الثلاثاء، 10 يناير، 2017

السعر القديم


السعر القديم

تاسع مرة تمر من أمام المحل وتخطف نظرة سريعة علي الفاترينة"الحمد لله لسه موجودة",لا تتأملها فهي منقوشة في ذهنها منذ رأتها أول مرة,تتخيل نفسها فيها وخطيبها يمتدح ذوقها وجمال جسدها الذي تنطقه العباءة.لطالما لاحظت نفوره وسخريته من ملابسه,هو يميل للمزاح,لكنه مزاحه حط علي الوجع,لكن ما العمل,عباءة واحدة فقط بخمسمائة جنيه!
القرش علي القرش يكون ثروة مع الإصرار والمثابرة والصبر,ولحظة ما وجدت مدخراتها وصلت للخمسمائة,جرت علي المحل وهي تشعر أن الدنيا تحت قدميها.
-بس إيه العبايات الحلوة دي يا رحمة؟!هو إنتي إحلويتي ولا العباية هي اللي محلياكي؟!
حينها ستقسم أنها أجمل نجمات السينما,لكن الورود لا تنبت في الصحراء,والطيور لا تغني وهي حبيسة,والشمس لا تظهر للرائي والسماء بحجبها الكثيفة السوداء تكسف وجهها الزاهي.
اتجهت مباشرة للبائع وبثقة مستمدة مما في شنطتها,أشارت للفاترينة:
-العباية دي بكام؟
-800
800!!!هذه الأرقام من اخترعها؟!لتصبح الدنيا كلها عالم من الأعداد وأسوأ مافيه أعداد المبالغ المالية!ربما في عالم آخر لو أخبرت البائع إنها تريد هذه العباءة,لأعطاها لها مقابل كل شكر ولمسة حنان صافِ,وتسير الدنيا علي هذا المنوال,لن تجد حينها كسبان وخسران,أو غني وفقير,أو محتاج ومبذر,ستسير الحياة هانئة سعيدة,بالمحبة والسلام....
قالت والعباءة تترائي لها كأنها حلم باهت:
-بس حضرتك قلت لي من تلات أسابيع بخمسمية!
سمعها صاحب المحل من مكانه,فانطلق ضحكته الساخرة تهز أركان قلبها المحروم:
-تلات أسابيع!!!دي بعد تلات ساعات سعرها هايعلي,ده أنا لو كلمت الراجل اللي أنا واخدها منه هايقولي سعر جديد,ده إحنا في بورصة يا ابنتي ربنا يستر علينا.
-طب يا حج ما تديهالي بالسعر القديم,دي عندك من زمان!
تهيأ لوضع الفصال الشهير,النظر من فوق نظارة القراءة,التحديق في العين بثقة,إمالة الرأس علي أي من الجانبين,ثم افتتاح الكلام بالقسم باسم الله العظيم:
-....وبعدين ما أنا لما هانروح نشتري تاني هانجيب بضاعة بالسعر الجديد,هانجيب الفرق منين؟!والله ما بنكسب جنيه اللي بييجي من الزبون لو النهاردة اداني مية لو بكرة سافرت جبت بضاعة كأني معايا خمسين.
النظرة الدامعة في عينيها حركت قلب البائع الشاب رحمة-وهو ابن صاحب المحل-بعد أن رآها مبتهجة أول دخولها...بعد أن فرغ أبوه من حديثه وانشغل في الأوراق والحسابات وقفت كالتائهة أمام العباءة ولما همت في الانصراف همس لها:
-إنتِ معاكِ كام؟
بصوت مختنق:
-أنا والله كنت عاملة حسابي علي خمسمية دول هم اللي معايا.
كان الشاب ممن يؤكدون أن الدنيا لا زالت بخير...حاول التخفيف عنها فقال باسماً:
-أنا لاحظتك كذا مرة وانتي بتيجي تبصي عالباترينة وتمشي!يظهر إنها عاجباكي خالص.
تمتمت:
-حلوة.
-هاتي الخمسمية ماشي.
ابتسمت فقرأ في وجهها الامتنان والسعادة,وشعر أنه يحوز رضا الله.
انتحي جانباً في ركن من المحل وأخرج من جيبه مائتي جنيه وضعها بخفة مع الخمسمائة,ووقف أمام أبيه قائلا بخفوت:
-700جنيه أهم يا حاج ونطلع لها العباية السودا اللي برا.
خرجت من المحل بكيس محشو بالعباءة,تمني نفسها بالنظر في المرآة طويلاً قبل الخروج للتنزه معه,وقلبها يفيض سعادة وبشر,لكنها لم تكن أسعد من البائع الشاب,وهو يراها تقطع الطريق في خفة البهجة,متمنياً أن يسعد الله كل إنسان...فالسعادة ليست مستحيلة,لكن ابن آدم من يمنعها عن أخيه.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق