الاثنين، 20 مارس، 2017

سبعة أحرف



تحديد البعد البشري في تاريخ العقائد عملية حساسة للكثيرين,ممن صبغوا كل شئ يمت للدين بصبغة قدسية,ويحيلون كل الأمور للسماوي اللاهوتي,دون أدني اعتبار للأرضي المعاش,مما يجعل المنطق وصيرورة التاريخ وعلم الاجتماع والسياسية وكل ما هو إنساني في الظل,لا لزوم لها مع إنها هي المحرك الأساسي للتطور البشري في الأديان كافية,والمسلمين اليوم في حاجة لرؤية تاريخهم بمنظار جديد,ليعرفوا ما ورثوه من تركة ثقيلة من جداً محملة بظروف وعادات زمن ولي ولا يمكن عودته,ورغم ذلك يطبقونها,بل يتقربون بها لله مع أنها كلها اجتهادات بشرية جانبها الصواب أحياناً وأحياناً حالفها.
المتأمل لتاريخ الأديان الإبراهيمية ,يجد أن تأسيسها الفعلي الامبراطوري جاء بعد زمن طويل من وفاة حامل الرسالة,حينها يبدأ الاهتمام بالنصوص المكتوبة كأداة من أدوات الحكم,ولم يكن الإسلام بعد وفاة النبي الكريم خارج هذه الحالة المدهشة,فبعد وفاة النبي واختياره جوار ربه تاركاً الدنيا,بعد أن أدي رسالته مبشراً ونذيراً,وفي بداية تكوين الديانة التي ستنتشر العالم,ظهرت الحاجة لجمع القرآن.
كل ما وصلنا عن التاريخ الإسلامي المبكر قائم علي الروايات,من فلان لفلان,فهمنا يعتمد علي الملاحظة والتحليل والمقارنة,وكل من ناقد أو باحث في التاريخ الإسلامي لا يعتمد علي الخيال ولا يتعمد الهجوم,فنحن أمامنا نصوص في نستقي منها رؤيتنا عن التاريخ عموماً,لم يشهد أهل عصر ما أحداث عصر سبقه,يعتمدون علي الروايات والشهود,حتي في عصر التكنولوجيا والانترنت والتوثيق البصري اللحظي خلال التجربة العربية المريرة القاسية في السنوات الماضية,كانت الأحداث تهد أركان المجتمعات وتزلزل الشعوب,وفي نفس اللحظة واليوم نجد لكل جماعة تاريخها الخاص ورؤيتها التي تنفرد بها,وهذا طبيعي ومفهوم لكن ما لايسمح به هو الكتم والتناسي,وبالنسبة للتاريخ الإسلامي هنا نحاول فهم تاريخ التاريخ,المبهم لحد كبير والغير قاطع أبداً,لكن مهما كانت الأمور معقدة والأحداث تبدو موضوعة وبعيدة عن المنطق,يتجلي للمؤمنين علي الدوام ما يريح قلوبهم ويثبت أقدامهم بإلهام داخلي صادر عن عقيدة؛لذلك لا يجدون ضرراً من النقاش والمشاركة فيه,أما من يحتكرون الدين ومن ثم يغدو تجارة رابحة فهم من يحجرون العقول,ويعرقلون حركة العقل في رحلة بحثه عن الحقيقة.

القرآن هو المعبر الأول عن الدين الإسلامي,وركنه الأول الذي قامت عليه فكرة النبوة المحمدية,فلم يكن النبي في بداية دعوته غير رجل اختاره الله ليلقي علي "لسانه" العربي رسالته للناس أجمعين, القرآن أساساً شفاهي ينتقل المعني من الله بصياغة عربية من النبي وهو الرأي الذي يقول به السيوطي وابن سينا,هنا نحن أمام كلام مسموع يتلي علي القلوب"لينذر من كان حياً ويحق القول علي الكافرين",كان هذا هو مفهوم القرآن طيلة حياة النبي,حتي ولاية أبي بكر وظهور بشائر صورة جديدة للقرآن علي شكل المصحف.
عمر بن الخطاب هو المؤسس الأول للإمبراطورية الإسلامية,فهو رجل دولة من الطراز الأول وصفاته مشهورة لكل مسلم,تظهره لنا الروايات في خلافة أبي بكر بأنه كان يلعب دوراً كالوزير أو المستشار,ومن ضمن الروايات اقتراحه علي أبي بكر جمع القرآن بعد معركة اليمامة ووفاة الكثير من حفظة القرآن,أغلب الظن أن هذا السبب حجة تاريخية لضرورة وجود مبرر للإقدام علي أمر خطير كهذا كان له أكبر الأثر في حياة الأمة,حيث ستصبح هذه المهمة لجمع المصحف هي التي نالت الرعاية الرسمية من الحاكم,وغطت علي جهود أخري لابن مسعود أبي ابن أبي كعب والمقداد ويقال أن الإمام علي أيضاً من ضمن من عملوا علي تدوين القرآن مكتوباً.
تعددت الروايات لكنها اتفقت علي أن عمر بن الخطاب هو صاحب الفضل الأول في الحفاظ علي القرآن الكريم بجمعه,ثم توريثه بعد ذلك لحفصة ليصبح"مصحف حفصة"هو النسخة الرسمية التي سيعتمد عليها عثمان فيما بعد,فلو كان عمر هو جامع القرآن الرسمي,فعثمان هو موحد المصاحف في التاريخ الإسلامي.
هذه المصاحف تعيدنا للحديث المحير"نزل القرآن علي سبعة أحرف"...الذي توقف أمامه المفسرون للشرح والتحليل,وبعضهم أعلن عدم توصله لمعناه,هل المقصود بالحرف هنا حرف الكتابة  مع ثبوت المعني الإلهي,مع الأخذ بالاعتبار أن الأحرف ليست القراءات التي جمعها ابن مجاهد,وتم لوي معني الحديث لتستبدل "حرف"بـ"قراءة",لكن معناه ينجلي حين نورد نصه كاملاً:"أنزل القرآن على سبعة أحرف إن قلت : غفورا رحيما أو قلت : عزيزا حكيما فالله كذلك ما لم تختم آية رحمة بآية عذاب أو آية عذاب بآية رحمة"وشرح ابن مسعود" إنما هو كقول أحدكم أقل وهلم وتعال",ويمكن القول أن هذه القراءات السبعة تعتبر واحدة من الحروف السبعة.يتوازي هذا التفسير مع الطريقة التي اتبعها ابن مسعود في مصحفه ,فقد كان يقرئ رجلاً"إن شجرة الزقوم طعام الأثيم"فكان الرجل عاجزاً عن نطق الأثيم ويبدو أنه كان لا يتقن اللسان العربي,فظل يقول"اليتيم","أ تستطيع أن تقول طعام الفاجر؟"سأله ابن مسعود,فقال الرجل"نعم"قال"فافعل", ابن مسعود لا يبدل في كتاب الله بل ربما سمع اللفظتين من رسول الله طبقاً لنظرية السبعة أحرف ومراجعة جبريل له بهذه الأحرف السبعة.
لكن الأمور هكذا بالنسبة للحكم والسياسة لا يمكن أن تستقيم,فكثرة الخلاف بين الناس في أمر كهذا وخاصة في شبه الجزيرة العربية لا يمكن ألا ينبه عثمان لخطر تعدد المصاحف والقراءات,وكما تخبرنا الروايات أن عمر حذر أبي بكر  من ضياع القرآن فجمعه ,نجد فيها أن حذيفة بن اليمان الذي أوعز لعثمان بتوحيده علي حرف واحد,فشُكلت لجنة بها ثلاثة قرشيين هم عبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث والرابع زيد بن ثابت خارج الارستقراطية القرشية ,فكانت من تعليمات عثمان لهم"إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم"هنا نجد أن الاختلاف كان أمراً واقعاً بين المسلمين حتي أن عثمان يبنه رجال المهمة الخطيرة ويؤكد لهم أن القرآن نزل بلسان قريش...قريش...التناحر القبلي هو المحرك الأساسي في الصراعات والخلافات في التاريخ الإسلامي,وهو تناحر أسود لم يتورع عن قتل أبناء النبي وسبي بناته بعد وفاته بسنوات,ولم يتردد في الهجوم علي الكعبة واستباحة بيت الله الحرام وترويع أهله,وما زال المسلمون لليوم يدفعون ثمن هذه العصبية التي شكلت نقطة تحول خطير في التاريخ الإسلامي ربما بدأ متوارياً منذ اجتماع السقيفة,ثم أعلن عن نفسه في فجاجة بعد موت عثمان بعد سلسلة أحداث مخزية كشفت وجه التعصب المقيت.
يبرز دور زيد بن ثابت في مرحلتي الجمع القرآن وتوحيده,فقد كان زيد واحداً من حذاق اللغات في المجتمع الإسلامي,أمره الرسول بتعلم العبرية فحذقها في نصف شهر ثم تعلم السريانية في17يوماً!وكان عبد الله بن عباس حبر الأمة يوقره كثيراً,فيأخذ مرة عنان فرسه وهو يهم بالركوب تكريماً له, فيطلب منه التنحي,فيرد ابن عباس"لا,فهكذا نصنع بعلمائنا",وحين مات نعاه أبو هريرة بقوله"مات حبر الأمة!ولعل الله يجعل في ابن عباس منه خلفاً",لكننا نعجب من تجاهل عبد الله بن مسعود علي قدر علمه بالقرآن,بل واضطهاده كما تخبرنا الروايات من عثمان بسبب تمسكه بمصحفه ومقاومة طلب عثمان أخذه لحرقه,وقيل أنه عذب بسبب ذلك ووصي قبل وفاته ألا يصلي عليه عثمان...وقتها كان ما يفعله عثمان أمر بالغ الخطورة فطن له المسلمون,ولقبوه بـ"حراق المصاحف",وحين قامت عليه الثورة كانت من بين أسبابها حركته الجريئة بحرق المصاحف وتعميم مصحفه رغم اعتراضات الكثيرين علي ما فيه,وعلي رأسهم طبعاً بن مسعود. .
نقرأ القرآن اليوم بحرف واحد رغم أنه نزل علي سبعة,لنفس السبب الذي يجعل السعودية تخصص شهراً واحداً للحج مع أن الحج"أشهر معلومات"لخدمة التجارة والاقتصاد,وتمنع زكاة الركاز التي من شأنها إطعام فقراء المسلمين الذين ينامون جوعي,بينما الطعام هناك يرمي في القمامة لا يجد من يأكله,و الذي ذبح المسلمون بعضهم بعضاً طوال قرون بدعوي(سني/شيعي),لنفس السبب الذي جعل الحاكم ظل الله في الأرض,وجعل الخلافة في شرع البعض جزء من إقامة الدين...استخدام الحاكم للدين بدعوي حمايته بينما هو يحمي به سلطانه كيلا يزول.
 وبعد ما يقرب 14قرناً من قراءة القرآن علي حرف واحد,نجد بحر دماء الفرقة والتناحر والخلافات مرعب ومخيف,نري اليوم جزء منه إعادة تمثيل لما كان يحدث في الحروب المدمرة,التي كانت تبيد دولاً وممالك,وتثكل الأم وتشيب الوليد وتفرق الأحبة,لنا أن نتخيل لو كنا لليوم نقرأه علي سبعة أحرف ماذا كان يمكن أن يكون؟!!! 




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق