السبت، 20 ديسمبر، 2014

سيد درويش..." غني لي غنيوة"

سيد درويش..." غني لي غنيوة"
حين دق قلبه الدقة الأخيرة فجر 15سبتبمر بعد أن انتهي من نشيد التحية, الذي سيستقبل به سعد زغلول بعد منفاه الثاني علي يد الاحتلال الانجليزي,كان الشيخ سيد درويش البحر موسيقار مصر الخالد ومؤسس نغمتها العظيمة يحمل علي ظهره 31عاماً فقط,31عاماً!!...لكن الأفذاذ لا تقاس حياتهم بعدد سنوات أعمارهم هذا عمر قياس غمار الناس ممن عاشوا حياتهم لا يشغلهم سوي أنفسهم ولا يمدون أعينهم صوب عمل عظيم,الإسكندر الأكبر المحارب العظيم الذي كان سيغير الدنيا لو امتد به العمر لم تتعد سنوات حياته 32,وللأبد سيظل ذكره يشغل المؤرخين والباحثين وقادة الجيوش والأدباء....كما يشغل الشيخ سيد المطربين ومحبي الفنون وناقدي الموسيقي والسينمائيين وغيرهم ممن يعرفون قيمة سيد درويش.
قبل تلك الليلة الحزينة التي فارق فيها عالمنا والتي سنوردها لأن وفاته تشبه وفاة موتسارت الذي توفي هو الآخر عن35عاماً,لابد من العودة إلي الأسكندرية....
الأسكندرية ملهمة فناني العالم,تسمت في زمن مجدها القديم في عصر اليونان"مدينة الله العظمي"فهي عاصمة العالم في ذلك الوقت وعنوان ثقافته,أينما ولت الأسكندرية وجهها ولي العالم شطر ما تولي فتقوده نحو الحضارة بقيادة علمائها المتحضرين,منذ إنشائها علي يد الإسكندر و حكمها من قبل "بطليموس سوتير"أحد خلفاء الأسكندر الذي انسحب من معركة تقسيم إمبراطورية الإسكندر واكتفي بحكم مصر واهتم بفنونها وثقافتها من عاصمته الأسكندرية؛ربما لأنه احتمي بمصر ولم يرهقها كما فعل الفرس من قبله؛كان هو الوحيد من خلفاء الأسكندر الذي مات علي سريره في أمان,توالت العصور ولم يتغير سحر الأسكندرية هذا السحر الذي تلقاه سيد درويش في صباه وأبدع في سنوات عمره الذهبية قبل وفاته بست سنوات لما جاء إلي القاهرة بعد إلحاح من سلامة حجازي...
القاهرة في تلك الحقية كانت جائعة لأنغام سيد,صحيح في البداية سينصرف عنه الجمهور لعدم استساغته لمشروعه الفني العظيم,لكن سرعان ما سيعرف الناس قدره قيمة هذا الفنان الذي انتظرته مسارح القاهرة ليعمرها بأنغامه مع بديع خيري,وحين نقول مسارح القاهرة و شارع عماد الدين تحديداً فنحن نتحدث عن مشروع اقتصادي ضخم,شارع عماد الدين معقل الفنون في بداية القرن الفائت يوازي شارع برودواي الشهير في نيويورك ,يكفي أن نعرف أن يوسف وهبي اعترف أن مسرحه هو وحده حقق مليون جنيه مصري في سبع سنوات فقط من1923إلي 1929! مع العلم أن الجنيه المصري وقتها كان متفوقاً علي الجنيه الإسترليني!ومع يوسف وهبي تألق عظماء آخرون,كالريحاني وعلي الكسار ومنيرة المهدية وجورج أبيض,وخلف كل واحد من هؤلاء فطاحل المؤلفين والممثلين,كل هؤلاء وغيرهم أشعلوا شارع عماد الدين بالفنون والبهجة والمرح,وأيضاً بالدموع والتراجيديا,انطلقت فيه أصوات فناني مصر لشعب مصر,وطبعاً كان صوت سيد درويش وسط هؤلاء يلعلع معهم بوسيقاه.شارع عماد الدين تأخر نعيه منذ زمن طويل,رفض أن يُعلن موته وامتنع عن كتابة وصيته ؛لثقته بمجئ يوم تعود فيه أمجاده ويمتلئ كالماضي بالفنانين والجمهور فيخرج من بين تفاعلهم (الفن)أعظم ما خلق الله في أرضه!
من ضمن سلسلة مفاتيح الساعي للوصول لسيد درويش,تبرز ثورة 1919المجيدة وسط مفاتيح أخري كالأسكندرية وعشيقته جليلة وبديع خيري....لابد أن نتوقف طويلاً الآن مع ثورة 19,فبدونها لن نتمكن من فهم المجتمع المصري حتي اليوم,والغناء بالطبع جزء أصيل من نفسية المصري علي مر العصور وعنصر أساسي مرتبط بالمجتمع المصري وتحركاته صعوداً وهبوطاً.
ثورة 19واحدة من أهم لحظات مصر القرن العشرين ربما تتشارك لفظ"الأهم"مع حرب أكتوبر,نستشعر آثارها لليوم,وستظل الأجيال القادمة تتوارث آثارها حتي يحدث انقلاب شامل في الحياة المصرية كما حدث من من حوالي95عاماً,من أهم تلك الآثار عملية"تمصير مصر"فحتي الجيل الذي أفرزته ثورة 19كانت مصر غريبة عن نفسها,انحدرت من يد الأتراك للإنجليز في سلسلة حوادث مؤسفة اعتادت عليها مصر واستطاعت أن تنهض منها وتسير نحو الاستقلال في النهاية علي يد مصري آخر من نفس طينة عرابي المنكسر بالخيانة وسعد زغلول المنتقم له سماه أبوه جمال فكان جمال عبد الناصر.لم يكن سعد زغلول نفسه قبل ساعات قليلة من اندلاع الثورة يتصور أن يحدث ما حدث,لم يتخيل عبد العزيز باشا فهمي وهو يعنف الطلاب الثائرين وينتهرهم بشدة طالباً منهم أن يبتعدوا عن الساحة السياسية فقال:"المسألة ليست لعب أطفال,دعونا نعمل في هدوء ولا تزيدوا نار الغضب اشتعالاً عند القوم"...أجل لم يتخيل شخص واحد أن المصريين الذين ما زالوا يحملون عار هزيمة عرابي واحتلال انجلترا لمصر قادرون علي صناعة ثورة شعبية ترتج لها الإمبراطورية الإنجليزية التي لا تغيب عنها الشمس؛واحد فقط هو من أدرك قبل سنوات عدة أن مصر"تذوب شوقاً للثورة"كما قال,هذا الرجل قيل عنه "لم يوجد انجليزي يعرف مصر والمصريين أكثر منه",من هو؟الداهية المحتل اللورد كرومر!!!بل أن كرمر من اختار سعد ليكون وزيراً,لتنسج الأقدار لعبتها الساخرة في النهاية!
ها هو فلاح جديد(سعد زغلول) يظهر من بين المصريين يواجه الأسرة العلوية والإنجليز والأتراك ,يثأر بما فعلوه بفلاح آخر(أحمد عرابي) أراد رفعة وطنه وسعي لها مع أنبل رجال زمنه علي رأسهم الشهيد البطل محمد عبيد الذي أصبح ولياً بعد أن تناقل المصريون قصة موته منصهراً بحرارة المدفع الذي رفض أن يتركه وظل يضرب به الإنجليز حتي أذابته حرارته,وأخذ الخيال الشعبي يتوسع في أسطورته حتي آمنوا أنه ما يزال حياً بل ورآه بعض الناس في أكثر من مكان,والشاعر الجندي البارودي وخطيب الثورة العرابية عبد الله النديم وغيرهم من العرابيين الشجعان,كان سبباً في اشتعال شرارة الثورة بعد اعتقاله,فكان هتاف الشعب ينادي بحياة سعد زغلول الفلاح وإسقاط السلطان حفيد محمد علي الألباني الأجنبي"يحيا سعد ويسقط السلطان"كان هذا ما يتردد في مسمع السلطان.
كانت مصري تغلي بالثورة الشعبية بعد مرار لا مرار بعده,يكفي أن نذكر أن المصري كان يؤخذ عنوة ليخدم في جيش الاحتلال في الحرب العالمية الأولي ويقاتل في معركة ليست معركته تاركاً أهله ووطنه وحياته التعيسة المثقلة بالديون ليوضع في آتون الحديد والنار,من سن 14حتي 70كانوا في نظر الاحتلال مؤهلين لخوض الحرب نيابة عن إنجلترا!أخذوا الكثير وبعد انتهاء الحرب لم يعد منهم غير قلة!!!تلك القلة وجدت سيد درويش بموسيقاه يغني لهم بكلمات بديعي خيري:" سالمة يا سلامة آه يا سالمة يا سلامة
سالمة يا سلامة روحنا وجينا بالسلامة
سالمة يا سلامة
صفر ياوابور واربط عندك نزلني في البلد دي
بلا أمريكا بلا أوروبا مافيش احسن من بلدي
دي المركب اللي بتجيب احسن من اللي بتودي يا سطى بشندي
يا سالمة يا سلامة روحنا وجينا بالسلامة
سالمة يا سلامة
طرته ما طرته اهو كله مكسب حوشنا مال وجينا
شوفنا الحرب وشوفنا الضرب وشوفنا الديناميت بعنينا
ربك واحد عمرك واحد ادي حنا اهه روحنا وجينا ايه خس علينا
ياسالمة يا سلامة روحنا وجينا بالسلامة"
يحاول بديع ودوريش التخفيف من وطأة الحرب القاسية علي المصريين التعساء الذين قادهم حظهم لإجبارهم علي المشاركة فيها,ويستعيران اللسان المصري السليط الساخر في المواقف الحرجة"شوفنا الحرب وشوفنا الضرب وشوفنا الديناميت بعنينا
ربك واحد عمرك واحد ادحنا اهه روحنا وجينا ايه خس علينا
ياسالمة يا سلامة روحنا وجينا بالسلامة
سالمة يا سلامة"
منع الإنجليز ذكر اسم سعد زغلول,فاحتال سيد درويش ولحن"يا بلح زغلول يا حليوة يا بلح!"لنعيمة المصرية,في دلالة علي أن إنجلترا بجيشها كله لن تغلب الموسيقار السكندري بعوده البسيط.لكن يظل النشيد الوطني الحالي من كلمات يونس القاضي وقوم يا مصري لبديع خيري خالدان في الوجدان المصري,والحق أني أبحث ,من ضمن ما أبحث في تراث الأجداد العظام عباقرة وادي النيل القدامي عن نص شبيه بنص بلادي بلادي وبقوم يا مصري,أستشعر أن هناك تاريخ عميق وراء هذين النشيدان,لكني لم أجد سوي صدي في أغنية أهو ده اللي صار"وإحنا نبقي الكل واحد والأيادي تصير قوية" يعود لكتاب الخروج في النهار المعروف خطأً بكتاب الموتي حيث نجد فيه عبارة شبيهة"لأنك صائر إلى هناك.. حيث الكل في واحد"وهي ذات العبارة التي بدأ بها توفيق الحكيم روايتة عودة الروح بها"عندما يصير الزمن إلي خلود,سوف نراك من جديد؛لأنك صائر إلي هناك,حيث الكل في واحد",عودة الروح هي تجلي أدبي لثورة 19 أبدع فيها الحكيم بفنه الروائي في التعبير عن أحداث الثورة كما فعل الشيخ سيد بفنه الموسيقي.
علي الرغم من أغاني الخمسينيات والستينيات الوطنية التي أغفلت اسم مصر لصالح العروبة!!!!!لم يجد الشعب المصري بعد النكسة ما يصرخ به سوي أن يغني في الشوارع وأمام بيت عبد الناصر ليلة التنحي الأليمة غير "بلادي بلادي"- قبل أن تصير نشيداً وطنياً بسنوات-:"
بلادي بلادي بلادي       لكِ حبي وفؤادي
مصر يا أم البلاد            أنتِ غايتي والمراد
وعلي كل العباد           كم لنيلك من أيادي
مصر يا أرض النعيم    سدتي بالمجد القديم
مقصدي دفع الغريم      وعلي الله اعتمادي
بلادي بلادي بلادي     لكِ حبي وفؤادي
مصر أنتِ أغلي درة     فوق جبين الدهر درة
يا بلادي عيشي حرة    واسلمي من كل عادي
بلادي بلادي بلادي     لكِ حبي وفؤادي"
كأن بديع خيري نام في حضن أمه مصر في ليلة من ليالي ثورة 19 وسألها بلغته العامية التي أبدع فيها"أمه توصيني أقول إيه لإخواتي؟"فقالت مصر صادقة:
قوم يا مصرى مصر دايما بتناديك"
خد بنصرى نصرى دين واجب عليك
يوم ما سعدى راح هدر قدام عينيك
عد لى مجدى اللى ضيعته أيديك
شوف جدودك فى قبورهم ليل نهار
من جمودك كل عضمة بتستجار
صون أثارك ياللى دنست الأثار
دول فاتولك مجد و أنت فوت عار
جبللي اى بلاد يا مصرى فى الجمال
تيجى زى بلادك اللى ترابها مال
نيلها جى السعد منه حلال بلال
كل حى يفوز برزقه عيشته عال
يوم مبارك تم لك فيه السعود
حب جارك قبل ما تحب تحب الوجود
ايه نصارى و مسلمين قال ايه و يهود
دى العبارة نسل واحد مـ الجدود
ليه يا مصرى كل أحوالك عجب
تشكى فقرك و أنت ماشى فوق دهب
مصر جنة طول ما فيها أنت يا نيل
عمر أبنك لم يعيش أبدا ذليل
يوم مبارك تم لك فيه السعود
حب جارك قبل ما تحب تحب الوجود
ايه نصارى و مسلمين قال ايه و يهود
دى العبارة نسل واحد مـ الجدود"
كل كتابات المستشرقين والمصريين الذين قسوا علي الشخصية المصرية ونقدوها بغلظة لسبب أو آخر لم يكونوا أكثر إيلاماً من بديع ودوريش وهما يقولان موبخين :" يوم ما سعدى راح هدر قدام عينيك
عد لى مجدى اللى ضيعته أيديك
شوف جدودك فى قبورهم ليل نهار
من جمودك كل عضمة بتستجار
صون أثارك ياللى دنست الأثار
دول فاتولك مجد و أنت فوت عار"
ولا تزال مصر تقول لأبنائها إخوة بديع خيري هذا الكلام من يومها لليوم!!
معني هذا أن سيد درويش قاد ثورة غنائية تساند ثورة شعبية فجرها سعد زغلول بنضاله الذي توج بهذا الانفجار الوطني الكبير,ومن تلك الثورة ظهر في مصر ما يُطلق عليه"جيل العمالقة"في كل المجالات؛لأن مصر بدأت تبحث عن نفسها وروحها,حتي جاء السادات بسياساته الغبية في السبعينيات وقضي بما سمي "الانفتاح"علي الثقافة والإبداع المصري واستسلم المجتمع عندها للغة المال والاستهلاك وهي لغة لم يبرع فيها غير السوقة والدهماء من الناس,فبدأ هبوط المجتمع الثقافي/الفني المصري إلي ما نحن فيه اليوم,ظلت مصر بعد ثورة 19تظهر أفذاذها وعظمائها في الثقافة والفن بضاعتنا المصرية الأصيلة,فمن بين الدول العربية مع احترامنا لها وتقديرنا لتاريخها تبرز مصر وسوريا والعراق ولبنان كأساس ثقافي يستند عليه بقية الشعوب التي اكتسبت اللغة العربية فسميت عربية مع دخول أهل شبه الجزيرة العربية فيها,بقيت تلك الدول علي مدار تاريخها الطويل منذ أن كانت مصر تتمجد بأمجاد الأجداد الفراعنة العظام,وكان العراق الممزق اليوم يتمجد بأمجاد السومريين,وسوريا الضائعة ولبنان حين كانا وحدة واحدة-حتي وقت قريب-يتمجدان بأمجاد الفينيقيين.
لما مات سيد درويش مات معه المسرح الغنائي في مصر,رحل من صنع من كلمات بديع خيري المصرية الأصيلة في أوبريت العشرة الطيبة لمحمد تيمور غناء أوبرالي يرقي للعالمية"يقطع فلان على علان
دي الناس بقت مالهاش أمان
أصحاب الشوم وحبايب اللوم
ستين خناقة يااخواتي في اليوم
لو كنت مللي بالك فيهم
م اللي عصاية تجريهم
ماكا نوش يموتوا في جلدهم
ويحاسبوا مني كلهم
إن كان صغار ولا كبار
يشوفوني يجروا بالمشوار
حتة لسان فشر التعبان
في الردح قوة الف حصان
ضرب وتلطيش
غيره ماعنديش
اللي له بخت ما يعرفنيش
ماحد يا اخواتي غلبني
على الشناكل لعبني
غير مضروب الدم دا هو
اللي ملقح هنا هوه
دايبه في هواه
قال مش عجباه
وحياة دهوه لانا مورياه"
أو في الدخلة الأولي"ولة يا بخاتي فتح عينك علي غنماتي"
هذا الأوبريت به تعريض واضح بالملك فؤاد وحاشيته وبه وردت الأغنية النموذج لكل من رفع الشعار الميكافيللي اللعين"الغاية تبرر الوسيلة" حيث يقول بديع خيري علي لسان الحاشية"عشان ما نعلا ونعلا ونعلا لازم نطاطي نطاطي نطاطي".
كانت الراقصة جليلة عشيقة سيد درويش وملهمته,وقد كان كموتسارت أيضاً يحب النساء ويتدله في حبهن,ويتخذهم منابع للإلهام الموسيقي,فقد كانت جليلة إحدي أشهر ملهمات الشيخ السيد دوريش,والروايات في هذا الصدد تؤكد أن جليلة هي حبه الحقيقي من بين كل النساء اللواتي عرفهن الموسيقار الشاب,خرج من قلبه العاشق"أنا هويت وانتهيت"وكفي به عشقاً!
وكما يقول كعب بن زهير:
"كل ابن أنثي وإن طالت سلامته       يوم علي آلة حدباء محمول"
لكن سيد درويش رحمه الله لم تطل سلامته,إنما اختاره الله لجواره بعد عمر قصير حافل,قصير بعدد سنوات,حافل بعدد المشاعر والأحاسيس والناس الذين عبر عنهم,أغانيه لكل فئات الشعب المصري تخبرنا أن هذا الرجل عاش علي الأقل ألف عام ليفهم كل هؤلاء الناس ويخاطبهم بلغتهم,فها هو ينادي علي الشيالين في الظاهر وعلي الشعب المصري في الباطن أثناء ثورة 19"شد الحزام علي وسطك غيره ما يفيدك",ويغني للصناع" الحلوة دي قامت تعجن في البدرية والديك بيدن كو كو في الفجرية يلا بينا علي باب الله يا صنايعية يجعل صباحك صباح الخير يا اسطي عطية"وللمراكبية"البحر بيضحك ليه"وللجنود"أحسن جيوش في الأمم جيوشنا وقت الشدايد تعالي شوفنا" وغيرها من الأغاني التي جعلت من الشعب المصري موضوعها وللشعب المصري ظهرت...بعد زمن "أمان يا للي"والقوالب الموسيقية المتحجرة والغناء الموجه للحكام,أو للدهماء من الشعب الذي يعتمد علي الإيحاءات الجنسية الساخنة والتأوهات المثيرة,نفض ابن درويش البحر النجار البسيط الذي مات وترك ولده يتيماً مع إخوته ينعجن وسط الحياة المصرية كل هذا؛ ليخرج لنا بجواهر فنية من واقع حياته القاسية التي عاشها,ثار علي الفساد الغنائي ومنهج التطريب السقيم بلا هدف ولا معني إلا لعرض إمكانيات الصوت,واحتضن عوده وبدأ يضرب علي أوتاره لمصر التي عشقها وعشقته مصر فأعطته لقب لم تعطه لأحد قبله ولن تعطيه لأحد بعده إلا لو وصل لمرتبته الفنية,لقب يثير الإكبار لمصري بسيط بفنه وجهده استطاع أن يُلقب بـ"خالد الذكر".
اختلفت الروايات حول سبب موت الشيخ فمن قال بالإجهاد بسبب تلحينه لنشيد استقبال سعد زغلول,ومن قال بتسميمه علي إيدي الإنجليز ومن قال بجرعة مخدرات زائدة أودت بعمره,ولكل منهم دلائله التي يجمعها,لنترك نحن عشاقه ومريديه كل واحد منهم يجمع دلائله ويسرد روايته....لنبكي بصمت علي ابن مصر العظيم,الذي مات قبل أن يسمع لحنه يتردد أمام سعد زغلول بكلمات بديع خيري:
مصرنا وطنا سعدها أملنا             كلنا جميعاً للوطن ضحية
أجمعت قلوبنا هلالنا وصليبنا     أن تعيش مصر عيشة هنية
عزك حياتنا               ذلك مماتنا

رحمك الله يا شيخ سيد...يا خالد الذكر....!
لو صدقنا رواية التسمم علي إيدي الإنجليز؛خاصة أنهم رفضوا تشريح جثته لمعرفة سبب الوفاة بالإضافة أن الريحاني منتج أوبريت العشرة الطيبة تعرضت حياته للخطر بسبب أوبريت العشرة الطيبة الكاشف لظلم الأتراك العثمانيين,سنكون أمام وفاة تشبه وفاة موتسارت,فقد سممه هو الآخر موسيقي حاقد,ولم يشيع موتسارت لمرقده سوي خمسة أشخاص فقط ليس من بينهم زوجته ؛ فالجو حينها كان بارداً جداً!!!!وسيد درويش هو الآخر لم يمش في جنازته سوي قلة من الناس؛لأنها جاءت مفاجئة بصورة صادمة وقبل ذلك لأن الشعب المصري كان مشغولاً بعودة سعد من منفاه!!!بعد عقود سيرثيه العظيم المظلوم نجيب سرور بسخريته اللاذعة الصادقة:" سيد يا درويش يا نابغة ليه تموت مسموم.. والشعب ملبوخ في رجعة سعد من منفاه.. ميت في يوم القيامة مين على المرحوم هيبكي.. والكل وشه زي قفاه"

صاغ بوشكين شاعر روسيا الكبير من وفاة موتسارت الغامضة علي يد سالييري الحاقد,مسرحية "موتسارت وسالييري",وأنتجت هوليوود واحدة من روائع ميلوش فورمان صاحب الفيلم الشهير"أحدهم طار فوق عش الوقواق"لجاك نيلسون,عن ثنائية موتسارت وسالييري بعنوان "أماديوس" وقد حاز هذا الفيلم علي ثمان جوائز أوسكار عام 85.
قال عنه روائي مصر الأعظم نجيب محفوظ"رفع مجد الموسيقى وتقدم بها تقدمًا كبيرًا، وحفلت حياته بالكثير من المشاهد والصور والقصص التي تصلح للسينما، وهي قبل كل شيء، وبعد كل شيء، دليل على الوفاء من جانبنا، ودليل على شدة الوعي الفني عندنا، وأنا لم أكتب قصة سيد درويش بعد، وإنما أتوق إلى كتابتها وفاء لهذا الفنان الكبير"فكانت حياة سيد درويش مادة درامية خصبة للسينما والمسرح والإذاعة,ولا يعزيها ذلك عن حرمانها من قلم أستاذنا العظيم نجيب محفوظ!!!
 في زمن سعيد مضي كانت مصر هي هوليوود الشرق كله,عام66 جسد الفنان المسرحي الكبير كرم مطاوع شخصية سيد درويش في فيلم يحمل اسمه من إخراج أحمد بدرخان,في تجربته السينمائية الأولي بأول فيلم عن حياة موسيقي مصري,السيناريو والحوار لمصطفي سامي وسامي داوود,الفاتنة هند رستم لعبت دور جليلة حبيبة سيد,وكعادتها لم تشعل قلب سيد درويش وحده,بل أشعلت قلوب المشاهدين كلهم!!من غني أغنيات الشيخ في الفيلم هو إسماعيل شبانة أخو عبد الحليم حافظ,وفق المخرج في الإستعانة بالأغاني واستخدامها في المواقف الدرامية بصورة متجانسة,كان الاستخدام الأروع لها,في مشهد جر أحد الفلاحين عنوة للذهاب للحرب وخلفه امه تصرخ" يا ضنايا يا ابني,يا عزيز عيني!!"لتتحول الصرخة لأغنية"يا عزيز عيني وأنا بدي أروح بلدي,بلدي يا بلدي والسلطة أخدت ولدي",وظفت الأغنية في مشهد النهاية بصورة مؤثرة,فنحن نري الفنان كرم مطاوع بأدائه المتمكن  يحتضر بعد دخوله حجرته شاعراً بقرب النهاية,بينما يري ظله مغنياً"ما دمت أنا بهجره ارتضيت,مني علي الدنيا السلام",ثم يسقط ميتاً والناس في الشارع يهتفون باسم سعد زغلول وتكون الأغنية الأخيرة في الفيلم"مصرنا وطننا سعدها أملنا" هي أغنيته الأخيرة في حياته القصيرة,في إشارة إلي أنه رحل بجسده الفاني لكن روحه خالدة في ضمير الوطن.
تقمص كرم مطاوع شخصية سيد درويش كما تقمص توم هيلوك شخصية موتسارت,وجدنا كليهما يعاني في حياته الشخصية من الفقر وقلة الحيلة والحرمان,ومع ذلك يمتعان الآذان بموسيقي خالدة وصفها سالييري الحاقد في الفيلم بأنها"صوت الله".
المسرح تلقي شخصية سيد درويش لكن التجربة لم تكن علي مستوي الموضوع,أما الإذاعة أضاف زكريا الحجاوي لكنزها الثري بكل المتع والفنون "قصة حياة سيد درويش"بطولة الفنان صلاح منصور,نسمعه وهو في قمة حالته الفنية,لإدراكه قيمة العمل وقيمة سيد درويش,(سنشاهد!)بصوته الشيخ سيد وهو يسرد حكايته,ويؤدي فصولها منذ ميلاده حتي وفاته,سنقابل معه نجيب الريحاني وجورج أبيض وبديع خيري والمنفلوطي....وجليلة(هدي سلطان)وأمه (آمال زايد)التي يعرفها المشاهدون من دور أمينة زوجة سي السيد,تلك الممثلة التي أتقنت دور الأم مع فردوس محمد بصورة تحير,هل كانتا تحاكيان الأمهات المصريات الحقيقيات في الحياة أم هن من قلدنهما بعد ذلك!!!
ستظل سيرة سيد درويش علي مر الأجيال مغرية للمعالجات الفنية...
عليه من الدنيا السلام,مثلما كان منه علي الدنيا السلام!!!


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق