الخميس، 10 أغسطس، 2017

ماذا تبقي للمسرح المصري؟


كلما شاهدت التهريج المبتذل المُشوه لصورة المسرح المقدسة في الأذهان,يتوغل في أعماق الجمهور,فيرتبط عندهم اسم المسرح بهذا الهراء الهزلي الذي يبث معاني السطحية والاستسهال باسم أبو الفنون,فكرت في داخلي من من الكوادر علي قيد الحياة في إمكانها بعث المسرح الجديد المصري,المسرح الذي أعرفه بتوفيق الحكيم ألفريد فرج علي سالم محمود دياب ميخائيل رومان صلاح عبد الصبور نجيب سرور أعمال البرنامج الثقافي المُلهمة العظيمة,محمود مرسي سميحة أيوب كرم مطاوع سناء جميل سهير المرشدي وعشرات الأسماء والأسماء في قائمة شرف المسرحي,يقفز في ذهني جلال الشرقاوي ومحفوظ عبد الرحمن-شفاه الله فشجرة الثقافة المصرية العارية لا تحتمل ورقة أخري تسقط -وفاروق جويدة.
وبنص فاروق جويدة ورؤية جلال الشرقاوي وبطولة محمود يس,سميحة أيوب,مدحت مرسي,أشرف عبد الغفور,قدم المسرح المصري واحدة من روائعه"الخديوي"قبل أن يخربه عيال النفط الباحثين الفارغين الباحثين عن الضحكة الرخيصة,والإثارة الجنسية والرقصة المبتذلة والقصة الساذجة,فتنزاح عظمة المسرح جانباً لصالح من يأتون طمعاً في سهرة ماجنة وليلة بين أحضان حسناء,أراها الآن متحسراً علي ما أصاب"مسرح مصر"من ضربة قاضية جعلت المهرج فناناً والفنان عاطلاً!
ألفت صوت سميحة أيوب من المسرحيات الإذاعية,أراها بأذني عبر صوتها وأطرب لها حين تفرح وأحزن حين تبكي,تهزني كسناء جميل وأمينة رزق,حين تتتجليان في الفصحي جلالاً وعظمة,ويقدمان أشهر الشخصيات المسرحية العالمية,وتزداد ألقاً صورة وصوتاً في دور أزهار حبيبة الخديوي القديمة المحبة لوطنها المتنبئة له بالسقوط والمدافعة عنه بالكلمة والحماسة حين يهوي بفعل  السفلة والأوغاد الذين تعجب صلاح عبد الصبور كيف ترعرع هذا الكم منهم في وادينا الطيب!
محمود يس في دور الخديوي...كيف كل هذا الرسوخ علي أرضية المسرح والخفة في تحليق الروح؟!هذا الصوت"الكلثومي"كما وُصِف يخترق السمع,فنعيش مع الخديوي حالماً في عالمه الوردي,بينما الشعب يئن من الجوع والحرمان,يحلم بالأوبرا في وطن يحلم بالرغيف,وبدار الكتب وعصا السلطة الغليظة تدق علي رأس الشعب,وبجنينة الحيوانات والوحوش نهبوا المنازل وقطعوا الطرقات,فكان لابد من السقوط والتعري في المزاد وسط السماسرة والتجار الحقراء,أهل الغرب السارق والشرق الغافل,أصحاب اللحي والبهلوانات,وككل الناس للخديوي نقاط ضعف فهو ككل الرجال يهوي النساء ويتاح له فرصة ارتشاف رحيقهن علي هواه,وككل الحكام تعميه السلطة فيقتل "صديق"صديق العمر الذي رفض أن يصبح كبش فداء,ظن أن المال هو الحل,هو النهضة,هو الجالب للأمان والازدهار,ونسي أهم مشروع...الإنسان.جري نحو القروض ولو اتجه نحو الارتقاء بالتعليم ورعاية أهل الفن والأدب وتخطيط جيد للسياحة لكنا أعظم الشعوب وسالت الأموال بقوتنا الناعمة,بدلاً من مد اليد وإتاحة الفرصة للدخلاء ليحكموا ويسيطروا سواء لبسوا بذلة أو عقال.

كلما عشت مع أثراً فنياً وتركت واقعي البغيض,حين أفيق من نشوة الفن وأري القبح حولي ملء السمع والبصر,أشعر بالغثيان وربما أردد مع الخديوي الذي ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعاً"ماذا تبقي لي؟...ماذا تبقي لي؟"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق