عمر ياغي... فصل جديد للعرب مع الكيمياء
عندما حصل العالم عمر ياغي علي جائزة نوبل في الكيمياء عام ٢٠٢٥، أطل علي العالم بوجهه الطفولي ونظارته الطبية، لتسافر عبر وكالات الأنباء وشاشات الأخبار أنباء إنجاز تاريخي في مجال الكيمياء، خرج من المعامل والمختبرات والحيز الأكاديمي المختص، ليعلن عن نفسه أمام البشرية فيهبها الآمال والأحلام في غد أفضل، وأن شئنا الدقة والاختصار فقد ولد علم جديد اسمه"الكيمياء الشبكية"، وزارت الفرحة قلوب العرب... فرحة خامرها حيرة واضطراب في تحديد ماهية الدولة التي ينتمي لها ياغي الذي ولد في الأردن ١٩٦٥ لأبوين فلسطينيين هاجرا بعد نكبة ١٩٤٨،ثم سافر للولايات المتحدة في عمر الخامسة عشر، وفي ٢٠٢١ منح الجنسية السعودية، مما تسبب في حالة اختلاف أدي لخلاف بين العرب- كما هي العادة للأسف- لكن فرحتي الغامرة لم تتأثر، فكل ما يهمني أنه عربي ينتمي لثقافتي ويعرف لساني، وفوزه انتصار لكل العرب يمنحهم دفعة نحو أبواب المستقبل، وفي نفس الوقت يذكرهم بتاريخهم المجيد في العلوم ودورهم في صنع الحضارة الإنسانية، عندما كان العالم غارقاً في ظلمات العصور الوسطي.
عمر ياغي فصل جديد من قصة العرب مع الكيمياء التي عرفت في فترة ما بـ"صنعة جابر" نسبة إلي جابر بن حيان، المستحق لوصف الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس باكون" أول من علم الكيمياء للعالم، فهو أبو الكيمياء"، واستمر نبوغ العرب في الكيمياء في العصر الحديث، بينما كان القرن العشرين يطوي أوراقه ويرحل حصل العالم أحمد زويل علي نوبل للكيمياء عام ١٩٩٩،وبعد ٢٦ عاماً، يقتنصها ياغي بدأبه العلمي وكفاحه بين جدران الجامعة في الولايات المتحدة، حيث نشر قبل الجائزة أكثر من ٣٠٠بحث علمي، وحظيت أعماله بأكثر من ٢٥٠ألف استشهاد علمي.
ميلاد علم جديد أمر بستحق التأمل، وقصته حين تروي تلهم الملايين حول العالم، وبتأسيسه لعلم الكيمياء الشبكية منح ياغي رؤية جديدة ومبتكرة جعلتنا نري العالم من منظور جديد تماماً، وهي سمة الاكتشافات العظيمة والاختراعات المذهلة، فقد قرر ياغي أن يجعل الكيميائي يتوقف عن السعي لإيجاد المواد، ويبدأ في تصميمها بدلاً من بقاؤه تحت رحمة التفاعلات ، وأثبت أن ندرة المواد أو وفرتها ليس قانوناً علي البشر اتباعه، بل تكوين يمكن بنائه من الصفر وعبر عن ذلك لجنة نوبل في تقريرها بقولها أن منجز عمر ياغي بمثابة"تحولاً من كيمياء الاكتشاف إلي كيمياء البناء".
الأطر الفلزية العضوية MOFsالتي ابتكرها ياغي أشبه بإسفنجات متناهية الصغر بإمكانها تغيير واقعنا، فهي عبارة عن هياكل صغيرة جداً، وفيها مسام عديدة ومساحة سطح داخلية ضخمة للغاية بالنسبة للجزيئات، تتميز بروابط كيميائية قوية، مثل بناء من قطع الليجو لكن علي مستوي مجهري، ومثال آخر لتقريب الفكرة أكثر يمكن اعتبارها بناء معماري علي مستوي الذرة لهندسة الفراغ، أي غرفة ذرية لتخزين المياه والغازات كالهيدورجين وقود المستقبل، وتخزينه يمثل عقبة لأنه غاز خفيف للغاية من الصعب ضغطته أو تسييله، وثاني أكسيد الكربون لتنقية الهواء، وفي مسيرة مكافحة الإنسان للمرض الخبيث، فالمسامات النانوية داخل MOFsيمكنها حمل جزيئات الدواء، وتنقلها بدقة وأمان داخل الجسم، وتلك طريقة مثالية لتوصيل الأدوية المعالجة للسرطان، التي تستهدف الوصول إلي خلايا معينة دون التعامل مع الخلايا السليمة، وعندما تمت تجربة عقارات محمولة بالإطارات الفلزية مثل الدوكسوروبيسين، علي الحيوانات جاءت النتائج مبهرة، وكان تعليق العلماء" مركبات ذكية تعرف أين تذهب ومتي تعمل".
حين اقترحت فكرة مماثلة قبل عدة عقود رد العلماء "مستحيل" لاعتقادهم أن الروابط الكيميائية، سينتج عنها مواد لا بلورية في حالة فوضي وعدم استقرار، ولأن عمر ياغي رباه والده علي الاستقلال الفكري وإتقان العمل، استمر في تجاربه الناجحة في سبيل تحقيق المستحيل، حتي نجح عام ١٩٩٥ بإنتاج هياكل بلورية ، وكانت قفزة كبيرة في مشروعه العلمي، حيث استخدم روابط قوية لربط الأيونات المعدنية والموصلات العضوية، وذلك جعل الهياكل صلبة ومستقلة، ثم صنع وحدات بنائية خاصة أقامت هياكل قوية ومفرغة، تأكد العلماء من فراغها الداخلي عن طريق اختبار كمية الغاز التي يمكنها تخزينها عام ١٩٩٨.
أثبتت MOFs أنها مجرد بداية لعالم جديد يتشكل، تصبح فيه المادة تحت طاعة الإنسان يصوغها حسب حاجته، خاصة الشح المائي الذي يعاني منه ثلث سكان العالم، فلطالما كان نقص المياه وجعاً لم يبارح قلب عمر ياغي، منذ كان طفلاً يسكن مع والديه اللاجئين وأشقائه، في حجرة واحدة يتقاسمونها مع قطيع من الماشية، في منزل بلا كهرباء ولا تتوفر له الماء سوي ٤ساعات كل إسبوعين، فهو يعرف جيداً الأثر السلبي المريع لمجتمع يعاني من نقص المياه، ويحاول بكل طاقته تجنيب الأجيال المقبلة المعاناة التي مر بها كواحد من ملايين كانت المياه بالنسبة لهم حلماً، سبيله في ذلك العلم الذي ارتبط به منذ طفولته، حتي أن صورته الوحيدة التي التقطها في صغره يظهر وفي يده كتاباً، رفض أن يضعه جانباً ليلتقط صورة وظل ممسكاً به ويعلق علي ذلك" لقد حملته معي لأنني أدركت أن هذا هو أهم شئ سأفعله".
فاز ياغي بنوبل والعرب حصلوا علي حصة مستحقة وشحيحة من الأمل، ودافع جديد للعمل والانطلاق في ميادين العلم، أما العالم فقد تخطي عتبة جديدة وضعته علي آفاق علمية ستغير من مساراته للأبد، وربما عن قريب يحل اليوم السعيد الذي يحصل فيه كل العطاشي علي المياه من الهواء المحيط بهم، فتصير المياه متوفرة كالهواء، وأن تتخفف آلام مرضي السرطان بعدم الإضرار بخلاياهم السليمة أثناء العلاج، ويكتشف الإنسان جمال الطبيعة حين يقل ثاني أكسيد الكربون في الجو ونعتمد علي الهيدروجين لإنتاج الطاقة النظيفة، ومئات الأحلام أراها الآن في طريقها للتحقيق...كل ذلك لأن هناك لاجئاً من حرب مدمرة لم يحظ ألا بقليل من التعليم، آمن بابنه وعلمه حرية التفكير، وأصر علي سفره لأمريكا رغم رفض الابن في البداية، وهذا الابن شق طريقه بذكاؤه ومهارته وجهده، ليتحول من الفتي الفقير الباحث عن المياه لأسرته، إلي نجماً لامعاً متوجاً علي عرش الكيمياء في ٢٠٢٥،وصانعاً لعالم جديد سيجعل فيه حياة الملايين حول العالم أكثر إنسانية وسعادة، وهذا الشخص فلسطيني+أردني+سعودي... ومع أني لم أحظ بنصيب عمر ياغي من العلم ولا سافرت لأمريكا لدراسة الكيمياء، لكن تلك المعادلة حلها سهل هو إذن عربي، هو إذن يشبهني، هو إذن يشرفني.
ليس ابتكار ياغي العلمي وحده هو ما يستحق التأمل والإعجاب، تجربته الحياتية أيضاً ملهمة، وأحاديثه تمتاز بالذكاء والتواضع، وربما أهم ما سمعته في الفترة الأخيرة قوله" بينما أتأمل رحلتي، أتذكر أن الحياة نادراً ما توفر ظروفاً مثالية، كثيراً ما نجد أنفسنا ننتظر اللحظة المناسبة، أو الموارد المناسبة، أو الظروف المناسبة لنبدأ السعي وراء أحلامنا، لكن هناك شئ واحد علمتني إياه الحياة، هو أن انتظار الظروف المثالية قد يعني في كثير من الأحيان الانتظار إلي الأبد، يكمن السر في أن تبدأ من حيث أنت وبأي شئ لديك، وأن تثق بأنه بالتفكير السليم ستتشكل الرحلة من تلقاء نفسها وأنت تمضي قدماً".تلك العبارات ليست من غث التنمية البشرية وأكوام هرائها المتناثر في كل مكان، ولا قالها أحد الفاشلين الذين لا هم لهم سوي إبداء النصائح للنجاح، إنما درس تعلمه أحد أهم علماء عصرنا، وطبقه علي نفسه فصعد من القاع للقمة، قد تبدو كلماته سهلة، ومع ذلك تنفيذها قد يستغرق عمراً بأكمله.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق