الاثنين، 1 أكتوبر، 2012

الكوبري والحديقة


الكوبري والحديقة


حين طلبت منه زوجته أن يتقدم باستقالته من "المخروبة اللي شغال فيها دي" وشعر في فورة غضبها أنها توّد لو تسكب عليه الشاي المغلي,استعاد حادثة (الكوبري) حين كان طفلاً,وحادثة الكوبري ليست بالشئ الهام أبداً؛فقد نسيها لسنوات لكنه حين سقط من أعلي السلم سقطة خفيفة,عاوده ذات الشعور واستعاد نفس الصور والأصوات.

وهو في المرحلة الابتدائية,ألّح عليه أصدقاءه للقفز معهم فوق سور الكوبري؛ولم يكن الأمر خطيراً,فالكوبري الموجود في منطقة سموحة,بجوار سوره الأيسر عند منتصفه من ناحية الدوران انحدار صخري,ملتصق  بمساكن فقيرة شديدة البؤس,أوقعها حظها السيئ- كما هو دوماً-في وسط منطقة من تلك التي يُطلق عليها (راقية),لم يهتم بذلك؛رغم مروروه لسنوات علي ذلك الكوبري,لكنه يفهمه الآن جيداً حينما بدأت العمائر المهولة تحاصره من كل ناحية,وزوجته لها عينان,والعينان تبصران والقلب يلتهب طموحاُ و ألماً,واللسان لا يكف عن السخرية والتلميح,يري في عينيّ ابنه كلما شاهد أولاد الجيران في سيارات آبائهم يرتدون ما يسُر النظر,ويأكلون مما يراه في التليفزيون من حلوي؛نظرة ظنها في بادئ الأمر دهشة وإعجاب لكنه تحولت مؤخراً لنظرة حرمان ممزوج بانكسار لمحها أول مرة وهو يمضي لموقف النقل الداخلي بصحبة ولده ليوصله للمدرسة,بينما السيارة الخاصة يقفز نحوها فرحاً أولاد الجيران.

"نُط يا عمر كلنا هنُط هنا"
لا ياعم مش رايحين هناك,إيه اللي هيخلينا ناخد كل الكوبري ده"
"والله سهله,فاكر يا حسين الواد عصام كان خايف زيه كده ومفكرها صعبة"

لكنه سمين لحدٍ كبير كما أنه جبان لحدٍ أكبر.

"طب خليني أنا آخر واحد"

بعد أن فرغ من الشاي دخل يتبول,وظلت استفزازات إلهام مستمرة,تطلب من الولد أن يذاكر,؛كي لا يصبح خائباً كأُناس تعرفهم؛فيعيش حياة مريحة ويُسعد زوجته ويعيشان حياتهما في رغد,بدلاً من البؤس الذي تعيش فيه أمه....احتبس البول لثوانٍ من الغضب,واكمل الباقي وهو يلعنها بأقذر الألفاظ ,يكفيه "الأوساخ الآخرون"رؤسائه وزملائه في"المخروبة" وسخريتهم الدائمة منهم,وبعد أن طَهر نفسه,تساءل في حسرة"ليه كده...إيه اللي حصل!!".

منذ خمسة عشر عاماً كان يعرف فتاة جميلة لا تتكلم سوي بالهمس و البسمة الدائمة,و طوال سنوات الخطوبة عاشا سوياً في أحلام اليقظة يريان سعادتهما تقترب منهم,فمن تلك المرأة التي تفوح منها رائحة العرق وروائح أخري,و قالت بغيظ أن"كيلو لحمة أحسن من اللوحة اللي اشتريتها من صاحبك الموكوس اللي عايش دور دافنشي"

حين قفز علي السور,شعر بألم في خصيتيه من ثِقلّه, ورأي الأرض بعيدة فتردد وعاد مرة أخري مكانه.
ورآه شابان صغيران فقال له أحدهما وهو يعطف عليه بلا مبرر:"حاسب يا ابني أحسن تقع,لو مش عارف تنط ماتنطش"
لكنه أعاد المحاولة وفشل مرة أخري وظل الشابان يراقبانه في توجس,فقال له الذي يعطف عليه بلا مبرر:تعالي من هنا طب هنا الأرض أقرب" وكان أقرب فعلاً لكنه بجوار الهاوية تماماً,فردّ الآخر: هنا إيه!!كده يقع" فقال الأول موجهاً نصف حديثه للطفل والآخر لصاحبه:"بص استني هو هينزلك,نزلّه يا حسام"

أمسكه وبينهما السور أحدهما علي الكوبري والآخر يصرخ بهيستيريا:"يا عموووووووو....لا والنبي يا عمو نزلني هنقع نزلني نزلني"
لكن"عمو صمم علي دفعه:"الأرض تحتك متخافش...انزل بالراحة"
وضع قدمه اليمني علي مسمار حديدة ناتئة من جسد الكوبري كما شاهد أصدقاءه يفعلون,ووقف علي قمة المنحدر الصخري يلهث من الانفعال والخوف,ظن أنه سيقع علي الأرض,وشعر بأول رعب حقيقي في حياته الكوبري عالٍ جداً,وبصره لا يتحول عن السيارات المسرعه في الأسفل,بينما الأرض الآمنة تحته.

بعد أن جلس علي القهوة,وعاد للمنزل مغلوباً في الطاولة,أرد فجأة أن يصرخ بعلو صوته:"يا عمو لا والنبي ياعمو" ربما يجد من يساعده,ظل كما هو سميناً لكن لم يعد طفلاً,وقرر أن يصفع زوجته بقسوة عند أول محاولة للتهكم,لكن مرأي صلاح بيه وهو ينزل من سيارته متوجهاً لشقته الفارهة بصحبة امرأة باهرة,تسببت له في الانكسار والغم,وقال أن زوجته لها أعذارها فالحياة جميلة حقاً,تراها من بعيد وتريد أن تعيشها وتستمتع,هو القانع سخط علي حياته للحظة,فكيف بإلهام التي حلمت بفيلا صغيرة ترعي حديقتها كل صباح.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق