الثلاثاء، 16 ديسمبر، 2014

العرب مصريون





لو كان التأويل رجلاً لاتبعته لأقصي الأرض؛أخدمه بسنوات عمري علي أن يعطيني معني واحد لكل العلامات الصوتية والمرئية والسلوكية التي تحيط بي في الحياة,طالما وقفت مدهوشاً ومتردداً أمام تلك العلامات,وأبرزها حروف الكتابة المُعجِزة,وتمنيت من الله أن يمنحني الهرمينوطيقا كعين يمني,و السيميوطيقا كيسري,لعلي أتمكن من تأويل أي شئ في الحياة قبل أن تتخلي عني الحياة وتسلمني لأمي الأرض لأرقد في جوفها بعد أن تمت دورتي الحياتية وجاعت الحياة للجديد,تلفظني ثم تبتلع من بعدي.
آه من اللغة لما تسكن جوف الواحد منا,كأنه حامل في جنين لا يستطيع ولادته!العسير أن الجنين مجهول الوالدين,فتفسيرات اللغة والفيلولوجيا من كثرة أطروحاتها وإجاباتها لم تقدم أي إجابة شافية عن نشأة اللغة عند الإنسان,التي تميزه ضمن أشياء معدودة مع الشمبانزي المشارك له في السلف.
أتخيل أول عاشق في التاريخ,وهو يدور حول نفسه في كهفه المنار بشعلة نارية حائراً في التعبير عن عشقه لحبيبته,لا يريدها اغتصاباً كما يحدث طوال الوقت في ذلك الزمن الوحشي,لا يتخيل نفسه في فراشها يبادلها الحب كما تفعل الحيوانات...حينها فقط فكر أن الحيوانات لها مشاعر,مشكلتها الأساسية أنها لا تجيد التعبير عن ذلك!
ربما فكر في عاشق آخر في مكان آخر من الأرض يجلس نفس جلسته الحائرة تلك,وقرر أن ينهي تلك المأساة ويجد أداة يتمكن خلالها من إيصال مشاعره للبنت التي يحبها,وردت علي خاطره تلك الأًصوات المبهمة المبتورة التي يتبادلها مع أهله للتحذير من الوحوش أو لتدبير أمور الزراعة,ففكر أن يطورها,فاخترع أول كلمة لها معني واضح في تاريخ البشرية,وجري نحو كهفها عارياً وقال:"أحبك".لابد أنها أحبته فوراً,فقد جاء لها بأول كلمة في التاريخ.
استمر سيل البشر يولد ويفني حتي ظهر أول شخص أراد أن يعبر عن ذاته أمام الجميع في كل العصور,فأخذ قطعة حجر ونقش عليها بضعة رموز وضع لها معناها وقواعدها ثم شرحها لقومه فبدأوا يقلدونه,فظهر عندنا تلك النقوش الحجرية في الحضارات القديمة.
حتي جاء أجدادنا العظام سكان الوادي القدامي,بلغتهم الهيروغليفية أصل كل لغات العالم فيما بعد,وصاحبة الأثر الأكبر في تاريخ الحضارة البشرية,بها عرفنا أصولنا الفرعونية المُبجلة,التي نستخدم لغتها حتي اليوم في كلامنا المسُمي (العامية) كلغة درجة ثانية من(الفصحي)لغة قريش خصيصاً التي نزل القرآن الكريم بلغتها علي النبي,الحق أن مسألة اللغة العربية لكونها لغة القرآن المعروف عند المسلمين بأنه(كلام الله) شائكة جداً وتسببت في قضايا لا يزال صداها,ربما منذ أن اعتقد ابن سينا أن القرآن موحي بالمعني أما اللفظ فهو من عند النبي,حتي أزمة لويس عوض في فقه اللغة العربية.
لكن الأكيد أن العربية لغة كأي لغة تأثرت بغيرها واندغمت فيها ألفاظ ليست منها,منذ ظهورها في أرض الجزيرة من أصلها السرياني السامي,قبل الإسلام وبعده وحتي اليوم عربت أسماء كثيرة وأدخلت فيها ألفاظ من غيرها ورد نماذج منها في القرآن الكريم,ومن اللغات التي تأثرت بها الفارسية وأنا أقف وقفة احترام وإجلال لأهل فارس حين دخلها العرب؛لأنهم لم يستبدلوا لغويتهم بلغة الغريب القادم تحت أي مسمي كان,تعلموا العربية وأثري عباقرتها تلك اللغة بمؤلفاتهم الثرية العظيمة في كل المجالات,وظلوا متمسكين بفارسيتهم وأصولهم اللغوية,علي عكس ما فعله المصريون حينئذ مما جعل أصولهم التاريخية المُبجلة فذة التكوين عميقة الأثر في حياة الإنسان أياً كان ميلاده,مقطوعة الصلة للأسف بحاضرهم حتي ينكر الكثيرون أن هذا الجد العظيم حفيده هو هذا البائس الحالي!!!!,فأسطورة النقاء العرقي واللغوي المميزة بميزات سماوية المُستخدمة أيدولوجياً علي مدي العصور من أصغر قبيلة تائهة في البراري حتي الحرب العالمية بسبب ما اعتقده نيتشه و عمل به هتلر عن الجنس الآري,لم يعد لها مكان اليوم,من يعلم لو كان الأسكندر نفذ خطته الطموحة بتوحيد الشعوب كيف ستكون الحياة اليوم وكيف ستكون الأنثروبولوجيا والإثنولوجيا؟!
لم تفلت لغة بدءً من الهيروغليفية(اللغة المقدسة)حتي العربية التي ظهر أول نقش بحروفها علي شكلها الحالي عام 328م علي شاهد قبر امرئ القيس الذي يصف نفسه بـ"ملك العرب كلهم"وامرئ القيس كما هو معروف شخصية إشكالية في الأدب العربي حتي أن بعضهم يشكك في وجود شاعر بهذا الاسم من الأساس!قاصدين امرئ القيس الشهير صاحب المعلقة,وربما اندغمت سيرته مع سيرة امرئ القيس نائب القيصر في بلاد العرب.....
العربية لأسباب سياسية خاصة بعلاقة الموالي والعرب في الصراع علي السلطة هي أيضاً اعتبرها الفقهاء قديماً موحي بها من الله لآدم,وأن آدم الشهير في كل ثقافات الأرض هو أول من تكلم بالعربية في الجنة,يتلقف هذا المعني حكيم المعرة وشيخها أبي العلاء في رسالة الغفران ويعرضه بسخرية واضحة يلمز بها أصحاب هذا الرأي في لقاء ابن القارح بآدم في أسلوب أدبي وفكر فلسفي سلم أمره للمعري العظيم يطوعه كيفما شاء.
من فارس مثلاً دخلت ألفاظ كثيرة بمعناها ومبناها منها ما نستخدمه حتي اليوم دون أن نعرف أصولها ومنها ما استخدمه الناس في الأصول السابقة,و في اللهجة المصرية خليط مدهش من مختلف اللغات القديمة والحديثة في مزيج كوزموبوليتاني بسبب فترات الاحتلال الممتدة لقرون في جسد الأمة المصرية منذ سقوط الفرعون الأخير

قررت الجمعية اللغوية منع إلقاء محاضرات تخص موضوع أصل اللغة ونشأتها بين البشر؛بحجة أن الأمر غامض لدرجة لن يتمكن معها أي باحث من معرفة أمر غيبي ليس عندنا منه شواهد محددة تقضي بنتيجة معقولة...ذلك الخبر من فرنسا يضئ جانباً هاماً من رحلة البحث عن الكيفية التي جعلت لكل جماعة لغة وكتابة خاصة بها.
لا يمكن لأحد أن يجزم بحقيقة هذا السحر العجيب المثير في كلام الإنسان وكتابته,أجل المتأمل فيهما سيجد فيهما سحر يثير الشهوة نحو عوالم لا حد...لذلك كانت في "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ. 2 هذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللهِ.."كما جاء في إنجيل يوحنا,ثم يخاطب جبريل النبي أول ما خاطبه"اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ{1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ{2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ{3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ{4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ"بل أن الله"علم آدم الأسماء كلها" فكانت أفضلية آدم علي الملائكة هي اللغة التي تحدث بها.
لكن لنختصر الطريق ونذهب ناحية شبه الجزيرة العربية,حيث العرب هناك عام 328يظهر أول نقش مكتوب بحروف عربية مستخدمة حتي اليوم...لكن من هم العرب؟
أصل الأعراق كأصل اللغات تكسرت فيه الأقلام علي الأقلام,والأبحاث علي الأبحاث,ولكل نتائجه التي يوردها.
التاريخ العربي الناظر فيه لابد أن ينظر بعينين عين علي الوقائع الدينية وعين علي الوقائع التاريخية,والفارق بينهما أزمة لا حل لها...
مصر مفتاح العالم وأصل كل الأشياء....
ابتلي الله المصريين في بـ"الحكاخازو"أي الحكام الأجانب الذين سيعرفون فيما بعد بصيغتهم اليونانية"الهكسوس" في فترة ضعف أنهكت البلاد حتي جاء الثلاثة أحمس(أحمس,أحمس نفرتاري,أحمس بن إبانا"وطردوهم حتي وصلوا بهم إلي منطقة تحرفت لغوياً لكنها من أصل كلمة"حكاخازو"..."الحجاز"استوطنوا فيها آخذين معهم لغة المصريين وعاداتهم ودينهم التوحيدي أصل كل دين علي الأرض,ثم استوطنوا تلك المنطقة,فكانوا عرباً بحسب نظرية من النظريات,تستند إلي الدين واللغة لتأكيد أن كل ذلك نقله العرب كما نقل اليونانيون والعبرانيون عن مصر القديمة,فنجد قبائل وأماكن وألفاظ لا يمكن تفسيرها إلي بالرجوع إلي أصلها الهيروغليفي,بل أن القرآن الكريم كتاب العرب الأول ينقسم إلي "سور"المأخوذة من"سورتا" الهيروغليفية ومعناها"النص المقدس,والحديث في هذه النقطة لا محل له الآن,مع التأكيد أن المنطق التاريخي يجد في تلك التفسيرات مكان أفضل من تفسيرات أخري!!
إسماعيل جد العرب الذين ينحدرون منه طبقاً للعرف الديني,من أمه؟هاجر المصرية,ولمعرفة معني الأم عند العرب قديماً,علينا الرجوع إلي أول نقش ظهر فيه اسم العرب للوجود يتحدث عن"ملكات العرب"وسيخبرنا التاريخ بعد ذلك أن القبائل العربية كانت قبائل أمومية,حتي طغت علي أسمائها,فتسمت بأسماء أنثوية,وهاجر أخذها من مصر إبراهيم أبو الأنبياء الذي تنتسب إليه الأديان الإبراهيمية وعلاقة الأنبياء بمصر علاقة ممتدة,فالكل لابد أن يمر علي مصر ويعرف المصرية ويتكلم بها وينشر بها أفكاره الدينية.
فأصل العرب طبقاً للديانتهم الإبراهيمية مصري من أم مصرية,تربي معها وعلمته من علمها بعد أن تركهما إبراهيم عند بيت الله الحرام.
ربما كان السبب الأول لبداية التدوين والكتابة عند العرب الحاجة الملحة لتنظيم سير القوافل والأموال التي كانوا يعملون فيها,ومع بداية الكتابة المنظمة والتدوين انفجر هذا السيل الخالد من الأدب العظيم....








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق