الأربعاء، 28 يناير 2026

سندباد مصري يتجول بين شطآن التاريخ

 


سندباد مصري يتجول بين شطآن التاريخ



حسين فوزي أحد أعلام الثقافة العربية في القرن العشرين، ولد وفي بدايته وتوفي عام ١٩٨٨،بمهارته كعالم بحار استطاع التجول بين شطآن التاريخ المصري وصيد لآلئه في كتابه"سندباد مصري"، تلك الأنشودة المنطلقة من قلب عاشق لوطنه، تختلف مع بعض رؤاه وآراؤه، لكنك لا تمتلك سوي الإعجاب بذلك العقل الكبير وتفكيره المنطقي المرتب في كل ما يكتب، وربما سر الكتابة يكمن في الإستجابات المتباينة وردود الفعل المختلفة للأفكار التي تحملها.

في ذلك الكتاب يسير حسين فوزي في موكب التاريخ بصورة عكسية، فقد قسمه لثلاث فصول: "الظلام" وفيه مظالم وآلام الشعب المصري تحت الحكم العثماني، بعدما غزا السلطان سليم الأول مصر عام ١٥١٧،مطيحاً بحكم المماليك وشانقاً سلطانهم الاخير طومان باي أمام باب زويلة، واستبداد باشاواته بالشعب، ثم حكم محمد علي باشا وتعسفه في الكثير من أحكامه، "الخيط الأبيض والخيط الأسود" حال الشعب أثناء العصور الفارسية واليونانية والعربية، وبداية الانفصال عن لغة وتراث مصر القديمة، "الضياء" عن بداية انبثاق فجر مصر المنير في عهد قدماء المصريين... يبدأ التدوين التاريخي من مرارة التسلط العثماني وينتهي بحضارة مصر المشرقة، غير عابئ كثيراً بالحكام، فالمتن الحقيقي هو الشعب الذي نسج حياته علي ضفاف النيل، منشئاً للمباني ومطوراً للصناعات وحارساً للثمار والزرع، قابضاً علي الحكمة التي علمها له تاريخه الطويل، علاقته بحكامه علي اختلاف جنسياتهم منذ الغزو الفارسي يلخصها في عبارة يجريها علي لسانه" لا أطلب منك إلا أن تجري في أحكامك بين الناس بالعدل، وأن ترعي شئونهم بالرفق: ثم افعل ما بدا لك بعد ذلك، مادمت تتركني أعمل في وادي الخصيب" ويري في ذلك المنهج النفسي خلاصة تاريخ مصر بالكامل.

يعالج حسين فوزي فكرة الانتماء التي تحير الشباب اليوم، دون أن يعلن ذلك مباشرة، استمع بقلبك جيداً وتأمل كيف احتضن أجيال التاريخ، باراً بكل أجداده وأبائه الأقدمين" أنظرني حتي تتبين حاضري، وستعرف أن حرفاً واحداً لم أنسه مما بقي من تاريخي الوثني، والمسيحي، والإسلامي، فليس من طبيعة المصري أن يتخلي عن تراثه، تالده وطريفه، كراكيبه وتحفه الغالية، عظيمه وحقيره.

في قلبي الفسيح مكان لكل أسلافي، عاقلهم وأحمقهم، غنيهم وفقيرهم.

"بهو الأجداد" في بيتي لا يعني بأسماء يتردد صداها في رحاب التاريخ وقاعاته، بقدر ما يعني بالمجهولين المغمورين منهم، ذلك الجبار المصري الذي رمي وراء ستين قرناً من الزمان، مكلل الجبين بكل ذلك المجد، مثقل الكاهل بكل ذلك العذاب والقهر".

نلحظ من رؤيته للتاريخ المصري أننا لا ننتمي إلي مرحلة دون أخري، ولا تصنيف دفع الآخر من حلبة التاريخ، إننا كمصريين ننتمي لوادي النيل الذي صهره التاريخ بالتحالف مع الجغرافيا في بوتقة فريدة، شملت عناصر متعددة شكلت الوجدان المصري، وجعلتنا علي ما نحن عليه بعيوبنا ومميزاتنا، إن الدراسة المتأنية لذلك الكتاب أشبه بخريطة ذهنية تهب وعياً حقيقياً- بعيداً عن سخافات وحماقات الإنترنت والصفحات الإلكترونية- لكل من يعاني لعدم قدرته استيعاب الهوية المصرية، وله العذر في ذلك، فبلد يربو تاريخها علي سبعة آلاف عام، من الصعب تحديد هويتها إلا بدراسة تاريخية متعمقة تبدأ من الجذور الأولي، وهذا ما يقدمه حسين فوزي في سياحته وهو الرحالة بين المدن والأمكنة، عندما يحمل عصا تجواله ويدور في أزمنة ووقائع التاريخ المصري، حيث يعترف في البداية" لا فضل لي في هذا الكتاب إلا أني رسمت خطته ونظمت فصوله، تبعاً لانفعالاتي الشخصية بتاريخ بلادي". 


لغة هذا الكتاب وحدها تعبير عن الهوية المصرية، فلحسين فوزي لغة لها طابعها الخاص، شكلها عشقه للموسيقي ودراسته لها نظرياً وفلسفياً، وما تزال تسجيلاته بصوته القوي الواثق يشرح الموسيقي العالمية في إذاعة البرنامج الثقافي ويحللها بشغف شديد، متنقلاً بين سيمفونيات بيتهوفن وباخ وموتسارت وشوبان وغيرهم من فطاحل الموسيقي، وأيضاً لنشأته الشعبية بجوار مسجد الحسين شكلت له لغة جمعت بين الفصحي والعامية في تناغم فريد، لا يضاهيه فيها إلا يحيي حقي وخيري شلبي، فضلاً عن معيشته في أوروبا واطلاعه علي علومها و فنونها وآدابها. 

يؤخذ علي حسين فوزي تجاهل انتماء مصر العربي مفضلاً عليه الانتماء للحضارة الغربية ومنجزاتها وقوانينها ونمط حياتها، وهو ما نلمسه في هذا الكتاب المنشور في الستينيات في أوج انتماء مصر القومي للعروبة، لم يخف ذلك فقد كان النموذج الغربي هو النموذج المنشود لطبقة لا يستهان بها من مثقفي مصر ومفكريها في القرن العشرين وخصوصاً في النصف الأول منه، وهذا ليس بعيب علي الإطلاق ولا مادة للتندر والسخرية كما نلحظ في كتابات من يهاجمون ذلك الاتجاه الفكري، فالكاتب عندما يطرح فكرة ما لا يظن في نفسه أنه صولون أو حمورابي وقد أصدر مرسوماً يجب طاعته واتباعه، بل هي رؤية نابعة من تجربته وثقافته يقدمها للنقد والتمحيص، لتخضع للنقاش الحر والمنطق المسلح بالمعرفة والثقافة كي تنضج ثمراته وتفيد المجتمع، وكل القضايا الجدلية في التاريخ أو حتي العلم لا يمكن البت فيها نهائياً، بل تحتاج لمجهودات أجيال متتابعة لتغطي جوانبها وتشرحها بوضوح واقتدار، وقد أسهم حسين فوزي بنصيبه في الأمور التاريخية والثقافية.

كتب حسين فوزي مؤلفه هذا في" بحبوحة الأدب والفن: حرية في الفكر وتحرر في الأسلوب" فترك بصمة واضحة في العقلية العربية الحديثة، ومعلماً هاماً في المكتبة العربية المعاصرة، تزداد قيمتها كلما مر عليها الزمن وتعاقبت الأجيال المصرية، لتنطق بسؤالها الخالد الأبدي" إلي أين نتجه؟". 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق