الثلاثاء، 24 يناير، 2017

الحرف يميت والروح تُحيي

بالمنطق البسيط يمكننا القول:القرآن كلام والكلام لغة واللغة تحمل من ضمن ما تحمله المجاز إذن فالقرآن به مجاز.
ذلك المنطق يقف أمامه الشكلانيين ممن يأخذون النصوص بظواهرها,مُلغين ملكة العقل التي جعلت الإنسان أساساً أهلاً للخطاب واستقبال المعاني واللغة...استقبال الكون في عقله,هذا المجاز لو أنكرناه سنلجأ للتخريف والادعاء لملء ما يعوقنا عن فهم النصوص والاستدلال علي المعاني,وإلا ماكانت لكل تلك التفاسير القرآنية فائدة تذكر,والسبب أن المجاز يحتمل النفي ولا يجوز النفي في القرآن...ومن قال أن المراد هو النفي, إنما المراد هو التأويل والفهم والابتعاد عن حرفية النصوص, التي جعلت من البعض متحدثاً رسمياً باسم الله, حتي ظهر السؤال الذي يسأله البعض اضطراراً من عنت الشكلانيين الذي يظنون أنهم فهموا"كلام الله"وأن الفهم حكر عليهم لا يحتمل التأويل"هل أنت الله؟َ!".
المجاز اعترف به المفسرون وعلماء اللغة من الممكن أن يأخذ مصطلح"تجوز"أو"اتساع"إدراكاً منهم أن القرآن"حمال أوجه"كما صرح بذلك الإمام علي والكلمات إنما ترمي لمعاني تحتاج لروح وعقل لاستقبالها,ولتجربتهم المريرة في الاقتتال الأهلي بسبب فهم القرآن حرفياً بلا إعمال العقل ولا مراعاة للظروف التاريخية المتغيرة,لذلك جاء في الإنجيل أن رسالة المسيح"مكتوبة لا بحبر,بل بروح الله الحي,لا في ألواح حجرية بل في ألواح قلب لحمية" لماذا؟ " لأن الحرف يقتل ولكن الروح يُحيي".
القرآن يحمل المجاز في الكثير من كـ:"يد الله فوق أيديهم "، " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ" لو أنكرنا المجاز هل نقع في ما يقع فيه المشبهة والمجسمة ونجعل لله أعضاء جسدية,وهو من "ليس كمثله  شئ"وهي أيضاً مجاز فالله لا يقاس علي الشيئية!وإنما جاءت كخطاب موجه لعقل مكلف بالتفكير والتدبر
وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ" ,"جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ"وآيات عدة تحمل المجاز والتشبيه,وإلا كيف الحديث عن بلاغة القرآن دون أن يحمل كل ما يعرفه العرب من تنويعات علي لحن اللغة,التي شكلت ثقافتهم وجلت مرآة العالم أمامهم,وقد أنسن العرب الجماد والحيوان والدهر وأتوا بالمجازات الجذابة التي تنشط العقل,ثم نجد من ينكر المجاز في أهم وأعظم كتبهم,والقرآن جاء ليخاطب بشراً بلسان عربي,وهنا نذكر الاتجاه الذي يري أن المعاني من عند الله بينما اللغة والمصطلحات من عند الرسول الكريم,وهذه رؤية الآن نتحاشها بينما نحن في حاجة لها للنظر للقرآن نظرة جديدة نراعي فيها تاريخية النص والجو الثقافي العام الذي تغلغل في القرآن الكريم,باستخدام آليات جديدة في علوم القرآن والدراسات القرآنية,بجرأة وفهم وشجاعة علمية كانت للأسف عند الباحثين القدامي واليوم من يذكر فقط جزء مما قالوه تنهال عليه التهم من مقدسي اللغة وتقديس ما لايقدس,فقط ليظل الحال علي ما هو عليه!!!
القرآن به مجاز كجزء من خطابه العام لأهل شبه الجزيرة,وربما هم شعروا به وأدركوه فنجدهم تقبلوا الكلام ولم يماروا في مجازاته,وإلا كانت نقطة ضعف خطيرة والمعروف أن القرآن خاطب العرب علي قدر عقولهم,ومثل لهم ما هو في بيئتهم ليتعايشوا معه.
يبقي التأويل هو الفضاء اللانهائي للقرآن الكريم,لنستجلي روحه ونحلق في سماواته,بالروح والعقل اللذان يستقبلان مجازه في جاذبية فكرية تثير الخيال والتفكير,أما الحرف فهو قيد خطير...بل هو مميت

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق