الخميس، 27 يوليو، 2017

لأن هذا العالم لا يطاق


"قل لي ماذا كانت تصبح كلماته لو لم يستشهد؟!"
هكذا يتساءل صلاح عبد الصبور في"مأساة الحلاج"التي يصب من خلالها نقمته وسخريته علي قتلة الحلاج,ويظهره كمناضل سياسي ينتمي للناس في مواجهة فساد السلطة الحاكمة,المتآمرة علي قتله بهذه الصورة الانتقامية البشعة,كأن كل شرور الدنيا انحبست في نفس الحلاج كصندوق بندورا,وهو بكلامه وبسلوكه يصرفها ليفسد في الأرض,فيكون جزاؤه الجلد والصلب وقطع الأطراف والحرق ونثر الرماد ثم الطواف برأسه بين الناس!!!!
هذه المسرحية تزيح وجه الحلاج كصوفي خانته اللغة,فاصطدم بها اصطدام مدوي كانت نتيجته صيحات من قلب مفعم بنار الحب والوله لحد الشطح العارم,ظهر منها قوله بالحلول والإلوهية,لتركز علي وجهه الآخر كمعادي للسلطة وخطر علي النظام القائم بسبب تأثيره في الناس وظهوره في وقت قاتم من تاريخ بغداد,حيث الخليفة المقتدر بالله الصبي اللاهي المشغول بجاريته الرومية وقصوره وحدائقه,الذي أضاع ملكه وظهرت في عهده أزمات اقتصادية تأثر بها فقراء بغداد وكان القضاء ميزان العدل بين الناس في عهده غاية في الفساد والسذاجة وكعادة الخلفاء يموت مقتولاً في صراع جنوني دموي علي الحكم والسيطرة,مستخفياً بلقب يربط بينه وبين اسم من أسماء الله,بينما الوزير حامد سئ السيرة ضال المسيرة,هو الذي تولي أمر محاكمة الحلاج مع القاضي أبو عمر نموذج السادية والتوحش...وقد أكثر التاريخ من ذكرهما لمحاكمتهما الحلاج محاكمة هزلية,تذكرنا بمحاكمات شبيهة في التاريخ وإن كانت تقترن كثيراً بمحاكمة جان دارك.مخيف هذا العالم الذي يتحكم فيه السياسيين العاديين الذين يجيدون التسلق والمراوغة,والقضاة الفاسدين منكمشي الضمير ممدي الكروش,في مصائر صفوة الإنسانية المتوهجة المشتعلة بلهيب علوي لا يبصرونه,سواء تجلي فنياً أو علمياً أو أدبياً أو دينياً,يهوون بسرعة وبلا روية بسيفهم القاسي علي رقاب المتفردين الخارجين عن القطيع الذي يسوقونه صم, بكم ,عُمي ن نحو الهاوية"وإذا جروك إلي أسفل الجذع كمنصور فاثبت بشجاعة,لأن هذا العالم لا يطاق"أجل,لا يطاق كما قال الشاعر الفارسي محمد القوهستاني قبل أن يشنق بأمر من تيمور تبريز مشيراً للحسين بن منصور الحلاج!...لكن كيف نثبت وهو لا يطاق؟!
مأساة الحلاج وآلامه كانت في ناره المشتعلة في قلبه وتميزه ونجاحه في لم الأتباع عبر أسفاره العديدة,وعقد صلات مع وجهاء القوم,وطلاقة لسانه في التأثير فيهم حتي كاتبه أهل الهند بلقب "المغيث" أي المعين وأهل سركسان "بالمقيت"أي القادر علي الإطعام,وناداه الناس في بغداد باسم"المصطلم"وهو الرجل الشديد القادر,فماذا تبقي للحكام والسادة وفقهاء السلاطين,وكيف يكون رد فعلهم والحلاج يسحب البساط من تحتهم.
ربما كان موقف السلطة مع الحلاج مقارنة بغيره ممن شطحوا مثله وأكثر وتركوا في سلام,ماداموا بعيدين عن الجماهير وزرع الأفكار فيهم,يعبر عنه المثل الشعبي"حبيبك يبلع لك الزلط وعدوك يتمني لك الغلط"جلبوه للحكم وحبسوه بسبب إيجاد بديل للحج إلي مكة وهي فكرة لم تكن جديدة ولا من بنات أفكار الحلاج ونفذت بالفعل بصور محدودة لكنها وردت في كتبه,لكنه تمني الغلط من العدو,والحج بالنسبة للحكومات ليس مجرد شعيرة دينية بل هو امتزاج وتوحد واندماج في المجموع في مكان محكوم منه تنتشر الدعوات وتتأجج الشعارات,ويستعلن أمر السلطان.
صاح به الوزير حامد"كم تكتب-ويلك- إلي الناس (تبارك ذو النور الشعشعاني)ما أحوجك إلي الأدب"يظهر هنا حقد وغيظ الوزير علي الحلاج,الذي يقول ما لا يعلمه الوزير,يقول كلامه الخاص المميز الدال عليه الذي أدخله لأول مرة في المعجم الصوفي واستخدمه ابن عربي فيما بعد,ربما تدل هذه العبارة علي السبب النفسي الذي ألب عليه الأعداء وشاع الحقد في نفوس معاصريه الأقزام القابضين علي السلطة,وهو يرون ابن حلاج القطن وذكره يسمو في المدن عليهم وألسنة الناس تذكره وهم في خمول خلف أسوار القصور وأفخاذ الجواري,بينما الشعب يتوجع من سياسة الاستغلال الضريبي الفاحش الذي أذاقه الجوع وعلمه الثورة,وقد خشيت أن يتحول الحلاج إلي ثائر يجمع حوله الأتباع مندداً بالظلم والقهر.
يمكننا الجدل حول شخصية الحلاج الصوفي إلا أننا في نهاية المطاف سنجمع علي إنه لا يستحق القتل,فضلاً عن كل هذا التنكيل المبالغ فيها الذي يشع حقداً وكراهية,عبارة الوزير هذه تكشف عن فن إلباس التهم لأي هدف للسلطة لتصير العبارة والإشارة والإلماح والخروج عن السائد من التعبيرات والأفكار والنظريات والسلوكيات,بمثابة جريمة لابد من العقاب,وفي حالة الحلاج كان العقاب بشعاً ومخيفاً"وعندما يكون القلم في يد غادر يكون منصور علي الجذع بلا مراء,مادام للسفهاء هذه الأبهة وهذه العظمة,لقد صارلزاما عليهم(قتلهم الأنبياء)"علي حد قول جلال الدين الرومي في المثنوي.
هذا الاتهام وتلك اللهجة التعنيفية التي ترتدي مسوح الإلتزام والهداية,هما ذاتهما ما نراهما الآن في حالة جلد مجانين العربدة الجنسية وشهوة التسلط المستترة باسم الخلافة الخرافة فتاة بسبب استخدامها الفيسبوك أو لأنها ارتدت البنطلون أو إطلاق الأعيرة النارية في الهواء أثناء صلاة الجمع لإثارة فضول الناس للخروج والقبض علي من لم يكن منهم في المسجد يصلي حينها فاعتقل"عناصر الحسبة",أو الجلد بسبب محادثات هاتفية واعتباره زنا,والجلد علي مساعدة شاب لامرأة مسنة حيث أن صلة قرابته لا تسمح له بلمسها جسدياً,أو غرامة لارتداء الكعب العالي...هي نفس الحالة العجائبية من أشخاص غاية في الشذوذ والتسلط والوحشية,يستمتعون بملذات الفرج والبطن بلا حد عن طريق السبي والاغتصاب وإشباع لذتهم السادية في الضرب والتعذيب,بينما المحكومين ينزفون دماً وكرامة وحرية كما هي العادة,هذه هي طبيعة المحاكمات التي تنكل بالبشر باسم الإله دفاعاً عن دينه كما يدعون مع أن الله هو القائل"إن الله يدافع عن الذين آمنوا"ولم يطلب من المخلوقين قتل بعضهم دفاعاً عن الخالق!!كثيرون كالوزير حامد وقليل كالحلاج,ذهب القليل ولم يبق إلأ أمثاله من المتسلطين الشهوانين ينقضون علي عباد الله بالسيف والسوط,فتنهار البلاد تحت وطأة ركوبهم أكتافها,ويقتل أو يهرب أو يختفي قسراً أمثال الحلاج,ممن اشتعل فكرهم وقلبهم وحاولوا شق طريق جديد للحياة,بسبب اتهامات هزلية تخلص من أمثالها العالم المتحضر ومازلنا نحن كما كنا منذ ألف عام!
"الناس في بلادي جارحون كالصقور"كما وصفهم صلاح عبد الصبور-مرة أخري!-ينقضون بمخالبهم الحادة علي العصافير المغردة بالشعر الرقيق,يالقسوة الزمان حين يقتل شاعراً له أبيات رقيقة كهذه مثل هذه القتلة البشعة:
يا نسيم الريح قولي للرشا
لم يزدني الورد إلا عطشا
لحبيب حبه حبه ملأ الحشا
إن يشا يمشي علي خدي مشي
روحه روحي وروحي روحه
إن يشا شئت وإن شئت يشا
لأنه يحتاج للأدب لقوله"تبارك النور الشعشاني"كما رأي الوزير والقاضي...ولا حول ولا وقوة إلا بالله هو العالم بما في النفوس مصرف تصاريف الدهور,واهب الموت والحياة موجد القاتل والمقتول وعنده يجتمعان يوم لن ينفع مال ولا بنون,فاللهم من مثل هذا العالم الذي لا يطاق"لا تدخلنا في تجربة,لكن نجنا من الشرير"



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق