملان عدة الصيد,يبدو أبو القمصان مرحاً ومنطلقاً,ويلبثان حيناً يرتبانها ويتممان عليها)
أبو القمصان:منذ زمن لم نخرج للصيد,رغم حبك له.
أبو زيد:ورثت حب الصيد عن أبي رزق بن نايل,كان يصيد الغزالة بضربة واحدة وهي تجري كالسهم.
أبو القمصان:وكان يخرج معه أبي صديقاً وعبداً كما أخرج معك الآن.
أبو زيد(يخرج سهماً يتأمله):سبحان مولي الموالي,بهذا الشئ الرخيص تقبض الروح...أسمي ما خلق الله!
أبو القمصان(يأخذ من يده السهم ويضعه في جعبته):له في ذلك حكم.
أبو زيد:يا لحكمته المستغلقة علي الأفهام
(من علي اليمين تدخل غنيمة ولما يقع بصرها عليهما وهما يمسكان بالسيوف والسهام,تبهت وتقع علي الأرض تولول)
غنيمة:فررت من قضاء لقضاء...الرحمة بامرأة ضعيفة.
أبو القمصان:مابالك أيتها المرأة؟!
أبو زيد(لقمصان, وقد فهم ما يخيفها وهو يلقي سلاحه):الق سلاحك في الأرض.
(يقترب من غنيمة ويقف أمامها ويريها يديه)
أبو زيد:نحن ذاهبان للصيد ولسنا قطاع طريق,ماذا جاء بك من هذا الدرب المهجور
غنيمة (تبكي):آه يا جور الليالي,يا ويل من خانه الزمن,أصبحت خائفة من كل إنسان,أصبحت مرعوبة من أحكام القضا,صبحت بعد الأمان في تعب وشقاء,جئت أبحث عن الأسمر سلامة من في حومة الوغي يحمي العذاري من أسود الميدان.
أبو القمصان:ولم تبحثين عنه؟
غنيمة:لن أقول إلا له
أبو القمصان:قولي فها هو أمامك.
غنيمة(تقف متشبثة بثيابه):أهو أنت؟!
أبو القمصان:في غيابه أنا مكانه.
تنظر لأبي زيد الهلالي وترمي نفسها عليه متشبثة بثيابه وقد كاد يقع حجاب رأسها))
غنيمة:فهو أنت!واقعة في عرضك يا أبورية.
أبو زيد:روحي وعيني فداك,يا حلوة لمي غطاك.
(تعدله في خجل واضطراب)
أبو زيد:أي حاجة أقضيها لك؟
غنيمة:حكايتي طويلة,فليسعني حلمك
(موسيقي تطغي علي صوت غنيمة فلا يسمع ثم تنقطع)
غنيمة(مازالت تتكلم وأبو زيد وقمصان ينصتان باهتمام):فلما دخلت عليه ديوانه ورآني,تغير وجهه وعرف أني جئت أطالب بحق ولدي,ولولا وجود أعيان البلد معي لطردني شر طردة,قام بواجب الضيافة,ولما فاتحته في أمر زواج ابني من ابنته,طلب ألفين جمل وألفين حصان وألفين فرشة نعام وأخذ يعدد مطالبه الباهظة,التي يعلم أني لا أقدر عليها؛ليتهرب من وعده لابني,فلما ضمن الجمع كل ما أراده,اسود وجهه وقام من علي كرسيه وقال"بقي أهم مطلب...فرس جابر العقيلي قبل كل هذا"انتفض القوم وقالوا باستحالة ما طلب,لكنه أقسم بكل الأيمان أنه لن يزوج ابنته من ابن عمها لو لم يدفع لها فرس جابر مهراً,فخرجت باكية تجري مدامع عيوني,أشفق عليّ أحد الحاضرين وأخبرني أنه لا مفرج لهمي إلا أنت أيها البطل,فسعيت لك مسافرة وحيدة فقيرة أملي في الله وفيك.
أبو زيد:لا تحملي هماً يا أم راشد,سيأتيكِ الفرس ولو كان ثمنه حياتي.
أبو القمصان(مفزوعاً):أي فرس يا رجل, هل جننت؟!إنها أغلي وأشهر فرس في العرب,يحميها جيش كامل من الفرسان مخصصين فقط لحراستها.
غنيمة تنظر لأبو زيد في عشم,خائفة من تأثير كلام أبو القمصان عليه))
أبو زيد(مبتسماً مطمئناً):سيتزوج من ابنة عمه ويعود له ملك أبيه اطمئني,فقد قيضني الله لخدمتك,سأنطلق الساعة نحو بلاد العقيلي,خذها يا أبو القمصان منزلي واجعل أهل البيت يقومون علي خدمتها.
أبو القمصان(يحاول الاعتراض):ولكن....
أبو زيد(ينظر له أبو زيد في حزم):ماكنت أبو زيد ولا كان أبي رزق ولا أمي خضرة ولا من نسل النبي المصطفي خير الأنام,لو رددت سائلاً أو تهربت من خدمة محتاج.
غنيمة:أبقاك الله يا ولدي وأعطاك.
(يخرج أبو زيد من اتجاه وغنيمة وأبو القمصان من اتجاه)
ستار

الفصل الثاني

المشهد الأول
(دهليز فخم في قصر العقيلي,ظهراً,تمسك عالية مروحة تروح بها عن وجهها المتعرق من حرارة الجو , تتركها وتتشاغل بلضم حبات عقد من اللؤلؤ في سلسلة ذهبية موضوعة علي طاولة أمامها,تقوم تستروح نسمة هواء من النافذة ويبدو أن هناك ما استرعي انتباهها)
عالية(منادية):نسمة.
الجارية(داخلة من ناحية اليسار):مولاتي!
عالية:مابال هذا الشيخ العجوز يجلس هكذا في الطريق تحت أشعة الشمس الملتهبة(تقف الجارية بجوارها لتري المنظر من النافذة)انظري إلي ملابسه وهيئته,إنه شيخ درويش!ناديه بسرعة إلي ليصعد لهنا في الظل.
الجارية :أمرك مولاتي(تخرج)
(بعد دقيقة يدخل أبو زيد الهلالي متنكراً في هيئة شيخ درويش,طويل اللحية أبيض الشعر ملابسه مرقعة,يتمتم باسم الله وبحمده,تتلقاه عالية مرحبة وفجأة تتسمر أمامه)
عالية(تحدث نفسها):رباه...هاتان العينان,أين رأيتهما؟
أبو زيد(صائحاً علي عادة الدروايش في ساعات الكشف الصوفي):من الحر إلي الظل ومن الظل إلي الحر...دنيا يسيرها من لا ينام!
الجارية(تقدم له ماء بارد):تفضل اشرب يا شيخ
(أبو زيد يشرب بنهم شديد صادر عن العطش والحر)
أبوزيد:سقاكي الله من يد نبيه المصطفي
الجارية:آمين يا رب
عالية(تتأمل في أبو زيد):ألم تمر من هنا من قبل يا شيخ؟
أبوزيد:مررت ولم أمر!
عالية:كيف مررت ولم تمر
أبو زيد:مرورنا في كل الدنيا عدم لا وجود له,لا مرور إلا علي الصراط.
الجارية:لا تتعبني نفسك في الحديث معه,أمثال هؤلاء لا يصرحون بمقصودهم.
عالية:لتلضم لي حبات هذا العقد لعله يكون مبروكاً من يديك.
أبو زيد :أمرك يا من أعارك الإله حُسناً من جماله(يصيح)جميل جميل جميل,حي!
عالية (وهي مازلت تتأ
أمل أبو زيد وتحدث نفسها):عيناه...أين رأيتها؟!(للجارية)سأذهب لبعض شأني.
(تخرج)
(يبدأ أبو زيد في لضم العقد وهو يذكر الله,ثم تدخل مجموعة من الجند مدججين بالسلاح,ينظر لها خفية,ثم تدخل أخري)
أبوزيد:قولي لي يا نور العين,إلي أين تذهب هذه الجنود.
الجارية:وما يهمك من الجنود(صارخة)أأنت جاسوس؟!
أبو زيد(يحاول تهدئتها):سامحك الله,أتقولين هذا لي!
الجارية:لا يسأل عن خط سير الجند إلا الجواسيس.
أبو زيد:إنني فقط أود أن أسايرك في الحديث...لقد بقيت حبات زائدة عن العقد,هل ألضم له واحد أجمل من عقد الجميلة؟
الجارية(بفرحة أنستها اتهامها لأبوزيد):حقاَ؟!
أبو زيد:هاتي السلسلة من حول عنقك
(الجارية تعطيها له في سعادة)
أبوزيد:كن يا عقد حلية في جيد...ما اسمك يا صبية؟
الجارية:نسمة
أبو زيد:كن يا عقد حلية في جيد نسمة تزينها في عين الشباب.
(تبتسم في خجل,وتدخل مجموعة أخري من الجند,ينظر لها أبو زيد صراحة ثم ينظر للجارية متسائلاً بعينيه)
الجارية(وهي ترقب أبو زيد يلضم العقد في تشوق):إنها القوة المكلفة بحماية فرس جابر العقيلي,تحرس خيمتها المجهزة لها خصيصاً في داخل القصر عند آخر هذا الدهليز,لو هجم جيش كامل لا يستطيع أن ينتزعها منهم.
أبو زيد:مالي وللخيول...مالي وللدنيا!
الجارية:هل انتهي العقد؟
أبو زيد:ليكن عليك بركة يا ابنتي
(تتلقاه منه بفرحة ,تلبسه وتقف أمام المرآة وهي تتحسسه في سعادة,بينما أبو زيد يقوم خلسة ويلقي نظرة علي آخر الدهليز ويخرج بسرعة,تتلفت ورائها الجارية فلا تجده)
الجارية:أين ذهب هذا الدرويش
(تهز كتفيها بلامبالاة وتعود تتأمل نفسها في المرآة)
المشهد الثاني

(يُفتح الستار علي شجرة ضخمة عالية رابضة علي أيسر طريق صحراوي شبه مظلم,نتبين من خلال الظلام أبو زيد بعد أن خلع قناع التنكر مستلقياً علي أحد فروعها السميكة,يدخل سهل وهو شاب يبدو عليه الفقر والحاجة لكن في عينيه خبث ووقاحة,يجلس أسفل الشجرة)
سهل(لنفسه):تأخرت!!تأخرت!
(يشعر به أبو زيد فيفتح عيناه لكنه لا يتحرك من مكانه)
(تدخل زهوة وهي صبية لها نفس صفات سهل)
سهل(بنفاد صبر):أخيراً وصلتي!
زهوة(بقحة وميوعة):إنني أجئ وقت ما أحب!وأرحل وقت ما أحب!وإن كنت لا تريدني يمكنني أن أرحل الآن
(تهم بالخروج,فيهرول ورائها سهل جزعاً)
سهل(مستعطفاً):كلا ابقي,لم أكن أقصد إغضابك.
زهوة:هل أتيت بالمال؟
سهل(يخرج كيس من النقود): بعت ما أملك واستدنت لأوفر لك ما طلبتي من مال!
زهو(تضع كيس النقود في صدرها):ماطلبته لا يقدر بثمن,ولولا حاجتي الماسة للمال ,لكان ما دفعته الآن لا يساوي عُشر الثمن!إنك تطلب عالية بنت جابر العقيلي من فاق البدر وجهها وحاكي غصن البان قدها.
سهل:من يوم أن مررت مصادفة بجوار قصرها,ورأيتها عارية تستحم في البحيرة المجاورة,أصابني الجنون ولم أعد أنام أو آكل,ضربني حبها في قلبي فما عدت أعرف من أنا,أهملت كل شئ وسعيت في طلبها حتي عثرت فيكِ!(صائحاً)إنني أشتهيها!أشتهيها بكل جوارحي,أحلم بملامسة لحمها الطري ومداعبة شعرها السائح!
زهوة:الليلة ستكون في أحضانك كما اتفقنا!لو نجحت حيلتي في استدراجها إلي هنا بحجة عرض عطور وملابس وردت لي من الشام عليها.
سهل:ستنجح!لابد أن تنجح !(يكاد يبكي)لو لم تنجح سأموت!
زهوة(وهي تمشي بميوعة)سأذهب الآن انتظرني هنا يا(تضحك كعاهرة)يا عريس!
(تخرج,وينسدل الستار ليشير لمرور بعض الوقت,ثم ينفتح لنجد أبو زيد مازال في مكمنه العالي وسهل مختبئ خلف الشجرة ,وتدخل زهوة وعالية وهما يتحادثان,فيقفز علي عالية ويشل حركتها بيديه وهو يضحك كمجنون)
سهل:أخيراً بين يدي!
عالية(مستغيثة):انجدوني.
زهوة (بتشف):لن يسمعك أحد يا ابنة العقيلي
عالية(وقد أدركت الفخ):يا حقيرة,أهذا جزاء إحساني لك؟!
زهوة(تنظر لها بحقد):والآن الأميرة عالية ابنة جابر العقيلي,سيهتك عرضها ويمزق شرفها هذا الفقير الحافي علي التراب,لن أرحل سأظل هنا أستمتع بصراخك وبكاءك يمزقان عنان السماء.
(سهل يدفعها علي الأرض فتقع وهي تصرخ وتبكي وتسترحم)
عالية:يا رب!
(يقفز أبو زيد الهلالي من أعلي الشجرة ملثماً كأنه سقط من السماء,وسط ذهول ورعب من الجميع,يمسك سهل بيد وزهوة بالأخري,وهما يصيحان خوفاً ورعباً وعالية تكتم فمها بيدها وهي لا تزال تبكي)
أبو زيد(لسهل):ماذا كنت ستفعل يا حقير يا لعين,وأنتِ أيتها الشيطانة الماكرة كيف سولت لك نفسك هذا الفعل بامرأة مثلك لا حول لها ولاقوة؟!
سهل وزهوة(في نفس واحد):الرحمة!الرحمة!
أبو زيد(يلقيهما في الأرض):ولمَ لم ترحما هذه المسكينة؟!
(يخرج سيفه ويطعن به سهل,ثم يسلمه لعالية)
أبو زيد:اقتليها فلست أقتل النساء.
(عالية تقوم,تأخذ السيف وتطعنها)
أبوزيد:نجاك الله.
عالية(مازالت خائفة منه,لكنها حين تنظر في عينيه تهتف):العينان...الشيخ الدرويش...المنام...الفتي الأسمر...أبو زيد الهلالي.
أبو زيد(يخلع اللثام وقد فوجئ):كيف عرفتني.
عالية:رأيتك في المنام,تخطفني علي فرس أبي
أبو زيد:فرس أبيك!
عالية(وقد اقتربت منه):أنت الأسمر سلامة.
أبو زيد(مبتسماً):ما أسعدتني انتصاراتي في المعارك قدر سعادتي أنك حلمت بي,قبل أن تريني.
(عالية تنظر له بهيام وأبو زيد يشعر بالحرج والارتباك)
عالية:ماذا جاء بك إلي بلادنا؟
أبو زيد:موجود أيضاُ في حلمك.
عالية(تشهق وترجع بظهرها للوراء):هذا ما خفت أن يتحول هو الآخر لعلم...فرس أبي؟؟؟!!!
أبو زيد:فرس أبيك.
عالية:هذا مستحيل.
أبوزيد:ما أريدها لنفسي,لكني أريدها لفعل الخير مع امرأة وابنها اليتيم.
عالية:وهل هذا الخير لا يتم إلا بفرس أبي؟
أبو زيد:هكذا الشرط
عالية:هذا بعيد عليك وعلي كل قومك من الهلالية.
أبو زيد (مستيئساً):الأمر لله...هيا أعود بك لقصر أبيك وأرحل من هنا.
عالية(توقفه بلمسة من يدها علي كتفيه):لا...لن ترحل بدون الفرس,تحفظ عرضي وحياتي وتنجيني من الذل والعار,وأستخسر فيك كحيلة,لا والله لن ترجع بدونها.
أبو زيد:حقاً؟!
عالية:تعال معي للقصر
(يخرجان)
المشهد الثالث

(قبل فتح الستار يُسمع من خلفها صوت صهيل فرس عربي أصيل,حوله ضجة جنود,يُفتح الستار علي خيمة الفرس في أقصي يسار المسرح أمامها مجموعة من الجنود الأشداء)
جندي1(بغيظ ومرارة):إنه هذه الفرس تحظي بعناية لم يحظ بربعها كل أفراد سلالتي العائلية منذ دبت علي هذه الأرض التعيسة.
جندي2)ضاحكاً):عليك أن تدع الناس يركبونك ويعلفونك ليعتنوا بك...هذه هي الدنيا يا صاحبي!
(ضحك من الجنود)
جندي3:أحياناً أشعر أن هذه الفرسة تعرف قيمتها جيداً,فتتدلل علي الكل,لكني أحياناً حين أنظر في عينيها أري فيهما شوق دفين للحرية,للانطلاق,لملاقاة شريك لها,للعدو وسط الغابات والوديان,بدلاً من هذا السجن.
جندي4(يتنهد):لا مخلوق في هذه الحياة يعجبه حاله!
(تظهر علي عالية وجاريتها علي اليمين تحملان للجند الطعام,فيهب الكل لمرآها في خشوع,ويتسابقون لحمل الطعام عنها)
جندي2(يجذب منها الصينية):دعيها عنك أنتِ,لا يصل بكِ الكرم إلي حملها لنا بنفسك(للجارية همساً)هل اللحم مشوي أم مسلوق؟!
جندي1:سآكل هذه الليلة كما لم آكل في حياتي!
عالية:كلوا كما تحبون,ولو أردتم المزيد فقط أطلبوا.
(يبدأ الجنود في الأكل بشراهة وعالية والجارية ينظران لهم في قلق,بعد دقيقة يستلقون كلهم نيام كأنهم قتلي في معركة حربية)
الجارية:لا أدري كيف طاوعتك علي فعلتك هذه؟ربنا يستر!
عالية:لو انفضح الأمر سأتحمل أنا المسئولية كلها...الآن نادي الهلالي.
الجارية:ويلي لو رآه أحد هنا
(تخرج مسرعة,وتدخل عالية وهي تشد عنان الفرس الأبيض الجميل,ويدخل أبو زيد ملثماً راكضاً ليتسلمه منها,يقبل يديها وقبل أن يخرج به ,يدخل عمار فجأة)
عمار(صائحاً):الهلاك لكِ وله!
(يتصارعان,ويبدو واضحاً أن أبي زيد لا يريد إيذاؤه,يسقطه أرضاً, يأخذ السيف من يده ويرميه بعيداً تحت تهديد سيفه الموضوع علي رقبته,ويفر بالكحيلة,يخرج ورائه عمار وهو ينادي حرس القصر,بينما عالية تتداعي علي أحد كراسي الجنود وهي ترتجف من الخوف)

المشهد الرابع

(ديوان جابر العقيلي وهو عجوز يبدو عليه الحكمة والحلم ,يجلس علي كرسي الرئاسة وحوله معاونيه وعلي يمينه ابنه عمار,ويبدو الجو متوتراً وعلي وجهيهما تجهم ينذر بالشر)
جابر العقيلي(بهدوء):أدخلوها.
عمار(ينادي):أدخلوا السارقة!
جابر(يسدد له ضربة قوية من يده في صدره,فيئن لها عمار):لا تصف أختك بهذا الوصف!ولا تحكم علي متهم قبل سماع دفاعه.
(تدخل عالية يقبض عليها جنديان)
عالية:بريئة يا أبي!
جابر:كيف يا ابنتي بريئة وكل القرائن ضدك,وضبطك أخوك بنفسه وأنتِ تسلمين الكحيلة للسارق؟هل أصابك خبل؟أم مسك شيطان لتسرقي فرس أبيك.
عالية:هل تجد فرسك أغلي عندك من شرف ابنتك؟
(همهمة بين القوم,بينما يدخل أبو زيد متنكراً بدون أن يشعر به أحد ويتخذ مجلسه أقصي يمين المسرح)
عالية:هذا الذي سلمته الكحيلة نجاني من الاغتصاب والذل وكان يسعي في طلب الكحيلة فسهلت له الحصول عليها.
عمار:كاذبة!
أبو زيد:حي...قيوم!
(يلتفت له القوم,ويقع بصر عالية عليه فتعرفه, ترتج ثم تبتسم مطمئنة)
عالية:ادع لي يا درويش.
معاون1:كيف دخل هذا الرجل لهنا؟
جابر:اتركوه هذا درويش يدخل ويخرج بلا ميعاد.
أبوزيد(وقد اقترب منها يصيح):لن يؤذي الله الطيبين من عباده يا ابنتي(يهمس لها بخفوت)لا تخافي عدت لأجلك!
معاون2(وهو أقربهم لجابر سناً وخُلقاً):أشعر بحيرتك أيها الملك,فأذن لي باستدعاء رمال بارع أرسلت في طلبه منذ عرفت الحادثة يكشف لنا أصل الحكاية.
جابر:أذنت لك
(يدخل الرمال,ويهمس له معاون 2 بما قالته عالية,ويهز رأسه علامة علي الفهم والاستيعاب,ثم يُخرج أدواته ويفترش الأرض)
الرمال(بعد وهلة من ضرب رملة):اشكر الله أيها الملك,وحرر ابنتك الصادقة العفيفة,نجاها الله وخفف مصابك بسرقة الكحيلة.
جابر(يقوم بنفسه ليفك قيود ابنته):ولا ألف كحيلة وكحيلة!
(تحتضن أبيها)
الرمال(يعاود ضرب رمله):من أنقذها وأخذ الكحيلة موجود الآن في قصرك,هنا في ديوانك
أبوزيد:حي...مدد يا أم هاشم.
(يبحث القوم بأعينهم عن أي غريب بينهم,فلا يجدون)
عمار(للجند):فتشوا كل غرفة في القصر.
(يخرج الجند مسرعين)
الرمال:قلت هنا معنا.
جابر:ليس معنا غريب إلا هذا الدرويش!
الرمال:وهو من أنقذها.
(يتوجه له الكل بأبصارهم مندهشين)
عمار:من حاربني كان فارساً,وليس هذا الشيخ
جابر:اكشف عن نفسك أيها الرجل ولا تخف ولو كنت حتي أبو زيد الهلالي قاتل أهل وناسي.
أبوزيد(يخلع لحيته وعباءته):مادمت قلتها فأنا هو.
(يسدد له عمار وأكثر من واحد سيفه وهم يصيحون)
جابر(صائحاً في حزم):كلٌ يغمد سيفه في جرابه.
عمار:أنه أعدي أعدائنا يا أبي وقد وقع أخيراً
جابر:قلت اغمد سيفك.
(يغمد سيفه علي مضض)
جابر:من يحمي شرفنا ويمنع عنا العار لجدير بمنحه الأمان.
(جابر يسير قليلاً,يقترب من أبو زيد وفي لمح البصر وبقوة وسرعة لا نتخيلها من رجل في سنه,يسحب سيفه ويضعه علي رقبة أبوزيد الهلالي فيفاجأ,وتصرخ عالية,فينظر له جابر نظرة تعني أنه فهم كم تحبه)
جابر:صدقني أتمني قتلك الآن بيدي ثأراً لأقاربي من العقيلين الذين أسكنتهم المقابر,لكن إنقاذك عرض ابنتي, محا كل ما بيننا من عداوة,حلال عليك الفرس,وفوق الفرس سأزوجك ابنتي.
(تتراجع عالية مخفية وجهها بشالها, في خجل أنثوي غريزي لا تستطيع السيطرة عليه)
أبوزيد:كان مقصدي من رحلتي لهنا ركوبة,فلن أعود بالركوبة وفوقها عالية,حتي لا تعايرها البنات بعد ذلك,لها رحلة مخصوصة,تجيئها خضرة الشريفة نسبة النبي الزين بنفسها تحملها معها في الهودج.
جابر(معجباً):ونعم الأدب يا تربية الشريفة.
(يظلم المسرح تماماً حتي يبدو كل من عليه أشباح ساكنة, ما عدا البقعة التي يقف عليها الهلالي وعالية,تظل مضيئة)
عالية:سأنتظرك يا حبيبي لتطير بي نحو السماء...سماء الحب
أبوزيد:كم تمنيت أن تعودي معك,لكنه عودة لن تليق بمقامك وجمالك...وحبي لك!لا أعرف كيف سأصبر علي فراقك.
عالية:ولا أنا...سأدعو الله أن أحلم بك كل ليلة.
(يقتربان من بعضهما ويحتضن كل منهما الآخربقوة مستميتاً)
أبوزيد(وهو يخرج):إلي اللقاء يا عالية.
عالية(دامعة)مع السلامة يا حبيبي.
إظلام تام

الفصل الثالث

المشهد الأول

(منزل أبوزيد الهلالي,حجرة بسيطة فقيرة بالكاد بها أدوات المعيشة الأساسية,يجلس الهلالي  سارحاً ينفخ في الناي بنغم حزين,وبجواره عبده  أبو القمصان مضطجعاً علي الأرض واضعاً رجل علي رجل في خيلاء ظريف)
قمصان(بعد أن توقف العزف):منذ عدت من بلاد العقيلي يا صاحبي وأنت علي هذه الحال,عزف وسرحان وصمت,سأبدأ في القلق عليك.
أبوزيد:كما أخبرتك بالحال حب عالية.
أبو القمصان:وهل من يحب يا رجل يعش هكذا...آه!َاسألني أنا عن الحب!أن تحب يعني أن تملك الدنيا بأسرها,أن تتشجع علي خوض المنايا والصعاب,ألا تخشي من مخلوق إلا من حبيبتك طبعاً ولا تخاف إلا عليها,أن تعيش لحظات السعادة في كل يوم,وأنت تعرف أن قلبك تسكنه امرأة وأنت تسكن قلب امرأة,لا هذا الحزن الذي يبدو علي وجهك!
أبوزيد:هذا لمن ساعدهم دهرهم في حبهم,أما من يحب ابنة عدوه وعدو قومه فليس له إلا الأحزان.
أبو القمصان:ألم تقل أن الرجل لم يعد يحمل لك ضغينة بسبب معروفك مع ابنتك؟
أبوزيد:وقومي؟
أبو القمصان: هل تريد أن أخبرهم لأعرف رأيهم؟
أبوزيد(منتفضاً):إياك!
أبو القمصان(منكمشاً)كما تريد.
أبوزيد:لأول مرة أجد نفسي مخذولاً وجباناً...كيف أخبر خضرة أني أحببت امرأة ممن قتلوا والدي,كيف أقول لابن عمي حسن وأخته الجازية أنني سأتزوج ممن قتلوا أبيهم وعمي ملك الهلايل.
أبو القمصان(وقد اعتدل في جلسته):والعمل؟
أبوزيد:اللي يريده الرب ماشي.

(يهبط الستار لوهلة إشارة لمرور عدة أيام,ثم وقبل أن يرفع نسمع من خلف الستار تنهدات وآهات أبو زيد الهلالي,يرفع الستار فنجد الهلالي تحت غطاء سميك راقداً مريضاً بحمي أفقدته وعيه,وبجانبه خضرة باكية علي الفراش وهي امرأة متقدمة العمر علي وجهها جمال ويحيط بشخصيتها وسلوكها وقار وإجلال,و الجازية الهلالية تداويه وتضع علي جبينه "كمادات"وهو يئن ويتوجع من المرض,وأمام السرير الراقد عليه يقف أبو القمصان في حزن)
أبو القمصان:استريحي أنتِ يا سيدتي,مر خمسة أيام منذ مرضه لم تفارقيه,اذهبي لمنزلك ولو لساعتين
الجازية(بتعب بادٍ):لا سأبقي إلي أن يزيح الله عنه.
خضرة(باكية):آه لو أعرف دواك يا ولدي,ولو كان نن عيني ومهجة قلبي وعروق دمي لضيحت بهم فداك.
أبوزيد( يهمس بضعف شديد):عالية...عالية!
(يقترب منه الثلاثة ليحاولوا سماع قوله)
أبو القمصان(مندهشاً):عالية...أهذه هي سر مرضه؟ألهذه الدرجة أحبها؟!
(تهب خضرة الشريفة من الفراش وتقوم الجازية متوجهتان لأبو القمصان)
أبو القمصان:سأقص عليكما الحكاية!

المشهد الثاني

(ديوان الملك حسن,نفس المشهد الثاني من الفصل الأول ما عدا وجود أبو زيد,لكن الحزن يخيم علي الجمع)
زيدان(متأثراً):كان أنس مجلسنا!
حسن(بلهجة ذات مغزي وهو ينظر لدياب بن غانم):عين الحساد الذين أعجزهم سيفك أصابتك يا ابن عمي.
دياب(كأنه لم يسمعه):شدة وتزول ويعود أبو رية كما عهدناه.
(تدخل خضرة والجازية وأبو القمصان)
الجازية(متهللة):أبشر يا حسن أبشروا يا ناس,عرفنا دوا أبوزيد.
زيدان:ماهو؟
أبو القمصان:لما سافر ليحصل علي فرس العقيلي,عشق عالية ابنة جابر,بعد أن انقذها من الاغتصاب علي يد جبان من الجبانات,لكنه كتم حبه في صدره خوفاً علي شعور أمه وشعور أولاد عمه,كونه يرغب في الزواج من ابنة عدوهم الذي أعطاه الأمان بل وأراد أن يزوجهما وهو هناك,لكنه رفض وقال أنه جاء لركوبة أما عالية فلها مجئ خاص,أخبرني وهو يتألم,كيف وعدها أن خضرة الشريفة ستعود بها علي هودجها وهو من داخله لا يعلم كيف يواجهها بحبه لابنة العقيلي,من يوم مجيئه وهو متغير المزاج حزين علي الدوام,حين صارحني بحبه وسبب ألمه لم أكن أتصور أنه سيسبب له الحمي وفقدان الوعي,لكني لما سمعته يهتف باسم عالية العقيلية تأكدت أنها هي سبب مرضه وسبب شفائه.
 (يحل صمت تقطعه خضرة)
خضرة:أنا موافقة علي تزويجه من اختارها قلبه,وسأزينها له بنفسي ليلة العرس لو كان هذا دواءه,أنا أسامحهم في دماء زوجي(يتهدج صوتها بالبكاء)زوجي رزق بن نايل(تبكي بحرقة).
الجازية:وأنا أسامحهم في دماء أبي.
حسن(بعد تردد):حنظل هو القاتل الأصلي وقد انتقمنا منه,ومادام جابر بدأ بالصلح فلا مانع,تمنيت دوماً أن أجنب أهل بلدي الحروب قدر الإمكان.
القاضي بدير:قال الله تعالي"ولا تزروا وازرة وزر أخري".البنت بريئة فلا نضيع بطلنا بالباطل.
حسن:لكن من يجرؤ علي دخول بلاد العقيليين,نحن لا نأمن شرهم مهما كان,كل رجل منهم له ثأر معنا ولو عرف بوجود واحد منا ماتردد في الفتك به!
زيدان:أنا أروح لهناك فداء لخالي
دياب(بحب للمخاطرة):وأنا معك.
حسن:ستأخذانه في هودج الشريفة,وتذهبان به ناحية بني عقيل,وتفعلان ما تريان فعله,لدخول قصر العقيلي والعمل علي لقاؤه بالفتاة.
زيدان:سنفعل المستحيل
خضرة:خذاني معكما.
دياب:أين تذهبين يا أمي؟!دعيه لنا وتوكلي علي الله
زيدان:ابقي و ادعي لنا ياجدتي.
خضرة:ترجعون كلكم سالمين غانمين ومعكم ولدي قائماً علي رجله.
أبو القمصان:لولا أنه أوصاني أن أكون هنا بدلاً منه بجوار أمه ما تركتكما تذهبان وحدكما ولو قطعوني هناك!
حسن:انطلقا به الآن.
خضرة:يارب...أنت عالم بحالي!
(يخرج زيدان ودياب وخلفهما أبو القمصان,بينما تحيط الجازية خضرة  كتفي خضرة بذراعها,فتسند علي كتفها مستسلمة للبكاء.)
المشهد الثالث
(ديوان جابر العقيلي,العقيلي يجلس وقد تخلي عن صفته الرسمية,يجلس علي كرسي عادي من الكراسي التي في مجلسه,وبجواره ابنه عمار وابن أخيه محمود ,وتفتح الستار وهم يستكملون حديثهم)
محمود(متجهماً):أهذا ما عندك يا عمي؟
جابر:يا ولدي البنت خُطبت لمن صانها,هو الأحق بها.
محمود:فأين عقلك؟!تعطيها لقاتل أقاربك وبني عمومتك
جابر(يقف منتفضاً):تأدب يا ولد!لولا أن أبيك أوصاني بك قبل موتك لكنت قطعت لسانك.
محمود:لا أقصد إساءة,لكنها ابنة عمي وأنا أحق بها من هذا العبد الزربون ابن الجلايب!
جابر:قلت لك تأدب إنه أصبح بمثابة زوج ابنتي,وأنت تعلم انه ليس عبداً,وإنما فارس نبيل في العرب, شريف ومن نسل المصطفي,فهو أفضل منك وأمه خيراً من أمك,بل وأبيه خيراً من أبيك(يخرج)
محمود:لقد جُن أبيك وحق الكعبة!
عمار:إنني أغلي يا ابن عمي.
محمود:والعمل؟
عمار:لا أري إلا أن تستميت في محاولة جذب قلبها إليك بأي حيلة,تلك هي الوسيلة الوحيدة الممكنة.
محمود:كيف؟(بلهجة من لا يعرف سوي المادة)بهدية ثمينة مثلاً؟
عمار:جرب,لعل هديتك الثمينة هذه تفتح قلبها لك
محمود:لن يحصل عليها ابن الهلالي وأنا حي!
عمار(مخذولاً لهزيمته السابقة علي يديه):لا تعتمد كثيراً علي سيفك,فالحق أن هذا الرجل صنديد من صناديد المحاربين,يبارز بالسيف كأنه قطعة من يده,وفي عينيه دوماً نظرة من يعرف أنه سينتصر,تلك النظرة هي نصف هزيمة الخصم,بمجرد أن يري عينيه يعرف أنه سينهزم مقتولاً أو هارباً...أو طريحاً علي الأرض تحت رحمته!
محمود:سأهبها أغلي ما يمكنني الحصول عليه.
عمار(ناظراً لكرسي الرئاسة):لو كنت أنا من يجلس عليك
(يعود جابر ويسمع مقولته)
جابر:قلتها من قبلك في حياة أبي,وها أنا اليوم أجلس عليه,وغداً ستجلس أنت عليه,وستكون أمنية ولدك أن يجلس هو عليه...لا تتعجل قدرك يا بني,فالمُلك خداع والرئاسة شرك,لو لم تكن علي قدرها,سيتحول هذا الكرسي الذي تحلم به لهوة لا قرار لها مليئة باللهب الحارق تبلعك في جوفها.
عمار(وقد ارتج لوجود والده):أطال الله عمرك يا أبي
جابر(يبتسم ابتسامة حزينة ويعتلي كرسي):والآن اخرجا فعندي مهام جسام لردم تلك الهوة التي عشت ثلاثون عاماً أردم فيها.
عمار:أمرك يا أبي
(يخرجان)
المشهد الرابع
(يدخل دياب وزيدان وعليهما غبار السفر وتعب الترحال ومعهما جملاً يحمل هودج حريري مبهر جميل,مرصع بأنفس الأحجار الكريمة,يخطف العيون,وفي الخلفية تبدو ظلال للمدينة وقت الغروب)
زيدان(وهو ينهج):لنسترح هنا قليلاً قبل التوغل في المدينة...تعبت!
(يقعدان مستندين لجدار شبه مهدم في صدر المسرح,يدخل محمود مهموماً مفكراً,يمر عليهما بلا اهتمام,لكنه فجأة يتسمر مكانه بعد أن شاهد الهودج)
محمود(مرحباً):السلام عليكم
دياب وزيدان:وعليكم السلام.
محمود:تبدوان أغراب.
زيدان:أجل لسنا من أهل هذه البلاد.
محمود: من أين العرب؟
دياب:من...من مكة السعيدة
محمود :نتشرف بمعرفة الاسم يا رجال.
دياب:أنا فرحان وهو(يشير لزيدان) فرحات.
محمود(مداعباً):دوماً في فرح يا خال.
دياب:بارك الله فيك يا ولدي,وأنت ما الاسم؟
محمود:محمود
دياب:لتكن أهل للحمد دوماً يا ولدي.
محمود(وهو يجلس معهما):وهل جئتم للتجارة؟
دياب:أجل نحن تجار.
محمود:سأكون أنا أول مشترِ منكم
دياب:إنما جئنا لنشتري نحن أيضاً لا لنبيع,ليس معنا بضاعة.
محمود:وهذا الهودج؟
(يقف زيدان فجأة أمام الهودج كأنه يحرسه)
دياب (بحزم):إنه ملكنا ليس للبيع.
محمود:سأدفع فيه أي مبلغ تطلبه مهما غلا
زيدان(غاضباً ):قال لك ليس للبيع أيها الرجل ألا تفهم؟!
محمود(يقف علي استعداد للمغادرة):حسناً لا تغضبان هكذا.(يخرج وهو يلتهم الهودج بعينيه)
(زيدان يربت علي الهودج بيديه,ويعود ليجلس علي الجدار)
زيدان:سأغمض عيني لخمس دقائق,يا عم دياب لا تسهو عن الهودج
دياب:نم مطمئن يا زيدان,خالك في عيني.
(ينام زيدان,ثم يتثاءب دياب ناعساً ويغط هو الآخر بجواره نائماً,وبعد دقيقة يرجع محمود ناحية الجمل يتسحب في هدوء شديد,يمسك عنان الجمل ويخرج به من المسرح,يستيقظ زيدان ولا يجد الجمل فيسرع نحو جانبي المسرح ويختفي قليلاً في كل جانب ويعود لاهثاً)
زيدان(صارخاً):يا خالي!
(يهب دياب مفزوعاً)
زيدان(باكياً):ضاع خالي,أخذوه الأعادي
دياب:لا تبك هكذا كالنساء
زيدان:خالي مات...خالي ضاع.
دياب:كلها يا ابني ستموت كلنا هنا ضيوف,وفي يوم معلوم سنسكن القبور.
(زيدان يركع مكان الجمل باكياً)
دياب:هيا لنرجع!
زيدان:أرجع لأقول لهم ماذا؟!سرقوا خالي و أنا نعسان؟!
دياب:سأرجع أنا الآن,لا فائدة من مكوثنا هنا,الآن حسن لن يستطيع القيام بمهام الملك بعد ضياع أبو زيد.
زيدان:عد أنت,لن أرجع إلا بعد أن أعرف أي أخبار عن مصير خالي...لعلي أجده حياً!
دياب:كما تريد(لنفسه)خلت لك السلطنة يا ابن غانم.
(يخرج متحمساً)
زيدان(صارخاً):يا خالي!

الفصل الرابع

المشهد الأول
(ينفتح الستار علي عالية العقيلية في حجرتها,تداعب العقد الذي صنعه لها أبو زيد من علي جيدها,ومعها الجارية,هذه المرة عالية بعيدة عن النافذة والجارية هي من تجلس مكانها)
الجارية:من كان يصدق أن هذا الدرويش هو أبو زيد الهلالي؟
(عالية تنظر إليها ساهمة)
الجارية:أو يصدق أن أبيك نفسه يعرض عليه أن يتزوجك؟
(مازالت عالية تنظر إليها ساهمة)
الجارية(وقد اقتربت منها):بسم الله الرحمن الرحيم,سيدتي مالك؟!
عالية:طال غيابه...طال غياب الأسمر سلامة
الجارية:الغائب حجته معه,مادام وعدك سيفي بوعده.
عالية:خوفي أن ينساني بين أهله ودياره,ومع ما يلاقيه في حياته من مصاعب أتحول أنا إلي ذكري باهتة.
(يدق باب الحجرة ,فتفتح الجارية,فيظهر محمود مع اثنين من أصدقائه يحملون الهودج ويضعانه علي الأرض داخل الحجرة)
محمود (لأصدقاؤه):شكراً يا رفاق.
الجارية(منبهرة بالهودج):لمن هذا يا سيدي؟!
محمود(متفاخراً):هل أعجبك؟
الجارية:وهل فيه ما لا يعجب,أنه يساوي آلاف آلاف الدنانير!
محمود(يرفع صوته ليصل لعالية):إنه هدية لابنة عمي .
(تذهب عالية ناحيتهم,وتبدي بنظراتها إعجابها بالهودج)
عالية:أهذا لي؟لكني لا أستطيع قبوله,ما المناسبة؟!
محمود:بدون مناسبة...رأيته فقلت أن هذا الهودج الرائع ليس رائعاً تماماً,ينقصه شئ واحد,لتكتمل مفاتنه,تركب بداخله عالية ابنة عمي ويتضفي عليه سحرها.
عالية:ولكن...
محمود:بحق أغلي ما تتمنينه في هذه الدنيا ليتحقق,لا تردي عليّ هديتي.
عالية(باسمة):أقسمت علي بما لا أستطيع رفضه...شكراً لك يا محمود هدية مقبولة!
محمود(بسعادة):ليتني أحضر لحجرتك الدنيا وما فيها(يخرج بخفة, يكاد يقفز من السعادة)
(عالية تغلق الباب ورائه)
الجارية(تتحسس الهودج):يا سلام يا سيدتي انظري!انظري لملمس الحرير
عالية:حلفني بأغلي ما أتمناه,حلفني بأبورية.
صوت الهلالي (من داخل الهودج):عالية,أهذا أنتِ؟!
(تصرخ المرأتان فزعاً وتلتصقان ببعضهما,مشلولتان من فرط الرعب,يخرج أبوزيد من الهودج زاحفاً بصعوبة)
عالية(وهي ترتمي عليه):حبيبي!
المشهد الثاني
(منزل دياب ابن غانم يملي علي عبده مرجان خطابه وبجانبه غانم شيخ واهن,يحرك رأسه أثناء بازدراء دلاله أنه لا يعجبه الكلام)
دياب(مُملياً علي العبد): اعلم يا حسن أن أبوزيد سكن التراب وراح,سلم لابن غانم الرئاسة,تسلم من بلاوي الزغابة,هات امضي يا ولد يا مرجان.
(مرجان يتوجه له,لكن غانم يوقفه بعصاه)
غانم:يا ولدي لا تغرنك نفسك أنت مقدم علي عمل خطير,تكسر به قوانين البلاد,أرأيت جثته بعينك؟لم أنت متأكد هكذا؟
دياب(بنفاد صبر):أبي ليس عندي وقت لأضيعه في الجدل معك,اترك العبد.
غانم(ينزل عصاه):روح يا ولدي لما يضرب السد راسك ويوقظك,تعرف قدمك من راسك.
(دياب يمضي علي الجواب ويعطيه للعبد)
دياب:اركض نحو حسن الهلالي سلمه هذا الخطاب وعد بسرعة.
(يخرج العبد مسرعاً)
دياب:عطاني زماني,وبلغت المراد,أنا الحل والربط بإيدي.


المشهد الثالث
(ديوان حسن يخيم عليه الحزن والصمت والخوف,فنري حسن مضطرباً أصفر اللون ومن حوله ينظرون له ولبعضهم بإشفاق,وعلي يمينه قمصان عبد وصديق أبوزيد الهلالي)
رجل1:والله خسارة تروح يا أسمر يا حلو دمك.
رجل2:ضربت الهلايل في مقتل,لم يعد لها حام!
(يسدد له حسن نظرة أسيفة)
رجل2(وقد شعر بزلة لسانه):قصدي أنه....
(يدخل مرجان,بلا سلام أو كلام ويلقي الخطاب في حجر حسن)
مرجان:خطاب من سيدي دياب ابن غنام!
أبو القمصان(يصفع العبد):ألا تعرف أدب الدخول علي الملوك يا وقح
(يشتبك معه العبد)
حسن:كفي!
(يقرأ حسن الخطاب,ويسلمه لأبو القمصان)
أبوالقمصان:الوغد...جاءت له علي طبق من فضة!(يخرج سيفه,ويمزق الخطاب به,ثم يضعه علي رقبة العبد,قل عبد السوء لسيدك ابن غانم,لا هو ولا كل الزغابة سيلمسون كرسي الرئاسة مادام الملك حسن حياً,واسأله بأي حق تطالب بالزعامة,وقد جاء جدودك إلي هنا عرايا حفاة,كسوناهم وأطعمناهم,يبدو أن شيطانه خدعه,كما خدعك أنت يا كلب(يطعنه في ذراعه)هذه لتتعلم الأدب,ولسيدك مثلها لو عاود الكرة.
(يخرج العبد مولولاً)
حسن:دعوني وحدي
(يخرجون تباعاً)
حسن(لنفسه):راح من كان يثبت عرش حكمك, أجل لم يعد للهلايل حام فعلاً كما قال الرجل,عجزت عن الرد علي كلب دياب,ولولا دفاع أبو القمصان عنك,لكنت خفت ورضخت له,العبد دافع عن الملك!ويلي من ضعفي وقلة حيلتي, دياب بن غانم أعرفه كما أعرف كفي,لن يهدأ إلا هذا الكرسي(يضرب بقبضته علي الكرسي)تحته...ويل للهلايل بعدك يا ابن عمي.
(تظهر الجازية ترتدي ثياب الحداد,وعليها سيماء الحزن)
الجازية:هل سيتحارب قومنا فيما بينهم طمعاُ في السيادة؟
حسن:أي شئ اليوم متوقع حدوثه,وكما كان يقول أبوزيد(يبتسم في حزن)"اللي يريده الرب ماشي".
(تنهنه باكية في صمت عند ذكر أبو زيد)
المشهد الرابع
(ساحة صحراوية,ينقسم المسرح لقسمين قسم يمتلأ بالزغابة وقسم بالهلالية,وبين القسمين وقف دياب وأبو القمصان في وضع استعداد للقتال)
أبو القمصان:أنت تعرف بلائي في الحرب يا ابن غانم,صحيح أنا أحسب من ضمن العبيد,لكني كنت بجوار فارس العرب أبوزيد,وكنت بمثابة يده اليمني,عركتني السيوف وعركتها.
دياب(بصلف):وأنا دياب ابن غانم,غني عن تعريف نفسي!
أبو القمصان:الحق معي,و من  اسمه الحق في السماء لن يترك الحق يضيع علي الأرض.
(يتقاتلان في شراسة, يضرب أبو القمصان بقوة علي سيف دياب,فيسقط سيفه منه,يصيح الزغابة والهلايل وسط ذهول دياب وقلق حسن,يتناوش الفريقين بالكلام ثم يجر كلاً منهما سلاحه علي الآخر,تنذر بوقوع مجزرة,يجري في المنتصف حسن ليحول بينهما)
حسن(صائحاً):يا قوم...اشهدوا أني تنازلت عن السلطنة لدياب ابن غانم الزغبي الأحمر,حقناً لدماء الهلايل والزغابة
(صيحات استهجان من فريق الهلايل, تهليل من فريق الزغابة)
أبو القمصان:لتحرم علي بلد يحكم فيها يخضع فيها الحق للباطل,سأخرج أنا ومن اتبعني نحو جبل الكرومات,حتي يقضي الله أمراً كان مفعولاً

الفصل الخامس

المشهد الأول
(أبوزيد نصف مستلق علي فراش عالية ,قد بدأ يسترد صحته, عالية بجانبه تطعمه بيديها,والهودج مركون في زاوية الحجرة اليمني)
أبوزيد:كفي شبعت الحمد لله!
عالية:لا,لابد أن تكمل هذا الطعام كله,لتسترد صحتك كاملة.
أبوزيد(مقبلاً يديها):استرددت صحتي لحظة ما رأيتك,لو كان في الطعام والدواء شفائي,لكنت شفيت وأنا في حضن أمي!
عالية:كم أتمني لقياها,هذه المرأة التي أصبحت مضرب الأمثال في الشرف والعفة,وتحمل الظلم.
أبوزيد(يشير للهودج):هذا هو الهودج الذي رجعت به لنجد في طريق فرش بالحرير!
عالية(مندهشة):فرشتم الطريق من بلاد العلمين حتي نجد بالحرير...كيف؟!
أبوزيد:كان شرطي علي أبي ليعود بها,أن يفرش تحت جملها الحرير,حار الملك سرحان فحرير بلاد العلمين ونجد كله لا يكفي,لكني أقسمت بالله أنها لن تعود للبلد التي طردت منها متهمة بالزنا والعار باكية في جنح الليل,وأنا علي يدها مجرد قطعة لحم نزلت قبل أيام من بطنها،إلا وجملها يمشي علي الحرير.
عالية:وماذا حدث؟
أبوزيد:علمت الجازية بشرطي,وحلت المسألة التي حار فيها الرجال كلهم,قالت لنفرش تحت الجمل مائة متر من الحرير يمشي عليه ,وقبل أن يصل لنهايته يركض العبيد نحو طرفه الآخر ويضعونه مرة أخري أمام الجمل,وهكذا حتي تصل خضرة لنجد,ومن يومها أعطاها أباها ثلث الملك والحكم في نجد.
عالية:يا لتدبيرها!
أبوزيد:إنها كأمي خضرة نموذج علي عظمة المرأة العربية!
عالية(بدلال):وأنا؟
أبوزيد:أنت نموذج علي ما تفعله المرأة في أعتي الرجال أبوزيد الهلالي سلامة بن رزق بن نايل من غلب الأبطال وصارع الأسود كاد أن يموت من فراقه لفتاة يثقل عليها حمل مقبض سيفه!
عالية:بعد الشر
أبوزيد(مستمراً) بدونك أنا كفرخ حمام ضعيف لو ضُرب من صبي صغير انهرس,ومعك لا يقدر عليّ إنس ولا جان!
عالية:وأنا بدونك لا وجود لي.
أبوزيد:ستحزن أمي لما تعرف أني تزوجت بدون وجودها!

عالية:قل لها(تقلده)سامحيني يا أمي,كان هذا هو علاجي الوحيد,وصال عالية بنت جابر العقيلي,وأعدك أننا سنُزف ثانية في حضورك
أبوزيد:وهل تودين زفاف آخر؟
عالية:أُريد أن أزف لك كل ليلة.
(يضحكان في بهجة)
أبوزيد:ناوليني إبريق الماء.
عالية(وهي تناوله):صحيح...نسيت إخبارك.
أبوزيد:ماذا؟
عالية:سمعت أبي يتحدث عن شاب يقف منذ ثلاثة أيام علي بئر المياه الذي نشرب منه ,يمنع أي مخلوق من الاقتراب سواء كان إنسان أو حيوان يقول أنه كان معه جمل دخل به في بلادنا وسرق منه ولن يشرب أحد لو لم نرد له جمله,ذهب له أبي بنفسه ولم يستطع أن يقنعه بالابتعاد عن البئر بعد أن أقسم له أنه سيبحث بنفسه عن جمله الضائع,لكنه أبي.
أبوزيد(يبدو عليه الاهتمام):ألم يصفه؟!
عالية:شاب طويل عريض,يبدو فارساً من الأبطال,أنفه أفطس قليلاً وشعره مجعد,دخل المدينة مع قريب له,شارباه طوال وشخصيته حازمة,ويظهر أنه أيضاً من الفرسان.
أبوزيد(يقوم من علي الفراش):هذا زيدان ابن أختي والثاني دياب ابن غانم.
عالية(خائفة عليه):أين ستذهب؟
أبوزيد:لابن أختي الذي أضناه البحث عني,هلمي هاتي لي عمامتي ومركوبي
المشهد الثاني
(زيدان واقف أمام البئر,وبالكاد مازال محتفظاً بعقله,استطال شعره وتمزقت ملابسه,يرمي علي الأطفال الحجارة وهم يصيحون كما يفعلون مع المجانين,يركض خلفهم وهو يضرب بسيفه في الهواء,ويعود مسرعاً خوفاً من أن يقترب أحد من البئر,يدخل أبوزيد متلفعاً بشال عمامته علي وجهه)
أبوزيد:السلام عليكم.
زيدان:وعليكم,لو كنت تريد الماء,لن تحصل منه علي قطرة واحدة,اذهب لحال سبيلك محتفظاً بكرامتك.
أبوزيد:لا حول ولا قوة إلا بالله,وهل يمنع ابن آدم عن الماء؟!أي زمن هذا؟إ
زيدان:لا أريد ثرثرة أيها الرجل.
أبوزيد:طيب...تسمح لي بالوضوء
زيدان:الوضوء نعم,لكن إياك أن تشرب
(يتوضأ)
أبوزيد:ولم تفعل هذا يا بني؟.
زيدان:ضاع مني جمل.
أبوزيد:وهل لأجل جمل تمنع أهل البلد كلهم عن الشرب.
زيدان:حمولة هذا الجمل ببلدكم كلها.
أبوزيد:الأمر لله(قبل أن يخرج,يناديه)زيدان؟
زيدان(مندهشاً)كيف عرفت اسمي؟!
أبوزيد(يرفع الشال عن وجهه):أهذا ما حمله جملك؟
(زيدان يركض عليه ويحتضه ويقبله,وأبو زيد يبادله الأحضان والقبلات)
زيدان:ظنناك مت يا خالي!
أبوزيد:أكان معك دياب,ولما سرُق الهودج وأنا فيه تركك في الحال ورحل أليس كذلك
زيدان:أجل
أبوزيد:كما حدثني قلبي,وأظنه الآن أخذ السلطنة من حسن.
زيدان:أول ماذكر ذكر عدم قدرة حسن علي حماية البلاد بعد اليوم.
أبوزيد:عد أنت,واكتم أمري,قل أنك لم تقف لي علي خبر.
زيدان(يقبله بين عينيه فرحاً,ويمسك كتفيه كأنه يتأكد من وجوده):أمرك يا خالي,الحمد لله!
(يخرج زيدان)
أبو زيد(صائحاً)يا ناس من كان يريد الماء فالماء أمامه,ذهب الكرب!
(يهلل الناس وتدخل مجموعات من النساء والرجال والأطفال مهللين,يشربون ويملأون)
أبوزيد(يداري ألمه وإشفاقه بابتسامة,وهو يداعب رأس طفل صغير يشرب في فرح)سامحك  الله يا ابن أختي,كيف فكرت بحرمان الناس من الماء؟اللهم لا تؤاخذني بذنبه واغفر لي وله....أذهب الحزن عقله!
المشهد الثالث
(طريق جبلي ,الوقت ليل, الظلام كثيف , في الخلفية صورة لجبل متوسط الحجم هو جبل الكرومات,يدخل أبوزيد وعالية)
عالية:آن لنا أن نعود الآن للقافلة,لقد ابتعدنا عنها كثيراً.
أبوزيد:أريد أن أنفرد بك بعيداً عنهم قليلاً.
عالية(باسمة في خجل):اصبر قليلاً حتي نصل بلدكم
أبو زيد(برومانسية):عالية إنني...
(أصوات خافتة تدل علي وجود حياة عند الجبل,كصراخ أطفال وصياح نسوة)
أبوزيد:عجيب هذا الجبل لم يكن مسكوناً من قبل.
(يدخل أبو القمصان,يلمحه أبوزيد ,يهم بمناداته,لكنه يعدل فجأة عن ذلك ويضع لثامه علي وجهه)
أبو القمصان:من أنتما؟
أبوزيد:مسافران.
أبو القمصان:والمرأة التي معك.
أبوزيد:زوجتي.
أبوالقمصان:هيا لا تتسكع هكذا الجبل تسكنه نساء.
أبوزيد:من أي القبائل.
أبوالقمصان:وما شأنك أنت ؟!امض من هنا الآن.
أبوزيد(بوقاحة):كلا سأدخل ناحية الجبل واستريح من وعثاء السفر,وسأجلس في المجلس الذي يعجبني
أبو القمصان:أنت رجل قليل التربية,وسأربيك.
(يتبارزان,فتدخل مجموعة من الهلايل علي صوت قعقعة السلاج , علي رأسها خضرة الشريفة,يهزم أبوزيد أبو القمصان فيقع علي الأرض)
خضرة الشريفة(راكعة علي ركبتيها):ارحم نساء وأطفال هذا حاميهم الوحيد,ولا حامي إلا الله,ارحم ثكلي مات ولدها وتود أن تحيا أيامها الباقية في أمان.
أبوزيد(يرفعها من علي الأرض وصوته مختنق بالبكاء):أنا معك لآخر العمر يا أمه
(يخلع لثامه,تحضنه خضرةويصيح الهلايل في فرح, يقفز عليه أبو القمصان مرحاً كما ظهر في أول المسرحية,وهو يهتف باسمه ويناديه بسيدي,يحتضنهما أبوزيد)
أبوزيد(لعالية):تعالي.(لأمه)زوجتي .
(تحتضنها خضرة وهي تربت علي ظهرها)
خضرة:تحاكي حور الجنان,عرفت الآن لماذا كدت تهلك لفراقك لها.
(تحوطها بنات الهلالية,يهنئنها مستقبلة إياهم ببشر وترحاب)
المشهد الرابع
(أبوزيد وأبو القمصان يجلسان عند سفح الجبل في ساعة متأخرة من الليل)
أبوزيد (يعبث في الأرض بطرف سيفه):أكل هذا جري لكم في غيبتي؟!
أبوالقمصان:ظنناك انتهيت.
أبوزيد:لكن عاش الحيل والله يا أبانجاح,ماخيبت فيك ظني يوماً,لو كان آخر لكافئته,لكنك أقرب لي من أن أكافئك بشئ.
أبوالقمصان:إننا بمثابة اثنين في واحد.
أبوزيد:وحسن كيف حاله؟
أبوالقمصان:من يومها وهو في داره,ودياب متسلطن علي الخلائق,ومصدق حاله.
أبوزيد:توقعت أن  يثب علي الرئاسة لكن ليس بهذه السرعة ولا بتلك الطريقة.
أبوالقمصان:طمع النفوس يعمي العيون.
أبوزيد:اللهم نجنا من دنيا غرورة,تهش للإنسان كأنها وليفته التي ستبقي معه أبد الدهر,تسعده وتطعمه وتحضنه وترعاه بالدفء والحنان,وفي لحظة توليه دبرها,تركله في وجهه فتدميه وتوقعه علي ترابها,تدوس عليه أرجل الرعاع,دنيا تزينت بالباطل والظاهر,بينما الحق والباطن في جوفها لا يعلمه إلا العالمين,نجي فؤادي من غوائلها واجعلني يا رشيد من الراشدين
أبو القمصان:آن لنا أن نعود لمنازلنا.
أبوزيد:كلا,ليس الآن,سأدخل عليهم نجد بنفسي متنكراً في زي شاعر ربابة,لأري بعيني حال الدنيا لما تولي,تعدل هذا وتعزل ذاك,واطلع بنفسي علي حال دياب وحال حسن؛لأري الدنيا وهي كل يوم في شأن.
(تدخل عالية مبتهجة تحمل طرحة جميلة اللون والتفصيل)
عالية:انظر يا زوجي ما خيطته لي أمي خضرة.
أبوزيد:الله...ما أجملها.
(تريها لأبو القمصان)
أبو القمصان:تدوب في عرق العافية.
(تخرج راكضة بفرح وهي تحمل الطرحة)
أبوزيد(وهو يتابعها ببصره):جسدها نضج كامرأة وروحها مازالت محتفظة ببراءة طفولتها...ملاك!...أتذكر طفولتنا يا أبا القمصان؟
أبوالقمصان:مستحيل نسيانها! ضاعت في الحرب والضرب...أحياناً يخيل إلي أني ولدت من بطن أمي حاملاً سيفي ورمحي!
أبوزيد:أتدري بم أحلم؟بعالم لا حروب فيه ولا دماء,كل واحد يعرف حقه وواجبه,الأخلاق هي ما تصوغ سلوكه لا خوفه من العقاب أو طمعه في الثواب,دنيا يملأها الحب والحنان,وبدلاً من سيفي هذا(يلقيه بغيظ)أحمل في النهار فأساُ وفي الليل ناياً,أمضي نهاري معك,و ليلتي مع عالية...أيمكن أن أعيش هذه الحياة؟
أبوالقمصان:سبحانه علام الغيوب,من يعرف ما تخبئه له اللحظة المقبلة!
أبوزيد(بابتسامة حزينة):أنت تعلم أن قدرنا الحرب والطعن...(بأسي)ليتني أموت في فراشي بين أحضان زوجتي.
أبوالقمصان(يجذبه ليقوم):لاتستسلم لهذه الأفكار...هيا لتدخل خيمتك الوقت تأخر.
(يقوم أبوزيد بتثاقل,يخرجان)

الفصل السادس
المشهد الأول
(يجلس حسن أمام منزله,يدخل ابوزيد متنكراً بزي شاعر يحمل ربابة متغنياً)
أبوزيد (متغنياً):" جور الليالى حير الانسان
آمنت لك يا دهر ورجعت خنتنى
ولا كان حسابى إن الزمن خوان
بتخونى ليه يا دهر تكسرنى فى العضا
خليت دموعى مزقوا الأجفان
أألا يا عباد الله يا ميلة الزمان
تاريها الغرورة طبعها خوان
أبكى على الفرقة وعلى حيف ما جرى
دمعى سرى بل الأراضى طيفان
على ما جرى لي
يا ويح قلبى لما جرى"
حسن(يشير له بيده ليسكته):توقف أيها الشاعر,لا تزيد علي جراحي.
أبوزيد:الغناء يا سيدي لا يجرح إنما يُرهف شعور الإنسان,فيعمق إحساسه بجراحه في قلبه,وقد يمحوها ويسري عن القلب همه.
حسن:إلا همي!لا يزيحه ألف شاعر بربابة...اذهب وابحث عن رزقك في مكان آخر.
أبوزيد:أين؟
حسن(ساخراً بمرارة):في ديوان دياب بن غانم سلطان نجد.
أبوزيد:وهل يده سخية؟
حسن:اذهب هناك لتعرف.
أبوزيد:إذن إلي السلطان دياب.
(يخرج بينما يطرق حسن رأسه في يأس)


المشهد الثاني

(ديوان حسن الذي أصبح مرتعاً لابن غانم,ينفتح الستار علي دياب جالس علي كرسي حسن في غرور وتجبر وحوله مجموعة من المنافقين يتبارون في مدحه)
منافق1:والله...والله,لم أر يوماً في حياتي من هو أحق بهذا الكرسي سوي زعيمنا دياب بن غانم.
منافق2:لولاه لضاعت الهلايل والزغابة,من يحمي الصبايا في خدورهن يوم البلاء إلاه
منافق3:تمنيت أن تنجب زوجتي ولداً؛لأسميه دياب ولما وضعته بالأمس أطلقت عليها اسم بطلنا المحبوب.
منافق1:(وقد قام من مجلسه واقترب من دياب,يحدثه منحياً)هل تأذن لي؟(يتأمل الكرسي وهو يدور حوله,ويهتف فجأة)اشهدوا يا ناس,علي ما أري,هذا الكرسي منذ صنع ينادي علي البطل دياب,اقتربوا(يتقربون منه,ويشير لظهر الكرسي)أرأيتم ما أري؟!عروق خشب كرسي الرئاسة يظهر عليها اسمه(كأنه يقرأ)دياب بن غانم.
المنافقون(يهتفون):لا إله إلا الله...لا إله إلا الله!سبحان الله.
(يعودون لكراسيهم)
منافق2(هامساً أثناء الرجوع لمنافق 3):هل رأيت شيئاً؟
منافق3(هامساً):وهل يوجد شئ لنراه؟!
منافق5:راح أبو زيد وجاء من يفضله.
دياب(تختفي ابتسامة السعادة علي شفتيه لأول مرة منذ بداية المشهد):لا أريد سماع هذا الاسم!أمازال ذكره يلاحقني حياً وميتاً!
(يدخل أبوزيد متنكراً في زي شاعر ربابة)
أبوزيد(متغنياً): "آهين من جور الزمان وآه
آهين من جور الغرورة ومرها
ولا ضاحك إلا أما الزمان بكاه
وتلتميت بنا ما بيسووا كاحل
يا ويل من كحتت وراه عداه
من عاير المبلى لابد يبتلى
ومن عاير الأعمى بُلي بعماه
ومن شق جيوب الناس يشق جيوبه
ومن عاب فى الناس يلعنوا له أباه
لا خير فى مال البخيل إذا كثر
ولا خير فى ولد يعيب فى أباه
ولا خير فى إنسان يمجد فى نفسه
ولا خير فى رجل قليل حياه
أشكو لمن رفع السماء بلا عمد
إلهى تعالى محتجب فى علاه
على ما جرالى يا ويح قلبى لما جرى
الأمر كله باحتكام الله
وكل مكتوب عليا يصيبنى
لو كنت فى قمقم عليه غطاه
جرى اللى جرى والغلب غلب كاونى
بي وجد فى قلبى لو شكوت الى الجبل
كاد الجبل منه يهد علاه
بي وجد فى قلبى لو شكوت الى الحجر
كاد الحجر منه يطير شظاه
بوجد فى قلبى لو شكوت الى البحر
كاد البحر توقف قطاير ماه
بي وجد لو اشكو لسوق حابك
فالسوق يترك بيعه وشراه
بي وجد كالمجنون وبوجد عاقل
و بي وجد من لوعه الزمان وكواه
من عاشر الجربان وجلس ناحيته
لابد ما برضه الجرب يعلاه
ومن عاشر الحداد يحرق بناره
وبعض الشرر يوقد لها لهباه
استغفر الله العظيم من الخطأ
إلهى تعالى لا إله سواه"
دياب(مرحباً):مرحب شاعر العرب.
أبوزيد:مرحب يا سلطان الناحية.
دياب:اجلس(يجلس)خذ واجب الضيافة وبعدها امدحني بشعرك(منادياً للخدم)الطعام والشراب للضيف.
أبوزيد:أذكر يا أمير العرب أنه كان هناك ملك قبلك يسمي حسن رجل سخية يداه,فماذا فعل به الزمان؟
دياب:أذله في بيته ورفعني عليه بما أوتيت من قوة وقدرة علي الرئاسة والحرب.
أبوزيد(بصوت لا يكاد يسمع):"ولا خير في إنسان يمجد نفسه"
دياب:ماذا تقول؟
:أبوزيد:أقول دياب إنسان صنع مجداً لنفسه.
دياب(راضياً):أجل اسمعني من هذا القول.
أبوزيد:وكان هناك أمير اسمه أبوزيد,فأين راح؟
دياب:سكن التراب,ولا تنبش في الماضي أكثر من هذا!
أبوزيد(ناعياً):والله خسارة أسمر اللون,كان دوماً يعطيني ويكسي العيال,رغم ضيق ذات يده لاستعفافه عن المغانم التي كان يجلبها لقومه ويتمتع بها غيره.
دياب(والغضب علي وجهه):قلت لك إياك والماضي!
أبوزيد(مستمراً كأنه لم يسمع):كان والله بطل تخشي الأعادي لقاه,وكان ابن عمه طيب ما شكي منه أحد طوال فترة حكمه,بينما وأنا قادم إلي هنا سمعت الشكوي علي كل لسان,آه يازمن وطيت الشريف وعليت الجبانات.
دياب(صارخاً):يا حرس!خذوا هذا الرجل علي السجن واقطعوا له لسانه.
أبوزيد(مستسلماً للحرس):حكم يهتز بقولة لسان لجدير بالدمار عن قريب,يا ابن غانم.
دياب(صارخاُ في غضب شديد):خذوه...اقطعوا لسانه
المشهد الثالث
(حسن مازال قاعداً أمام بيته مطرق الرأس في حزن,يمر عليه الجنديان وهما قابضان علي أبوزيد,ينظر لهم حسن متفاجئاً,ويقف في طريقهم)
حسن:ماذا حدث أيها الشاعر؟
أبوزيد:قبض عليّ دياب وأمر بقطع لساني.
حسن(بندم):ليتني ما أشرت عليك بالذهاب لهناك,ولمَ سيقطع لسانك؟
أبوزيد:مدحتك في مجلسه أنت وابن عمك أبوزيد الهلالي.
حسن:أوكنت تعرفني من البداية؟
أبوزيد:ومن لا يعرف الملك الطيب حسن بن سرحان.
حسن(لا يتمالك نفسه من البكاء):يا سواد أيامي من بعدك يا سلامة,يا بطل الهلايل يا ابن نايل.
أبوزيد(وقد أثارته دموع ابن عمه,يفك قيوده بقوة هائلة وسط خوف الجنديان,ويخلع أدوات تنكره):لا تبك يا ابن عمي...مفرج الهم جالك!
(يرتعب الجنديان ويركضان خارج المسرح)
(يحتضنان بعضهما في مودة وشوق)
المشهد الرابع
(ينفتح الستار علي حسن الهلالي وقد عاد لديوانه,وبجواره الجمع المألوف,أبوزيد,دياب,زيدان,
القاضي بدير بن فايد,)
حسن:اتفقت مع دياب أنه في الصباح سيرحل, لجبل الكرومات,يأتي بخضرة الشريفة وسيسوق بنفسه جملها وجمل عالية زوجة أبو زيد...أليس كذلك يا دياب؟
(الكل ينظر لدياب بتشفِ)
دياب:أمرك يا أبو علي.
أبوزيد:جر الجملين بنعومة,فنساء الهلايل لا يحتملن الخشونة.
دياب(كاتماً غيظه):هل توصني علي أمي وأختي لا تخف يا أبورية.
القاضي بدير:أأصبحت جمالاً بعد أن كنت فارساً؟
(يضحك الجمع)
ستار
(بعد لحظة من نزول الستار يدخل أبوزيد من اليسار,وعالية ممسكة ببطنها الكبيرة التي تحمل جنين من اليمين,يجلسان علي طرف المسرح,وقدماهما ملاة,عالية تريح رأسها علي كتف أبوزيد)
عالية:أتريد ولداً أم بنتاً.
أبوزيد:كله من عند الله,وما يأتي من عند الله خيراً أياً كان
عالية:ونعم بالله,لكن نفسك ماذا تتمني.
أبوزيد:أتمناها بنتاً وأسميها علي اسمك.
عالية(ضاحكة):لن تصدق إنها نفس أمنيتي تقريباً,لكني أريد ولداً اسميه علي اسمك.
(أبوزيد يضحك ويحضنها بذراعه)
أبوزيد(ينقل بصره بين الجمهور):في مقبل الأيام وعلي مر الأجيال,ستُحكي سيرة أبوزيد الهلالي المسمي سلامة, سيسأل العرب والشباب منهم خصوصاً,كيف كان أبوزيد بطلاً,ماذا فعل ليغدو له كل هذا الصيت,ليت من يحكي قصتي يخبرهم,أن البطولة ليست في الضرب والطعن,إنما البطولة في الشهامة والوقوف بجوار الحق,والرحمة بالمسكين والضعيف,مساعدة المحتاج والذود عن المظلوم,أوصي الحالم بالبطولة:امرأتك في قلبك,تفكيرك في رأسك,الشهامة في أفعالك,الصبر من صفاتك,الصدق في أقوالك"بهذه الأمور ستصبح بطلاً في حياتك...تري يا عالية هل سأجد من يبلغ عني؟
عالية:اطمئن يا حبيبي,ما أكثر الأدباء والشعراء في بلاد العرب, كلهم يعرفون قدرك ويحفظون سيرتك, لن تعدم منهم من يوصل رسالتك للشعوب العربية كلها.
صوت خضرة ( منادية من خلف الستار):يا عالية يا أبو زيد,الطعام علي الطاولة هيا قبل أن يُبرده(ضاحكة)أو ينهيه أبو القمصان وحده!
أبو القمصان (يطل برأسه بمرح, من الستارة التي تخفي المسرح كله,حاملاً قطعة كبيرة من اللحم في يده وفمه ممتلئ بالطعام):هيا يا عالية...المولود يحتاج للتغذية(يعطيها اللحم,فتأخذه منه ضاحكة).
(أبوزيد مسك يدها ويدخلان خلف الستار)





ج


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق