الأحد، 21 أكتوبر، 2012

كشاف تنيسي وليامز




كشاف تنيسي وليامز



والنهاية أيضاً سوداوية في تلك المسرحية! قد يبدو أن تنيسي وليامز لطخ لوحته السوداوية بشئ من البياض؛ليخفي الرياء و الكذب اللذان يحيطان الإنسان من كل اتجاه,لكن الحقيقة أن المسرحية كلها تجعلنا نتخبط في شرور هذا العالم وخطاياه,نتوه وسط الأفعال القذرة التي تصدر عن النفوس...معظم النفوس ويبقي القليل بشروره الغاطسة المكتومة نقياً متلألاً؛ربما ليعطينا أملاً ولو كان كاذباً في هذه الحياة!

فمنذ البداية نصطدم بمارجريت المتبجحة،التي تعيش مع زوجها بريك الشاذ جنسياً,ونحن لا نملك أن نقطع في كوّن بريك شاذاً أم لا؛فوليامز تعمد كما قال في المسرحية أن يجعل بعض الأمور والشخصيات غامضة غير مفهومة,كالحياة تماماً,نحن لا نفهمها رغم أننا نحياها,وذلك المذهب الفني يفوق الواقعية ويسمي الطبيعية:نحن نكتب ما يحدث ولا نفسره,إذا تمكنت من معرفة أي تفسير حقيقي وأبدي لأي شئ علي هذه الأرض؛أرجوك أبلغني وحينها سأعاود النظر في المذهب الطبيعي.
والطبيعية قد يشعر القارئ لنماذجها بملل وعدم إدراك لما يحدث,لأن الكاتب ينقل الأحداث الحياتية كما هي,فيتكشف لنا كم هي عبثية ومملة وغير مفهومة علي الأطلاق.لكن تنيسي وليامز يتلافي هذا العيب,فيبتعد قليلاً عن الطبيعية في الأدب...كما ابتعد عنها في الجنس!
فنحن نفهم أن الفتاة المتبجحة الطامعة أن يرث زوجها تركة أبيه,هي وزوجها جزءاً من عائلة ينتظر فيها الإبن الآخر موت الأب طمعاً في المال والأرض,والأب مخدوع ويتخيل ان امامه حياة طويلة ليعيشها,والأم التي تمثل الجزء المضئ في المسرحية-من وجهة نظري-تعيش بقلبها الذي منحته للأسرة ولا تستخدم عقلها إلا نادراً؛للذك أصبحت مثار سخرية الأب ومطمع جوبر وزوجته ليتخذاها وسيلة لوضع أيديهم علي أملاك الرجل المصاب بالسرطان.حين يُسلط علي المرء ضوء قوي؛تتضح ملامحه وتبرز عيبوب جسده ووجهه,وهكذا يفعل وليامز سيكولوجياً بأبطال مسرحيته,فنجد الطمع صفة يشترك فيها أكثر من الشخص كما الكذب,والشهوة الشذوذ بأنواعه الكثيرة...لماذا لا نصدق أن كل منا شاذ بطريقة ما؛وليس كل الشذوذ سلبياً بل قد يكون أمر إيجابي لكن أحد مشاكل الشذوذ,أنه ككل شئ في العالم نسبي....تخيل نفسك في بلد يسير فيها ابناؤه علي أنوفهم مثلاُ؛كيف سينظرون إليك عندئذ وكيف ستنظر لهم, ستكون النظرة ذاتها بالدهشة ذاتها!
تكنيك المسرحية يجعل المساوئ تتصارع وتتسابق,فتبدو غاية في البشاعة والوقاحة...ضوء وليامز قوي جداً علي شخصياته,لكنك تتعاطف معها ولا تتمكن أن تحبها أبداً,بل أنت مشمئز منها كبريك السكير المدمن,لكنك تتعايش معها وتتحملها,لأنك تقابلها أمثالها في الحياة, ربما لا تشعر بها أبداً,وتقول أنها عادية,لكن الفن هو من يكشف الحقيقة,فيجعل رؤيتنا أوضح للأمور فنتفاهم ونتعاطف ونتساءل عن السبب قبل أن نحكم علي شخص.
وهكذا نتفهم سر كراهية الأخ لأخيه في المسرحية,وشذوذ بريك-غير مؤكد-وإدمانه علي الخمر,ونري الجانب المضئ قليلاً من مارجريت فهي تحب زوجها حباً صادقاً,والأب رجل عصامي استطاع أن يصنع ثروة طائلةمن عمله.....أي أننا في النهاية لابد أن نري الجميع بشراً,ليسوا طيبين أو أشرار,بل هناك صفات تزرعها البيئة في الإنسان وتضعها في مواجهتنا فلا نري سواها,لكن الفن يجيئ فيسلط ضوءه الكاشف.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق