الجمعة، 14 يوليو، 2017

آلام الطيبين

آلام الطيبين
تُستفتح الرواية بعبارتين,الأولي لبهاء طاهر"كل الأرواح جميلة...وكلها طيبة"والثانية لتوماس هاريس"إن جروح الماضي لتذكرنا دوماً بأن الماضي قد كان حقاً"...
بين هاتين العبارتين تتأرجح شخصيات الرواية الرئيسية, الطيبة المتأصلة في النفوس والحلم بعالم أجمل تسير فيه سفنها بهدوء وسط موج الحياة الغادر, رغم كل الجروح التي التي أصابتها في الماضي بسيوف الأقدار التي حكمت عليها بالوجع, وترويها عن طريق الفلاش الباك في إسلوب تطهري يشبه أدب الاعترافات.
يمنح أحمد سلامة في روايته"محطة الرمل"القارئ قطعة "بازل"مع كل فصل حتي تكتمل صورة كل شخصية,لكن يظل نور لغزاً حتي الصفحات الأخيرة,نور الطبيب الذي يتعذب بذنب إهماله لمريض عجوز,بغواية من نجوي التي تثيره جنسياً فيتركه في العناية وحده رغم اضطرابه النفسي,ليقتنص منها لذته وحين يعود يجده منتحراً فيترك الطب وتزيد عليه حدة نوبات الصرع.
وحين أقارن شخصية نور المعذبة في الرواية التي انتهت حياتها المهنية بتركه وربما الاجتماعية بسبب خيانتها لضميرها المهني لدرجة أنه يتمني القصاص الوحشي من نفسه"لكم أن يصفعني أحدهم فوق وجهي,أن يأخذني من رأسي ويلقي بي في أقرب مقبرة ويدفنني حياً جزاء لما فعلت","....وأخذت أنظر للبحر وأرغب بشدة لو يخرج موجه كي يبتلعني ويدفنني في قاعه"بأشباه الأطباء الذين أفرزتهم جريمة التعليم في مصر المصممة علي شقلبة كيان المجتمع بعدم وضع كل مواطن في مكانه المناسب,ممن يتاجرون في الأعضاء ويرتكبون بأيديهم الأخطاء القاتلة,والمتكسبين من آلام الناس وأملهم في الشفاء,من يقسون علي المريض وأهله بسبب وبلا سبب,أجد أن نور يقسو علي نفسه في مجتمع ربما يراه شخصاً حساساً زيادة عن اللزوم!!!
زهرة التي فقدت زوجها الصعيدي ليلة زفافهم,لاستهتاره برفع علم الشرف من نافذة البيت,فهم يريدون المنديل أحمراً بلون الدم,مسايرة للأغنية المقززة ذات الإيقاع المقبض التي تغني في الأفراح الشعبية"قولوا لأبوها إن كان جعان يتعشي,قولوا لأبوها الدم بلّ الفرشة"يسكب عليه اللون الأحمر فيهللون ويطلقون الأعيرة النارية,ثم يسكب عليه لوناً آخر وآخر وآخر,فيسهمون ويغضبون لسخريته منهم,وفي الفجر يكون مضروباً بطلقة جزاء لما فعل,تريحه من هم الحياة وتظل زهرة تنزف منها طوال عمرها,ويزداد ألم الجرح ويتقيح بلمسة من نور حين يسألها في جاليري منير عن طلاقها,ولأول مرة تشعر المرأة الأربعينية أنه مر عشرون عاماً علي فقدها حبيبها الذي يشبه نور,فتنهار باكية ويصاب نور بحساسيته وعقدة ذنبه التي يكفي مسها مساً خفيفاً لتتحول لحبل يخنق رقبته,فيصاب بنوبة صرع ويكاد يحتضر بين يديها.
منير الرسام البوهيمي الشهواني من الناحية الجنسية الذي ولد مسيحياً يقع في هوي فتاة ولدت مسلمة,في مجتمع ترك العلم والعمل والمعرفة والبحث والفن وكل ما يمت للإنسانية بصلة ليتفرغ بكل وقاحة فجة,ليصنف الناس ويضع بينهم الفروق الدينية والاجتماعية والمادية وكل ما من شأنه أن يحيل الحياة جحيماً, وتتلخص الأنوثة الفياضة بمعاني الحياة والشرف والأمانة في "جلدة"غشاء البكارة, تنفجر المشكلة ويكاد أن تتحول لفتنة طائفية بعدما علمت عائلة سلمي إنها ليست بكراً فيهرب من منير وتختفي سلمي من حياته إلي الأبد ولا نعرف حقيقة أمرها هل هي ملاكاً كما قال منير وليست كاللواتي ينامن في أحضانه أو اخطأت مع أحدهم,أو كما قالت جورجيت أنها ربما تعرضت لحادث وهي طفلة أو ربما ولدت هكذا,سلمي التي غيرت منير وحولت طاقته للفن والرسم ليصبح شهيراُ في مجاله,ويغدو حلقة اتصال زهرة ونور صديقه الوحيد...لكنه مازال يبحث عن سلمي وينتظرها.

حبيبة الجميلة التي كان جمالها سبباً ليخاف منها الناس ولا يقتربون منها أو ليوقع بها من يطمع ارتشاف رحيقها ذي النكهة الأوروبية,إضافة لما عانت في طفولتها من أم مستهترة لا يمكن أن يؤمن علي طفلة معها,وهروب أبيها لأمريكا,ثم سفرها هي له لتتزوج هناك من رجل شاذ سادي سلبها كرامتها وسعادتها محولاً فراش الزوجية الذي يسمو بالمحبين فوق الأرض متحداً عليه جسدين قررا الاتحاد حباً وشغفاً,إلي مكان إذلال وقهر وسادية تحول الجنس من سر الحياة ولذة الحب إلي كرباج يهوي بالإنسان للقاع, تعود لمصر كارهة لأبيها ولأمها رافضة توسلاته وبكاؤه لتسامحه,ثم تتعرف بنور في السفارة الأمريكية التي كان سبب وجودها الحقيقي فيها أنها تريد العودة لأمريكا لرؤية والدها ولم شملهما,يدبرنور  هذا اللقاء لهدف سيشكل صدمة حين الانتهاء من الرواية التي نسج الكاتب فيها خيوطه اللغوية المحملة بطابع سردي شيق,استخدم فيها خلفيته الطبية ليستخرج الوجع من داخل شخصياته علي صفحات الرواية,فيتلقهاها هو من قلب شخصياتها,فينسي من الجاني ومن المجني عليه,حين يطغي الألم والكآبة والتوهان في تعقيدات الدنيا علي الرؤية النقدية لعمل أدبي,أروع شهادة له هو ما يرسمه علي القلوب من بهجة أو أسي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق