دار دون....أو المدينة كما رأيتها
ترجع بداية اكتشافي لدار دون منذ بداية ظهورها عام ٢٠٠٨،كنت أشاهد أغلفة إصداراتها المميزة في الصحف، ولطالما أعجبت بتصاميمها الملفتة للنظر في ذلك الوقت لم يكن الإنترنت متوفراً كاليوم، ولكن كان هناك شغفاً حقيقياً بالمعرفة، فظللت أتتبع أخبارها في الصفحات المختصة بالثقافة وعروض الكتب في الصحف والمجلات... الاسم نفسه كان جذاباً فقد كانت حركة التدوين والمدونات الإلكترونية في مجدها، ومنذ تلك الآونة تحتل دار دون مركزاً متقدماً في القائمة المفضلة لدي، لأن كل كتاب تنشره إما يمس شيئاً في وجداني أو عقلي، وهكذا اعتبرت تلك الدار بمثابة مدينة خيالية، أنسلخ من مشاكلي وآلامي وأهادن الأيام القاسية بالهرب ناحيتها، لأبتهج وأستفيد، ولأن المجال لا يسمح بالإطالة-وأنا من عشاق الإطالة والاستطراد- فسأكتفي بما جري لي في شوارع مدينة/دار دون في العام الماضي فحسب.
شوارع تلك المدينة ملأي بالمشاهدات والتأملات، ففي شارع التاريخ يقف شريف سامي يحكي ماجري لبني البشر منذ زمن آدم، ويسرد ماجري لذريته التي توزعت بين الخير والشر حتي طوفان نوح، ومآل البشرية بعد الطوفان الذي تردد صداه في كل الحضارات القديمة كالحضارة المصرية القديمة والبابلية واليونانية، متنقلاً من الكتب المقدسة للأنثروبولوجيا للجغرافيا للأساطير وأقوال المؤرخين ذاكراً لكافة وجهات النظر، وفي النهاية يحكم العقل والمنطق كي يفصل بينهم، وأيضاً يجلي حقيقة خطيرة ألا وهي استخدام القصص الدينية وشروحاتها لأغراض سياسية تخدم فئة ما علي حساب الأخري، ويختتم كتابه" الأرض بعد طوفان نوح" بالخلاصة الحقيقية والصادقة لذلك المشوار الطويل" يجب أن نعلم أننا جميعاً خليط واحد، وأن رب السماء لم يحلل العنصرية في أي كتاب"، و يستعرض تاريخ أوروبا المتشابك في"مختصر تاريخ أوروبا" منذ أقدم العصور حتي عصرنا الحالي، لنري كيف تشكلت القارة العجوز، وأحوالها في الحرب والسلم، وتلك الضريبة الباهظة التي دفعتها كي تتقدم إلي ماهي عليه الآن وهو في حد ذاته درساً تاريخياً ملئ بالعبر، وفي كتاب"٢٦ساعة في حياة هتلر" أدركت بصورة غير مباشرة أن عمر الإنسان لا يقاس بالسنوات، فالسنين طويلة، معظم أيامها غث لا معني له، بل بالساعات الحاسمة التي ينتج عنها قرارات مصيرية، فبين ساعة تمرد الصغير أدولف علي أبيه القاسي حتي هزيمته وهو الفوهرر في الحرب العالمية الثانية، تظهر مع تقدم الساعات تلك الشخصية الأكثر جدلاً في التاريخ الحديث بالتدريج حتي تكتمل صورتها النهائية من جوانب عدة، ما يجعل ذلك الكتاي تعريفاً وافياً لسيرة الرجل الذي قلب العالم.
وفي شارع آخر ألتقي برجل طالما أحببت لقائه منذ سلسلة الرجل المستحيل... نبيل فاروق يؤدي دوره لآخر عمره ليزيد من الوعي الوطني في كتاب "حروب" الذي حدثنا فيه عن تاريخ الحروب منذ زمن السيوف والرماح حتي حروب الجيل الرابع الخبيثة المعتمدة علي وسائل الإعلام والإشاعات والألاعيب النفسية، وفي الكتاب فصلين دسمين الأول عن رفعت الجمال الشهير برأفت الهجان، يجيب فيه عن أسئلة حول تلك الشخصية الغامضة طالما سببت لي الحيرة، والثاني عن جماعة الحشاشين وقائدها حسن الصباح، ومقره في قلعة ألموت... وسيصحبنا نبيل فاروق لشارع آخر كان بالنسبة لي مفاجئة وهو شارع السينما والدراما "شغف السينما" وسأري له وجهاً لم أعرفه من قبل، فهو مشاهد عتيد تنقل بين الأعمال السينمائية والدرامية في مصر وخارجها، فاستعادت ذاكرتي أوقاتاً جميلة قضيتها علي شاشة الفرجة، وزاد تأكدي أن باب السينما والدراما واحد من أكثر أبواب المعرفة ثراء، حين تدرس موضوعاتها بجدية.
وفي ختام العام كام كتاب" ميت مطلوب للشهادة" وفيه جمعت سمر عبد العظيم بين الفن القصصي ووقائع الطب الشرعي المثيرة، أثناء اكتشاف الحقائق خلف حالات الانتحار والقتل والحوادث، وتبين الواقع من الزيف، ولقد تلفت حولي طويلاً فيه متوجساً، فلا أعرف ماذا يمكن أن أسمي هذا الشارع فكل أبطاله يتحدثون من العالم الآخر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق