السبت، 13 أكتوبر، 2012

أهل الكهف عند توفيق الحكيم



أهل الكهف عند توفيق الحكيم

                          
هكذا دوماً يكون الفنان!...يطرح عليك أسئلة أزلية داعبت خيال الأجداد الأوائل و ستداعب أحفادهم للأبد:ما الحياة؟ ما الموت؟ ما الحب؟ وكيف نشعر بالزمن عند مروره وهل نستعيده مرة أخري؟
تلك الأسئلة نجدها عند توفيق الحكيم في مسرحية أهل الكهف,تلك المعجزة التي تتناقلها الديانات والثقافات,ويزعم كل فريق ويؤكد أن تلك الحادثة تخصه,وأن دينه هو المقصود, وأن إلهه هو المتسبب في تلك المعجزة,أمور مفهومة تلك التي تحدث بل وطبيعية جداً والجدل فيها للباحثين المختصين بتاريخ الديانات,فهؤلاء لهم أن يحدثونا عن:وثائق قمران,وطوائف الآسينين والأبيونيين و والنصاري والفروق بينهم,ثم يشيروا للتاريخ المسيحي واليهودي والعلاقة بينهما,وهل كان أصحاب الكهف من اليهود أم من المسيحيين,و إن كانوا من المسيحيين فمن أي الطوائف هم,هل آمنوا بالله الواحد وبعيسي نبيه,أم آمنوا بالثالوث,ويتساءلون أين كان الكهف في تركيا أم الأردن,ومن هو الملك الظالم الذي طاردهم والملك الصالح الذي استقبلهم,ثم ينكر آخرون علاقة الملوك بالأمر من الأساس,ثم يحسبوا الأعوام التي لبثوها نائمين كما يقول البعض وأموات كما يقول الآخرون,ولهم أن يقولوا ثلاثة أو خمسة أو سبعة ثم يضيفوا كلبهم,ولهم الحق أيضاً في إعلان حادثتين وقعتا بنفس المواصفات,حادثة النيام السبعة وحادثة أهل الكهف,ولهم أن يثبتوا أن النيام السبعة خرافة يونانية لك تحدث من الأساس....وغير ذلك الكثير.

وتوفيق الحكيم حوّل تلك الحادثة التي تتناقلها البشرية لعمل فني خالد,يطرح أسئلة وجودية ومصيرية,حيّرت عقول الكثيرين,مَنْ مِنَ العلماء مثلاً يقول لنا ما هوالزمن!كيف لفيلسوف أن يشرح ما هو الحب!كيف لعالم دين أن يقول لنا ما هي الحياة وما هوالموت!
سيجتهد الجميع ويطرحون أفكار في غاية الروعة لكن أين ستكون الحقيقة بينها؟! ما سيختاره الإنسان سيصبح(الحقيقة بالنسبة له) وحين يستبدل اختياره بآخر ستتغير(الحقيقة بالنسبة له). ربما يكون ذلك سر مأساة مشلينا وبريسكا-الجدة والحفيدة- أبطال الملمح الأبرز في المسرحية ألا وهو الحب...ولا تنس الفنان يطرح القضايا الأزلية ويناقشها بصورة مختلفة في كل مرة.

أزمة مشلينا هي الاختيار بين ما يقرره عقله وما يؤكده قلبه,لكن ثقته في قلبه عمياء حتي أنه يتمني أن يكون مخبولاً حتي يصبح ما يفكر فيه لا وجود,يتعامي عن كافة الحقائق التي يراها,ولا يقتنع بها ويتبع نداء قلبه؛فلا يشعر بمرور ثلاثمائة عام!طالما أنه يجد أمامه صورة حبيبته القديمة بريسكا,فلا يهم أن يجد صديقه مرنوش قبر طفله الصغير(بالنسبة إليه)قد كُتب عليه أنه مات في الستين بينما مرنوش لا يزال فتياً!فليس من المستبعد في حالة مجاراة بريسكا الأخري الشبيهة بحبيبته القديمة له,أن يعيش معها حياة طويلة دون أن يشعر بغربة عن واقعه رغم مرور ثلاثمائة سنة!

لكن من قال أن للمرء حق الاختيار؛وخاصة إذا جاء في دنيا ليست دنياه وعصر لا ينتمي له من الأساس؟ قد يتوهم أنه اختار لكنه في الواقع موهوم بما ليس له وجود..البعض يري أنها سعادة ما بعدها سعادة,لكن ماذا إن أفاق علي الحقيقة؟

وليست قضية الحب وحدها التي ناقشها الحكيم بل أنه اشتبك سياسياً مع عصره؛في الثلاثينيات والصراع علي أشده بين الجديد والقديم,ويتعارك كل فريق مع الآخر ويصل الأمر للمحاكم والفصل من الوظائف والتكفير والاتهامات بالطعن في الدين ومحاولة هدمه,يقول الحكيم أن لكل زمن رجاله وأفكاره واتجاهاته,ما كان طبيعياً بل وواجباً من مائة سنة مثلاً؛من يقوم به الآن مجنون لا عقل له,من يعتنق فكرة وُضِعَت في ظروف معينة وسط بيئة خاصة تبناها مجموعة من البشر وقدسوها زمناً,ثم انتهت تلك الظروف وفَنِيّ هؤلاء الناس وتغيرت البيئة المحيطة فمن يعتقد فيها في عصره الحديث وسط عالم يتغير كل لحظة مجرد معتوه أحمق سينبذه البشر من وسطهم،كما يحدث معنا في تلك الأيام من فتوي مفاخذة الصغيرة والعلاج ببول الإبل وغيرها من الأفكار القادمة من بيئة الصحراء.
لذلك وضع مسرحية أهل الكهف أنصار الجديد من الحداثيين في مرتبة عليا-عن استحقاق وجدارة- وربما كان مقال طه حسين هو أبرز ما في هذا الصدد...ويبقي سؤالاً لماذا لا يشعر الشرق عموماً بمرور الزمن,ولماذا لا يتأمل في خلق الله؛كل ما في الكون يتغير ويتحرك كل لحظة؛ليس هناك ثبات,لماذا إذن لا تتغير أفكارنا القديمة البالية ونتعامل مع العصر كما يجب؟!

توفيق الحكيم مفكر والمفكر يشك,فليس كل ما يؤكده الجميع صحيحاً,(القديس) مرنوش بعد أن بُعث مرة أخري يموت كوثني منكر للبعث والحساب!!!
وكأن الحكيم يصرخ متألماً من الشك المميت"هل من
حقيقة في هذا العالم؟!"
ولكن يعود في النهاية لموضوع المسرحية الأبرز حب بريسكا ومشلينا,النبوءة تحققت وأصبحت تشبه القديسة بريسكا حبيبة مشلينا قبل ثلاثمائة عام قلباً وقالباً,فتحبه هي الأخري وتصمم أن يُسدّ عليها باب القبر؛لتبقي بجواره ليس كرجل حي,بل كجثة, ماذا يريد الحكيم في النهاية أن يقول,هل الحب أقوي من الإيمان كما طرح في بداية المسرحية؟أم أنهما واحد لكن بإسمين مختلفين؛يجعلنا نضحي بأنفسنا راضيين لعلمنا أن الحياة ليست فقط علي هذه الأرض وليست عبر ذلك الجسد؛فنبحث عن أخري بحب وإيمان؟
أسئلة لا تحصي يطرحها توفيق الحكيم في مسرحيته...لا تزال تبحث عن إجابة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق